الرواية الخطاطة , الذئاب على الأبواب
اسماعيل ابراهيم عبد (ملف/56)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.
أسرة موقع الناقد العراقي

يشيع في الدراسات النقدية الحديثة مفهوم الرواية الخطاطة ويعنون بذلك المناول المنتظمة من المعارف التي تتآلف ببعضها لتنتج حدثاً ومعلومات تتقارب في الاغراض والسمات , وتختلف في البيئات, وما يفيدنا من هذا التوجه , ان أية رواية ستتألف من مناول منتظمة ذات معارف متنوعة ثرية المعنى مضخمة الأهداف , وهو ما يحيل الى جعل الرواية منظومة ثقافية من طرف , وتقنية من طرف , وجمالية في العمق المعرفي , وقد تكون شعرية الرواية حاضرة أيضا بفعل الطرف الجمالي في لغتها .. لنتابع :
أولاً : الرواية الخطاطة
الحق ان الرواية الخطاطة ـ في فهمنا على الأقل ـ ستحقق وضوح مفهومها المناسب عبر (رواية الذئاب على الابواب لأحمد خلف)( ) , اذ سنتجه الى الخطاطة المعلوماتية بحسب ما حققه تنظيريا , د. الأزهر الزناد في المحصلة الآتية :
” اللغة في اساسها محددة بمناول رمزية تقوم على القرن بين معلومات لغوية ومناويلها المناسبة لها في النظام المفهومي … وتجسدن المفاهيم اساسه ان مضامين المفاهيم مبررة بالتجربة الجسدية والاجتماعية “( ).
على ضوء القول السابق نتوخى من كل كتابة متنوعة المعلومات ان تكون خطاطة , تتضمن تضافرا بين مناول معلوماتها , فيكون عرض المناول مساحة للغة ثم الرموز , ثم معلومات الفهم , ثم مجسدات التجربة الحسية , ثم مدركات التجربة الاجتماعية. وفي رواية احمد خلف (الذئاب على الأبواب) تجربة غنية بالمعلومات الحدثية لتاريخ سياسي البلد , وهي نثر لغوي يجمع بين الحسي والرمزي , واضح الفهم , يقترب كثيرا من ذاكرة الجيل السبعيني والثمانيني والتسعيني , وما بعد الـ 2000 , فضلا عن أنها رواية للتجربة المعمقة لفهم منهج الحروب والتاريخ الاجتماعي اللصيق بها. سنتصرف بالمناويل تلك بطريقة أدبية تجمع بين الثقافي والجمالي , تقترب من مفهوم الخطاطة في الهيكل اللغوي وتبتعد عنه في الضرورات الفنية , لكون الجماليات لا تستقيم كثيرا مع نمطية خطاطة (العرفنية = المعلوماتية). سنتابع الرواية كونها خطاطة مميزة بفعل استكشافي يرجع بمدركات الفهم الى الماضي من العام 1980 , الى العام 2003 , والى الحاضر من 2003 إلى 2010 , كونها سنوات سبع عسيرة ما تزال تخضع لسلطة الذئاب الذين يقفون على ابواب ارواحنا , مهيئين لذبحنا في أية لحظة , فأساطيل الامريكان بخدمة من يبيع الوطن , تذبح له انعام البلد ليوزعها على ذئاب السلطة … والحال هو نفسه منذ العصور السومرية حتى اليوم!
ثانياً : منوال التواتر الناقص للروي
التواتر او التوالي او التلاحق في اللفظ او المعنى او الفقرة او الجملة , يخضع بشكل حتمي ـ ضمن نص ما ـ الى نظام من التنغيم الايقاعي الذي يشد جمل النص الى هدف واحد او عدة اهداف منتمية الى ايديولوجيا معينة . وفي هذه الحال قد ينغلق الايقاع وينقطع التواتر , إذا ما وظف لغرض ايديولوجي , فلا تبين جودة الجهد الابداعي للكاتب لذا فسيخرج الايقاع من كونه ايقاعا كاملا منغلقا الى ايقاع ناقص متغير في الكينونة , أي يتحول الى صيرورة ايقاعية , تعطي النص تجددا حيويا , بمعنى ان الايقاع يكون ناقصا عندما يكون متغير العناصر مثلما سنراه في المقطع الآتي :
[امام نافذة في غرفة تطل على ساحة في شارع فرعي مهمل , وقف رجل ذو بنية رياضية متماسكة وللمرة الألف ينظر عبر النافذة …
خلت الشوارع الفرعية من المارة في الايام الاخيرة …
للتو أطفأ سيجارته ثم سحق بقاياها داخل منفضة قريبة …
الرجل في وقفته تلك … نقل عينيه نحو المشهد اليومي الذي يلوح له …
يرنو بإمعان غير مصدق انثيال الصور على المشهد وتشكيله]( ).
سيميز قارئ المقطع جملة وقف رجل , وجملة للمرة الالف ينظر , وهما جملتان ناقصتا الاداء غير مكتملا المعنى , وهما يمكن إضافتهما قبل مفتتح جمل عدة كأنهما منظمتا الايقاع الفكري والحدثي , وبهما سيتكرر الوقوف والنظر ألف مرة , هذا التيقن يحيل الى التحرر من الغلق , والايغال في التواتر المتوالي , وهما يفتحان التنغيم على ايقاعية مضللة , من جهة تكرارها الذي ينمي نوعا ما من موسيقى اتساقية لا ايقاعية , ومن طرف آخر هي متوالية دلالية تتغير عبر التوزع والانتشار في جسد الرواية , كتجربة محسوسة لمدركات التجربة الاجتماعية , على اساس ان الرواية مجمع صيرورات مجسدة وذهنية.
ان تغير الدلالات من التجسيد (الوقوف والنظر) الماديين الى الوقوف والنظر في : (نقل عينيه نحو المشهد اليومي الذي يلوح له …يرنو بإمعان غير مصدق انثيال الصور على المشهد وتشكيله) يجعل الانتقال معقولا من المادي الى غير المادي , وهو يبرر وجود التواتر الايقاعي الناقص , ومن ثم يعنى بالتعدد الدلالي الذي ستنتمي اليه مناول الراوية جميعها لاحقاً .
ومن زاوية النظر الى الرؤية للرواية كونها خطاطة سيصدمنا الفرق الكبير بين خطاطة الوعي وخطاطة الفن , فخطاطة الوعي تنتمي الى الايديولوجيا دائما بينما خطاطة الفن تجعل من الايديولوجيا مصدرا واحدا ضمن عشرات المصادر الساندة , وهو ما اقترنت به تجربة الروائي احمد خلف , كونها تميل الى فنية الخطاطة المكتوبة الموصوفة بالرواية مؤجلا فعل الايديولوجيا الى ما وراء القراءة , أي الى (لحظة القيمة) للفهم , وهي لحظة خارج منظومة عمل الروائي.
ثالثاً : منوال المشافهة والمشابهة
في الفجوة العرضية للكتابة بين المشافهة والمشابهة يمكن خلق فولكلور مصنع يأخذ بالشائع الشفوي ويشكل ما يشبهه عبر فن من الفنون , ولتكن الرواية .. ولنا فرصة في رواية (الذئاب على الأبواب) ان نتلمس صدق هذا التوجه .
تمتد الرواية زمنيا من السبعينات الى ما بعد 2000 , بوقفة مركزة على نهاية حرب العراق وايران وغزو الكويت , وتغييرات الحرب الطائفية التي ماتزال كاتمة بأثرها على انفاس الناس .
نحن نعني بأن الفولكلور ـ الحكائي خاصة ـ يعتمد المنقول مشافهة دونما مؤلف بعينه , ولعل ابرز قيمة ثقافية للفلكلور العراقي الحديث قيمة (الخوف) فهو يتجسد في كل بيت , وعند كل فتحة شارع او زقاق , وعند كل ضجة صوت , بل انه يقف عن ابواب المدن كلها , الخوف وضع نفسه رقيبا مدججا بتجارب الاعدامات السابقة والاغتيالات اللاحقة , ان أية ممارسة شعبية للحكي تتضمن قصصا لا مؤلف لها , ومن تلك القصص , وادي الموت الذي خلقه الكاتب , واعتقد ان ما يحيط (وادي الموت) ـ او جبل ما موت ـ من حكايات , دونها الروائي احمد خلف , بواقعية شديدة , وطقسية ممارسة , ولم ينسبها الى شخص ما , فجعلها القصة الشعبية التي يمكن ان تصير ـ فيما بعد ـ فولكلورا , وسيخالف هذا الضبط الاكاديمي لتعريفات الفولكلور , إذ سيكون للحكاية خالق معروف هو احمد خلف.
اننا نعي جيدا بأن رواية الذئاب على الأبواب هي بحد ذاتها حكاية عصر عراقي شائع بكل تفاصيله , ولو حذفنا شخصية المؤلف من الرواية , وحررناها من تفاصيلها التاريخية ستكون حكاية صالحة لأن تروى في كل بيت وعند أية ليلة ينطفئ بها التيار الكهربائي طويلاً! .. وقد نختلف عن واقعية ميلان كونديرا كثيرا , تلك التي سوغها في كتابه الستارة , فهو يقول معللا روائية الواقع :” كلما امعن المرء في مراقبة الواقع بانتباه وعناد , ادرك على نحو أفضل أنه لا يتطابق مع الفكرة التي يصنعها كل الناس عنه” ( ) .. في الحقيقة اننا لا نرى واجب الروائي ان يخالف او يطابق او يشابه بين وقائع الواقع والفعل الروائي , انما نرى الأهمية تمنح لتصور الكاتب لذلك الواقع , وقدرته على خلق القيمة التداولية للوقائع , وهو ما خمّنا توصيفه بـ (فولكلور مخلوق)! مصنوع صياغة , غرضنا ان نمهد لخلق فولكلور ينتمي لحكائين متخصصين مُعَرَّفِين. ولو اننا نجحنا في اقناع الجمهرة الاكاديمية بجدوى خلق فولكلور قصدي مثلما في اعادة الحيوية الى الرقص السومري والاشوري , وبما يشابه ذلك ان نخلق تيارا شفاهيا , يؤطر الحكايات اليومية بلغة ذات ممكنات اسلوبية لا تستخف بطريق الحكي الشعبي , وتشذب بعض الفوائض الحكائية , ففي هذا النهج نقرب الفن الروائي والحكائي من التسويق الشعبي , وتتقلص الفاصلة الثقافية بين (البليغ المتعالي والمجرد الشعبي) من القول بأنواعه والسرد بأخصه.
رابعاً : منوال الذاكرة الطولية
الذاكرة الطولية هي التي تختزن الاحداث الممتدة لأوقات طويلة , والذاكرة الطولية الآن ذاكرة رقمية ليس فيها تعب فني كبير , لذا لن تدوم متعتنا بها كثيرا بسبب تغيرها السريع وايقاعها المتوالي المنغلق! سأستعين بالآتي : “وتحرير الذاكرة من طولية الزمن او من خزان الوقائع داخلها , انها بذلك تتحرر من قوانين التتابع والخطية , ولا تكترث للروابط بين السابق واللاحق , لكي تصبح في نهاية الأمر (منتزها) حرا لوعي ينتقي ما يشاء مما حدث , أو مما يتوهم أنه حدث فعلا”( ).
التمهيد هذا يعني لنا شيئين هما الذاكرة تطول زمنيا عبر المنغلق من المعلومات , وتقصر الذاكرة عبر الاختزال الحدثي , وكلاهما يتمددان بجسد الزمن في حال واحدة تقع بين السابق واللاحق . والمهم ان لنا طريقا يمكننا بها ان نحرر الذاكرة من التتابع والخطية (الغلق) ومن الطولية غير المبررة (علائق توالي اللواحق بعد السوابق) , عبر حيوية الانتقاء , ترى كيف يتم ذلك عمليا في رواية الذئاب على الابواب؟
في تتبع التحولات الحياتية ليوسف النجار , والاحداث التي حدثت له , والوقائع التي صار شاهدا عليها , سنجد فيها ما يميز شخصيته الروائية بصفتيه البطل والراوي , وقد يُنحى بعض الاحيان ليحل يونس الغطاس او غيره بمكانه اتماما لفكرة اختزال الزمن وتمديد الاحداث ..
لو دققنا قليلا في فواصل البياض بين المشاهد سنجد ان الزمن الطويل لا يتضمن احداثا كثيرة لذا يلجأ الراوي الى الذاكرة التي تخص البوح والهواجس , والتوصيفات الاجتماعية وبعض الاحالات الفكرية (الفلسفية والايديولوجية) , وما يرتبط بذلك من احتجاج على الظروف كلها التي جعلت من البلاد بؤرا للجريمة والفساد .
ان ما بين الفواصل ذاكرة تستعيد تفاصيل مضى عليها اقل من اربعين بقليل , وهي تفاصيل تبرر ـ منطقيا وروائيا ـ الانحراف المتضخم عبر مؤسسة الحكم , بما يهدد الوجود الكلي للناس فرديا ومجتمعيا , والرواية ان حررت الذاكرة التسجيلية من المعلومات النمطية , والاحداث خارج سياق الغرض الروائي , واشتغلت على الكائن الحيوي , يوسف النجار تحديدا ـ ستصيره فاعلا ايجابيا على الرغم من الضغوط الهائلة التي احاطته من نواحي حياته جميعها , من ثم صارت تحولاته سلوكا رمزيا معكوسا عن التغيرات السياسية والاجتماعية.
ان شخصية يوسف النجار هي الذاكرة الجمعية التي تجمع بين الحقائق والأوهام , وتسرد فعل الرهاب الفردي والجماعي , تظهره على الملأ , تعري بنياته وقواه وأهدافه , وتظل الذاكرة الطولية التي تختلف مع ما طرحه د. سعيد بنكراد , تتمتع بقوة حاسوب أو كتاب أو خطاطة لها منهجها ومستوياتها الزمنية في التسجيل والروي وتشكيل الافعال , وهي الشخصية المعوضة عن التاريخ الشفاهي والمكتوب . بمعنى ان شخصية يوسف النجار أضخم ذاكرة للكائن الحيوي , الكائن الذي يختزن كل خير وسوء , وحركة واحداث, تخص بلد تعاقبت عليه اربعين سنة من الحيف والدمار والموت المجاني , ناهيك عما تسبب له من ألم نفسي ومجتمعي , وخراب انساني واخلاقي , وتفكك اقتصادي وعقائدي.
فإذاً , يختلف فن الروي عن طبيعة الخطاطة المعلوماتية ذات المناول بأهم ميزة , تلك انه ينتمي الى ذاكرة طولية متحررة , تنتقى مناولها بحسب فرز وتصنيف لا تقدر عليه اية قوة خارج نظام العقل الروائي المنتج والواضع والمخمن (لها) .
خامسا : الشخصية الجاذبة
من هي الشخصيات الجاذبة التي تأتي بالترتيب الثاني والثالث والرابع بعد بطل الرواية الأهم يوسف النجار؟
على الرغم من ان هذا التحديد يهمل جهودا جبارة في العمل الروائي , لكننا سنحاول عدم الخروج كثيراً عن القول الآتي : ” الشخصية الجاذبة , هي , تلك التي تستأثر باهتمام الشخصيات الاخرى وتنال تعاطفها بفضل ميزة او صفة تنفرد بها . قد تكون هذه الميزة مزاجية أو طباعية في الشخصية كالوقار… وقد تكون الميزة سلوكية ,… او يكون مظهر الانجذاب مجرد صفة مظهرية كالجمال عند الشخصيات النسائية أو احدى العلامات المميزة لدى الاشخاص”( ).
سنكتفي بالشخوص الثلاثة الآتين فقط لنبين عبرهم قوى الجذب القرائي نحوهم : المجرمون : يسميهم البطل جناة , وهم واضحون , متخفون , اصحاب السلطة , اصحاب قوة البطش , خونة البلاد.
تعامل الراوي معهم كشخصية واحدة , واجتماع هذه الصفات تجعلهم شخصية غريبة , طريفة , معقدة بعقدة الخيانة , ومركبة من جانب الاغراض المعلنة والمضمرة. عبير : هي المرأة المريبة , الحبيبة , المدهشة بذاكرتها , المسلية بعاطفتها , المختزنة لمئات القصص التي تخص جيلها , فضلا عما فيها من تحرر جسدي جنسي , وهي مميزة بما تثيره في نفس البطل من رغبة وشهوة وحنان واطمئنان , فضلا عن انها معوضة عن العلائق الانسانية المثالية للعائلة.
الطفل غير المسمى : وهو النذير الغامض , صاحب التبليغ الأخطر , الشخص المزدوج الوظائف , المثير للتساؤل , غريب التصرف والهيأة , فضلا عما يثيره من ريبة ورهبة في نفس البطل , وما يحفزه عليه من سلوك .
يمكننا ان نتيقن من قوة الجذب القرائي للشخوص عبر الصفات الآتية :
ـ العمق في التفكير والسلوك : ذلك يؤهلها لأفعال تصنيع الفعل الروائي بطاقة الاقناع والقبول والرضا عما تفيض به من فعل وحيوية.
ـ الغرابة : وتشمل طرافة التشكل المظهري , وحرية اختيار الأفعال , وفطرية السلوك , حتى الاخطاء تكون محببة , وتميل الى ان تتصنع على الورق , لكن فن الرواية يحتويها دونما حجاج موغل في الفلسفة.
ـ المقبولية : وهو ما تحظى به الشخصيات الجاذبة عبر لغة قادرة على تبرير الافعال سواء على مستوى الافراد او الجماعات , وهي لغة احتفائية تصل الى لحظة قريبة من الاسطرة , ولا تتقيد بقالب الخطاطة او المظهر المنوالي (الايقوني) تماما. ـ التميز : يعني التفرد في الهيأة المظهرية والسلوك النفسي , ومن ثم الاتيان بالأفكار ذات النمو الحيوي والانفتاح على حاجات المجتمع في النفع والوعي , والثقافة . ـ الادهاش : هو القيمة الأساسية التي تُشاد لأجلها هذه الشخصيات لكون الأصل في وظائفها ان تنتج ادهاشا يستجلب القارئ بالتشويق والمفارقة .
سادساً : منوال الرهانات
تراهن الرواية على نمطي الخطاطة والمنوال , أي على تجدد القالب والتفاصيل , وهما طبيعتان لا تعنيا الشيء الكثير لكاتب الرواية , انما هما موجهات قراءة بالدرجة الاولى , واختزالا لما تقدم من قول في بدء المقالة , لن نمس تلك الطبيعتين كونهما هيكل العمل المنفتح على رهانات حيوية بانية لمستوى خاص من الفهم , أقصد رهانات تخص الشكل والثيمة .. لنتابع.
أ ـ الرهانات الشكلية
ـ بيئة الروي : على وفق النسيج الكلي للرواية لغة ومضامين يكون الروي دائريا محكوما برؤى الراوي المتفرد الذي يفوّض آخرين كُثر لإنابته بالروي , ويعتمد وسائل التسجيل والاتصال التقليدية كالأوراق والرسائل , والهاتف , والتدوين عن النقل الشفاهي, وعليها وعلى المشاهدة البصرية يبني حصيلة حدثية (مكانية زمانية) تتناغم مع لغة البلاغة السردية للتاريخ الاجتماعي والسياسي , فضلا عن لغة الشجن الاقرب الى الشعر من السرد . يتميز الروي ببيئتين :
+ الذواتية : اذ يناقش الراوي نفسه ويقرر لها سلوكها :
[انا اعرف هذا النوع من البشر وأي افكار جهنمية يحملونها تجاه من يكرهونهم] ـ الذئاب على الابواب , ص 326.
+ الريبة : وعنده يجد (البطل) بأن من الملائم ان يتخذ من ذاته وسيلة لتجريد النفس البشرية من يقينها , وهو في ذلك سياسي بامتياز :
[ترى هل تبعه الرجل ليتأكد من الحي والشقة ـ ويجلب الجناة ـ لكي يصفوا الحساب معه؟ …
كثافة النيران رغم تقطعها في بعض اللحظات جعله يعتقد انهم يقومون بعملية تمويه واشغال الآخرين عن هدفهم , وهو اجتياح شقته في لحظة حاسمة] ـ الذئاب على الابواب , ص175.
ـ الوصف التوجيهي : وقد اسهب في حصره بالموجودات ذات الصلة بجرائم السلطة لأغراض ايديولوجية هيمنت على مساحة السرد من البدء حتى المنتهى , وأي جزء من الرواية يصح تطبيقا اجرائيا لهذا النوع من الوصف .
ـ نفسانية الفضاء : يمثل الجانب النفسي فضاء واسعا لحركة الفواعل والأفعال , فهو ـ على العموم ـ ينحو الى توكيد الاضطراب العام للمجتمع والأفراد والثروات والسلطة , كون الخراب مدبرا ومنظما بقوى عالمية تقودها امريكا.
ب ـ الرهانات الثيمية
لقد حاول الروائي ان يسلط جل قيمه الفنية والثقافية على زرع القيمة المثلى لمقاومة التفتت الوطني , وقد وضع للبطل (يوسف النجار) مدينة كاملة , بل بلد كامل , وتاريخ يمتد لأربعين سنة , وقد اكتسى الفعل الثيمي بعشر صفات تميزه عن غيره من الثيم الشائعة روائيا , محليا واقليميا :
1 ـ الشك : في مستوى الروي يكون الشك منغما فكريا , لكن الروايات العربية تستثمرة على اساس المؤدى الفلسفي , والسياسي أحيانا , بينما وضعه الروائي احمد خلف قيمة نفسية مجتمعية تحتمي بالعزلة والتأمل :
من هذا القادم يدق باب البيت؟
باب مفتوح ندخله
باب مغلق , معتكف
نبض العالم يخفق خلف بابي
بير البير بيرو
جماليات المكان] ـ ص5
2 ـ فطرة المجازفة : وبها تتسم تربية بطل الرواية منذ قبلته الأولى لصديقة أُمه في بدء سن المراهقة , من ثم لحقتها بتجربة وادي الموت , وهكذا سارت حياته , وافعاله عبر صفحات الرواية بتصاعد غير خطي , زمنا واحداثا , وقيما.
3 ـ الهم الجمعي : لم تكن قمة الهموم سوى اعلانا جماعيا على ظلم الحكام وسوء المحتلين , وخيانة الخائنين . وقد توشحت الرواية بجميع فصولها بهموم جماعية يظهرها شخوص الرواية الايجابيين .
4 ـ الترقب المرضي : يراقب الشخوص ـ عدا الجناة ـ كل تفاصيل السوء المتسبب من ظرفين , الحرب مع ايران , والاحتلال بعد 2003.
5 ـ الاسرية : هي قيمة للعلائق الحميمية بين البطل وعائلة ابيه , وزوجته وابنته , التي عبر بهم عن انتمائه (لا بهم فقط), انما بالوطن ممثلا بروحية الالتصاق الوجودي للعائلة الاصغر , ثم الأكبر , ثم الفكر الممثل لأهداف المجتمع لنشدان التحضر المدني للدولة والسلطة.
6 ـ التسيس : وقد وضعه الكاتب ثيمة لدحض كل انحراف , وقد طرح هذه الثيمة بصراحة تامة , لم تخلُ بعض الصفحات من توجيه الاحتجاج بلغة الشتائم احيانا. 7 ـ فرية الحروب : يعيد الروائي كل الظروف المسيئة الى عوامل الدكتاتورية والحروب والاحتلال .. الرواية وثيقة صادقة ومقنعة فنيا في احتوائها لهذه الفرية (الحرب), التي افترت على الناس بكذبة الكرامة والدفاع عن الوطن , وهي في الحقيقة حماية جهنمية للحكام لا غير .
8 ـ فوضى الفناء : تتوزع مسارات الفناء على الأبواب جميعها :
((ابواب المدن , ابواب الثقافة , ابواب الجمال , ابواب التعبير الجسدي , ابواب النشاط الاجتماعي , ابواب الاقتصاد , ابواب الأرواح)) , امام كل باب ذئب يقوم بإفناء الكائن الحيوي المتطلع لحياة عادية مستقيمة.
9 ـ غنائية وحيوية العيش : تمتعت شخصيات الرواية بنوع من قيم لحيوية العيش , فهي متحركة , نشطة , متغيرة الاوضاع والثقافات والروابط , وهذا كله بديهي في اية رواية, لكن رواية الذئاب على الأبواب اضافت عليها مسحة جمالية تقترب من الغنائية ممولة اياها بمراوغات نفسية مستمرة في اضطرابها ولا استقرارها , فضلا عن ذكائها المفرط ووعيها المنتمي ـ كلها تقريبا عدا (الجناة) ـ الى فكرة الخير والجمال والفضيلة , وتحولات الأُم مثال طريف لغنائية وحيوية العيش تحت مناخ قيمة حب الحياة . 10 ـ الحسم : هذه القيمة أخصتْ حسمَ قضية عبير والشقة ومتعة الشراب ومواجهة الاعداء . بدأت هذه القيمة تؤشر مسارها في الرواية عبر محوري تحديد ملامح الأعداء , في بدء الرواية , وتوضحت على نحو فني ثيمي في نهاية الرواية بقرار التحدي الذي نقتطف منه الآتي :
[ينبغي لي الحسم وبلا تردد , لم يعد الأمر ليحتمل التسويف , بل يلح علينا ان نكون جديرين بأنفسنا وبحياتنا.
وفجأة تذكر ان عبير لم تزره منذ عدة ايام , ولم تتصل به خلال النهار .
الغريب كان يشم رائحة البيرة من جسده أو رائحة قريبة منها اعترته نشوة عارمة , ألقى داخل الشقة نظرة تفقدية , دارت عيناه في كل زاوية من زواياها كأن غيابه عنها سيطول أو أنه سيأخذ اجازة لأسابيع عدة , رغم انه يُمَنّي نفسه بالعودة اليها حالاً , تيقن من وضع سلاحه تحت طيات ثيابه , قام بفحص السلاح الناري قبل الهبوط نحو الأسفل , تأكد من وجود الاطلاقات داخل السبطانة , أعاد مسدسه الى وضعه ورتب هندامه , أغلق الباب وراءه وهبط لملاقاة الرجلين ,استجابة لتحديهما العنيد] ـ الذئاب على الأبواب , ص327.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *