الدكتور زهير ياسين شليبه: تكريم الكاتب عدنان المبارك (ملف/13)

عجيب أمر هذا الكاتب عدنان المبارك، دخل في عقده السابع لكنه لايزال يتحدث معك بصوت طفولي خجول ويتمتع بذاكرة طازجه أو” تازه” كما يقال. فهو يستطيع بسهولة أن يحدثك عن تفصيلات الانطباعية الفرنسية وقضايا الشكلانيين الروس ونظرية باختين في الأدب والأدباء البولون أمثال فيتولد غومبروفيتش وتاديوش روجيفيتش وغيرهم. وإذا اردنا الحق فإن دولا مثل العراق وبولونيا والدنمرك ملزمة بتكريم هذاالجندي المجهول في محراب الثقافة والذي بفضله اطلع الملايين من قراء العربية على الأعمال البولونيه كما سنرى لاحقا.
سافر الى بولونيا وهو في الرابع والعشرين من عمره ودرس فيها الاخراج في مدرسة السينما والمسرح ثم غير اختصاصه ليدرس تاريخ الفن. صقلت الدراسة الجامعية وكتابة الأبحاث الاكاديمية مهاراته ومواهبه وعمقت مداركه ومعارفه بشكل منهجي منظم ليس كما هو الحال في القراءات الذاتيه التي لا يستهان بها ايضا.
ومنذ ذلك الوقت يقيم عدنان المبارك في منفاه او غربته باستثناء زيارات قصيره الى بلده العراق، حيث رمته في التسعينات عصا الترحال الى مدينة نيوكيوبينج فالستر الواقعة في جزيرة لولاند حيث يمارس نشاطه الابداعي والادبي ويشرف على موقع القصة العراقية.
هناك كتاب عراقيون وغيرعراقيين لم تضف غربتهم لتجربتهم الابداعيه آفاقا جديده وبقوا اسيري تجاربهم السابقة وذاكرتهم العراقيه. ويعود هذا الامر لعدة اساب اهمها عامل اللغة والاطلاع على ثقافة البلدان التي يقيمون فيها ولغتها أو حتى عدم اتقان لغة اجنبيه اوروبيه اخرى تعينهم على سد هذا النقص او الثغرة. ليس الأمر كذلك بالنسبة للكاتب عدنان المبارك فهو يجيد البولونيه والانجليزيه ويتعامل بالفرنسيه.
وهناك مَن خرج من العراق ليقيم في احدى دول الجوار وصار يتبجح في كل مناسبة او بدون مناسبة بانه يقيم في الخارج وكأن هذا الأمر صار وساما يعلق على صدورهم او مزيّة يتبجحون بها.
ولكن ماذا تعني الغربة او العيش في الخارج بالنسبة لهذا الرجل السبعيني الذي لا يزال يتحدث اليك بالطريقة الخمسينيه والسبعينيه.؟
الغربة
يقول عدنان المبارك عن غربته: ” يعني العيش في الخارج أنك تترك وراءك كل شيء – الطفولة واللغة وهذا المحيط وذاك، بل جميع البشر الذين تعرفهم جيدا. لكن تبقى تلك ال( لكن ). وأقصد هنا أن لكل كاتب عالمه الخاص، وكما يقول غومبروفتش فهو عالم لايمكن أن يكون من صنع الخيال أو تقادم عليه العهد. وأنا مثله لا أستطيع رؤية العالم إلا بعيني ومن موقعي الخاص. ما أكتبه من قصص وروايات فيه ( إكسسوار) من هذا الواقع العراقي وذاك، لكن الكتابة نفسها تأتي من مرجل آخر لا أعرف أيّ تفاعلات تحدث فيه. الكاتب بحاجة الى خلق بون بينه والعالم الخارجي. فأنت تشاهد اللوحة بصورة أفضل إذا كان يفصلك عنها بعد معيّن. وأن يكون الفنان في خضم الأحداث والحياة الجارية لايمنحه ذلك ضمانة أكيدة بصحة أحكامه ونضجها. بالنسبة للكاتب يكون كل شيء خارج عالمه الداخلي مجرد
( خامات ) يصوغ منها أعماله. أكيد أن التواصل مع ( الخارج ) يشحذ أدواتنا ويأتينا بميزة الدقة، إلا أن هذه الدقة ليست هي الحقيقة كما يقول ماتيس. فمهمة الفن ليست البحث عن الحقيقة وأيّ كانت. فهذه قد تكون مهمة العلم. ومعروفة هنا تلك الجملة من فاوست غيته : ( يا صديقي أن كل نظرية هي معدومة الألوان لكن شجرة الحياة الخضراء هي ذهبية). وعامة أجد أن سوء الفهم الأكبر ينتج عن غياب أيّ تعريف دقيق لما يسمى بالغربة. هنري ميللر كتب أروع أعماله في هذه الغربة. و كما تعرف فقائمة الكتاب المغتربين طويلة. وبإعتقادي أن الإنسان يشعر بغرابة الوجود التي ذكرها ألبير كامي مرة، في منعطف أيّ شارع ولايهم هنا إذا كان عراقيا أو دنماركيا .. ثمة هواجس وأسئلة أساسية لا تعرف حدود الجغرافيا. قبل كل شيء تصبح الغربة نقضا لمصطلحات مثل الوطن، المدينة، البيت، بل الغرفة الشخصية. بالنسبة لي أنا أحمل كامل حياتي السابقة – من الولادة الى عمر الرابعة والعشرين حين غادرتُ البلاد – في رأسي وقلمي. … ولعل المرء يشعر بالغربة حين تحصل المواجهة بين ما يشعر به ويفكر وبين واقع الغربة الخارجي. والكثيرون كتبوا عن الغربة، وكل واحد منهم وفق ثوابته العاطفية والذهنية والعقائدية وغيرها. بالطبع هناك أحكام وبديهيات مقبولة بدون جدال إلا أنني لا أستطيع أن أحشرها تلقائيا في قاموسي الخاص ككاتب. ثمة أقوال – كليشهات يزخرفها ميلنا الشرقي الى فائض العاطفة. الكاتب بحاجة الى ديكور يضع فيه شخصياته. وهذا يختلف من كاتب الى آخر. معلوم أن ديكورات كافكا كانت متواضعة وتميل صوب التجريد إلا أن هذا الكاتب حقق أكثر من ريادة فيما يخص سبر بعض متاهات الإنسان. بالطبع أفادته كثيرا ممارسته اليومية لكنه أدرك محدوديتها ونفعها القليل عندما حرّك تلك القضايا الأساسية…..
الغربة كما يقول تشيسواف ميوش هي عيون جديدة، فكر جديد، بون جديد. وهذا ما يحتاجه الكاتب في منفاه (الخارجي). وبعدها يسأل هذا الشاعر البولندي: لكن هل بمكنة المغترب أن يدحر الأنا القديمة ؟ بالطبع يعتمد الأمر على موارد لم يكن قد عرف عنها الكثير في السابق، وبينها تبدل اللغة. وميوش يتكلم هناك عن تجربة معاشة لكنها مشتركة أيضا. رغم كل شيء يعتمد الخيارالأكثر صعوبة على الإحتفاظ بالحضورالمتخيَّل والمقرَّر في البلاد التي ينحدر منها الكاتب المغترب. كذلك إستوقفتني ملاحظات أخرى لدى هذا الشاعر مثل قوله إن ظروف الغربة التي يخضع لها الكاتب تعمل على الأخذ بآفاق ومنظورات كثيرة وأصناف وأساليب أخرى وخاصة ما يرتبط بالنقل الرمزي للواقع. بعبارة أخرى يأتي هذا النقل تعويضا عن النقل الاخر: الفعلي أي إحدى صيغ الواقع وفق المفهوم الشائع”.
إنه بحق جندي مجهول في محراب الثقافة العالمية، يعمل بداب ونشاط وهدوء في عالم الظاهرات الصوتية والزعيق والصراخ والادعاءات الكاذبة. يكتب هذا الفنان على طريقة صديقه الراحل غائب طعمه فرمان “قل كلمتك وامشِ” بدون النظر الى الخلف او التطلع الى المكاسب والغنائم والامتيازات التي يتقاتل عليها من ادركتهم حرفة الأدب الآن وبخاصة بعد سقوط الاصنام فصرنا نسمع اصوات المدعين والإمعات والطبالين.
من محلة السيمر في البصره الى بولونيا
انطلقت بداياته من محلة السيمر في ثغر العراق البصراوي الجميل المطل على الخليج والعالم، الذي كان يستقبل رموزه الثقافية العالميه مثل الفنانيين البولون الذين اثروا فيما بعد بالحركة التشكيلية والثقافية العراقية كلها. ويرحل كاتبنا من السيمر الى وارشو لينهل منها العلم والمعرفة وليعطيها ما لم يقدر عليه الملايين من ابنائها، ومن الأخيرة الى الدنمرك حيث ينشغل قدر ما تسمح به ظروفه بموضوعات فلسفة سورين كيركوكغارد والثقافة الدنمركية لكن ليركز اهتمامه الى موقع القصة العراقية.
المقال الأول والمرشد الروحي مصطفى عبود
هنا سينمو ويترعرع هذا الكاتب الصوفي الزاهد في احياء البصرة وسيدرس في ثانويتها وسيرتاد دورالسينما مع زميله الكبير ومرشدهم الروحي مصطفى عبود، الذي يقول عنه “لقد فاقنا جميعا بذكائه ومتابعاته الجادة وأحكامه الناضجة في ظاهرة الفيلم خاصة”. كانوا يكونون حلقة صغيرة يحدثهم مصطفى عبود ما قرأه من مجلة فيلم أند فيلمينغ بالانجليزيه. هذه الحلقة البصرية تذكرنا بجماعة الوقت الضائع التي كان ينتمي اليها قسم من كتاب الخمسينات العراقيين.
وعن اول مقال كتبه عدنان المبارك يقول “كانت البداية مع الفيلم”. وأصبح فيما بعد شقيقه الأكبرمعلمه الأول والذي كان ينشر قصصه في مجلة الهاتف لصاحبها الخليلي. وصار عدنان المبارك يكتب منذ منتصف الخمسينات مقالاته البسيطة عن السينما التي اغوته في الصحف المحلية واحيانا قليله في العاصمة بغداد.
وعن بدايات تشكل وعيه الثقافي يقول عدنان المبارك ” كانت تجذبنا الكتب الممنوعة ومعظمها عن الماركسيه والادب السوفييتي، الذي لا اظن أن هناك من لم يسحره آنذاك وخاصة اذا كان مراهقا، فالعالم كان هناك شفافا على حد تعبير فيسوافا شيمبورسكا، وبعدها جاءت فترة الوعي الثاني واكتشاف لاشفافية العالم والانسان: قراءة تراجم سهيل ادريس وبعلبكي وعيتاني وغيرها. كانت اكتشافات مدهشه بل مصدمه بعد الدخول الى عوالم فوكنر وكافكا وتينيسي وليامز واليوت وباوند وكامي وسارتر ودوستويفسكي وهيسه والباقين من الذين نظروا الى البشر والطبيعه حتى الحيوان من مرصد آخر، عليّ القول إن طه حسين والعقاد مثلا لم يؤثرا كثيرا في، ربما بسبب تنوع الخيارات. كنت وقعت تحت تأثير سلامه موسى بشكل خاص. جذبتني علمانيته وعقلانيته.”
محمود عبد الوهاب وأردش كاكافيان
ويتعرف الى القاص محمود عبدالوهاب وصديق عمره أردش كاكافيان، الذي قدم الى البصرة مع مظفر النواب بمناسبة معرض للانطباعيين”.
يقول عدنان عن هذا الأمر: “وهكذا وجدت نفسي كما لو أني هبطت على كوكب آخر وإكتشفت فيه حيوات آخرى ! كان أرداش يحب الشعر وصارت عادتنا أن نقرأه سوية. بعدها كتب هذا الصديق الراحل الكثير من الأشعار التي ضاع بعضها وآخر قمت بنشره. كنت سعيدا حقا عندما إكتشفت أن للفن، أي الكتابة أيضا، مهاما أخرى غيرالتسجيل والتحريض الإجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي أو الصيرورة وسيلة إعلامية – معرفية من طراز خاص. عرفت أن ليس أمر ملزم أن تكون علاقة الفنان بالطبيعة والمجتمع ( العالم الخارجي ) مباشرة. كانت ملاحظات وخواطر وأفكارأرداش تدفعني الى التفكير المتواصل بقضايا أخرى غير التي كانت ( رائجة ). لا يعني هذا أنني كنت معزولا عن دوامات الحياة وبراكينها آنذاك. كل ما حصل كان تحوّلا جذريا في سلم القيم والإهتمامات الكتابية والفكرية. في البصرة كنت معجبا بقصص محمود عبدالوهاب ( أتذكر إنسحاري بقصته ” القطار الصاعد الى بغداد “) ومهدي عيسى الصقر. كنا جميعا نشعر بالزهو والفخر بأنهما من مدينتنا وجيراننا. بالفعل كان الصقر يقطن الزقاق المجاورفي محلة السيمر.. في تلك السنوات جرّبت قوتي في الكتابة القصصية . لم أكتب كثيرا بل بضع قصص ، ربما ثلاث أو أربع. نشرتها في الصحف المحلية وواحدة في مجلة ( فنون) البغدادية. بعد المدرسة جرفتني الصحافة في بغداد إلا أنني بقيت مخلصا للكتابة عن الفلم”.
وكتب بضعة قصص لكنه بقي مخلصا للكتابة عن الفيلم على حد قوله.
تراجمه
أما تراجمه في الأدب والنقد والثقافة فلا تحصى ولا تعد لكنها اتحفت المكتبة العراقية والعربيه بافضل الكتب والدرسات.
ترجمَ موضوعات شتى من مختلف مجالات الحياة وبقي الأدب والفن يحتل الصداره مثل مذكرات المخرج السينمائي الإيطالي فيتوريو دي سيكا عام 1954 في مجلة ( فنون ) العراقية. يقول عدنان المبارك عن الترجمه “كانت الترجمة ولاتزال إغراءا كبيرا. أكيد أن من الأسباب الرغبة والسعي الى إشراك الآخرين بما تقرأه إنطلاقا من قناعتك بنفعه. بصراحة أنا لا أتذكر ما ترجمته في النصف الثاني من الخمسينات خاصة. بعدها جاءت فترة الدراسة الجامعية التي أبعدتني عن الترجمة بل الكتابة النثرية. كنت أترجم أحيانا لنفسي ولا أنشر لكن منذ السبعينات إستعدتُ الرغبة وأخذت أنشر في الصحف والمجلات العراقية.
في الحقيقة نشرتُ هناك معظم ما ترجمته من الأدب البولندي كالقصص والمسرحيات و القصائد وغيرها. فيما يخص هذا الأدب دهشت منذ البدء بتنوعه وأصالته. تعرفتُ حينها على إبداع كباره أمثال فيتولد غومبروفتش وتاديوش روجيفتش وسوافومير مروجيك وتشيسواف ميووش وفيسوافا شمبورسكا وزبغنيف هربرت وغيرهم. وكان كتاب وفنانو هذا البلد يغردون في تلك العقود خارج السرب.. وبكل تواضع يسهل علي القول إن تراجمي للأدب البولندي وما كتبته في النصف الثاني من السبعينات والثمانينات خاصة كانت إسهاما نشطا في جرّ الإنتباه الى الأدب البولندي المعاصر. بعدها جاء ت التجربة مع الأدب الدنماركي الذي لم أكن أعرف عنه الكثير عدا كيركيغورد وأندرسن .. ترجمتُ لشعراء دنماركيين وجدت أن لهم أصواتا متميزة يندرأن نعثر عليها في آداب أوربا وغيرها. أكيد أن هذا الشعر هو إمتداد طبيعي لما حققته آداب إسكندنافيا وتشكيلها وفلسفتها وفكرها.
كما تعرف أنا أقترب بحذر بالغ من الأدب الدنماركي وخاصة من شعرائه والعملاق سورين كيركغورد الذي
( عذب ) الكثيرين من المترجمين وقرائه المخلصين في الخارج. كان ميغويل أونامونو قد تعلم الدنماركية من أجل أن يفهم كيركيغورد بصورة أفضل.. أكيد أنه سمع بعذاب ناشريه الدنماركيين أنفسهم حين لم يفلحوا في فك جميع ( طلاسم ) كتاباته. كذلك فاللغة مثل الفرس الجموح وليس هناك أمد محدد لترويضها ! وأظنني تأخرت ُ في هذه الساحة. فذاكرتي الآن كمترجم ليست بتلك المرونة والإستيعاب السابقين. لكن رغم ذلك أجد نفسي منجرفا معها بين حين وآخر.. ”

النقد الأدبي
وعلى الرغم من ان باعه في النقد كبير لكنه لا يعتبر نفسه ناقداً بل مجرد متلق يقظ كما يقول. ولكن جرب واساله عن النقد ومدارسه واساليبه ومناهجه ومواقف الكتاب والنقاد أمثال أرنستو ساباتو الذي ترجم له الكثير وهنري ميلر وآخرين.
وعموما يمكن تلخيص فكر عدنان المبارك النقد هو انه لا يميل الى “الروتين والمساطر المنهجيه … لأن مايشوش الرؤيه هو الميل المنهجي لدى الناقد المحترف”.
اما بالنسبة لكتابة الانواع النثريه مثل القصه والروايه فإن عدنان المبارك يقول “ليس الغرض إعادة خلق الطبيعه سواء اكانت إنسانا أو غيره، بل خلق طبيعه أخرى واكتشاف حقائق أخرى. هذه هي بوصلتي في كتابة القصه والروايه أيضا. وفي الحقيقه لم يبقَ النثر نثراً والشعر شعراً فالأشكال الأدبيه تتهاوى عند اللجوء الى اللغة الحيه مثلا”.
ويصدر اليوم عدنان المبارك مجموعة قصصيه جديدة بعنوان “في مدينة اخرى” تتضمن قصصا قصيرة
مثل “النهاية عند الأفق”، “في الرجاء الصالح رقم خمسه”، “التحول الأخير للفطحل”، “خروج الفطحل من المطهر البصراوي” وقصص اخرى.
وأصدر قبل ذلك روايات مثل “الزاغور”، “ترس السلحفاة أو الموت”، “قبل كل يوم”، “تحت سور الصفيح”، “رسائل الى موتى” و”حكايات السجارة الأخيرة”.

أهم ما يمكن ملاحظته على لغة أغلب قصص عدنان المبارك هو السخرية من القهر، لكنها ليست ضحكاً لملأ الفراغ بل ضحك مبك وكل ما يدخل ضمن نظام شر البلية ما يضحك .
وهذا الإمعان في وصف العالم المليء بالفظائع والفضائح والسفالات والدمار بطريقة لاتخلو من مبالغات مقبولة رغم إقترابها من عالم الخيال والأساطير، يجعل القاري يصدق بأنه إزاء حقيقة إسمها الإنهيار .
وهنا تكمن أهمية هذا النوع من الكتابة التي تبتعد كثيرا عن الأساليب التقليدية إذ إن الكاتب مشغول بالتعبير عن هذا الهم الذي يصرعلى إ برازه، والأخذ بيد القاريء وإقناعه بأن كل ما يقرأه عن هذه الممارسات ليست فضائح مفتعلة بل مصيبة حقيقية بكل معنى الكلمة. إنها كارثة ولعنة حلت علينا جميعا وإن الأمر لم يعد يحتمل ولهذا لابد من عمل شيء ما ينقذ الحال قبل فوات الأوان.
واللغة هي أيضا تتجسد فيها السخرية والإصرار والمواصلة على محاكاة الظواهر والأحداث التأريخية والممارسات السلطوية والحقائق، الا أنها لغة حكي سردية تبتعد عن الإفتعال والإنشاء، لغة إنسان خاص يصلح أن يكون بطلا روائيا، لكنها تحتاج الى تركيز وتفاعل كبيرين من قبل القاريء .
هذا النوع من السرد يمكن ان يكون قابلا للتذوق من قبل قراء متفاعلين مع الحالة التأريخية والسياسية ومتقبلين لإمكانية تحليل الظواهر تحليلا فلسفيا أو فلسفة الظواهر الشرقأوسطية.
عندما نقرأ نصوص عدنان المبارك السردية نشعر وكأن لسان حاله يقول: المصيبة إننا مجموعة شعوب تعيش في مركز الجغرافية والحضارات والتأريخ لكننا مهمشون، أو بالأحرى رضينا هذه الحالة المهمشة من قبلنا انفسنا ولا علاقة للآخرين بها. إننا نبحث دائما عن شماعة نعلق عليها اسباب مشاكلنا وتخلفنا أو تهميشنا من قبل الآخرين، بينما أن الأمر لايحتاج الى عناء كبير لمعرفة الأسباب الحقيقية لكل ذلك، والتي تكمن فينا.
أعتقد أن هذا هو جوهر الموضوع الذي اراد الكاتب أن يقوله لنا في نصوصه التي كرسها لقضايا أرقته كثيرا قبل أن يباشر الغوص فيها.
والطامة الكبرى أننا شرقأوسطيون شهدنا (ملاحم) الإنتصارات، في منطقة كانت مهد الحضارات، فأصبحت اليوم لها خصوصية لاتوصف، ينطبق عليها كل ما يمكن أن نسمع من جرائم حتى وأن رويت بطرق أسطورية او خرافية، لأنها مليئة بالأعاجيب، بالقهر والتسلط والحرمان والتخلف ولكن قوة الإنسان و ذكائه في الوقت نفسه.
ولكن قد يسيء القاري الفهم ويتصور أنها مانيفيست سياسي وليست نصوصا أدبية فنية، وهذا غير صحيح لأننا نقرأ مناجاة حزينة عن الأنين والنحيب وآلام البشر.
أهم شيء بالنسبة للمبارك هو إعادة مشاعر الدهشة لدى قارئه، وهي صفة مهمة للإنسان لكي يحس بما يجري حوله ويستمتع بحياته وإلا فإنه سيعاني من الإحباط والكآبة وهذا هو جل ما يخشاه.
والمهم أيضا هو أن عدنان المبارك لايعد نصوصا قصصية كما قد يتوقع بعض القراء منه، بل إنه يحاول إنجاز مهمة إعادة خلق الحالة المأساوية، الكارثة التي نعيشها، ممارسا بذلك حبه للبشر من خلال الكتابة بطريقة اخرى، قد تكون غريبة وعجيبة، ممعنة في المغالاة والمبالغات واختلاط الواقع مع الخيال إلا أنها الفضلى والمناسبة لمتطلباته في التعبيرعن مشاعره وهمومه ولإيقاظ الآخر من غفوته فيكون بذلك قد برأ ذمته وتخلص من مشاعر الذنب والتقصير. إنها حالة كاثارسيس وجدانية يمر بها المبارك أثناء ممارسته إبداعه وليست مواظبة يوميه يقوم بها لكتابة قصة عادية تتوفر فيها مقوماتها المعروفة مثل الحدث والمكان والزمان ووحدة الأبعاد الثلاثة والخ من القوانين النظرية التي صارت بالنسبة له، كما يبدو لي، مجرد هرطقات نقديه لا اكثر.
هذا ما يمكن للقاري ملاحظته بالذات بعد قرائته لقصة “ثمار الزقوم”، وتتأكد هذه المشاعر في “في البستان” و”أمام القصر الجديد”، إذ إنها نموذج إيجابي آخر على إصرار الكاتب في ممارسة سرديته الساخرة من العالم الفوقي بكل ما يملكه من موهبة لوصف حالهم مؤكدا من خلال هذا الإمعان أو التمادي في السخرية، على أن ما يقوم به ليس مبالغة، بل حقيقة، وهنا تكمن مأساتنا. إنها حقيقة مرّة ولهذا يجد القاريء نفسه امام نصوص يقدمها كاتب متخصص بهم ، يبث أحزانه ومعاناته.
ويتجسد نفس النمط من السخرية في قصة “رجل لقبه السعيد” و “الوشايات” حيث يتميز بالتواصل مع الواقع لتكوّن مع النصوص الأخرى عالما سرديا كاملا مكرسا لموضوعته المركزية : التسلط والقهر.
هذا الإصرار في متابعة الموضوعة الرئيسية، والإمعان في السخرية وتكريس كل شيء لها يشد المتلقي الواعي ويجعله يشعر كما لو أنه أمام عالم سردي واحد يقترب من الجو الروائي، فهي نصوص مترابطة في حقيقة الأمر يشملها جو فلسفي واحد.
يتأكد هذاالأمر في قصة “المهرج” و”الغرق” حيث تتجسد فيها قدرة الكاتب الإيحائية وتمكنه من وصف صوره ومعرفته العميقة بتفصيلات الحال، فلديه الكثير مما يقال وحقائقه وحدها تتحدث عن نفسها فتشغل بال الإنسان وتبهره وتدهشه.
إن حالة الإنبهار والإندهاش أمام وقائع الحالة التاريخية قد تكون مهمة لدى نوع من المتلقين، يتميزون بالوجد والمعاناة والقدرة على التركيز، ولكنهم عملة نادرة في هذا الزمان الذي صار الناس فيه بسبب الإحباط ينشدون الكتابة البسيطة أوالرومانتيكية .
هناك أمر هام أود ان أختم به مقالي هذا وهي أن لغة المبارك سردية بسيطة وجميلة، إستطاع تحويلها من عادية الى فنية بلاإفتعال وبدون السقوط في المباشرة أو الشرح أو الكتابات الإجتماعية ولا الكتابة القصصية التكنيكية المفتعلة التي تتميز بإقحام مقومات النثرالسردي على حالة الكتابة بشكل مصطنع فتكون النتيجة نثرا سرديا جامدا أو جافا او تقليدا للآخرين. نصوصه مفعمة بالحيوية والحياة وتساؤلاتها الصعبة.
كيمياء المنصب
أخيرا نشير الى أن قصته “كيمياء المنصب” التي اصبحت فيما بعد فصلا من روايته “حكايات السيجارة الأخيرة”، تعد واحدة من اكثر النصوص انتقادا للنفس البشرية الناقصة التي تتغير بمجرد الحصول عل موقع أو منصب متقدم.
واعتقد ان بعض مقاطع هذه القصه ستكون خير ما نختم به هذا المقال المكرس لكاتبنا العراقي العزيز عدنان المبارك متمنين له الصحة وطول العمر ليواصل إثرائه الثقافه العربيه بالمزيد والمزيد.
نقرأ في قصته “كيمياء المنصب” “أحكي لك اليوم يا دكتورعن الرجال من المناصب الجديدة. كنت حاضرا هناك بحكم عملي خاصة إذا كانت المناسبة تتطلب عددا ليس بالقليل من الأوراق الرسمية وغير الرسمية بالطبع… أنت تعرف. سيدنا حفظه الله يرى أمامه الرأس المنحني لهذا الذي وهبه منصبا ليس بالصغير. إلا أن نظرة سيدنا حفظه الله، مهما كانت ثاقبة نفاذة، لم تعرف كيف ستكون الحال مع هذا الراس الذي يكتسب صلابة الصخر حال مغادرته القاعة. صار الآن لايعرف غير إتجاهين : صوب الأرض بحضور سيدنا حفظه الله، وصوب السماء في حضور الآخرين أي الناس من تحت المنصب الجديد. بحكم المهنة أنت تعرف يادكتور ما يحصل من تبدلات في جسم الإنسان ونفسه نتيجة المرض، إلا أن تلك التبدلات التي تطرأ بعد الخروج من تلك القاعة تختلف جوهريا عن الأخرى التي تحصل لمرضاك. قبل كل شيء تتغير الهيئة والطلعة. في السابق كانت نحيفة مثلا، تقل فيها نقاط الإستدارة. أما الآن فهي قريبة من شكل المربّع مما يوحي بالرسوخ والضخامة أي الرمز الأكثر وضوحا لهيبة السلطة وعظمها. بهذه الصورة نعرف من هو الواقف هناك. مع تغير الهيئة تتغير الحركة أيضا. إنها بطيئة أو متباطئة، والرجل الذي منحه سيدنا حفظه الله هذا المنصب الجديد أخذ يكف عن التقافز والتراكض. الآن صارت الخطوة جادة ووقورة ومتزنة تطرق الأرض بكل وثوق وعزيمة. الجسم أخذ يميل قليلا الى الأمام لكي يوحي بالإستعداد لمواجهة شتى المشاكل والصعاب. أما حركة اليدين فهي مرسومة بكل دقة وعناية وتخلو من أي إشارة تفضح الإنفعال. ملامح الوجه يا دكتور أصبحت تمثالية مغلقة مبهمة كالطلسم الا أنها تكشف من ناحية أخرى عن تكرس تام للمسؤولية الجسيمة التي ينوء تحت عبئها صاحب الوجه.. بالطبع لكل قاعدة إستثناء. أحيانا تكشف، ولا أقول تفضح فهذه كلمة لاتليق بالمقام، عما يختلج في النفس من رضا وتفاؤل.هذا إستثناء لايقدر أن يشوش الصورة المعهودة للرجل الذي يملي عليه منصبه طرد أي إمكانية للإتصال، النفسي بالطبع، مع الآخرين من تحت.
…… النظرة يادكتور أخذت تتبدل أيضا. صار لها مدى آخر وزاوية سقوط أخرى. والنقطة التي تصل إليها الآن يصعب علينا أن نعرف مكانها، ولذلك عندما نتكلم مع صاحب العين لانكون أبدا ، بحكم قوانين البصر، في مركز إنتباهه. فتلك النظرة هي الآن وراء نا بعيدا. كذلك لايمكن أن نكون في محط الإنتباه ولأن زاوية نظره منفرجة جدا. إنها مثل مروحة اليد الشبيهة بذيل الطاووس. وأثناء الحديث تتصاعد نظراته فوق الرؤوس كما لو أنه إستخدم ذلك المنظار الخاص بالدبابات والغواصات والذي يسمح برؤية ما هو موجود خارج محيط النظر.
ومن أعراض حالة ما بعدالتعيين تغيّر طريقة النطق أيضا. بدل الجمل الواضحة المكتنزة بالمعاني هناك أنصاف الكلمات او الأخرى الصغيرة والقصيرة : ( طيّب. ممكن . سننظر . فعلا إلخ ) أو التمتمات أو السعلات شبه المكتومة والسريعة أو الصوت المعلق في ذلك الصمت الذي أطبق علينا من كل الجهات: (بالوزار… ، ستدر…س ، نحن مهتمو… ن إلخ …..
نعم يا دكتور هذه هي الحال مع بنى آدم. غدا سأحدثك يا دكتورعن مراسيم الوشاية لكن أكرر الرجاء بزيادة المورفين. إنه ألم يفتت الصبر. إذا تصاعد هذا العذاب الجنوني وبهذه السرعة فستحرم يا دكتور من هذه الحكايات وهي فرصة نادرة لكلينا. ففيها معرفة تطمّن فضولك يا دكتور، ولي سيكون لها طعم السيجارة الأخيرة لدى المحكوم عليه بالرحيل عن عالم مثل هذا “…
———–

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *