سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

هكذا يؤثث الشاعرالمكلوم النص وفضاءاته بصور شعرية تتكيء على الألم والمعاناة منذ العتبة الاولى التي تؤشر لنا العنوان:
(عراق الروح ..عراق الله) متداخلاً في جدلية الصورة واللغة الشعرية ..
سعد جاسم من الشعراء الذين ينتمون الى عالم المسرح ..
وحينما قرأتُ نصه المُعنون { عراق الروح … عراق الله } توقفت عند عتباته المهمة من حيث التشكيل في الصورة والسينوغرافيا والألوان واللغة والمشاعر من جهة، والإبداع والتألق والإنطلاق في عالم كتابة الشعر وهو المتخصص أيضا في هذا المجال من جهة أخرى .

شاعر يحمل الشعور الفادح بالألم والقهر على أقل تقدير في هذه الملحمة (عراق الروح .. عراق الله) بسبب إنهيار مايراه أمامه من تساقط في أوراق الحياة كمؤشرعتاب الى الله إكتوى به هو والوطن، وما أفرزته الأوضاع من مأساة !

نص يرسم للواقع لوحات برؤى أحلام واقعية وخيال مبدع مبتكر للتصوير،حيث بين الواقع والسريالية مرارة كانها قهوة العراقيين كما ذكر لي أحد الأدباء العراقيين هذا المصطلح الرائد ..
شاعر يتبع منحنى مختلفاً خاصا به وبتجربته الشعرية، فهو حينا يضع حروفه ليسجل مشاعرَ فوق ورقة بيضاء كما هو يصف القميص، كانها قطرات دم قلب قد نزف، وهو لم يبالغ في تحميل الصورة أبداً .. فهو المشوق والمحب للوطن وهو العاشق الأبدي له :

كلَّما أتذكّرُكَ
يرتبكُ دمي
وأصابعي تُصابُ بالإرتجافِ والذهولِ
وتَغصُّ حنجرتي بالحشرجةِ
أو بالسكوتِ المُر
وتسقطُ من قلبي
دمعةُ دمٍ
تُبَقّعُ وجهَ قميصي
فيتجعّدُ من فرطِ التذكّرِ
والأسى والحنين ..

يتكأ على ذاكرة لها ابعاد ماضوية يسود فيها الجمال والحب والسلام والوئام والمحبة، ذاكرة تحمل إشراقات الجمال والوعي واللغة وبنائها، والتعبير، بينما المرايا اليوم تعكس له لغة جديدة لم يسمعها من قبل، لم يألفها، فراح يحاكي الوطن بكل التفاصيل اليومية : وجع الوطن كبير جداً :

وكُلّما أحتاجُكَ
يضئُ وجهُكَ
في مرايا ذاكرتي
وروائحُ خبزِكَ
وطلعِكَ
وبنفسجِكَ
وقيمرِكَ
ورازقيِّكَ
وعنبرِكَ
وطينكَ الحنون ..

لغة الشاعر سعد جاسم تتميز بالدلالات المتغيرة (غير ثابته) لوصف الصورة التي تتشابك في ذهنه وخياله، وتعصف لنا صورا شعرية متحركة ..لأن الصورة الشعرية و بحجم الشاعرية التي تحملها تكون جوهراً للشعر، كما هي روح القصيدة التي تمتد من أول عتبة الى آخرعتبة لتثبت للقارئ الصلة بين الواقع والتأثير المهم جداً، لذلك تأتي الصور قوية !
كل مفردة لها خصوصية في حواس القارئ وشعوره،لأن فن الصورة مرتبط بمفهوم الفن لدى الشاعر والفنان سعد جاسم !

والناقد بطبيعة الحال يبحث عن الجمالي في الصورة وعن التجربة الفنية والحالة النفسية للشاعر –الفنان الذي يجمع كل الاشياء في (غروتسك) فني يحمل الجمال والقبح في ان واحد !

دائماً تفوحُ
من مساماتِ روحي
ومن جِلْدي الترابيِّ البسيط
وكُلّما اختنقتُ إشتياقاً إليكَ
وضاقَ بيَ الهواءُ
وأشتعلَ حنيني

يبحث الناقد في مستويات الشاعر المتميز من حيث كيفية تجددالصورة ونشأتها في فكره وخياله وعكسها للقاريء ,لإن الحواس وحدها غير كافية بتوصيل ما نصبو اليه، بالأضافة الى بحثه عن الإنزياح اللغوي وتحديث اللغة عند الشاعر، وبين الذاتية والموضوعية نتوقف كثيرا، لأن حجم الشاعرية والإنزياح اللغوي، وتشكيل الصورة الجديدة، وسعة الخيال والمخيلة وسائل نكتشف بها معايير مهمة لجمالية الصورة الشعرية عند أي شاعر، وهي بصراحة مفاتيح للناقد مهمة لتفكيك اي نص شعري، حتى نصل الى جوهر النص وجمالياته الفنية !
الشاعر سعد جاسم لم يأت بالصدفة أبدا إنما هو ثمار تجارب عديدة حاولت أن تمزقه لكنه كان قوياً من الداخل، حيث يمتلك الذائقة الشعرية ليبوح يتكلم يصرخ، له الشغف الكبير والمعرفة في حب الوطن، لذلك جعل اهتمامه في الشعر في قلب اهتماماته ! وجعله صوته المنحدر من أي مكان يسكنه صوب الوطن .. وليس صدى .
الصوت والكلمة والطاقة التي يمتلكها الشاعر ضمان كبير في تركيبة الصورة وإنعكاسا لحياته، وبنفس الوقت إنعكاس لمفهوم المكان -الوطن – لان الزمان ماعاد يشكل شيئاً الآن ..
فالذاكرة تعتمد المكان أولا ًثم تخوض في الأزمنة لاحقاً لتثبت من قبل الأسماء كدلالات معروفة للقاصي والداني، ومن أهتم بشأن الادب والتاريخ .
وهذا التقابل الفني بين واقع الشعر المعيش وبين ركام التاريخ يؤسس لوعي ولإحساس الشاعر في فكره ووجدانه بحب الوطن ومتابعة معاناة الناس . كما هنا في صرخته التي تبحث عن الحرية كموقف مشرف له في غربته المؤلمة :

أصيحُ:
حيثُ لامدى يتّسعُ لصيحتي ولوعتي
وجنوني فيكَ وعليكْ
عراق:
ع : عينٌ تتوهجُ فيها صورتُك القديمة
وأنتَ أخضرٌ ومعافى ورهيف
ر- روحٌ تتلالأُ بضوءِ مسلّاتِ الحكمةِ
ورقيماتِ الحرفِ الأولِ
وفتنةِ الجنائنِ الأرضيةِ وملاحمِ البسالاتِ
وإنوثةِ عشتاراتِ الخصبِ والحبِّ والمسرّاتِ
وأنوارِ حكمائِكَ وفرسانِكَ وشعرائِكَ وفنانيكَ ومُحاربيكَ ورواتِكَ
وقُضاتِكَ ومزارعيكَ ومعلميكَ النبلاء.
ا : آه منكَ وعليكَ .. ماأبهاكَ وأغلاكَ
وماأقساكَ أيها الملعونُ الجميل ..
ق: قلقي عليكَ وقلبي معكَ
حتى وأنتَ تطردُني وتقتلُني
وترميني الى الغامضِ والمجهول
لكنني وبلهفةِ المعشوقِ
أبقى عاشِقُكَ
ودمي رهانُكَ وقربانُكَ
ونهرُ خلاصِكَ الابدي ..

نص شعري تتدفق منه مشاعر خليطة من قوتين أساسيتين هما الفكر الإنساني الذي يحمله الشاعر ونبضات قلب حساس رهيف شفاف، يشكلان قوة نابضة في دعائم النص، وهما في نفس الوقت الجسر الذي يعبر به الشاعر الى الأنسان القاريء وبالتالي يضيف تفاعلاً عضوياً في المجتمع، وبالمحصلة يتحول النص الى ثمرة جميلة فيها من التكامل الروحي والانساني .. وتسكن في مخيلة القاري ويتدفأ بها وبأحضانها ! كعاشقة، كحبيبة ! كمعشوقة،، كمعشوق ! فالنص يسري على المذكر والمؤنث بنفس التوجهات، لإن الجميع يعيش داخل الأسوار:

ياأنتَ ياأغنيتي الأسيانة
وبيتَ أمي وأبي الحزين
وحبيبتي الأولى
وإخوتي وأخواتيَ الخجولاتِ
وأصدقائي الحائرين
الضائعين النازفين لأنَّكَ معضلتُهم وجوهرُ الأسبابِ
وإلتباساتُ ومآربُ البرابرةِ واللصوصِ
والخونةِ والعاهراتِ وحكّامِ الغفلةِ
والطوائفِ والكراهيةِ والقسوةِ السوداء
يااه ياأنتَ ياقبرنا الأخير
يااه ياأنتَ يافردوسنا الوحيد
يااه ياعراق ..

شاعر بالرغم من مرارة الغربة والإبتعاد عن الوطن إلا أنه مازال مرتبط في التعبير عن الألتزام بقضايا الوطن والفكر، مواكبا للتطورات التي حدثت في السنين الأخيرة بما رافقها من مأساة كبيرة كان لايرجوها ابدا ..
إلا أنه وحسبه كان يكتشف في مفرداته غايات تجول في خطابه وطاقته التعبيريةعن حبه في جوانياته وبرانياته .
يحمل هم الوطن في روحه أنى رحل وأنى حل . ولهذه الخاصية مرارة لايلعقها إلا من رضع حب الوطن من ثدي أمه عند غربته التي تمثل الموت والفقدان لأنه تربى داخل تقاليد شعرية أسس لها في وطنه وإمتدت مع جسور الغربة. وفي كل المناسبات يسأل عن الوطن الذبيح ! كما هنا في هذه الصور:

أصيحُ فيكَ وأُناديكَ
وأنا أحتضرُ
أو أحلمُ
أو أعشقُ
أو أثملُ
أو أغني مجروحاً
أو مجنوناً ونشواناً
فيضجُّ العالمُ كلُّهُ
بالعطرِ والهديلِ
والغناءِ الحرِّ
وأدعيةِ الامهاتِ

الصابراتِ
النازفاتِ
النائحاتِ
الحالماتِ
الصائحاتِ فيكَ وعليكَ
ياعراق ..
فهلْ أنتَ حيٌّ
وحقيقيٌّ
وكريمٌ
ونبيلٌ
وطيّبٌ
كما نريدُك ونحتاجُكَ ونحبُّكَ؟

وأنا هنا كناقد أتطلع في عتبات النص بصراحة لا اتساهل في مسؤولية الكتابة النقدية من حيث المحاباة في الأصدقاء، كوني ولسبب بسيط لاأعرف الشاعر –الفنان المسرحي سعد جاسم عن قرب أبدا ..إنما عرفته عن بعد , لمتابعتي أعماله الشعرية وما يكتب بالفن والأدب وهذا من تخصصي انا !

وقد استحوذ علي هذا النص لإن أسجل له ما يستحق من حق وإستحقاق وكنشاط إبداعي له ولتجربته الشعرية وفي إصداراته المتعددة , وهو إبن العراق إبن الشعر وإبن السرد والحكايا ومكامن الوعي الجمالي في العلاقة بين السحر في اللغة والشعر وما بينهما من إنتاج فكري للوعي المتجدد في فضاء وروح سعد جاسم ..

وآهْ
-ياعراقي
ياعراقَهم
ياعراقَ الخليقةِ
ياعراقَ اللهْ

——————————-
*ناقد عراقي مقيم في هولندا

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *