قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك هنالك بعض المفاهيم التي تطرق لها الكاتب حول تحريك الأشياء وجذبها وكذلك التأثير على الاشخاص من خلال ماذكره، وهي بحد ذاتها علوم خاصة تطرق اليها الدكتور علي الوردي في كتاب(خوارق اللاشعور) علم خاص يسمى بالباراسايكولوجي وبين كتاب السحر الذي قد تلجأ له الشعوب عندما يكون هناك فراغ سياسي ، واجتماعي وعدم وجود رادع، تنشأ هذه الأشياء من خلال بعض الأشخاص الذين يمتهنون هذه المهن لأن الغالبية من الشعوب العربية مشاكلهم الاجتماعية لا تحل بطرق ودية ، لذلك يلجأون الى طرق أخرى ملتوية
اراد الكاتب ان يمزج ما بين ما لاحظه من خلال تصديق الناس البسطاء بمثل هكذا مفاهيم تخضع للشعوذة وكذلك استخدام بعض الكتب التي تحتوي،على طلاسم واشكال هندسية ورموز حتى يتحقق المطلوب .
الكاتب هو البطل والقاص والذي يروي القصة ، هو البطل الأول الذي يروي عن الشخص صاحب الكتاب يعتبر شخصية ثانوية مؤثرة في القصة ، تعرض لمواقف محرجة ربما باحث عن الحقيقة وقد اراد ان يحقق امنيته من خلال استخدام صاحب الكتاب الذي يتحدث عن السحر مارس دور اللص لعبه بإتقان.
هنالك في القصة مفصلين اولا الاصغاء الى صاحب الكتاب ثم استخدامه من قبل البطل ويبدو أنه يعلم تفاصيل الكتاب وهذا شائع لدى الكثير من المشعوذين مثل هكذا كتاب يسمى ( بشمس المعارف*) وفيه الكثير من الطلاسم والعبارات المبهمة والكلمات الغريبة!!
كذلك حاول القاص ربما الصدفة او الحظ جعل الفتاة التي يرغبها ويحاول الوصول الى الهدف من خلال تأثير الكتاب رغم أنه على يقين سوف لن يؤثر عليها ولكن كان الجو الشتوي كفيل أن تسلم عليه وهو من الأجواء التي تكون قريبة من المحبين الانتظار والسير فيه جعل القاص ان الربط واضحا محض صدفة لا اكثر وربما اعجاب لم تبوح به الحبيبة حتى حان الوقت وقد تعمد الكاتب بذكاء باستخدام أجواء تتلاءم مع خلجات المحب في جو شتوي ماطر
هنالك اكثر من مكان وكان الزمن يمر سريعا مرافقا للمكان نفسه البيت الذي التقى فيه صاحب الكتاب ،
وهو يروي قصته كذلك بيت التاجر الذي حاول الساحر أن يمارس دور اللص ونجا باعجوبة!!
كذلك جمل واضحة ومتسلسلة اراد القاص ان يطرح أكثر من موضوع يلازم المجتمع بين الكتب التي يميل الكثير من الاشخاص وخصوصا ( النساء) إلى السحرة والمشعوذون لطلب امر مستحيل .
ولكن المفارقة أن يصدق الرجال بمثل هكذا امور !!
الثيمة حاضرة من خلال مناقشة القصة ولها أبواب كثيرة ، تتكلم عن السحر الموروث والعادة السيئة التي يحاول المشعوذ ان يقنع الاخرين بتأثير ذلك الكتاب وتحقيق المعجزات ، لذلك البطل متسلح بمعلومات وافرة من خلال قراءته ومعلوماته عن علوم تستخدم فيها قدرات خارقة مثل تحريك الأشياء والتأثير على سلوك الاخرين ، وهذه علوم اخذت تدرس كعلم خاص لدى اشخاص محددين اصحاب القدرات الخاصة او الخوارق،
قصة فيها مزيج من الخيال لعدم تصديقه ولكنه فعلا قد يحصل !! ويريد أن يأخذ القارئ ويشده الى معرفة ما يدور في مخيلته أي أن التشويق حاضر وكذلك ان لجوء الناس الى مثل هكذا طرق مبنية عن الجهل لانها موروثات اجتماعية خاطئة ، لذلك مهمة القاص تتضح من خلال بعض الصور المؤلمة والسيئة التي ترافق المجتمعات،وخاصة الشعبية وتتركز اكثر في البيئات الفقيرة، يحاول القاص اشباع تلك النزعات بمايراه وينقله حسب تصوره بتعبير صادق ، وطرح تلك الفكرة عندما يركز على موقف أو عادات
وتقاليد بالية ، وتتجلى الصور الانسانية والروحية بحيث تتكلم عن قيم في مجتمعاتنا الشرقية ،
ولذلك محاولة تحريك مشاعر وذاكرة القاريء وجذبه في المواقف المحزنة والمفرحة ، بلغة جميلة ورشيقة وبأسلوب سلس وسرد متسلسل .
تحياتي للقاص وهو يتطرق الى موضوع يلامس الواقع وينبش عن أمور دقيقة تمس المجتمع عن كثب والممارسات الخاطئة !! خالص الود والتقدير للقاص وكل التوفيق…….

( جاسم السماري )

القصة:
اللص وحكاية الطلاسم
(١)
لم أصدق أن الذي يتجاذب أطراف الحديث مع ابي، كان لصاً. ربما بسبب ما يرويه من طرائف وقصص مدهشة يطلقها بأريحية ودون عناء.
كان يتحدث بطلاقة كبيرة عن قدراته على فتح الأقفال مهما كانت منيعة ومحصّنة. وانا مشدود اليه بنظراتي التي لا تفارق وجهه، وان كنت اختلسها أحياناً خوفًا من أبي ..الّا أني لحرصي على سماع كل ما يقول، واصلت انتباهي وتنصتي، متحججاً بقراءة كتابٍ مدرسي كان بيدي.
لم يواصل الرجل تعليمه كما يبدو ، لكنه خبر الحياة بشكل كبير.. هذا واضح من معرفته بالحياة وقوانينها..لكنه لم يبال بما يسمى بالكتب وما فيها ما عدا “كتاباً واحداً فقط سلب لبّي وجعلني أتعلق به مثل طفل، حصلت عليه في احدى جولاتي اللصوصية” كما سمعته يقول.
ذلك الكتاب يتحدث عن السحر والطلاسم، ووعدنا قبل أن يذهب بأن يجلبه غدا مع كتاب آخر شبيه له لكنّه أصغر منه حجماً، قال انه ملحق له .
حينما غادرنا الرجل ، سألت أبي وبدافع من حب الفضول ،عن عمل صديقه الحقيقي فقال مبتسماً وقد غادرني هو الآخر، بإنه حارس ليلي ..!
اكتملت صورة الرجل في ذهني وحفظت كل كلمة قالها اكثر من حفظي لواجبي البيتي.وبقيت انتظر يوم الغد موعد قدوم “اللص ” ومعه الكتاب، بلهفة وتحرق كبيرين.كنت خلالها افكر بالطلاسم وعمل السحر، وهل أتمكن حقيقة من التأثير على الآخرين كما يدعي؟ لا سيما وأني قرأت كثيرا حول التأثير وجذب الأشياء وتحريكها من مكانها، بقوة التركيز!
لم انتظره حتى اليوم التالي فقد أبدى الرجل مبادرته وجاءنا بالكتاب مع الملحق في عصر نفس اليوم، كأنه أراد ان يؤكد صدقه وحسن نواياه. لكنه علل مروره بالصدفة غير المتوقعة.
-عليك أن تحتفظ بهذا الكتاب وإذا فتحته في يوم ما ، لا تسمح لغيرك أن يقرأ حرفاً منه. هذا الكتاب خلصني من أكثر المواقف إحراجًا في حياتي.
كيف؟ قلتها في نفسي! لكنه أجابني: وصلتني أخبار عن أحد التجار المتلاعبين. فقمت بوضع خطة للسطو على بيته. وفي خضم لهفتي الشديدة لمعرفة ما نوه عنه، لم اسأله كيف عرفت باني طلبت توضيحا منه، واكتفيت بالإنصات ، فهؤلاء الذي يتحدثون بالسحر رغم جهلهم بالكثير مما يفعلوه، علينا ان نحذر منهم، فالتزمت السكوت لسماع ما يقول:
“فتحت الباب الخارجي ودخلت المنزل. عبر الصالة، رحت اقفز بين أجساد النائمين بحذر، فإذا انتهيت منهم ، دخلت الغرفة المقصودة.
لكن، لم تمض دقائق على وجودي فيها، حتى سمعت صراخاً:
“هناك لص…في الغرفة لص!” تبعها هدير خطوات وضجيج، وحركة ناس تبتعد وناس تقترب.. ثم حركة مزلاج قفل الباب من الخارج.
ادركت وقتها بأنني محاصر، وشعرت بالضعف وأسِفتُ لحالي. ودعوت الله ان يحل معضلتي،وأخرج بسلام. كان لابد لي أن أترك كل شيء واهرب. لكن كيف ولا يوجد في الغرفة نافذة او فتحة تهوية؟
وقبل ان يقتحموا عليّ الغرفة بلحظات، قلت لنفسي: أبو محمد فكّر هذه ساعتك ، لا تتخاذل وتجعلهم يمسكون بك.! وجاءتني فكرة خاطفة استقبلتها، واعتنيت بها.. تقدمتُ من الباب مركّزاً على قبضته الباردة، في نيتي فتح الباب واختراق المحتشدين . وحالما فتحته، صرخت بهم بأعلى صوتي، رافق ذلك إطلاقي عيار ناري في الهواء، وهربت.
عبر درجات السلم ، وجدت نفسي أمام سلمٍ صاعد آخر، بوصولي نهايته صرت اطل من فوق طابقين. لم اجد بذهني فكرة أفضل للخلاص ، كنت في موقف جديد لا احسد عليه. فقد كان العلو شاهقًا من مكاني الى الأرض. وعلى السلالم ، كنت اسمع خلفي أصوات خطواتٍ كثيرة، تتابع خطواتي التي تسبح في الهواء.”

(٢)
شدّتني قصة الرجل الأخيرة وهبوطه بسلام من فوق الطابق الثاني لمنزل التاجر.. ولست متأكداً هل أن ذلك حصل بفعل كتاب السحر ام بمساعدة الله ؟ في افكاري انا.. إن الله لا يساعد اللصوص والأشرار ، و بانّ لا شيء ينفع إلا بإذنه. وان ما يقدمه السحر ربما من الأسباب التي يريدها في مساعدة خلقه..
استنتجت بأن الفائدة المرجوة من الكتاب، محدودة جدا . وان الله قراره سابق لكل أمر ، طالما كل الوسائل مقرونه بمشيئته وموافقته!
نظرت الى الكتاب كمن يريد ان يودع شيئا طالما فكر به من قبل باهتمام بالغ ، وبنى عليه الآمال.
وخطرت ببالي (…) تلك الفتاة التي نقرت لأول مرة إحساسي المرهف، وهرعت من فوري إلى كتاب السحر الذي أخفيته تحت وسادتي، ليلة البارحة. وبيد مرتعشة، أمسكت به بشغف، وفتحت منه صفحة لا على التعيين، ورحتُ اقرأ وأقرا لكن دون ان افهم شيئا. فالكلمات معظمها مفككة وبعض الحروف فيها مقلوبة. ثم شعرت كأن السطور تضعف تدريجيا وتصبح كالخيوط ، تلتف حول عنقي وتشعرني بالاختناق، ثم ترتخي.وتعود لحالها كما كانت.
ثمة صدى داخلي يقول : لا تتوقف، قاوم واستمر حتمًا ستجد هنا ضالتك. الا ان المفردات بقيت عسيرة على الفهم ، والسطور غير ثابتة . ثم بدت لي وهي تتحول من مجرد سطور إلى أشكال هندسية، مثلثات أو مربعات او دوائر، في منتصفها، تظهر نقطة أكثر وضوحاً ، تتوزع عليها مسارات عدة من نقاط خافتة، لا تخضع بسهولة لنظراتي الشرهة، وتشبه إلى حد ما مدارات عناصر ذرة مجهرية..
أي ضالّة تلك التي اجدها هنا في حلكة المعاني والأشكال الغامضة؟
أدركت وأنا أمسك بالكتاب السحري لأول مرة، سبب ارتجافي المتواصل أثناء القراءة:
هذه الطلاسم لا يفك رموزها الا خبير او ساحر. الآن عليك أن ترسم على ورقة مستطيلًا في المنتصف بهيئة عمودية. ثم تكتب في وسطه اول حرف من اسمك. وفي احدى زوايا الورقة خارج المستطيل، اكتب الحرف الأول من اسمها واطوي الورقة واتركها لمدة يومين ، لتعود اليها في اليوم الثالث، وتفتحها.
ركّز على الأحرف ، ستجدها جميعاً ترتعش . ثم يتحول الحرف الاول من اسمك إلى صورة. قد لا يمكنك أن تميز صاحبها. ما عليك الا ان تنتظر حتى تثبت وتستقر ، لتظهر أمامك معالمها ، معالم صورة واضحة، تبدو كثيرة الشبه بك، لأنها صورتك !
بعد ذلك اغلق الكتاب لحين فجر اليوم التالي ، موعد ظهور أول شعاع للشمس..ستجد هناك أسفل الورقة سهمًا صغيرًا يحاول الشروع بالحركة ، لا تشغل بالك بمن حركة. ما عليك الا ان تركز باتجاه حركته ولا تخف ، الخوف يوقف حركة السهم . وإذا توقف عند منطقة الصدر في الصورة ، سيكون هذا مرتبطا بالمشاعر والاحاسيس. وعند الفم عند أسفل الرأس، ستصبح ثرثاراً مهذار.. ولو ثبت على أحد الأطراف ، فإنك ستكون لصاً محترف.
تذكّرت الرجل حينما أعلن بانه أخطأ بسبب الخوف كما يظن، فصار لصاً!

(٣)
لكن الفتاة أصبحت بمرور الزمن، مثل كتاب بلا عنوان، لم افهم ما بداخلها وما تخفيه.. في كل مرة أراها ، أنسى العالم بأسره . كنت أراقبها بعفوية وهي تمر أمام منزلنا في طريقها الى المدرسة ، أوااااه يا له من شعور قديم باق في الذاكرة بالرغم من تلك السنين المثقلة بالأحداث، كنت اضطرب حين أراها قادمه، واتمنى أن أحظى منها بتحية او التفاتة او حتى نظرة خاطفة تتيح لي رؤية سحر عينيها ، لكنها تمر بي مسرعة كالمعتاد ، كانها لم تمر على شيء.
منذ ذلك اليوم وانا افكر بطريقة او حيلة تمهد لي مبتغاي، لقد أحببتها هكذا وهي غامضة . ويوما بعد يوم صارت بنظري اكثر جمالًا مما زادني ذلك تعلقاً بها ..
وفي احد الأيام الماطرة بزغت الشمس من فوق باب منزلهم ومن بين سحب المطر الكثيفة لأول مرة.. رأيتها ترتدي قبعة ومظلة مطرية، وكانت تتجه نحوي وانا ثابت لا أتحرك كالتمثال..كنت أرنو اليها ولم اكترث لرصاص المطر المتساقط فوق رأسي. عندما القت عليّ تحيتها ، شعرت بجسمي اصبح خفيفا جدا، ومع كل خطوة اخطوها اكاد انزلق على الأرض. لقد اصطادتني تلك الغزالة في لحظة واحدة. وأمسكت بي وهي تضع بيدي ورقة، وقالت : هذه رسالة لك!
قلت وأنا أتطلع إليها بحماس :
-كيف استطعتِ كتابة كل هذا دون ان يراك احد؟ قالت :
كنت أضع الورقة في كتاب الله واكتب، فإذا شعرت بأحدهم قادماً، افتح صفحة جديدة وأتظاهر بالقراءة!
ثم ضحكتْ وغادرتني ولم يبق غير صدى ضحكتها. وعدة أسئلة عالقة بذهني.
ما الذي غيّر مشاعر تلك الفتاة بهذه السرعة ؟
في البيت ، داخل غرفتي ، بقيت يوما لوحدي نائماً طوال الوقت ..نسيت الأكل والشرب وكل شيء عدا كلمات رسالتها التي راحت تتردد في ذهني. وفجأة من بين سكون العواطف، انبثقت أمامي صورة كتاب السحر الذي أهداني إياه ذلك اللص، وكنت قد نسيته تماماً !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صادق المخزومي  : قصيدة الرصيف للشاعر صباح أمين – قراءة أنثروبولوجية.

مقدمة من مضمار مشروعنا ” انثروبولوجيا الأدب الشعبي في النجف: وجوه وأصوات في عوالم التراجيديا” …

| خالد جواد شبيل  : وقفة من داخل “إرسي” سلام إبراهيم.

منذ أن أسقط الدكتاتور وتنفس الشعب العراقي الصعداء، حدث أن اكتسح سيل من الروايات المكتبات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *