حسين سرمك حسن : إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟ تحليل رواية الحفيدة الأميركية لإنعام كجه جي

عودة :
———
.. لم تتوفر الفرصة لزينة آنذاك لخدمة وطنها المفجوع بالبرجين ، فقررت التعويض الآن في التطوّع كمترجمة في جيش وطنها الجديد الذي احتل وطنها “القديم” . ولم يكن القرار سهلا وبلا ضرائب نفسية جسيمة كما تبدو في الظاهر . فهي ترى أن بغداد تُقصف وتُدمّر, والأبرياء فيها يُذبحون بلا ذنب، فتهيج مشاعرها الوطنية “القديمة” :
(ورغم حماستي للحرب اكتشفت أنني أتألم ألما من نوع غريب يصعب تعريفه . هل أنا منافقة ؟ أميركية بوجهين ؟ أم عراقية في سبات مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين في أرض العدو من سنوات ؟ لماذا أشعر بالإشفاق على الضحايا وكأنني تأثرت بالأم تيريزا ، شريكتي في إسم القديسة شفيعتي ؟ كنت أنكمش وأنا أشاهد بغداد تقصف وترتفع فيها أعمدة الدخان بعد الغارات الأمريكية . كأنني أرى نفسي وأنا أحرق شعري بولاعة سجائر أمي ، و أخز جلدي بمقص أظافري، أو أصفع خدّي الأيسر بكفي اليمنى .
لماذا أعجز عن الجلوس في مقعدي لخمس دقائق ؟ أقول للأخرى التي هي أنا إن هناك أطفالا يفزعون وأبرياء يموتون بلا ذنب في بغداد . أقول لها إن الأطفال يمكن أن يكونوا أبناء رفيقاتك في الدراسة ، والأبرياء قد يكونون أولاد عمك وبنات خالاتك . والجثة المتفحمة على مدخل مستشفى الكرخ قد تكون لسهيل ، إبن جارتكم الست لميعة ، الولد الذي أراد أن يقبلك على سطح بيتكم في “الغدير” ؟ هل نسيت القبلة الأولى في كل تاريخك ، يوم صعدتما تحملان نظارات من الكرتون وزّعتها جريدة “المزمار” لكي تتفرجا على خسوف الشمس ، وكنت دون العاشرة؟ – ص 23 و24 ) .
لكنني أعد هذه الأفكار والمشاعر الآسية على ما يجري في بلدها “القديم” هي نوع من “الرشى – جمع رشوة” ، السردية النفسية التي برعت زينة في نثرها في عشرات المواضع من الرواية بعد كل فعل خياني توغل فيه . فبعد كل تصرّف آثم ومدان تقوم به خدمة لجيش وطنها الغازي، تلقي في طريق القاريء الناقم بالتأكيد باقة ملوّنة من الذكريات الجميلة عن وطنها القديم ، أو سوداء حزينة تثير الأسف في نفس المتلقي وتدفعه إلى التعاطف معها . فإذا كانت هذه المشاعر حقيقية وأصيلة ، أليس من المفروض أن تثير فيها أحاسيس حقيقية بالإثم ، توصلها إلى مراجعة ما تقترفه والإرتداد عنه . بعد رؤيتها لحريق بغداد وقصفها وصور الأبرياء والأطفال المقتولين تقول فورا :
(ورغم كل ما شاهدته فإنني لم أشعر بالخوف ولم أرغب في التراجع . لذلك تقدمت للعمل حالما جاءت ساهرة وألقت في حضني بتلك الجمرة الحرّاقة . ولم أنتظر هذه المرة طويلا – ص 24 ) .
إن هذه الرشى تنثر على المسار السردي ببراعة محكمة تغيّب انتباهة القاريء ، وتعمي بصيرته عن إلتقاط جوهر الأفعال الخيانية السابقة . خذ هذه الامثلة :
-عندما تعلن تذمرها من الحضور الخانق والمربك لقرينتها المؤلفة كممثلة للجدة “القومجية” كما صار هؤلاء المساكين المؤمنون بامتهم يوصفون، وتنعتها بأكثر الأوصاف مهانة وأذى (كيف أقول لها بأنني أقوى منها؟ وبأنني أكاد اشفق عليها من سذاجتها وأرثي لوطنيتها التي ولّى زمنها وتحجرت ، بل تمومأت قبل ن تتحول إلى هلام عفن مثل طرشي يعوم في خل فاسد؟ سأسحب تفويض الكتابة منها وأصارحها بأنني أموت من الضحك على عشقها للشعارات، وعلى عمى بصيرتها واحترافها تلك المهمة الجلل التي تحثها على تأليف الروايات وكأنها تسير في المظاهرات الصاخبة وتردد الهتافات المتفق عليها سلفا .
عاش عاش .. يسقط يسقط – ص 36 )
ولأنها – أي زينة – تعلم أنها تخدش وجه محظور متأصل في نفوس ووجدان من تلقي هذا الخطاب في وجوههم بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وقد ترسخت عميقا في نفوسهم تلك المفاهيم التي تسخر منها والتي ترفعها المؤلفة “الإفتراضية” كخطوط مقاومة في وجه مشروعها الخياني ، فإنها تلوذ سريعا بالتصافق عبر جرعة رشوة سريعة، فتنتزع التاريخ نفسه الذي أدانت شعاراته ومفاهيمه قبل قليل :
(لكنه تاريخي من قبل أن أولد، وأنا سليلته وصاحبة الحق فيه، مهما بدوت غريبة عنه وناكرة له. فهل تظن تلك الكاتبة الغشيمة أنني سأتخلى لها عن إرثي، حتى لو كان وطنية مهلهلة لم تعد تنفع في شيء .. عملة جرى تسقيطها من زمان – ص 37 و37 ) .
.. ولا تكتفي زينة بهذا حسب بل تعدنا بأنها سوف تحرّض جدتها رحمة على المؤلفة القرين أيضا :
( إن جدتي امرأة تتمتع بالحكمة ولا تقع في الفخاخ السهلة. وهي لن تستريح في وشاح مريم العذراء ولا جلابية أمينة رزق . وبالتأكيد هي لن ترضى أن تضع وطنيتها في عهدة كاتبة مسختها أزمنة الإنقلابات الثورية والأحزاب القومية وجعلت منها بوقا من ورق. كلا لن أدع جدّتي تمنحها تاريخ جدي – ص 36) .
-وحين تتحدث عن صعودها ورفاقها الطائرة العسكرية التي ستقلهم إلى الوطن القديم الكسير الميّتم تستهل وصف الرحلة بخفة غريبة :
(للمرة الأولى في حياتي أصعد إلى طائرة من طيزها – ص 38)
وبعد أن ترينا العناء الباهض والمرهق الذي تحملته في رحلة تصفها بـ “الرحلة الخرائية” ستنتهي بالمساهمة في احتلال وطننا وتدميره .. تلقي أمام ذائقتنا الساخطة وهي تقول : (وصلنا) ، باقة رشوة سردية مفعمة بروائح تخدر استجابات الروح الناقمة . لقد وصلت الهدف المحتل / الوطن القديم ، ووطأته بحذائها العسكري الثقيل ، وما يسببه هذا الموقف من ألم وتمزقات :
(…. ووصلنا .
وتلبستني، رغم الترقب والإجهاد ، حالة غريبة من الشفافية عندما دخلنا الأجواء العراقية. خيّل لي أنني أشم عبق زهر القداح على أشجار النارنج في الحدائق، والرائحة الشهية للدخان المتصاعد من السمك المسقوف . حالة لم تدم أكثر من دقيقة . أطفئت بعدها الأنوار الكاشفة لأننا بدأنا نحلق في سماء بغداد . احسست بفداحة هذا الظلام وبلاعدالته – ص 40) .
-وبعد أن يبلغهم الميجر الوسيم بأن مكان عملهم سيكون في مدينة تكريت حيث ستبدأ بتقديم خدماتها لجيش الإحتلال ، وفي الطريق إلى المدينة تشاهد الخراب والدمار وتضعه على المستوى نفسه من الخراب الذي أصاب نيويورك في الحادي عشر من ايلول رغم الفارق الهائل :
(رأيت ونحن نعبر جانبا من بغداد حطاما لم أر مثله من قبل . بلى .. إن هذه المباني المحترقة المتداعية التي تصفر فيها الريح تشبه الرماد الذي هطل على نيويورك بعد ذلك الحادي عشر الأليم من سبتمبر . ألمٌ يقابل ألما وخراب يقود إلى خراب – ص 48 ) .
وشتان بين الحالتين. فهناك تم تفجير برجين من قبل جهة ترى أن الولايات المتحدة عدوّتها لأسباب كثيرة معروفة وملتبسة ، هذا إذا صح فرض التفجير الإرهابي الذي عليه تشككات كبيرة. وهنا تم غزو بلاد تحت ذرائع كانت أصلا كاذبة ثم جاءونا بخدعة أنهم تأكدوا من كذبها بعد الإحتلال .. هناك قتل عدد معروف من الأمريكان وهنا فتحت الولايات المتحدة نهر دماء لم يجف حتى الآن (مليون ونصف مواطن عراقي قتلوا بعد الإحتلال) . ورغم أن زينة تلحق تلك المقارنة باعتراف تقول فيه : (هذا ما كنت أتصوره وأنا في تلك المرحلة المبكرة من سذاجتي- ص 48)، لتقنعنا بأنها كانت قناعة خاطئة، إلا أن هذه لعبة ايضا، فقد تطلب الأمر منها خمس سنوات لـ “تصحو” وتغيّر قناعاتها الساذجة ، خمس سنوات كانت كل يوم ترى الإذلال والمهانة والموت والخراب يلحق بشعبها . هل يحتاج الإنسان إلى خمس سنوات مليئة بالدماء والأرواح المزهوقة لكي يصحو ويغيّر قناعاته ؟. قد يكون السبب هو أن هذه السنوات كانت مطلوبة لإكمال مبلغ المليون دولار اللازم لتحقيق تلك المطامح الشخصية التي تعهدت بها أمامنا في بداية الرواية . لكنها سرعان ما ترشونا على مستويين : الأول ذكريات طفولتها عندما تهتف أمام رفاقها : هذه سامراء .. حيث تنهال عليها صور طفولتها وهي ترتقي درجات الملوية وهي دون العاشرة .. تنثال على وجهها مثل زخة مطر حارّ يكوي ولا يُنعش كما تقول . والثاني هو أنها تشعر بوجود مفارقة غير مريحة وهي تنظر إلى وجوه العراقيين ، فقد بينت لهم القنوات الأمريكية أن العراقيين يرحبون بقدوم القوات المريكية، في حين، نظرات الرجال والنساء تحاصرهم مفعمة بالشك والنفور ، وكأن لسان حالهم يقول : “ها هم الأوباش قد جاءوا” (ص 49) .
وقفة :
——-
وأحيل الكاتبة إلى تصريح الرئيس بوش في 17 أيلول 2003 ولقائه بالصحفية “دايان سمرفيلد” في كانون الأول 2003 الذي قال فيهما لم نجد في العراق أسلحة دمار شامل ولا علاقة لصدام حسين بالقاعدة أو بالإرهاب . فإذا كان رئيس زينة يعلن حقيقة أكاذيبهم ومخططهم لتدمير العراق بعد شهرين ثم بعد ثمانية أشهر .. لماذا احتاجت زينة المدمنة على ملاحقة الأخبار عبر الإنترنت والمهووسة باللابتوب إلى خمس سنوات كي تكتشف الحقيقة ؟
# إنسرابات لاإرادية :
———————-  
تحصل ،في أحيان كثيرة ، “إنسرابات” ذات طابع بريء كما يشي بذلك مظهرها المحايد ، وطريقة انبثاقها العفوية ، لكنها ،في الواقع ، تحمل دلالات عميقة تكشف جوانب من الدوافع النفسية المستترة ومن المشاعر الحقيقية المختزنة تجاه الموقف الذي يرى الفرد نفسه فيه . فعندما اتصل بزينة رجل من شركة توريد المترجمين وسألها عن معلومات تتعلق بتاريخها الشخصي ووضعها الحاضر ، تصف مشاعرها آنذاك بالقول :
(أجبت على كل الأسئلة بهدوء، بما قلّ ودل ، وأنا أحاول أن أتخيل سحنة الرجل الذي يكلمني عبر الهاتف . ولا أدري لم َ ألصقت على صوته صورة شون كونري ، رغم أنني أتقدم للعمل كمترجمة لا كعميلة استخبارات – ص 25 ) .
ومن المعروف أن الممثل شون كونري هو الذي قام ببطولة سلسلة أفلام العميل السري جيمس بوند – 7 حسب سلسلة “إيان فلمنغ” الروائية، وفي عمق لاشعور زينة الدفين تلوب أحاسيس بأن ما تقدم عليه هو عمل ذو مسحة استخباراتية .. وهو في روحه اشبه بعمل “عميل” سري ، ولهذا لم تجد سوى صورة العميل السري جيمس بوند لتركّبها على صوت الرجل الذي اتصل بها. وفي العادة تشكل هذه التداعيات جسرا يصل بين الوقائع ليمثل قنطرة “عفوية” يستقبل ما سيأتي من حوادث ، الحوادث التي أتت مباشرة وسريعا :
(هذا هو إذن مقر “السي آي أي” في فرجينيا ..
المكان الذي تروى عنه الحكايات همسا صار مزاري اليومي – ص 25 ) .

# على حافة “بعد فوات الأوان” :
——————————-
وهي تضع قدمها على درج الباص العسكري في دترويت ، وفي تلك اللحظة فقط ، شعرت زينة بأنها قد طوت عمرها الماضي كله ، وأن صفحة جديدة سوف تُفتح تجعل حياتها لن تكون مثلما كانت ابدا . وهنا ، وفي أكثر من محطة ، كان بإمكان زينة أن تتراجع عن قرارها وتعود وتتخلى عن هذه الخطوة الخطيرة التي ستدمر حياتها إلى الأبد كما تزعم (راجع أول صفحتين من الرواية عن مشاعرها بعد العودة !) . لقد تطوع معها امرأتان أخريتان هما : رلى اللبنانية ، و نادية المصرية. كانت رلى تشترط النزول في فندق بغداد (إنها سفرة سياحية وليست حربا !) في حين أن نادية كانت تعتقد أن الأمر لن يكون صعبا . هاتان الإثنتان برغم سخرية زينة منهما في أكثر من موضع ، امتلكتا حدا من احترام الذات فعادتا إلى الولايات المتحدة عندما لم تتحقق شروطهما “الكمالية” ، تاركتين المبلغ الذي يسيل له اللعاب ، في حين ظلت زينة خمس سنوات منشغلة في تغيير قناعاتها !!

# حلم افتتاحي :
—————–
بعد أن تطأ قدما زينة أرض بغداد بعد عناء طويل ، ويأخذ منها الإرهاق مأخذا ، تدفع حقيبتها الكبيرة لصق الحائط ، وتستلقي مسندة ظهرها إليها، وتخلع السترة العسكربة وترميها فوق رأسها وتنام حتى الصباح . ورغم نومتها المرتجلة فقد رأت حلما عجيبا ينبغي علينا نقله بنصه قبل تحليله لأهميته :
(رأيتني أطرق باب بيت جدّي يوسف في شارع الربيع وأنا مرتدية فستان عرس بنفسجي اللون. ولم يكن البنفسجي من ألواني المفضلة، لكن الأحلام لا تترك لنا رفاهية الإختيار. وقد فتح جدّي الباب ولم أخف منه رغم علمي، وأنا في الحلم، بأنه قد مات، وسألته :
-متى جئت َ من السفر ؟
ردّ :
-قمت من يومين. أردت أن أحضر عرسك يا سناء ..
ولم أصحح له اسمي. لم أقل له إنني زينة، أو “زوينة” كما اعتاد أن يناديني ، لكن جدتي رحمة أطلت من وراء كتفه وقالت :
-هذي زُنزُن ، ألم تعرفها ؟ المكرودة تزوجت وأنت غائب وها هي تعود إلينا بعد أن ترمّلت .. يا عيني عليها …
إجتزت باب الحديقة وتقدمت من جدّي لكي أقع على يده وأقبلها. لكنه سحبها فانسحب جسده بالكامل من المشهد، وفي اللحظة نفسها تحوّل لون فستان عرسي إلى الأسود، وبقيت جامدة في مواجهة جدّتي، نتبادل نظرات الاسى في الحلم .. الفيلم ؟ – ص 44 ) .
والحلم الذي تجهض معانيه بتحويله إلى فيلم ، هو الطريق الملوكي الموصل إلى قلعة اللاشعور كما يقول معلم فيينا . ولأن أغلب الأحلام تبنى على بقايا من النهار الفائت، فإن من الطبيعي أن يكون بيت الجد مكانا للحلم، وأن تكون الجدّة ومواجهتها التي فكرت بها طويلا هي محور الحلم. ولكن محور وظيفة الحلم المركزية هو تحقيق الرغبة ، وزينة تستولي عليها مشاعر الإثم منذ أن اتخذت قرارها بالتطوّع في جيش سيحتل وطنها القديم، وعليه فإن الحلم سيتكفل بذلك بطريقته الخاصة . لقد إستعاد الحلم جدّها برغم موته منذ سنوات طويلة . لتقابله بثوب عرس بنفسجي اللون بخلاف الأبيض المعتاد . وحين تسأل جدها متى جئت من السفر (والموت رحلة) يجيبها بدقة : (قمت) وهو الفعل الذي يتناسب مع فكرة الإنبعاث التي تكمن في لاوعيها بفعل الموروث الثقافي المسيحي . وهو يخطيء في إسمها (سناء بدلا من زينة) ولا يصححه ، والسناء يعني العلو والمهابة ، وغلطة الجد في اسمها تقابل ،حلميا، عودته من موته ، فإسم جديد يعني هوية جديدة (قيامة) جديدة ، ويعمل الجد كـ “حاجز” وقتي حيث تطل الجدة من ورائه لتصحح له الإسم ، وتعلق بعبارة تعاطف- والمتوقع في اليقظة أن الجدة عدوة ستهجم على حفيدتها- تبلغ أقصاها في القول إن زينة مسكينة تزوجت في غياب الجد وها هي تعود وقد ترمّلت . هنا يتحول لون فستان العرس من البنفسجي كلون انتقالي بين البياض والسواد إلى اللون الأسود كحداد على مصيبتها . ويختفي الجد عندما تحاول معانقته منهيا دوره في لعبة توازن نفسي كاملة تقف فيها زينة وجدتها “العدوّة” المنتظرة وجها لوجه كأرملتين تنظر كل منهما إلى الأخرى بأسى .

# العرس الأميركي الوحشي لنهش لحم لعراق :
———————————————–
تصف زينة ما جرى من لهفة وإنهواس العراقيين الأميركيين في التطوع لخدمة وطنهم وجيشهم بوصف بليغ هو “العرس” . وفعلا فإن ما جرى عشية الإحتلال ، وامتد حتى يومنا هذا هو “عرس” لنهش جسد العراق وليس مهمة تحريرية مقدسة .. أبدا.. أبدا :
(لم اكن وحيدة في ذلك العرس العجيب بل كانت شركات توريد المترجمين تتكاثر وتضخّ عشرات المتقدمين كل يوم . عراقيون وعراقيات من مختلف المذاهب والأصول ، بينهم المهاجر الجديد نسبيا ، أي الذي وصل أميركا آتيا من معسكر رفحة بعد حرب الكويت ، أو المهاجر المعتّق ، أي الذي جاء في ستينيات القرن الماضي طلبا للرزق ، أو “النص نص” ، أي إبن السبعينات الذي هرب من ملاحقة البعث للشيوعين ، قاصدا أوروبا الشرقية ، وانتهى في كعبة الرأسمالية .
أراقب ما حولي فأرى خليطا عجيبا من المتدينين المتأمركين، ومن اليساريين الذين ضيّعتهم بوصلة موسكو ، ممثلون نزقون مغرورون وآخرون منطوون على أنفسهم يصلحون جميعا لتمثيل فيلم عنوانه “ما لي شغل بالسوق” ، نساء بالحجاب وفتيات بالسراويل الضيقة ، رجال بشوارب ستالينية ، وشباب برؤوس حليقة على طريقة مغني الراب . ولم نكن كلنا عراقيون ، كان معنا مترجمون من بلاد عربية آخرى ، وأجانب مستعربون أيضا – ص 25 و26) .
لم تضع الشركات حتى شروطا على العمر .. فكانت بين مجموعتهم سيّدة تجاوزت السبعين من العمر !!
إن عرسا أميركيا مماثلا لكنه أكثر وحشية ، وفي موضع آخر ، وبلد آخر ، ولمهمة أخرى لا تختلف كثيرا ، قد قرأنا عنه منذ سنوات طويلة في عمل إبداعي يثبت أن المبدع هو ضمير الإنسانية الحي ، ولسانها حين يكمم النفاق السياسي الألسنة ، وهو الذي يزعق بصرخة الحق ، والأهم هو الذي يصوّر ويستشرف ، بل “يتنبأ” بخفايا النفس البشرية (راجع الملحق رقم 1) . فهناك عرس أميركي وحشي مماثل لكنه أكثر وحشية ونذالة سيجري في مكان آخر .. في البلد المحتل .. وفي معتقل أبي غريب تحديدا ، وهو عرس وحشي تنبري زينة لتبريره وتجميله وتخفيف وقعه كما سنرى .

# سمة “الخفّة” :
—————–
ومن الصفحة الأولى من الرواية سنواجه سمة أسلوبية عجيبة تتمثل في ” خفّة ” الساردة وروحها الفكهة التي تقرب من حدود السفاهة وهي تتحدث عن تجربتها المريرة وعن الكارثة التي تمحق وجود وطنها “القديم” . لا يُستثنى من ذلك أي موقف أو جهة أو شخص مهما كانت خسارته جسيمة ومهما كان دوره حاسما في حياتها ، حتى أصبحت الرواية رواية ” كوميدية ” أو فيلما هزليا في حين أنها تتحدث عن فاجعة العصر . صحيح أن من “الآليات النفسية الدفاعية – psychological defence mechanisms ” التي يلجأ إليها الإنسان للتخفيف من شدة القلق في الصراعات النفسية الضاغطة هو السخرية والتهكم ، وتسطيح المواقف الشائكة وتسفيهها ليحافظ على سلامة تماسكه النفسي من الإنهيار تحت ضربات الشدائد التي لا ترحم . ولعل خير مثال على ذلك هو ما قالته زينة عن رفاقها المتطوعين الذين كانوا يعبّرون عن توترهم في الباص بافتعال الصخب والضحك على أي شيء ، وقد صاغت “حكمة” نفسية على أساس هذه المشاهدة تقول : (إن القهقهات ليست ، حكما ، دليل سعادة – ص 31 ) ، والحادثة القديمة التي استعادتها عن بنيامين ، فراش النادي الآثوري، الذي ظل يضحك بدون توقف بعد مقتل أبنه في حرب الأكراد . وبعد أيام لم أعد أراه لأنهم نقلوه إلى الشماعية .  لكن زينة تجاوزت حدود الآلية النفسية الدفاعية التي يلجأ إليها لاشعورنا في مواقف ضاغطة محددة ، لتصبح هذه “الخفة” والإستخفاف والسخرية ، سمة متأصلة في شخصيتها ، وستراتيجية سلوكية في التعامل اليومي ، إنها خصلة من خصال طبعها التي ترسخت عبر السنين ، وصارت عصية على أي تغيير . كانت زنزن تجهض حتى اللحظات المأساوية المدمرة بنكتة سريعة أو تعليق فكه أو تشبيه إستعاري ساخر أو مقارنة كارتونية مضحكة . في الصفحة الأولى تصف حالها حزينة محطمة بعد أن عادت من تجربتها في المساهمة في احتلال وطنها القديم، العراق وتدميره . تتحدث في الاسطر الأولى بتماسك رصين عن عذابها وكيف ماتت مشاعرها ، لكنها تعاجلنا فورا باوصاف هازئة تزيل رهبة الألم من نفوسنا :
( بائسة أنا . طاولة زينة مقلوبة . أضحك من قشرة القلب .. ضحكة بلا دسم ” دايت ” مثل مشروب غازي بلا طعم . هل أضحك بالفعل أم أجاهد لكي تطلع مني ابتسامة وجيزة مكتوبة بـ ” الشورت هاند ” ؟ – ص 9) .
بعد هذا التلطيف الهازيء تعود لتشحن السطور اللاحقة بشحنة حزن عميقة ، لكن يبدو أن هذا “الطبع السردي” يعكس طبعا شخصيا متأصلا في أعماق زنزن ويعود إلى سني نشأتها الأولى من طفولة ومراهقة والتي سنلاحقها بعد حين .
-عندما يخبرهم الميجر الوسيم في اليوم الرابع من وصولهم بغداد بأنهم سوف يُنقلون إلى تكريت يأتي التعليق :
(-تكريت ؟ مدينة صدّام ؟ صدق كذب ؟ هذا شلون جانص أعور – ص 47 )
وكأننا في سفرة سياحية تغير مسارها على يد الدليل القاسي . وتعتقد زينة أن استخدام العامية العراقية المبتذلة سيضفي جمالية وطراوة على الموقف الكلّي المتأزم ، لكن ما يحصل هو العكس بالنسبة للمتلقي العراقي الذي ستصدمه روح التعامل الساخر مع لحظات يمثل كل متغير فيها دماء وأرواحا وتدمير مقدرات .
– عادت زنزن متألمة ومحطمة الروح .. تعلن ولاءها – بعد خراب العراق والبصرة معا – وبعد خمس سنوات كاملات من الخدمة المخلصة والمثابرة التي أدتها بكل أمانة وإخلاص، لجيش وطنها الذي دمر “وطنها” – لبغداد وفق هذه الكيفية التي تبدأ بعد أن تسفّه الموقف الانتحاري لـ “اللورد البصراوي” وتقصد به زميلها المترجم العراقي “مالك” الذي صدم سيارته بنخلة بصورة مقصودة وكان يردد “أكلنا خرا يا زينة”، فتقول :                                                                      ( شبع مالك من أكل الخراء وذهب ليمزمز تمرا – ص 195 ) .                                    فتميت بذلك أي مهابة للنهاية المشرّفة التي رسمها مالك لنفسه، وتنتقل عبر هذا المدخل الهزلي لتصف حالتها على الصفحة الأخيرة من الرواية :
( وضعت بدلتي الخاكية في كيس ورميتها في برميل المطبخ . لن أزرع في الخوذة ريحانا . العطر لا يعيش في الحديد . هكذا كتبت لمهيمن . لم يردّ على الإيميل. البيوت هناك تُقصف ومقاهي الإنترنت لن تتحمل الشظايا. عدت وحيدة. لم يأت معي حيدر ولا مهيمن. سأرفّعه إلى مرتبة أمين سرّ الشجن. لم أجلب معي هدايا ولا تذكارات. لا أحتاج لما يذكرني بها. أقول مثل أبي : شُلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد – ص 195 ) .
النهاية قاتمة وحزينة خدشت سوادها الكيفية التي سترفّع بها – ولا ندري كيف – أحدهم ( ولا ندري من : هل هو مهيمن أم حيدر ) إلى مرتبة أمين سرّ الشجن، والشجن هي مفردة أطلقتها بعض المذيعات المتفذلكات على الحزن العراقي المقدّس ، رغم ذلك لم تأتي زنزن على أي ذكر للـ ( 930000 ألف دولار )  من دماء شعب الدولة المحتلة ( بمعدل 186000 دولار في السنة كما أخبرتنا هي بعظمة لسانها ) التي استلمتها عبر السنوات الخمس التي خدمت فيها جيش وطنها من أجل خدمة “وطنها” الجديد وتدمير وطنها القديم؟
فإذا كان المليون دولار تقريبا، وهو مبلغ لم يحصل عليه أي عراقي في حياته – خصوصا المترجمون – وقد قاتل في ثلاثة حروب ولأكثر من ثلاثة وعشرين عاما ، يمنح لغزو البلد الأصلي ونقبل به ، فلماذا نستكثر على جلادي صدام حسين من ضباط وجنود الأمن “البسطاء” أن يعذبوا بعض الأشخاص- وطبعا لم يغزوا أمريكا ولم يحطموا وطن زينة – من أجل رغيف عوائلهم وراتب لا يزيد على – بشهادة الأمم المتحدة – (48) دولارا في السنة في التسعينات وهو أقل من مرتبات مواطن بنغلاديشي في بلد يطفو على بحيرة من الذهب الأسود ؟ إن النقاد الذين أعجبوا بزينة وتعاطفوا معها يؤسسون من حيث لا يعلمون لمنهج ميكافييلي دموي في الحياة تضيع فيه أي قيمة إنسانية، وتُدمّر وتسحق ، وتتحول الحياة إلى سوق يُبرر فيه أي سلوك بمنطق سلعي رخيص.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.