سمكو محمد: الاستطيقا يحافظ على النتاجات الفنية من الاشكال الاخلاقية ولايجعلها ملكاً خاصاً (القسم السادس)

ـ ايجاد الجمال في اي شيء مربوط بالعقل

اعداد: عباس جميل جيماو
ترجمة: جمعة الجباري
القسم السادس
يسلط الكاتب والمفكر سمكو محمد في هذا القسم من اللقاء الضوء على موضوع علم الجمال (الاستطيقا) كمفهوم فكري متعدد المعاني، كما يكشف تلك الخفايا التي لاترى بالعين المجردة واين يتم العمل بها، ويرى ان علم الجمال هو تلك الرؤية التي تنظر الى المخلوقات بطريقة علمية ويصورها من جديد بشكل فني بحيث لايتعرف المتلقي على بدايتها، لانه في البداية كانت هذه الظاهرة في الواقع شيئاً اخر، وتتبلور هذه الرؤية تحت تأثير هذه الكلمات والامكانيات، التي تتواجد تحت ايدينا كمعرفة، و الموضوع الجميل للانسان ليس فقط ان يتكمن من الموازنة بين القوى لانَّ كليهما من مخاضات الجسد، فلو احتاج كل شيء الى التوازن؛ فلن يكون هناك داعٍ لعلم الجمال، بقدر ما هو تدريب متواصل للجسد تحت تأثير الخيال للاشياء ومايدور حولنا ومعطيات الحياة، وخاصة الاختلاف البارز بين الذكر والانثى، فبقدر طبيعيته فهو يتمتع بالجمال.

سؤال: بما انَّ علم الجمال مفهوم علمي متعدد المعاني، وقبل ان يكون مصطلحاً؛ هو بحد ذاته فلسفة لاستكشاف تلك الاسرار التي لاترى بالعين المجردة أو دون وعي في الطبيعة، لان معاني الجمال ليست مرتبطة جميعاً مع بعضها، بل كل واحدة منها تتواجد حسب سياقها الخاص بها، فكيف تنظرون الى هذا المفهوم من هذا المنطلق واين يمكن تطبيقه؟
سمكو محمد: سنبدأ من التعريف الاستطيقا، الذي يأتي بمعنى الجمال أو معرفة الجمال، وقد بدأ المفهوم في زمن ظهور الفلسفة اليونانية القديمة، حين كان افلاطون يبحث في العقل عن الافكار الجميلة وفي الوجود كان يبحث عن اثارة الحواس، ونقل ارسطو هذا التفكير من الابستراكت الى الفنون الجميلة، مثل اي نوع من الجمال الموجود في الطبيعة ولايتساوى مع غيره، وكذلك قام بايقاف المنطق الخيالي الفني ازاء الادراك الحسي الذي ياتي من خلال التجربة، وهذا التوارد من يد الى يد نقل الجمال الى العلم والادب والخطاب وسمي ذلك بالاستاطيقا (علم الجمال) وقد تحدث الكثير من المفكرين عن هذا المصطلح، فيرى هيغل ان الجمال موجود في كل مكان ونواجهه باستمرار، وعلى هذا الاساس فان الفن يبدأ حيثما ينتهي التقليد، مثل الفن الفوتوغرافي او العمارة في منزل مهجور بعيد عن ايدي الانسان.
بيد أنني أؤيد رؤية (هيربيرد ريد) في كتابه (معنى الفن) حيث يرى الجمال كوحدة اتصال بين الاشياء، ومانحس به من الاشياء يكون عن طريق الحواس، وما له علاقة بالطبيعة فهو بحد ذاته بمعنى الاستطيقا، الا ان الانسان يأتي ويمنحه مستوى فني، كي يلائمه مع طبيعته الشخصية.
اين وفي كم من المجالات يطبق ذلك، هذه هي الفلسفة وكيف يقوم الفنان او الاديب بالعمل على المجال العملي لها؟ وانني ارى انه ليس هناك اي عمل ادبي وفني وجسدي وحتى تاريخي متكامل بدون اية ثغرة اذا قام بدون الاستطيقا، لهذا لايمكننا اعطاء معنى حقيقي لاي نص او عمل فني بدون الاستطيقا.

سؤال: سنحول مجال حديثنا الى تلك العلاقة الموجودة بين الكيفية والكمية، فهذا المفهوم ينقل المعنى من العقل الى العفوية، وايضا من الطبيعة والطبيعي الى الفن والاعمال الفنية، فكيف نستطيع التحدث عن تلك الاختلافات بدون وجود المستلزمات المطلوبة تحت ايدينا؟
سمكو محمد: احدى معاني الجمال ليست المادية، أو الاشياء الموجودة في الطبيعة حسب الكمية، بل انَّ الاستطيقا هو بحد ذاته معنى كيفية الاشياء، وهذا المصطلح يعود الى معرفة فلسفية يظهر اكثر في النتاج الادبي والفني والطبيعي، وما يتذوق منه الانسان يسمى التذوق، مثلما يشير ريمون بايير في كتابه (التجلي الجميل) و يرى هانز جورج غادامير ان الاستطيقا ينتمي الى علم الكيفية، اي معرفية، لو كان هناك الكمية في العلم؛ فهي للاستطيقا الكيفية، وستظهر عليها مسحة شخصية وتنعكس على الشخصية.
انَّ هذه الموازنة صعبة وتحتاج الى الاثباتات، فنحن نتحدث عما بين العقل والطبيعة الموجودة خلف العقل، وينحى الحديث هنا منحى ميتافيزيكياً، بمعنى اننا نتحدث عن الاشياء الجميلة من خلف الطبيعة، او ما نجد فيه الجمال ولكن بالعقل وليس بالعفوية الطبيعية، والقصد هنا انَّ الكمية هي نقل المادية من جسد بلا روح الى روح حية.
على سبيل المثال نحن نرى في اي شيء شكلاً لانستطيع تحويله الى المادية، ولكن هنا الزمن يحكم في الاصالة، وليس التحويل والتلاعب وتجديد المادة، كما موجود في سوق التحف ومعروف بالمادة الجميلة ويصور معها المصطافون صوراً تذكارية.
يجب علينا ان نفرق بين الاعمال الطبيعية والقطع الكلاسيكية؛ فجبل اتخذ شكل كهل محدب الظهر نتيجة الزمن، شجرة التفت بشجرة اخرى على شكل امرأة راقصة، صخرة تتراءى للناضر على هيئة سمكة أو حيوان ما، وما موجود من طبائع النساء في ثقافات الشعوب من تكحيل العيون والكحل والمكحلة والاهتمام بالملابس التقليدية الجميلة، مختلف عما يكتشف عن طريق البحث والتنقيب من قطع اثرية وتعرض في معرض او متحف، كل ذلك يقول لنا: انَّ الاستطيقا المتلاعب به والمنقول عن طريق العقل الى جسد مادي هو الكمية الى الكيفية.

سؤال: حسناً، هناك مقولة انَّ الاستطيقا ليس موجوداً فقط في الطبيعة والفن، بل موجودٌ ايضاً في النص الادبي، لانَّ الكتابة هي خيال فني ولها علاقة هارمونية مع الجسد الفني، وجزء منها يقع على عاتق اللغة، فهل انَّ اللغة هي ذلك العامل الذي يستطيع خلق الاستطيقا؟
سمكو محمد: مع سماع وقراءة اي نص جميل و جمالية في النص التي يحس بها القاريء الجاد؛ نرى علاقة الاصالة والملكية من لغة ميتة الى لغة حية، لانَّ الادب احد اسباب اكتساب والعثور على الجمالية داخل اللغة، وحين نقرأ قصائد سوفوكليس ومزامير دادود ونصوص شكسبير ونقرأ روايات ديستوفسكي ودانتي ..الخ وحين نقرأ (ارنولد توينبي ) مثل عراف الاساطير؛ نرى كيف ينظر الى لاماسو وبوراق و كويار الزرادشتي وكهان اليابان وهندستان الاسطوريين، من هناك نفهم ان الاستطيقا لايوجد فقط في شكل اصم وبلا لغة؛ بل يوجد في الاشياء الدقيقة والصغيرة مثلما يتحدث عنها غاستون باشلار، ويقول: لو وجهوا لي سؤالاً لتحديد الفوائد الرئيسة للمبيوت والمنزل (حتماً المنزل عندي هو الغطاء المحافظ لاضغاث احلامي، ويحافظ المنزل على الاشخاص دائمي التخيل، ويفسح المجال للانسان كي ينام بهدوء وطمأنينة، واية حادثة صغيرة في الصغر وفي عالم اي طفل؛ هي الحدث العالمي للطفل) مثل البيت الذي يصنعه الاطفال و شباب ويلعبون ويختبؤون فيه، ثم يعثرون على انفسهم بداخله ويخطون عليه ملكيتهم، تلك الكرات والملابس الرياضية التي لايستطيع اطفال الفقراء الحصول عليها في حينه ليلعبوا به ويحققوا احلامهم، تلك المسابح المتخيلة واستخدمت بقايا مياه الامطار الشتوية بديلاً لها، كل هذه الاشياء ذكريات جميلة تصورها اللغة، انا شخصياً لي ذكريات اطفال كركوك حين كانوا يلعبون في نهر خاصة، واتذكر حين كنا اطفالا في ثمانينات القرن الماضي نلعب ونلهوا في نهر خاصة في كركوك واستخدم هذه الذكريات في الكتابة أو الاشتياق وذكرى طفولية كبيرة، وايضاً ذكريات اخرى مثل صيد الزرزور والسباحة اثناء العطلات المدرسية والعراك بين المحلات..الخ، أو تلك الزوايا الخفية من الحياة داخل البيوت الصغيرة، وخاصة البيوت الكوردية التي لم تكن تجد فيها فسحة من الاستقلالية للفرد طوال حياته، كل هذه الاشياء هي نصوص ولكن تحتاج الى من يكتبها، ويتحدث (رولان بارت) في كتابه (لذة النص) عن هذا الاسلوب من الكتابة، هي نفس الفضاء ولكن يجيب عنها بطريقة معرفية، لانه لايوجد نص جميل دون ان يكون وراءه معرفة .
الاستطيقا (علم الجمال) هو تلك الرؤية التي تنظر الى الاشياء والموجودات بطريقة علمية ويصورها من جديد باسلوب فني بحيث لايستدل المتلقي على بدايتها، لانها كانت هذه المادة او هذه الظاهرة شيئاً آخر، وتتبلور هذه الرؤية تحت تأثير القدرة والكلمة التي نملكها، وليس الشيء الجميل للانسان فقط ان يستطيع التوازن بين القوى التي كلاهما من نتاج الجسد، بل هو تعويد الجسد المتواصل للاشياء والانحاء ومعطيات الحياة تحت تأثير الخيال، وخاصة الاختلاف الموجود بين الذكر والانثى، وبالتالي تصبح سبباً للاثارة عبر التخيل بهذه المواضيع، في حين ان الخيال هو جزء من الاثارة النفسية، وخاصة من كان تحت تأثير التفكير، تلك الفكرة التي هي نتاج الممارسة الواقعية لحياة الانسان، حتى ولو كانت فكرة فانطازية، أو عبارة عن طبيعة الانسان نفسه، كجزء من الاخلاق والتجربة، التي جعلها الانسان في السابق عادة متبعة وعن طريقها جعل الجمال حجة وبرهاناً.

سؤال: هناك توجُّه مثبت وهو اعتقاد (مارسيل بروست) وقام بالمقارنة بين علاقة الادب وفن التصوير من جهة، ومن جهة اخرى بين الادب والموسيقى، ويرى ان الرؤية الفنية هي رؤية ثورية وقد عثر على ذلك عند عدد قليل من مبدعي القرن العشرين، هذا كمثال، واريد من هذا المنطلق ان اسأل: كيف ترى التوجهات للحالة الاجتماعية، وهل كان للاستطيقا تأثير بقدر الثورة؟
سمكو محمد: صحيح انَّ هناك عدة نضريات مختلفة عن الاستطيقا، ومنها نضرية (هيغل، كانت، كروجر، و باشلار..الخ) ولكن قام مارسيل بروست في نضريته بالنظر الى الاستطيقا كثورة، وكان يعتقد ان الثورة الجميلة والثورة القذرة كالسلبي والايجابي، ومن احدى رؤاه، انَّه آمنَ بمثال العلاقة الجميلة وفن جمالية الرؤية، وقام بالتسهيلات اللازمة للتطور الحاصل بين الفن والادب والفوتوغرافية من جهة، وبين الادب والموسيقى من جهة اخرى، وهذا التطلع هو تطلع ثوري، وعدا مبدعي القرن العشرين، لم يحس به احد اخر، لهذا نرى هنا حرية الفن ونرى التضامن بين الفن التشكيلي والخطاب والكتابة، والاشياء التي يكمن الجمال بداخلها ولم تكتشف بعد هي مثار تأمل وتفكير لانها تحولت من الطبيعية الى صنعة كما موجود في الخيال الشعري الذي غالباً ما يؤدي دور الثورة.
ومن هذا المنطلق الذي تحدثت فيه عن الثورية، اعتقد انَّ هناك تأثير ايديولوجي على الاستطيقا، وتم التطرق اليه قليلاً في موضوع الفن، وموقف الفن الذي هو فن طبيقي، او موقف من صراعات الدوائر في هذا العصر، حيث يوجد صراع بين الطبقة الحاكمة في قوة انتاجها والطبقات الساخطة، وايضاً ظاهرة المجتمع داخل المجتمع والتي هي انعكاس لعمل فني. في الحقيقة هذا هو جزء من مسألة الاخلاق الفنية سواء كان من منطلق الثورة البروليتارية، أو ذلك التاريخ الذي يضاهي نقد السلطة وهو خطاب استاتيكي.
هذا الفهم لبروست جاء من منطلق انَّ الفنانين والمفكرين و المبدعين السابقين نظروا الى الحداثة ومجابهة الاشكاليات الاجتماعية بعين ثورية تماماً، مثل تيار السوريالية والدادائية حركة عصر النهضة وصولاً الى نظرية هيربرت ماركيوس و ثورة عام 1968 حيث القراء والثورة الثقافية على شارع سارتر لدعم ثورة العمال مستنبطين ذلك من نظرية ماركس، وبعض ما رأيناه من الابداعات في القرون السابقة، كان ثورة على الكلاسيكية التي ارادت غصب اسلوب الحياة مجرداً من الجمال، ولذلك تم اغتيال العديد من المبدعين على هذا الموضوع في كثير من الاماكن، مثل غاليلو وكوبر نيكوس، لانَّ العمل الابداعي والعبقرية كان عبارة عن عمل تجاوز العقد ومشكلات القرون السابقة، في حين انَّ مُشاهد الفن في حينه لم يكن يؤمن بالتحديث والابداع، الا حين كان يمر زمن على تلك الاعمال ثم وضعوا بعين الاعتبار منح حرية للعمل، وقسم من مفهوم الابداع نوع من الاشتياق للعمل الذي نستطيع الاحساس به داخل الثورة الاجتماعية، وهذا الاشتياق ذاته يشكل فيما بعد خطورة على حياة المبدعين ومحبي الجمال. ومتعة العمل مثل الذي نراه في شكلها التاريخي، في حين ومن الناحية التاريخية وفي جوهر العمل هو غصب واكراه من قبل الظالمين، ومتعة العمل هي عكس حرية العمل، وقد ابعد ماركس متعة العمل من مضمون الاستطيقا، وهنا يجب الاعتماد على الظروف الشخصية والموضوعية، لانَّ العامل لايعمل من اجل متعته الشخصية أو اكتساب الجمال في الانتاج، بل هو اضافة الى عمله من اجل البقاء في الحياة؛ يغصب عليه عمل اخر ويصبح بين البضائع بضاعة سوقية لسياسة الرأسمالية، ولاشك انَّ غالبية التماثيل والجداريات وتصاميم القصور الامبراطوريات والسلاطين الظالمة كانت جزءاً من الاعمال الاستطيقية المغصوبة على الفنانين، وقسم من الصور الفوتوغرافية التي كانت تنشر في مجلات وجرائد القرن الماضي كان عبارة عن فوتوشو ولكن باسلوب كلاسيكي، ثم ظهر انها لم تكن الصور الاصلية، على سبيل المثال انا رأيت البوماً ضخماً لصور ستالين وكانت الصورة الاصلية تضم صورة تروتسكي، أو كان المكسب يعود اليه، ولكن قاموا بالتلاعب و تشويه بالصورة في الاعلام لصالح ستالين، وهذا عمل فني قسري له تأثير سلبي على الحالة الاجتماعية ومن الممكن ان يؤثر على تأجيل الثورة الى اجل غير محدد، تلك العملية لحد الان موجود في كثير من مؤسسات الاعلامية العالمية لصالح السلطة السياسية.
وموضوع الموسيقى على انها جزء مهم من الاستطيقا، نرى ان السيمفونية الثالثة (اوريكا) لبتهوفن والتي هي مارش جنائزي، تعني ان بتهوفن يحمل بنفسه جثث الابطال الذين لاقوا حتفهم في الحرب ويضعها امام الجمهور، ولهذا يتبين الاختلاف بين الموسيقى والفنون الاخرى في هذا الموضع، حيث عالجت الموسيقى في بعض الاحيان مشكلاتاً فنية كبيرة، او عالجت حالات نفسية، وكما موضح في الفن التشكيلي ان تمثالاً او لوحة فنية تعطينا معنى خاصاً، مثل لوحة جورنيكا لبيكاسو، أو الساعة الذائبة لسلفادور دالي، أو لوحة زهرة عباد الشمس لفان كوخ..الخ. وفي المجتمع الكوردي فانَّ فن الضرب على آلة الطبل والزرنا يستخدم لادخال الفرحة بشكل مؤقت في قلوب المجتمع وابعاده عن البؤس المعاش، أو احياء الحفلات وافراح الاعراس بالطبل والزرنا والاغاني كسنن كلاسيكية متبعة، وهذا يشبه الحس الفني لدى الافارقة حين يعزفون على الجاز ويستمتعون بها بكل مالديهم من طاقات ايجابية، ولهذا الفن عندهم معانٍ خاصةٍ بهم، وهو نوع من المقاومة ومجابهة الذين هم ضد احاسيسهم الفنية، وربما هي تعني ذات المعاني لدى الكورد ايضاً، مثلما عند سكان كرمانشاه وماجو واللهجات الكوردية الاخرى التي عاشت تحت نير الاقوام والمذاهب المتسلطة، فحين يموت منهم احد، يحيون مأتمه بالاغاني والدبكات والهلاهل والضحكات، بدل الجمرية والبكاء واقامة العزاء.
الجمال والافعال الجميلة عبارة عن التجربة المتمثلة عبر الخيال وآفاق حساسة اخرى، آفاق ناتجة عن احاسيس وجدل واحتكاك جسدين مختلفين عن بعضهما، هذا افق اخر للرؤية والافاق الاخرى هي المفردات الضرورية للجنس والافعال الاخلاقية في كيان المجتمع، هذا الموضوع يأخذ بخيالنا الى مدى اتساع رقعة رؤيتنا للاشتياق الذي تتمسك البشرية به وتعيش من اجله، وكثير من الشخصيات المشهورة في العالم تربط جميع الاشياء بهذا الاحساس، على سبيل المثال فان فيساغورس رغم رؤيته لجميع الاشياء من منضور هندسي؛ الا انَّ رؤيته للاستطيقا تكون من مقياس صوري، مثل الهندسة التي وضعت للبيت والمطبخ، الا ان للخيال مدى اضيق في بعض زوايا البيت، ليس بقدر ما له في المواضيع العلمية.
سؤال: احترافية العمل في مراحل التطور، احد اسباب التطور وانعكاسه على العقل وتغيير احاسيس الانسان للتمتع بالحياة، ما مدى تاثير خبرة العمل على الاقتراب من فن العمل، بحسب ان التاريخ اثبت ان نتاج العمل هو جدلية الطبيعة والصفات وفهم الانسان للاشياء الموجودة من حوله؟
سمكو محمد: الرغبة في العيش حياة افضل وانسب وامتع؛ هي رغبة في ادامة العمل واكتساب المهارات وسط خامات الطبيعة، فمثلاً اكتشاف تطعيم الفواكه وسماد الحيوانات الذي يجذب انتباه الانسان الى حياة مثالية، هو المتعة التي تؤهل الارضية لتغيير الصراع بين الانسان والانسان بحجة الجنس والقومية ونوع البشرة، الى الصراع بين الانسان والطبيعة بقيادة العقل، ويكون ذلك بواسطة حرية العمل والعمل الحر.
حسب راي توماس هوبز فان الخيال مرتبط بسيطرة الحكم العقلي، والنظر قدرة تساعد على الكتابة والتفكير ينتج اعتبارات جديدة وفن الاقناع، ولكن هذه ليست القدرة العقلية بحد ذاتها وبمعناها العام، مثلما الشعر كنص حر شكل اخر لكتابة التعبير بلغة غير مباشرة من لغة التلفظ اليومي، لانَّ الخيال مربوط بالذكريات، وهذا هو هدف الادبيات في تدوين الذات بقصد تجميل الكلمة.
مرة اخرى اعود الى الطبيعة، وما له علاقة بالطبيعة ازاء الجمال والفن، كالعثور على الحالة الثانية للجمال في الطبيعة، وهي نوع ثانٍ من الثورة الظاهرة على اللاظاهر، ولدينا في هذا الصدد (بنديتو غروجيه) صاحب نظرية تحديث الاستطيقا الذي كان متأثراً بهيغل، وعرف بالزعيم السياسي الليبرالي، ولكن من الناحية المعرفية للاستطيقا، فهو انتقد حتى فكرة ان تكون المعرفة كحدس فردي موجودة في صورة محسوسة، ويبعدها بالادلة العقلانية، وبدلاً عن ذلك يضع الفرد تحت تأثير المجتمع، ومن الجهة الاخلاقية آمن بان يخفي المسائل الاجتماعية الطبيعية الطبقية، لانه يوجد خلف الميتافيزيقا؛ تفكير اخر ربما يخفي الاستطيقا ويمنحه شكلاً ضبابياً غير واضح، الا انَّ الفن بحد ذاته يقدم هدفاً الاستطيقياً، وهو في هذا الموضع يرى الفن والجمال كثروة للخيال، وفي مكان اخر يعتقد بان الانسان لا يصور الجمال بيده فقط، بل يصوره بالخيال، هذا في حال اذا لم يعش الانسان مع الاشياء المحيطة به بشكل مباشر، بل يتعامل مع الرموز بشكل غير مباشر، فمثلاً الاساطير والدين واللغة تلتف حول الانسان كشبكة، فيصبح مرغماً على استخدام الاشياء التي تحددها الرغبات والغرائز، ولهذا ليس فقط الاشياء والكائنات المخيفة والعدوانية تصبح مثار رعب للانسان؛ بل هي الافكار والاراء التي يفكر بها الانسان عن الاشياء وتنتج الخوف، لهذا تمكن الانسان من السيطرة على الرموز ونصب نفسه كمركز للعقل، لانه استخدم عقله وتميّز عن الطبيعة، هناك مفكر امريكي يدعى (ستيفان كوبرن) يرى انَّ الاستطيقا هو عبارة عن البحث وراء قوانين تذوق الجمال، والمواضيع المرتبطة بالاشياء هي جميلة، اما الاخرى فهي ليست استطيقية بل نحبها فقط كاسباب للعثور على الجمال في الاشياء الاخرى، وربما يكون هذا الحب مؤقتاً ويتوقف في اي مكان ما، مثل المحبة لتماثيل الآلهة على الارض، و الرموز في الاساطير والتي ابتدعها الانسان على هيأته الشخصية، والاشياء الاخرى التي تمنح لذة خاصة.

سؤال: كما نلاحظ في النصوص الادبية يتجسد نوع من الجمال فيها، مثل الدفاع عن شريحة معينة، او مساندة بطل ورفعه من الحقل الى الرئاسة، حيث تمنح جمالاً خارجاً عن ارادة الانسان، ماهي رؤيتكم لهذين التوجهين، الا يدخل علم الجمال في قالب المشكلات الفكرية؟ لانَّ معالجة هذا الموضوع لايمكن احتواؤها في العين فقط ولايمكن البت فيها بهذه الطريقة فقط؟
سمكو محمد: يجب علينا العثور على ذلك الجمال المشحون بالعقل وكما وضحت ذلك في جوابي للسؤال السابق، وليس جمال شكلي خارج نطاق العقل، وقد عالج عمانوئيل كانت في سلسلة محاضرات مشكلة الجمال بعدة طرق في اطار العقل الانساني، وخاصة في كتاب (نقد العقل المحض) واستعمل النقد المنهجي، ثم ينتقد العقل التطبيقي، وهو كفيلسوف حداثوي يؤمن بالتجربة الشخصية، وفي كتابه ذائع الصيت (نقد ملكة الحكم) بقدر ما تحدث فيه عن حكم استخلاص الجمال من ذات الطبيعة او عن الاعمال الفنية وربطه بالاخلاق، حيث عنده كلمة الاخلاقي تعني الجمال، لم يتحدث بقدر ذلك عن الحقيقة التي هي جزء من الفلسفة، كما قام كانت بالحكم على جزءين وقسمهما عبر تعريفهما، ومن هناك تحدث عن التحقيق العام وحكم التأمل، وتحدث ايضا عن ذات الحكم على الجمال المرتبط بالذات والموضوع، لانَّه لايوجد موضوع غير مرتبط بالذات، الا اذا كانت ذاتٌ غير حاملة لتلك الاخلاق والخيال واللذة التي خلقها الموضوع، ربما يكون التلذذ بالجمال نوع من التغريبية، حيث مازلنا تحت تأثير فلسفة الجمال الاخلاقي.
يتحدث ماركس في الجزء الاول من كتابه (رأس المال) عن انَّ اروع عمل لمهندس معماري يشبه عمل ابدع مخلوق وهو النحل حين يبني قفيراً لتجديد نسله، يشبه عمل المهندس المعماري شبكة العنكبوت، لانَّ المعماري قبل البدء بالعمل؛ يفكر في كيفية اضفاء شكل جميل بالبناء، ولكن هو في النهاية نتاج العمل اليدوي لعامل البناء قبل ان يصبح نتاجاً للمهندس، وكل هذه الاعمال وهذا الفهم بين النحل والعنكبوت والكائنات البشرية الطبيعية والعمرانية مثل تصميم عمل بناء مدينة و دولة وتزيين النظام قد استنبط من علم الجمال وكلها في النهاية نتاج الخيال. انَّ المشكلة الاكبر لفلسفة الاستطيقا هي التفكير الثابت ونقصد به الدين.
يجب البدء من انَّ الجمال هو عملية طبيعية، تلك العملية التي اذا لم يكن هناك عينٌ واعية خلفها ؛ لن يكون بالمقدور رؤيتها، اي ان الجمال لايقاس، لانَّ التجربة لايمكن الاحساس بها او تعريفها عبر مفهوم ما، لذلك؛ الابتعاد عن صناعة المفاهيم يعني اخلاقٌ يحث العقل قصداً على رؤيته عبر العين، وهذا جزء من تطلع العين الواعية نحو الطبيعة ومستلزمات الابداع.
هنا يكمن بعدٌ مؤقت يسمى (بديع) اي الاعمال المبتكرة، ويسمى عن البعض بالتطلع الشيطاني، لانَّ تسلل الاشياء الصغيرة وعوالمها الى نص كبير اي (الادب الرفيع) مثلما يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي: “كل نص كبير يحتاج الى اكثر من تمعن، مثل الادب اليوناني والجاهلي واساطير المجتمعات مثل الهندية والصينية والايطالية والمصرية والايرانية وكل الدول الرصينة، ربما يكون هذا هو سبب وجود اكثر من اسطورة في عالم تلك الدول الرصينة”.
تحجز الاعيب اللغة قسم كبير من مساحة الاستطيقا، ولكن مايدعو الى التعجب وخلافاً للاراء سالفة الذكر، فانَّ (فينكشتاين) فيلسوف معروف في هذا المجال يرى ان اللغة ليست تعريفاً عاماً ولم يفصل بينها. ويقول ايضاً: “انَّ لعبة اللغة كلعبة المستلزمات الضرورية للحياة، وذات اللعبة هنا مثال جيد للاستخدامات المختلفة للكلمة الواحدة، على سبيل المثال فانَّ الموضوع مثل لعبة الشطرنج والزار والحية ايضاً لعبة، ولكن نحن نستطيع التحدث عن لعبة سوسيولوجية او مشروع اجتماعي، او نستطيع القول ان الناس يستطيعون خداعي، او العكس هو الصحيح”.
ولهدف علم الجمال ذات التوافق، ولكن هارمونيا النص سواء كان طبيعياً او عملاً فنياً، يحدد الغاية المختلفة، انَّ مسح الخلاف بين تلك المساحتين اللتين تغيران حياة الفرد وعولمة الفرد، من جهة يحافظ على تلك الحرية المبعدة عن التطلع العام، ومن جهة اخرى يحافظ على النتاج الفني من ايدي المجتمع والاشكال الاخلاقية ولايجعله ملكية خاصة، هذه الحقيقة للمحافظة على الجمال لها تناغم ومعنى متحد لكلتا الفكرتين اللتين هما ضد تضليل الجمال الحقيقي من النص المصطنع والطبيعية لدى الفن. لذلك؛ فان الازدهار الذي شهدته الرأسمالية من الناحية الاقتصادية وجمعت كل الاشكال الجميلة في جوهر فارغ وغطت عليها، فتلك مساحة خيالية في سبيل قتل الواقع المنتج للجمال من الظواهر القبيحة، هنا يمكن التحسس بحرية الرأي في التطلع الواقعي للجمال، ونعرف ما هو الجمال وماذا يعني، في حين يمكن ان يكون لهذا المفهوم اكثر من معنى.

سؤال: حين يصبح الفن نوع من الاثارة لليأس والتوازن بين الشكل والجوهر وتوحيدهما في عمل فريد من نوعه، فكيف يستطيع علم الجمال تحليل هذا العمل الفني وباي اتجاه حسب القياسات العصرية، لانَّ الظاهر لكل عصر مقاييسه الخاصة، علماً انَّ الجمال نسبي وليس مطلق؟
سمكو محمد: اذا كان كل شيء يحتاج الى التوزان، فانَّ الاستطيقا بكل اختلافاته المتعدد التعريف لايحتاج الى ذلك، فمثلاً: الماء من ضروريات الحياة ومفردة من مفرداتها ومن جماليات الطبيعة، في حين اغرق عشرات الالاف من الناس في البحر، وسقوط الماء من السماء او من مساحة مرئية؛ عمل فريد خارج عن ارادة الانسان، لو كان القصد هنا عمل الطبيعة، بخلاف ذلك فانَّ تلويث المياه الذي هو عمل من اعمال الانسان؛ يشبه ذلك المفهوم لنص (فاوست) لغوتيه الالماني، ويصبح عملاً شيطانياً يلوث المفردات والاشياء الاخرى، وهنا ليس القصد بالشيطان المعنى المقصود من قبل الاسلام، بل ذلك الشيطان الذي هو ضد الفضيلة للاعمال الانسانية التي تظهر عادة في الاشياء الصغيرة، اي في وسط الاشياء الجميلة يبرز شيئاً سيئاً وقبيحاً، وبما انَّ الشكل هو الاطار المعبر ومفتاح لعلم الجمال ومن هناك يتم التمييز بين الخير والشر من ناحية المعنى؛ فيظهر علم الفن من هنا هل هو مثل القانون الوضعي؟ او الطبيعي؟ وهل هو من خلق الله أو من صنع الانسان ويقال له ابداع؟ احدهما خارج عن الارادة من صنع الانسان والاخر من الرغبات الغريزية للانسان وهذا موضوع اخر، لذلك فهو اخراج ابداعي لاعمال طبيعية مثل المادية أو اعمال الآهية مثل الميتافيزيقية، مثل اعمال مايكل انجيلو، بيكاسو، دافنشي، رامبرانت، ونصوص الاساطير اليونانية والرومانية والسومرية والمصرية والهندية والصينية الى ان يصل الى الشرق المتمثل بفن العمارة كملوية سامراء ومعلقات بابل .. الخ. وهذا جمال شامل يقف خلفه ذوات خاصة. مثل لوحة العشاء الاخير التي رسمها ليوناردو دافنشي وقد كتب عنها عشرات التأملات وتحدث عنها فرويد من الناحية السايكولوجية، وفيها شخصية خلف وراءه حتمية تاريخية ونصوص واحاديث فنية وماتزال مثار مناقشات ومجادلات، وهذا يسمى علم الجمال الكدحي. اي هناك شخص كدح الى ان وجد الجمال خارج نطاق الطبيعة، وهذا هو الاختلاف بين المطلق والجمال النسبي.
المعادلة الموجودة بين الموسيقى وصوت الطبيعة من خرير المياه واصوات الطيور ..الخ، يوجد فيها العفوية في مكان ما، ولكن حين تختلط معها الاكاديمية والنوتة والنتاج الموسيقي العلمي؛ لن يبقى فيها الجمال بقدر ما كان موجوداً في السابق، لانه يدخل فيها التحكم بشكل غير مباشر، ولي عن هذا التحكم حديث اخر، لانَّ الفن مثل انعكاس اعمال الطبيعة، حين يتم التحكم فيه؛ يفقد قيمته الابداعية غير المرئية، ولن تبق فيه للرائي والسامع تلك اللذة السابقة. العودة الى نوستاليجيا زمن الفن المصطنع او الطبيعي لادامة الحياة، وخاصة في الحياة الكوردية، مثل هدهدة امرأة أو أم لطفلها أو لزوجها أو لحبيبها الذي فقدته، أو العودة الى الحياة العادية في القرية هي ذات المغزى الذي قصدته آنفاً حول تقليد الزمن الضائع بخصوص الفن الطبيعي، أو صنع المفروشات والاغطية للنوم أو التدفء بها، وهذه كانت اعمال يديوية وخاصة للنساء، وهي نوستاليجيا الفن الكوردي.
وحريٌ بنا القول؛ انَّ النسبية لكل الظواهر المرتبطة بهيومان العقلي صحيحة، لانَّه تبين انَّ المطلق هو نتيجة التفكير الحر الذي يضع حداً للعقل والحياة بشكل عام، نحن الان امام حياة جديدة وهي شكل آخر من الفردانية، تلك المفارقة التي يحاول اناسٌ كثيرون الابتعاد عن الطبيعة واخرون يعرفون انفسهم كنتاج للطبيعة ويعرفون البراكماتية بالجمال، اي انَّ المستفيدون هم اصحاب هذا المفهوم، وما تفسره لنا الاساطير بانَّ الانسان هو عبارة عن كائن اخر بعيد كل البعد عمّا موجودٌ حالياً، وما يستمتع به الانسان الحالي وما كان يستمتع به الانسان السابق، كشرط لكيفية التفريق بين النوعين الانسانيين، فالانسان الحالي هو روبوت مُستهلِك، والانسان السابق هو الانسان الحقيقي الممتزج بالطبيعة. اذن؛ فان النسبية ايضاً مثارٌ للشك، لو قمنا بمقارنته بفهم واعٍ للجمال وعن طريق العقل.

سؤال: كيف نستطيع القيام بقراءة معرفية للتفريق بين الجمال والقبح في آنٍ واحد، كحالتين، أليس هذا التفريق صعباً من الناحية المعرفية؟
سمكو محمد: نعم صعبٌ جداً، فقد تبين انَّ كل شيء نسبي وليس مطلق، ودعني ابدأ من عبارة: لماذا الحياة عبارة عن آخر المطاف؟ وكما تحدثنا عن ذلك في جواب السؤال السابق، لانَّ البدايات وتأسيس الحياة كان على يد الديانات والاساطير الموجودة في الديانات والسلطات الدينية وافكارها، مما جعل الحياة تنقسم الى كل شيء، وان يكون ازاء كل فعلٍ خيّر فعل شر، ولو نظرنا الى المطاف الاخير كفكرة، فيجب ان نسميه بالخير والشر، ولكنني اؤمن بجدلٍ لنظام الاضداد مادام الاستطيقا هو عملية نسبية، اذن يوجد الجمال والقبح وهذا في الغالب مطلب سايكولوجي، لهذا يوجد ازاء الفرحة؛ الحزن، وازاء الجمال؛ القبح، وقد وجد ذلك في الغالب في اختلاف الليل والنهار. لذلك اقول انَّ هذا التطلع ديني ومفهوم كونكريتي غير قابل للتغيير، على سبيل المثال كان المصريون القدماء يعيشون سابقاً في مكان جميل وهاديء بعيداً عن المشكلات ويتوفر لديهم كل شيء، الا انَّ قربهم من نهر النيل؛ كانوا يتعرضون سنوياً لكوارث الفيضانات والظواهر الطبيعية السلبية، مما حثت الاساطير للاستفادة من هذه المشكلات لصالح السلطات، بانَّ لنهر النيل وجهان من القبح والجمال، وهو جميل حين يكون هادءاً، ويكون قبيحاً حين يغضب ويثير العواصف والفيضانات ويسبب الدمار للكائنات، وايضاً تقبع خلف الاهرامات المصرية اساطير تراجيدية بشرية، وقد باتت الان مناظر جميلة تجذب السياح.
وساتطرق الى مثال اخر عن المطاف الاخير للتعبير عن الجمال ومعانيه الاخرى وهي الذكريات، فالبيت هو المكان الذي نرتمي اليه كملاذ آمن من حر الصيف وبرد الشتاء ومكان للراحة، وهذا المفهوم الاجتماعي للمكان، ولكنه اساس ملائم للكتابة والخوض في غمار الادب والفن، لذلك نرى ان الكاتب الجديّ يبدأ انطلاقته من البيت، لانَّ البيت القديم هو مكان ذكريات الطفولة ومركز تأهيلنا للتلائم مع الظواهر والاشياء، فحين نعود الى البيت نتمعن في الظواهر الموجودة حولنا ونبتعد عن الحياة المادية، اي نصبح اشخاصاً روحانيين، لانَّ الظواهر هي الشعور بالامانة والدفاع في اطار المنزل، اذن هذا هو البيت في مطافه الاخير من خلال مفهومي الاجتماعي والاستطيقي، وهذا التطلع بشكل عام هو للتعبير عن شكل الجمال، والفن يعني نشاط جميل نستطيع تجسيده بشكل اجمل في البيت.
هناك وجه اخر للمطاف الاخير للاستطيقا ربما لانشعر به بعض المرات، كالاصرار على المستوى الرفيع والمستوى المتدني، وهذه الدعاية باعتبار انها للحكيم والمثالي، وهذا هو النص الذي غيَّرَ مشروع النقد الجدي والراديكالي من الرأسمالية الى وجهات نظر مختلفة وقبول الاخر وهذا هو الوهم، والمدح الذي يبديه بشكل غير مباشر غالبية مفكري الغرب ازاء هذا النظام الجديد، باعتبار انّ التطور التكنولوجي والعقلاني والتطور الانساني هو نتيجة للتطور الاقتصادي، وهذا شكل وضيفي قبيح جداً يعرف باستطيقا اليومي ويبقى لمدة قصيرة من خلال اعلان مخادع مبث لعدة ايام لبيع بضائع وامتعة لا اكثر ولا اقل. وهذه الوضيفة ليس لها جوهر او عنوان ثابت، ولكنها مفروضة على الانسان ولاتحتاج الى شاهد عيان، والرأسمالية هي آخر شيء مفروض على الانسان، وهي تلك التخبط الثقافي الذي استفاد من الاشكاليات الموجودة، واستطاع بشكله الجديد خداع الانسان و وعده بضمان حياة جديدة له، واقصد بذلك تلك السيطرة التي انتشرت في انحاء كل الكيانات العالمية الموجودة، واجبرت الانسان على النظر اليها بشكل استطيقي، ومهدت الارضية في مكان اخر للمنافسات القومية والثقافية وتنظر من بعيد كمتفرج للاوبرا باسم الحرية.
هناك مقولة فلسفية فكرية تقول: “ليس هناك انسان قبيح او شيء قبيح، الا اذا قبحه بنفسه” يوجد كل هذه الاشياء وهي نتاج للطبيعة والطبيعة من الناحية المثالية والمادية لديها معنى واحد وهي ان خالقها غير مرئي للعيان، وهو الرب الذي لا يخطيء، ومن ناحية اخرى فهي وجود خارج عن ارادة الانسان وهو قوة اخرى للطبيعة لاتخطيء، اذن؛ ليس هناك شيء اسمه القبح، ربما يتواجد من خلال الرؤية الفردية للشخص، لانَّ بعض الاشياء يكون جميلاً عند بعض الناس ويكون قبيحاً عند البعض الاخر، فمثلاً الكلب كائن جميل عند المسيحيين من الناحية الدينية والثقافية، وهو يعيش مع الانسان، وقد اتخذ ذلك من عادة اصحاب الكهف، والقرآن ايضاً يذكر ذلك، في حين انَّه اي الكلب، عند الشرقيين والدين الاسلامي كائن قبيح وبعض المرات اسمه يستخدم للشتم وذلك دون اية حجة مقنعة ومنطقية، وهذا الكائن يعيش مع الانسان الذي يستخدمه لخدمته، ولولا ذلك فهو يراه ككائن قبيح وقذر، وهذا هو الفرق بين الوعي واللاوعي، وخطابين دينيين مختلفين بصدد الكائنات التي تعيش مع الانسان.

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *