الشاعر العراقي “يحيى السماوي” في ديوانه الجديد “نهر بثلاث ضفاف”
اعتماد اللغة المشفرة في بعض تراكيبها
قاسم ماضي – ديترويت (ملف/130)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضية وطنه؛ العراق الجريح، لأكثر من خمسين عاماً محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى إثراء هذا الملف بالمقالات والكتب والصور. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
أسرة موقع الناقد العراقي

كيف أخوض في منازلة نقدية عن الشاعر العراقي بل العربي “يحيى السماوي ” الذي أصدر ديوانه الجديد ” نهر بثلاث ضفاف ” والصادر عن دار نشر ” تموز ديموزي ” ويقع الكتاب في 142 صفحة من القطع المتوسط . وهذه المنازلة تأخذ مني الوقت الكثير، في الدخول في عوالم مشفرة ،تجعلك تبحث عنها وعن مصدرها ،ولا أحد يختلف في كون اللغة هي الأداة للتواصل والتعبير،وهي في الأدب تلك المادة التي يُبنى من خلالها الخطاب الأدبي الذي يشكل النسبة الأهم في حياة الأدباء . كما تقوم على البيان والبديع بدل الصلابة والحدة العلمية والمتعارف على لغة الشعر تقوم على التلميح بدل التصريح .وكذلك تقوم لغة الشعر على التخييل بدل التقرير.
لا تكن
ذئبا على الظبية والظبي
ولا سبعا على الشاة
ولا إن شبت النار
ورق ص28
فكيف يبني الشاعر مادته أو نقل خاصيته الشعرية وهما على المستويين الصوتي ” النظم ” والمستوى الدلالي ” الإسناد والتحديد والوصل ” ذات دلالات تأخذك إلى أقصى درجة من التفكير،والتيه في قصائد تستفز ذاكرتك،باعتبار اللغة التي اشتغل عليها ” السماوي ” تعبيرا وكشفا ،حتى تدخلك في هذه العوالم الساحرة التي انتهجها الشاعر، وكأن شاعر هذه القصائد واقصد به ” السماوي ” يؤسس لعالم متخيل ليقطع الشك باليقين، ليخبرنا بمحبته لوطنه الذي غادره ليس بمحض إرادته ،بل بفعل عدة عوامل أملتها ظروف المجتمع ونظامه السياسي وهو يضيف بعدا تراجيدياً بإيقاع مشحون بعالمه الشعري .على ما يحمله بين طيات قلبه المشتعلة لمعماره اللغوي عبر كلماته التي شكلت هذه العوالم والأسرار .وكذلك ادخلنا بصيغتين حسب رأي المتواضع هما صيغة الأسطورة وصيغة الرمز.
يقول عنه البروفسور ” عبد الرضا علي ” الشاعر “السماوي ” يتعاطى مع الأسئلة الملحة التي يثيرها الوجود الإنساني ،وصولاً إلى تحقيق غاية الشعر في فتح عيون كانت قد أُغلقت بفعل تراكم غبار العتمة في زمن الأوجاع .ص5
فأنا الفرات
وأنتِ دجلة
والسرير بكوخنا شط العرب ص 142
فكانت لغته الشعرية ” السماوي ” ذات طابع خاص وفيها من الفرادة الكثير في عصرنا هذا ومختلفة جذريا عن لغة التجارب الأخرى .ومع أن الذات الشاعرة قد سعت إلى اعتماد بنية اللغة المشفرة في بعض تراكيبها فإنها في الوقت نفسه انشغلت عامدة بجماليات الفن الشعري ومن هنا ربما يسير شاعرنا ” السماوي ” على خطى الكثير من فلاسفة سبقوه أو عاصروه ، ليتخذ من التشفيرات دروسا في تحقيق أهدافه التي ينشدها ، يقول الفيلسوف” نيتشه ” ليست هناك حقائق ، هناك فقط تأويلات ” وكما هومعروف لدى المشتغلين في هذا المجال أن الشعر “شعر وخيال ” بمعنى الشعر، تيه ، وحلم ، وخيال ولهذا تجد هذه القصائد يشتبك بها الموضوعي بالذاتي ، و الماورائي والسيكولوجي .ونتيجة احتكاكه الطويل بالقصيدة القديمة والحديثة أسهم في الغوص في أعماق تشكيل مخاضه الإبداعي .
وأنا حين أكون ظلاما
تغدو نهر ضياء ص50
سيما وأن اختياره لهذا العنوان ” نهر بثلاث ضفاف ” الذي يدخلك في وظائف تعبيرية وانفعالية وتأثيرية ، بوصفه عنوانا و مفتاحا للبحث عن تحولات الخطاب الشعري لهذه المجموعة التي أراد لها أن تكون هي الآلة التي تمكنه في الوصول إلى مبتغاه “وهنا استشهد بقول البروفيسور الذي كتب مقدمة الديوان نهر بثلاث ضفاف ” والتي يقول فيها ” نقول ونحن على اطمئنان تام ، من يريد أن يتعلم كتابة شعر الأعالي المغاير للسائد في أسلوبية التفعيلي المدور و الشطرين الجديد ، وبهذه المبارزة التي إنطلق منها الأستاذ ” عبد الرضا علي ” وثقته الكبيرة بالشاعر وما يكتبه من صناعة الأخيلة المبتكرة داخل النص ،والتي يتضمن العديد من القصائد ذات سيرورة المعنى وأبرز ثيماتها هذا الحب الداخلي الذي منحه هذه القوة الهائلة على المواصلة والانتظار ولا يقدر عليها غير الفنان المبدع .مكملا ” علي ” والسماوي هو الشاخص الأمير الذي يعجن اللغة بالموسيقى عجنا بين هؤلاء الشاخصين القلة .وحتى لا يفوتني أنا من أشد المعجبين والمتابعين لهذه الشخصية العلمية التي اشتغلت وقدمت لنا الكثير في مجال النقد والأدب وهو المربي الكبير في عصرنا الراهن .
قبل النداء إلى صلاة الفجر
فز القلبُ
صوت كالأذان أتى
أصخت النبض
من ؟ ص8
وحتى يطلع المتلقي على شخصية شعرية معروفة وخصوصا في ميدان الشعر،وأقصد الشاعر ” السماوي ” ، وهو من الهاربين من الدكتاتوريات وحراس الحدود ، والذي يمتلك لغة شعرية متميزة باعتبار اللغة الشعرية هي هوية الإبداع الشعري ، واللغة الشعرية التي استخدمها في هذا الديوان هي العلامة الدالة على انتمائه إلى دائرة الشعر،وهنا في هذا الديوان “نهر بثلاث ضفاف “أقصد خصائصها الفنية التي من شأنها إثارة الكامن من مدلولاتها ، وتنظيم سياق ألفاظها وجملها .يقول عنه الناقد ” جمعة عبدالله ” يعجز الكلام والتصور في التجربة و المنجز الشعري ، لأنه وبكل بساطة متناهية عملاق في القصيدة والشعر ،في خلق الصور الفنية المركزة ، في السرد المكثف في الرؤية الشعرية الصوتية .والرؤية الفكرية والفلسفية .
فانثر بذورك
أن للصحراء أن تتفيأ
الأيك الظليل ص8

قاسم ماضي – ديترويت

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    نعم، صدق الكاتب، هو وبكل بساطة متناهية عملاق في القصيدة والشعر ،في خلق الصور الفنية المركزة ، في السرد المكثف في الرؤية الشعرية الصوتية .والرؤية الفكرية والفلسفية .
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *