فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( الميت الحي ) , حصلت الرواية وانا في احدى رحلاتي الى بيروت اواسط سبعينيات القرن المنفرط , وجدت الكتاب مفترشآ احد الارصفة القريبة من شارع الحمراء الشهير . اشتريت الكتاب مع كتب اخرى بأسعار زهيدة , كنت فرحآ بهذا الزاد الورقي , قرأت الرواية وبالرغم ان مترجمه يزعم بأن الترجمة كاملة امينة ولكن مع ذلك تحتاح المسألة في الرجوع الى نصها الفرنسي او الانكليزي , هذه الموازنة ضرورية في الوصول الى حقيقة الترجمة , ولكن موضوع الرواية طريف ومشوق يدور حول السطو على مؤلف شخص اخر وشطب اسمه والنشر بأسم السارق , وتبدأ المعاناة عندما يكون الشخص المسروق صاحبك وصديقك والانكى من هذا ان تكون مقترنآ بزوجته بعد انتقاله هو الى جوار ربه . ( هنري ترويات ) صاحب رواية ( العنكبوت ) التي حازت على جائزة ( الجونكور ) الفرنسية عام 1938 وهناك من يقارنه بكاتب روسيا الكبير (دوستويفسكي) واجواء روايته (الميت الحي) باجواء رائعته (الجريمة والعقاب) . هذه الافكار و ( هنري ترويات ) وثيمة تحفته ( الميت الحي ) تتسكع في راسي وانا اصعد قلعة كركوك , خمار شراب البارحة مازال يغلف الدماغ بالرغم من احتسائي كوبي قهوة سوداء , ظل الصداع ينخل الراس قلت فلأبدده بين خرائب القلعة والمرور من امام مسجد ( نبي دانيال ) واطل على اطلال كنيسة الكلدان وكذلك كم وددت التعرف على انقاض دار استاذنا ( وحيد الدين بهاء الدين ) وربما اعثر على موضوع طريف اخوض غماره واتخلص من اكداس كتاباتي التي لم تدر عليّ أي شيء ولم تبق فيها أية لذاذات كما كنت اعهدها في الايام الخوالي , سأبز اصدقائي الكتاب الذين عرفتهم شخصيآ او الذين تعرفتهم عبر كتبهم , سأبحث في طرقات القلعة الممحوة عن أي مخطوط لاحد متولي ومتنسكي مسجد ( نبي دانيال ) دوّن فيه يومياته ومذكراته واشراقات رؤاه وكما فعل بطل رواية ( الميت الحي ) نسب رواية صديقه اليه سأنسب المخطوطة لي وساسميها خواطر ورؤى تصوفية . ومن المحتمل ان اجد عند اطلال كنيسة الكلدان مخطوطات ضمت يوميات الرهبان الذين خدموا الكنيسة وتركوا فيها الصفحات التي عكست احلامهم ومكابداتهم العرفانية , ساسطو عليها واخلط حبرها بحبري واضع اسمي الفقير عليها ثم اخرجها مخرجآ جديدآ ولا انسى شاعر كركوك القديم الذي اتعبني انتظاره , ان مأمولي الحالم ان اعثر على دارته وربما افوز ببعض اوراقه التي سوف اتشرب نبضها , وفي معتقدي ان هذا الغياب الطويل لشاعرنا المفضال افرز نصوصآ كثيرة فليس من المعقول طوال فترة غيابه لم يُدم اخضرار شجرة اشعاره ولابد من هز هذه الشجرة ليساقط منها جني الكلمات وزاد اغزاله البهية , ناي كركوك يشجي السامعين فهو يتحرق لعناق هذه النصوص وهل ثمة انغام تكبر وتنداح دون ان يكويها فيض الوجد وحنينها الحراق . عندما قدم الاب يوسف سعيد الى كركوك اواسط الخمسينيات وتسلم رعوية الكنيسة المطلة على ساحة العمال اول اديب تعرفه في المدينة هو استاذنا ( وحيد الدين بهاء الدين ) ثم انضم اليهما الشاعر ( سيف الدين الخطيب ) والمكنى بابي عفاف وكثيرآ ما صعد الاب ( يوسف ) وابو عفاف الى ملاقاة صديقهما ( وحيد الدين ) في دارته المستلقية على القلعة , ان ذاكرة المدينة الادبية لم تلتفت الى هذه الصداقة الثلاثية وفوق ذلك يكاد اسم ( ابو عفاف ) ينمحي من أي تذكر بالرغم انه ترك وراءه مجموعتين شعريتين , وانا اطوف خرائب القلعة هل ان حدسي يقودني الى دارة اديبنا ربما تتناهى الي اصداء او بقايا من تلك الاصوات المتكسرة العائدة لهؤلاء الصحب الثلاثة , انه الزمن الزاحف الذي يطأ بعرباته على الاشياء من غير هوادة ولا رحمة , واعلم انني سأهبط القلعة دون العثور على أي شيء والاصعب في كل هذا وانا في الطريق اليها سقط مني مفتاح بوابتها فكيف اتعزى بفقد المفتاح واتعلل بضياعه الصادق ؟ .

اعود الى مصطبتي الوحيدة وكل فكري عند بطل ( هنري ترويات ) في روايته ( الميت الحي ) احاول ان اشق له طريقآ يسترشد بها لي لأطفاء نار معاناته بعد ان سطا على كتاب صديقه ونشره ممهورآ بأسمه وجلب له الشهرة والاضواء ثم انني اضحك من نفسي عندما ادخلتها في هذه المتاهات التي لا طائل تحتها لانني لن اقدر على ايجاد نافذة اتسول الشمس عبرها . استلقي على مصطبتي والمساء يغسق على نهر كركوك وانا افكر بكل اولئك الخلق الذين عاشوا في بيوتات القلعة ومضوا بأفراحهم واتراحهم واوجاعهم والامال التي اغتسلت في عيونهم , انظر الى نهر كركوك الذي يبكي تيبسه وانا احلم ان يستعيد فضاءاته ويسترجع امواهه ويستدرج ود نوارسه البيضاء .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *