الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة
هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها منذ أن فتح المرض الخبيث النار عليها لكي يغتالها ببطء شديد عانت خلاله ويلات الالم في زمن الحصار بعد أن شهدت الحروب التي عصرتها كأي أمراءة عراقية أتشحت بالسواد منذ نعومة أظافرها . أن يوم كان يوم أعلامي فأنها أنها الشاعرة والقاصة التركمانية ليلى مردان التي كانت تسطر كل ما يجول في خاطرها لتتحول بعدها الكلمات إلى معاني وصور شاعرية أو قصائد انسانية أما خيالها فقد أفرز قصص عديدة مثلت خلاله الأدب النسوي التركماني وحملت لنفسها اسلوب شغاف يجعل المتلقي يفهم ما تبغيه نصوص وكنايات الراحلة ليلى مردان التي تركت كل النوافذ مفتوحة لجيل جديد وفتحت لنفسها نافذة رحلت من خلالها إلى عالم لا يعيشه ألا الخالدون في الأدب الأنساني .

ذكريات ألم :
الموت .. الموت تلك الموسيقى التي تعزف ايقاعات صامتة تحمل خلالها القدر معه الخراب والدمار والعدم منا والينا وقد حاولت شاعرتنا أن تجد لنفسها تفاصيل حياة اخرى تسرقها من الموت من خلال الكلمات تارة وبدموع المرأة تارة أخرى وحين تموت تجد نفسها مثل العنقاء حين تشد من مشاعرها قوة تحييها لتحصل على أملها المنشود الذي من أجله تستغيث قائلة أمام الموت ( بكيت بملء عيوني ) ألا أن الموت هو الزائر غير المرغوب فيه قد سرق منها ذلك الأمل وعاشت مرعوبة تحل هموم ذاتية تجلت بآبهى صورها حين نادت ( ساعدني ليول الحب في قلبي ) لكن هيهات فهي أصبحت غريبة في هذا الكون والموت بدأ يتأكد مع ذاتها وهي تتنفس لغربة بكل ما يحيط حولها بعد أن تهدمت آمالها وتحولت هباءاً منثوراً تتوزع مسروقة بهذا العصر الذي حطمها القدر وعاشت الحلم الذي كانت تطرده في الحرب وفي المنفى وهي تقف عاجزة عن فعل أي شيء بعد أن يئست أن يعود الحلم .

أمل الحياة :
لقد فقدت كل أمل في النجاة من قدرها من قدرها المحتوم والأمل الذي سرقته منها الغربة والمنون وهي تحمل معها السحر الآزلي كأمرأة في هذه الحياة ولم يجعلها ترضع تحت سياطهم بل أنها تختاره من خلال نقل تجربتها الخاة في الحياة الانسانية دون أن تربط ذلك في زمن وعصر معين بل كل العصور تمارس اضطادها على النساء وهي تمارس سطرتها بأن تحاول بحساسيتها المفرطة نقل جوهر الحالة الانسانية ألا أي عصر تشاء والي أي مكان في هذا العالم المليء بالمتناقضات من خلال دخول إلى أعماق حياة التأمل لتنير دربهم مهيمنة على أفكارهم وبقدره عجيبة وتلقائية مفرطة مع محاولة جعل تجربتها الموضوعية عابرة على أحياء مواضيع وصور قد اندثرت فهي تعلم أنها مازلت تلك الشاعرة التي تربي الامها وهي تحتضر كل يوم وكل لحظة ومنتظرة الموت ( أنني أمرأة يائسة ) .

الأديبة الراحلة ليلى مردان وشقيقها الأديب نصرت مردان

الذات والحلم :
ما الذي كانت تسعى إليه رحلتها التي كانت تقصر يوم بعد يوم قبل أن تصل إلى تلك النهاية التي سطرت تفاصيل أنجم حياتها التي ذوبتها شمس الأحزان في ما تحاول أن تسعى مع الذات العليا أو الضمير الفرد للوصول معه إلى الكمال الخلقي والمثالية والزهد والتصوف من هنا كانت العلامة التي تسجل مع يشعر الفرد بالسراء بين قواه الداخلية قد كانت الذات العليا هي الرائدة يعد أن سافرت روحها باحثة عن الأمل في أن يكون (( الغد مأوانا )) ويبدو أن الغد تنشده ليلانا لا يأتي رغم أنها ضحت بحياتها وروحها ولأجل ذلك الحلم كانت أحاسيسها في صراع دائم مع الموت من أجل الأمل الذي تنشده والذي لانراه وصلت إليه في الفردوس ( أنا أول أمرأة قدمت لك قبلها بدون ثمن ) وهي كانت تتوق إلى الرفعة والمجد في الحياة التي كانت تنشدها ووضعت الاهداف المستقبلية لتحقيق بأمكانياتها حلمها بالأمل المشود في ظل هذا الكون المضطرب بالحروب والكلمات والصراعات التي تنتظرها الانسانية قبل الفناء وهي تعلم أن مصيرها الموت لكن ( الحياة تجمدت في بيتنا حين رحلت ) وهي تناقض ذاتها مناقضة فلسفية أو أجتماعية لكنها كاشفة خفاية الصراع مع الأمل الذي كون مرآة مكبرة بصور بعدساتها كل م يثير فيها من الخوف والفزع الذي ( لا شعوريا ) يجده الانسان في ذاته كل مرة من الصراع مع الوجود .

الوجود والعدم :
شاعرتنا الراحلة كانت أمرأة تعبر في كتاباتها بصدق عن عاطفة جياشة تكونت فيها الأزمات وتكورت منذ ملايين السنين لتنطلق من خلالها أهات مكبوتة مذبوحة من الوريد إلى الوريد ( أسرق في الفراغ ممتلئة بشظايا الصدأ ) كأنها تترجى ذلك البعيد الذي تتمناه في الوجود وفي اللاوجود مناجية إليه يا حلمي أني أستغيث بك وبـ ( الحنين المتشح بالجراح ) بعد أن كانت قد وضعت نفسها في متاهات هذا الوجود والعدم وهي تبحث في اللاجدوى عن الحلم والأمل الذي تاه وسرقتها المسافات تاركة لها عبث الوجود لتترد مع نفسها ( وأنا أخلخل باقيا ذراعي في التراب باحثة عن قلبي ) في قارعة الطريق يبدو أن نشوة الحب العذري دائماً تأتي إلى معاناة غير أعتيادية لاي كائن وخاصة اذا هذا الكائن محكوم عليه بالعدم لأنها تخلق معها صراع وقلق وخوف كل ما بلغت هذه النشوة مرحلة متقدمة من الحب العذري في الذي يحدثه هذا العشق لو حاول ذلك العاشق أن يترك من يحب ويناجيه يوم الرحيل ( أنا أحتضر . قلبي لن يكون لسواك ) .

نهاية الرحلة :
هي معاناة كانت مربوطة بعقد مع المرض والعشق والموت رغم أن الطيف قد كان الهمها احاديث عن المستقبل الذي لم تره وربط عنها تجربة المعاناة التي كانت تعيشها في هذه الحياة ورغم عنها حملها أعماق ألم وعهود أحزان وجذور الانسانية مرة بعد أن مل أستغاثاتها به مرات عديدة حتى وجدت نفسها تعلن أمام الالم والقدر ( لقد قتلت كل آمالي وتركت الرثاء لي ) هكذا رحلت بعد أن فقدت الأمل وتاه القلب حاملاً معه أسلاكاً شائكة وحواجز كونكريتية وحروباً طائفية وقيوداً لا شعورية تاركاً نبضات قلبها تدق وهي تبحث عن طوق نجاة قد يصل أو لا صل لكن يوماً ما يلتقيان مع الأمل والحلم يتوحدان في بوتقة الحزن بعد أن غرقت في نعشها وهي تناجي من داخل الكفن ( مكتوفة الايدي أبحث عن حبل نجاة ) بعد أن خاب ظنها بكل ماذكرته لها الأيام عن حياة طويلة وساعدة كبيرة وما تحدثه به العارفات والعجائز الخرفات ألا أن الهزائم كانت تلاحقها في صراعها الأزلي مع أحلامها وآمالها وكلما قتلت وتكثرت سكاكين المرض وتكالبت عليها رصاصات الحياة كانت من انقاضها تنهض مثل طائر العنقاء ومن بين الهزائم تناشد بـ ( أحرق البحر حبالي ) ولم يستجب أحد لما ترجوه لأنهم كانوا قد وضعوها في مثواها الأخير رغم أنها كانت في النفس الأخير وكان قلبها ينبض وعيناها تتوسلان ( أيها الملاك الأزلي عليك أن تنقذني قبل أن أحرق بنار حبك الأزلي ) لكن هيهات فرغم كل تضحياتها ألا أن روحها قد هربت واملها في الحياة قد رحل بدون رجعة وتركها وحيدة تموت في الهامش وهي تغني مرثيتها الأخيرة وهي عالمة بما سيحدث لها قائلة ( حزني سيقتلني يوماً ما ) وقد قتلتها حقاً وهي مازلت خائفة على الطيف الذي حملت به فطيفها مازال يتجول بيننا فنراه هنا وهناك عندما كانت تخاف على من تهوى ( أخاف أن تسرقك الأمواج ) لكنها رحلت وطارت كما ذكرت روحها ( طرت كحمامة ضد كل العواصف لكن هيهات أن تجدني وهيهات أن أجدك وهيهات أن تعود أو أعود بعد أن رحلت إلى البلاد التي لا يعود منها مسافر كما كان يردد ذلك العزيز هملت في هذيانه وأنت ما زلن ( أقرب من نور العين إليه ) وقد أغمضت عيني على نورك وعشت حياتي لك وفي الفردوس أعيش أملي وحلمي وذكرياتي معك لأنني كلما زادني الحزن والحنين يجن جنوني لكن وجدت العلاج ليواصل مع الحلم والأمل فأتت وجدتك كما أريد في ( فؤادي ففتحته فرأيت صورتك ) محفوظة فيه كما عاهدتها في خيالي وأنا داخل قربي أناشد الجدار وأتكيء على لحمي وأحتفظ بروحي التي تسير مع الطيف كل مساء وتعود لي مع شروق الشمس .

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *