فاطمة ناعوت : رسالة إلى الحكومة العراقية: الواقفُ على الحدود رسالة (عن معاناة الشاعر العراقي عذاب الركابي)

قَدَرُ الشاعر أن يقف على الخطوط الحرجة. الخيطُ الدقيق الفاصل بين الواقع والخيال هو مكمنُ وجود الشاعر. فلا هو قابضٌ بكامل يديه على جمرة الخيال، فيهيم مع الهائمين فى عالم افتراضىّ لا وجود له، ولا هو متآلفٌ كلَّ التآلف مع الواقع القاسى الذى قد لا يتوافق مع ما يصبو إليه من طوباوية. يرنو أبدًا بعينٍ هنا، حيث الخيال والاكتمال، ويرنو بالأخرى هنالك صوب الواقع والنقصان. فيحاول فى قصيدته أن يُكمل الناقصَ، ناهلاً من نبع المكتمل، فيخلق فى قصيدته عالَـمه الشعرىّ الحائر، ثم يعيش فيها. إنه قدرُ الشعراء الأبدىّ، عرفوه وارتضوه عالَـمًا خاصّا يحيون داخله، دون سائر الناس.

لكننا اليومَ أمام شاعر اختار له الحكّامُ العرب، والنُّظمُ الديكتاتورية حياةً أوغلَ مرارةً، وحَيرة أشدَّ قساوة من حيرته الشعرية بين الواقع والخيال. الشاعر العراقى «عذاب الركابى» يقفُ اليومَ، مريضًا مع أفراد أسرته الخمسة، على حدود ليبيا، لا يستطيع أن يبرحها إلى وطنه بسبب بيروقراطية الحكومات غير المفهومة. شاعرٌ من طراز رفيع، رقيقٌ دمث الخلق، كما يليق بشاعر، له عشرون كتابًا ما بين الشعر والنقد والحوارات الثقافية واليوميات، صدرت فى العراق وليبيا ودمشق ومصر والمكسيك. غادر العراق مع أواخر التسعينيات إلى ليبيا ليُمارس مهنة التدريس، والتنوير، فى المدارس الثانوية الليبية. وتزوج من الإسكندرية، فأتقن لسانُه العراقىُّ الدارجةَ المصرية، وصار نصف مصرىّ. أُقيل من عمله بعد عقود من التفاتى فى الجدّ والاجتهاد مغتربًا خارج وطنه، لكنه لم يكفّ عن نشاطاته الثقافية والتنويرية فى ليبيا وخارجها. وبعد الأحداث الأخيرة فى ليبيا حاول الخروج منها، سوى أنه لا يمتلك جواز سفر من فئة G، التى تسمح له بالمغادرة، والسفارة العراقية فى ليبيا مغلقة منذ احتلال العراق واستقرار حكومة المالكى. حاول الاتصال بسفارة العراق فى تونس، إلا أنها لا تمنح إلا باسبورًا من فئة S، غير المقبولة فى المطارات الدولية. وحين وافق على قبول هذا النوع من الجوازات ليتدبر أمره مؤقتًا، اعتذر له موظفو السفارة بتونس لنفاد الجوازات لديهم.

وتكرر الأمر ذاته مع سفارة العراق بدمشق، بعدما أرسل صوره الشخصية ورسوم الجواز بالدولار. أما فئة G، التى تسمح له بالخروج إلى أراضى الله، فيتطلب الحصول عليها «بصمة إلكترونية»، لا تتم إلا بالحضور الشخصى لمكتب الجوازات فى الوطن/العراق! فكيف له المثول أمام موظف الجوازات بالعراق وهو عالقٌ، بلا أية أوراق، على حدود ليبيا، لا يستطيع فكاكًا من دولة تمور بالثورة والارتباكات؟!

فإن كانت الدول الآسيوية الفقيرة قد أرسلت طائراتها لتقلَّ مواطنيها إلى أوطانهم من المدن الليبية، فهل تترك العراق، الدولة العريقة ذات الحضارة التى يشهد عليها التاريخ، هل تترك ابنها عالقًا على الحدود فى عثرته، تزداد حالته الصحية سوءًا يومًا بعد يوم، بسبب روتين بيروقراطى تعس لا معنى له، حلُّه لا يستلزم إلا وثيقة سفر مؤقته تمكّنه من الخروج من ليبيا حتى يتسنى له استصدار جواز رسمى فى العراق بتلك البصمة الإلكترونية التى تستلزم الحضور الشخصى (المستحيل فعليّا الآن دون جواز سفر)! بالتأكيد لدى مكتب الجوازات بالعراق ألفُ حلّ لهذه المشكلة الصغيرة، غير وضع المستحيل صنمًا، ثم الدوران حوله! وهو ما سمَّاه أرسطو البديل: «الثالث المرفوع». فالبديل الأول: هو حصول المواطن العراقى «عذاب الركابى» على جواز سفر فئة G، لكى يسافر. والبديل الثانى أن يسافر للعراق ليستخرج الجواز. وكلا البديلين مستحيل الآن، إذْ كيف يسافر دون باسبور؟! ذلك هو الثالث المرفوع الذى تضعه البيروقراطيات مستحيلاً ضخمًا أمام المواطنين العرب، ونحن إزاء مواطن مريض أعيته الحيل!

من القاهرة أرفع صوتى كمواطنة مصرية تتضامن مع مواطن عربى مأزوم، وكشاعرة تتضامن مع شاعر محترم، وكناشطة حقوقية تعتبر أن الذَّودَ عن الحقوق قضيةٌ شخصية وقضية كونيّة وجودية، أرفع صوتى للحكومة العراقية، واتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، ووزارة الثقافة العراقية، والبرلمان العراقىّ، وكل المؤسسات الثقافية والإعلامية داخل العراق وخارجها، مثلما أناشد اتحاد الكتاب المصرى ورئيسه الأستاذ الكاتب محمد سلماوى، بصفته المهنية أمينًا عامّا لاتحاد الأدباء والكتّاب العرب، وبصفته الشخصية ككاتب شريف يدافع عن الحق فى كل مواقفه، أناشد الجميع أن يسعوا لحل تلك الأزمة التى أراها بسيطة للغاية ولا تستحق كل ما يعانيه هذا الشاعر وزوجته وأطفاله على مدى شهور طوال. مجرد وثيقة سفر لا تتطلب أكثر من كلمة واعية من مسؤول شريف، أثق فى وجوده فى العراق.

 

 

                                              فاطمة ناعوت
                           كاتبة وشاعرة
                              القاهرة

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

2 تعليقان

  1. يحيى السماوي

    عذاب الركابي ـ صديق العمر ورديف رحلتي المدرسية في ثانوية الجمهورية في مدينة الديوانية ، هذا النقي كدموع العشق والدافئ كخبز أنهاتنا الطيبات : هل كثير على حكومة عراقنا الجديد ” الجديد زعما ” التكفل بنقله إلى وطنه في وقت تكفلت فيه بنقل بسموم الأغذية الفاسدة ؟ وهل كثير على وزارة ثقافة هذا العراق الجديد العمل على تأمين عودة شاعر أبيض اليد والقلب والأبجدية والضمير ؟

    شكرا للأخت الشاعرة فاطمة ناعوت وشكرا لكل صوت إنساني نبيل يقف إلى جانب الصديق الشاعر المبدع عذاب وأسرته الممتحنة ، وخزيا لكل حكومة لا تقوم بواجبها حيال مبدعي الشعب وأبراره .

  2. فتحي بن زغبان

    كما تقدم و ذكرت الأستاذة “فاطمة” إن الدول الآسيوية الفقيرة أرسلت طائراتٍ ونقلت رعاياها من ليبيا كشاهدٍ على تقصير العراق, فتبحثُ عن عذر لهذا التقاعص بكل برودة إعصاب لدرجة طلب الإغاثة, فلا تجد…, تتمحص في الأمر وتُقلبهُ عائداً بذاكرتك للماضي القريب, فيرتسمُ تساؤل مُضحكٌ مُبكي أمام عينيكَ يقولُ أي دولة عربية كانت تستقطب أفكار التنوير, فكلها تنبذها, وتنفيها للخارج لا للداخل, فكل الحكومات العربية البيروقرؤاطية تنظرُ بعين الأهتمام للثروات المعدنية وتبذل الغالي والنفيس للحفاظ عليها, والنبذ و البؤس و الغربة والإغتراب للثروات الأدبية والثقافية لأنها تبني الأساس لشعوبٍ واعية لما يحدثُ من حولها وفي هذا خطرٌ عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.