ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (8) (ملف/19)

إشارة:
ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع “ثامر الحاج أمين”: “سيرة وجع عراقي: محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني” الذي يتناول جوانب من المسيرة الإبداعية الباهرة والثرة للراحل الكبير “علي الشيباني” وكفاحه الحياتي المرير الذي رسم نهايته المؤلمة. يأتي نشر فصول هذا الكتاب ضمن ملف الموقع عن الراحل علي الشيباني الذي تدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للناقد ثامر الحاج أمين.
أسرة موقع الناقد العراقي

علي الشباني
موهبة المغامرة ومغامرة الموهبة

كاظم غيلان

من يغني الكاولي كلكم سكوت
ولو دره البلبل بواجيه غنه
يبلع السانه ويموت
الشباني ـ من قصيدته ـ خسارة ـ
لم يكن علي الشباني على قدر من التوقع والاحتمال في ان يكون صاحب فتح يضاف لفتوحات القصيدة الشعبية العراقية ولربما لم يكتشف اسرار تلك اللغة التي اجّلت انبثاقها وتفجرها في كتاباته الاولى وهذا مايحصل مع التجارب الفذة التي تلوح مفاتيحها الباهرة في افق الغيب لذا كانت قصيدته الكبيرة “خسارة” التي كتبها نهاية الستينيات ولفتت نظر الاخرين لموهبته الاستثنائية وفي مقدتهم مظفر النواب الذي أشار للشباني شاعراً منذ وقت مبكر وفي علمي كان ذلك في السنوات الاولى لمغادرة مظفر العراق على كراهة.
و(خسارة) بقيت علامة فارقة في تجربة الشباني، امتازت بتعدد وتداخل الاصوات والاشكال والرؤى واخذت طابعا عنقودياً، مع انه كتب العديد من القصائد المهمة لاحقا كـ(ايام الشمس، صوت الناي، ليل التتر، الحرف جتال، غركان.. الخ) وبهذا الصدد يذكر الشاعر الكبير الراحل طارق ياسين في مقدمته لـ(ايام الشمس، المجموعة الشعرية الاولى للشباني: “بعد ان اجتاز فترة راكدة قصيرة في كتابة الشعر الشعبي انضم علي الشباني الى عالم القصيدة الحديثة بشكل جريء يتسم باصالة واضحة، وبالتحديد يوم كتب قصيدة (خسارة) التي اشتهر بها ولفتت اليه الانتباه، وكلما اشتقت لمراجعة شعره لا ادخل اليـه الا من هذا الباب الضيق”.
ان من ابرز مالحق بمجمل التجارب الشعرية المهمة على مستوى شعر العامية العراقية يتلخص في تراجع الدراسة النقدية، ولقد القى النقد بظلال باهتة مجحفة حد الظلم على تجربة الشباني خاصة تلك الكتابة التي نشرها سعدي السماوي اوائل السبعينيات في صحيفة الراصد، بيد ان كتابات اخرى شكلت شيئا من الرد على ما اراده السماوي ويمكن لي القول إن مشروع الشباني الشعري مؤسس على خصوبة عامة سواء كان ذلك في الاحتجاج او النصر في هذا المجال الاشارة لدراسة الشاعر كزار حنتوش (الشباني خرج من دائرة النواب) والمنشورة في نفس(الراصد) العام 1974:
“ان علي الشباني يطمح لتجاوز القشرة الخارجية للعالم المرئي والغوص في الأعماق المسحورة وغير المكتشفة فكانت اقرب الى مناخ القصيدة التشكيلية لكنها الان اقتــربت قليــلاً من القصيدة الرؤيـة التـي لاتـصف ولكنهـا تكتشف”
عالم الشباني الشعري يمتزج به الجمالي بالفكري مع انه في العديد من قصائده تجد العاطفة تكرس نفسها دون غيرها كما في – غركان-
وين يبني..
هذا وكت البي ترد للبيت
راوي امن اللعب تعبان
ومشابك تذبني
يمه.. شباجين ادينك
والمضويات العصر جاوينها
يمه اصيح ابريحة الشيله ترد
صيحة الغبشة وتموت حيلها.
للثورة وقضايا الانسان.. للقهر العراقي الممتد منذ فجر تاريخه الاول انحازت تجربة علي الشعرية كما في (موحان الغيظ)، (تاريخك عشب محروك)، (بيان للزمن المذبوح) والعديد من القصائد التي بقيت في منأى عن التناول النقدي.
مشروع علي الشباني الشعري مؤسس على خصوبة عامة سواء كانت هذه الخصوبة في احتجاجه الدائم بوجه ايما ظلم يلحق بالانسان ام كان بفرحه لانتصار هذا الانسان ولذا فقد كان الشعر بالنسبة له مغامرة تشبه الى حد بعيد تلك المغامرة التي ادت به الى السجن او كادت ترسل رقبته الى حبل المشنقة يوم قام في شتاء ظالم ومظلم من عام 1963 الاسود مع عدد من رفاقه الذين كانوا بعمر شبابه المندفع بالاستيلاء على الة كاتبة (طابعة يدوية) واغرقوا الديوانية بمنشورات تدعو لاسقاط سلطة البعث وتحرير الشعب من فاشية حكمهم القمعي، وهكذا كان الشباني صديقا لفجر الانسان والشعر ولم يزل في حلمه الدائم:
جم صبح ينـراد للماشاف صبحيه ابحياته
وجم عمر ينراد للباجر مماته؟
قصائد الشباني تعتمل في مضامينها حيرة وقلقا وحزنا قاتماً متأتيا من مجاهيل احياناً ومن أفاق يستشرفها في أخرى.. ولربما بقي سؤاله الذي اطلقه في (بيان للزمن المذبوح) قائما ليومنا هذا:
كتبت اسمي ابدرب ريحك
زمان الخوف والذله
وعذابات السبي
هاكثر خرسه مفاتيحك؟

علي الشباني..
لرحيلك اشتعل الرأس شيبا

حسن النواب

عرفت الشاعر القدير علي الشباني في عام 1984، حين ورد إسمه في مقال للشاعر ريسان صدام الخزعلي نشرته جريدة العراق، يذكر فيه ان تناصا مثيرا للجدل حدث بين قصيدة منشورة لي مع قصائد قصار اخرى في مجلة اسفار ومقطع قصيدة مشهور للشباني، حيث اقول في القصيدة التي اتهمني فيها ريسان:
لو عرف العصفور الشادي
ان بكاءً مرّا منهُ
يطرب آذان الناسْ
لجزّ لسانهْ.
بينما اورد الخزعلي مقطع قصيدة الشباني الذي يقول فيه:
“لو دره البلبل بواچيه غنه.. يبلع لسانه ويموت”
وكتبت ردا في حينها على مقال الخزعلي جاء فيه: ان ماتدعيه قصيدة للشباني سمعتها من عامة الناس وكنت اظنها مثلا شعبيا متداولا واجتهدت بتحويله الى قصيدة تفعيلة، واذا صح ان هذه القصيدة لعلي الشباني فهذا يعني ان شهرته ضاربة بوجدان الناس ولم ادر. ويبدو ان شاعرنا الشباني كان متابعا للسجال الذي حدث بيني وبين الخزعلي فبعث لي سلاما حمله الى مسامعي صديقي الحبيب كزار حنتوش الذي احاطني بمعلومات وافية عن صديقه الشباني الذي ضمتني معه جلسة حميمة بعد سنة في بيته الحنون بمنطقة ام الخيل عند اطراف مدينة الديوانية، في تلك الجلسة التي امتدت حتى صياح ديك الجيران معلنا عن صلاة الفجر، تعرفت على الشباني عن كثب وتذوقت طيبة قلبه وشدوه الحزين لقصائده، وتوطدت علاقتنا نتيجة زياراتي المتكررة الى حبيبي كزار في الديوانية، اذ كنا نخطف على دائرة صغيرة مسؤولة عن توزيع بطاقات الحصة التموينة يعمل فيها الشباني كموظف، ناشدين بعض النقود من جيبه الكريم لشراء ابنة الكروم لقلبينا المشردّين، وكان الشباني يشعر بمسرة كبيرة حين التقيه لإنه ببساطة يتذكر الصداقة النبيلة التي تربطه بالشاعر الكبير مظفر النوّاب، والذي لا اعرف مدى صلة القرابه فيه حتى الآن؟؟ سوى اننا ننحدر من عائلة النوّاب كما مثبت في هوية الأحوال المدنية العائدة لي والتي سببت لعائلتي مضايقات عصيبة من الجهات الأمنية ليس من المناسب ذكرها الآن.ثم زار الشباني مدينتي كربلاء حين اقمت امسية شعرية له في قاعة الإدارة المحلية مع ثلاثة شعراء شعبيين لهم شهرة ضاربة في ارجاء البلاد وهم عريان السيد خلف وفالح حسون الدراجي ومكي الربيعي. لكن عريان تخلف في اللحظة الأخيرة لظروف اجهلها حتى الآن، كانت القاعة تغص بالجمهور حين ارتقى الشباني الى المنصة وقد جذبني مع الحاضرين شدو القائه المتوتر والمشحون بغضب مشع وحزن دفين وفي لحظة هتف قائلا:
“من يغني الكاولي..
كلكم سكوت
لو دره البلبل بواچيه غنه..
يبلع لسانه ويموت”
وضجت القاعة بتصفيق متواصل، حينها قررت ان اشطب القصيدة التي تحاكي قصيدته المؤلمة والعذبة في آن واحد من اجندة شعري، وحين اخبرته بقراري سألني:
– الم تقل في ردك ظننت قصيدتي مثلا مشاعا؟
– اجل يا ابا صمد
– اذن دع قصيدتك يا اخي تتنفس من رئة الناس ولاتشطبها من قاموسك الشعري
– سيقولون اني سرقتها منك.
– لوكان اللصوص بإخلاقك لتركنا ثروتنا على الرصيف وذهبنا نتسلى على ضفة النهر.
وابتسم بوجهه المضيء ابتسامة تمطر حنانا وقبلني ثم همس متحسرا:
– انت شاعر واعرف انك لن تفرّط بحقي عندما اموت.
ودوّنا اوجاعنا في كؤوس الفضة على سطح دار كربلائية وسط المدينة بينما اضاءت دمعنا الحبيس في المآقي منارات الذهب.

الشعر الشعبي العراقي الحديث والمعايير الجمالية
هذا التراب المر حبيبي
ريسان الخزعلي

القصيدة الشعبية الحديثة في مراحل تطورها الجمالية/ الفنية تقوم على ارتكازين تحديثيين في مسارها الإبداعي، المرحلة/ النوابية/ والمرحلة/ ما بعد النوابية/ في المرحلة الأولى كان الاكتشاف الإبداعي الجديد والتأسيس الأمل لحداثة غير مألوفة كان التأصيل فردانيا في جوهره/ مظفر النواب/ هو الشروع الموازي لتطور القصيدة العربية والإضافة الأكثر إشعاعاً وتأثيراً في توليد قصيدة شعبية بمقومات فنية جديدة عليها بكل المعايير.
وبعد رسوخ التأصيل النوابي كان التأصيل الآخر يتشكل بقوة ضمن حتمية التطور اللاحق/ الانتباه – تأصيل الأصل – الامتداد – الإضافة الجديدة/ والإضافة الجديدة تأسست وتشكلت على أيدي شعراء معروفين/ شعراء ما بعد النوابية/ وكان الشاعر الكبير/ علي الشباني/ في طليعتهم لوناً وانبثاقاً/ خطوات على الماء أيام الشمس/ ومن ثم/ هذا التراب المر حبيبي.
ورغم أن سمات القصيدة في المجموعة الجديدة تمثل/ الاستكمال والاستمرار/ في التجربة الإبداعية لما سبقها/ الشكل، البناء، الصورة، التاريخ، اللغة، الرمز/ الا ان تأصيل اللون الخاص والمغاير الجمالية/ الفنية وكشف المستور من مواقف حياتية/ سياسية إظهاره في التوقيت الأكثر تلمساً يضيف سمات أخرى لتجربة/ علي الشباني/ الإبداعية ودوره في تطوير القصيدة الشعبية وصولاً الى القصيدة الشعبية الحديثة بلون/ الشباني/ وخصوصيته وانفراداته في جماليات الصورة، جماليات اللغة جماليات الرمز، جماليات البناء والتشكيل الشعري ومثل هذه الجماليات تم بوعي الشعر وفكرة الشعر وثقافة الشعر.
فالصورة تجيء محملة بشحنات العاطفة والحسية ومرارة الخسارة، صورة لا تعتمد اللقطة الآنية بل تمتد طويلاً وتتشكل على كامل مساحة القصيدة لتشغل جميع دلالاتها في تصوير المشهد الداخلي/ الخارجي والشباني مولد صور بارع تنسجم قصيدته كثيراً في لغتها مع صورته الشعرية ولهذا تتسارع القصيدة، لينة تطاوع الروح، تتفيأ فيها حتى لم يكن من السهولة مسك موضوع القصيدة لانشغال الذاكرة في تتابع الصور وربطها مع بعضها، ان القصيدة منذ البدء تصور وهي في طريقها الى صور أخرى وان الشباني يستطرد كثيراً في قصيدته لكنه استطراد صوري ممتع حتى لتبدو القصيدة غابة من الصور كثيفة متشابكة تقتحم المخيلة دون إذن الا انها تنسينا الموضوع، ولذلك فان الموضوعات قصائد الشباني تختفي تحت أجنحة صورة انه يكتب القصيدة – الصورة – والصورة القصيدة في الوقت ذاته بدليل انشغالاته المحسوبة حتى في ألوان هذه الصور التي تزدحم عادة بها المقاطع (حنه، حمرة، شمس، اشموع، سدوة، ظلمة، نجم، ضوه، صبح، كمره، هندس.. الخ).
الضوه
ابدنياك تسياره
كصيره نفس ومروحه
يشيمة بيت
ميتنا يظل يحجي التراب الفافي بجروحه
ولك ذليت
علمناك بزغة صبح وامدلك
لمن شفت الليالي اطوال شو رديت
رد للموت لو حنيت
يظل تاريخك المصلوب
سيف اسمر حزن مكتوب
وللرمز في شعر الشباني دالته ومدلوله ورموزه متداخلة دينية وطنية/ آدم، صاحب الزمان، المسيح، الخضر، العباس، الحلاج، جيفارا، كاسترو، فهد/ والتداخل يشير الى القضية الانسانية كموقف وجودي/ حياتي يتوج بالتضحية او مسببات الغياب:
* ولك
ولا يكسر خواطرهم كلب تلفان
يا حوبة اشموع المغرب
الصوب/ الخضر/ وحشة نذر نسوان
*ياوينه اليكلك هالك
/يا صاحب/ بجت
مهضومة كل دنياك
*يا نكلة غضب ما جاي شيلة راس
يا صبر/ المسيح/ وشيمة/ العباس/
*كما أن الشاعر/ علي الشباني/ مسحور باللغة، لغته ويفوق اهتمامه في هذا الجانب أي اهتمام آخر في القصيدة حتى يخيل إلينا أحيانا عندما لا ندرك موضوع القصيدة بأن هذه القصائد ما هي الا تشكيلات لغوية، ولهذا حين يستخدم الرمز فإن هدفه تعزيز هذا السحر في جمال لغته رمزياً، حيث ان هذه الرموز مليئة بحركية إيقاعها ولذلك فإن قصائده المزدحمة بالرموز هذه تمتلئ بالأفعال المضارعة والماضية والأمر، وهذا يضيف للقصيدة حالة من الاسترسال الراكض والانسياب المتناهي، لذا فان المتلقي لا يشعر بالملل بسبب هذه الخاصية الديناميكية:
*والراية ابمنامك تنكسر واتميل
كسرني الماي من طاح العطش بالدم دمع وتسيل
ولا راية التسد السيل واتفك الشمس بالروح كل الغيم يمطر باللعب
وايبلل اثياب الزغر ويروح.
*ان ظاهرة الالتصاق الأمي/ من الأم/ تضاف الى ظاهرة الحنان والعودة الى البيت تمثل دلالات رمزية أخرى في شعر/ علي الشباني/ تحيلنا الى ان الشاعر يرعبه الافتراق ويخشاه شاعر مليء بالخوف الحسي لا يحب المغادرة ومنذ التراكمات الأولى للطفولة وهذا يؤكد الاستنتاج من جديد بأن الأم والبيت رموز ذات أهمية لديه لا يريد أن يخسرها بعد ازدياد/ خساراته/ وبعيدا عن الفهم الفرويدي لظاهرة الالتصاق الأمي فان الأم في قصائد الشباني دلالة رمزية ونافذة ومنزع للخسارة حتى يمكن القول بأن الأم هي رمز للخسارة في شعره/ وصي املء بعد لتغار ولك ما مش كلب غيري عليك ايغار.
وفي جماليات اللغة يؤكد/ علي الشباني/ قدرة فنية في تطويع اللهجة باتجاه لغة جديدة نقية، متخلصة من تراكمات مفردات ما عادت تصلح الانتقاء الحاجات اليها شعرياً ودلالياً ولغة الشباني مدينية لا تلوح للريف الا عن بعد، والتعليل كامن في تجربته المدينة ايضاً ومع ذلك يتوافر الشاعر على تجربته الخاصة لغوياً في التكرار سواء كان ذلك في تكرار المفردة او تكرار الحرف وهو يدرك تماماً ما لهذه الجماليات في إضافات فنية تعود لقصيدة الى المستقر الحي أكبر تحت عينك عام وأزغر تحت فيك عام/ وقد جاء التكرار للمفردة بأنساق مع الضوء والظل في البدء تكون.
المشاهدة/ الضوء – أكبر، ومن ثم الظل/ اللقاء، أزغر. كما تكرار الحرف يشكل انتباهاً في توالي المشهد صورياً.
*يل أسمر
مسحته
أو سيس
عسن لا رد
وهكذا تمتعت/ هذا المر حبيبي/ بالمعايير الجمالية/ الفنية وهي العلامة الأخرى في تطور القصيدة الشعبية الحديثة والرد الفاعل على سؤال تكرر (اين القصيدة الشعبية الحديثة؟).
فقرأت مستلة عن شعر الشاعر ضمن مخطوطة.
القصيدة الشعبية الحديثة في مراحل تطورها الجمالية/ الفنية تقوم على ارتكازين تحديثيين في مسارها الإبداعي، المرحلة/ النوابية/ والمرحلة/ ما بعد النوابية/ في المرحلة الأولى كان الاكتشاف الإبداعي الجديد والتأسيس الأمل لحداثة غير مألوفة كان التأصيل فردانيا في جوهره/ مظفر النواب/ هو الشروع الموازي لتطور القصيدة العربية والإضافة الأكثر إشعاعاً وتأثيراً في توليد قصيدة شعبية بمقومات فنية جديدة عليها بكل المعايير.وبعد رسوخ التأصيل النوابي كان التأصيل الآخر يتشكل بقوة ضمن حتمية التطور اللاحق/ الانتباه – تأصيل الأصل – الامتداد – الإضافة الجديدة/ والإضافة الجديدة تأسست وتشكلت على أيدي شعراء معروفين/ شعراء ما بعد النوابية/ وكان الشاعر الكبير/ علي الشباني/ في طليعتهم لوناً وانبثاقاً/ خطوات على الماء أيام الشمس/ ومن ثم/ هذا التراب المر حبيبي. ورغم أن سمات القصيدة في المجموعة الجديدة تمثل/ الاستكمال والاستمرار/ في التجربة الإبداعية لما سبقها/ الشكل، البناء، الصورة، التاريخ، اللغة، الرمز/ الا ان تأصيل اللون الخاص والمغاير الجمالية/ الفنية وكشف المستور من مواقف حياتية/ سياسية إظهاره في التوقيت الأكثر تلمساً يضيف سمات أخرى لتجربة/ علي الشباني/ الإبداعية ودوره في تطوير القصيدة الشعبية وصولاً الى القصيدة الشعبية الحديثة بلون/ الشباني/ وخصوصيته وانفراداته في جماليات الصورة، جماليات اللغة جماليات الرمز، جماليات البناء والتشكيل الشعري ومثل هذه الجماليات تم بوعي الشعر وفكرة الشعر وثقافة الشعر.فالصورة تجيء محملة بشحنات العاطفة والحسية ومرارة الخسارة، صورة لا تعتمد اللقطة الآنية بل تمتد طويلاً وتتشكل على كامل مساحة القصيدة لتشغل جميع دلالاتها في تصوير المشهد الداخلي/ الخارجي والشباني مولد صور بارع تنسجم قصيدته كثيراً في لغتها مع صورته الشعرية ولهذا تتسارع القصيدة، لينة تطاوع الروح، تتفيأ فيها حتى لم يكن من السهولة مسك موضوع القصيدة لانشغال الذاكرة في تتابع الصور وربطها مع بعضها، ان القصيدة منذ البدء تصور وهي في طريقها الى صور أخرى وان الشباني يستطرد كثيراً في قصيدته لكنه استطراد صوري ممتع حتى لتبدو القصيدة غابة من الصور كثيفة متشابكة تقتحم المخيلة دون إذن الا انها تنسينا الموضوع، ولذلك فان الموضوعات قصائد الشباني تختفي تحت أجنحة صورة انه يكتب القصيدة – الصورة – والصورة القصيدة في الوقت ذاته بدليل انشغالاته المحسوبة حتى في ألوان هذه الصور التي تزدحم عادة بها المقاطع (حنه، حمرة، شمس، اشموع، سدوة، ظلمة، نجم، ضوه، صبح، كمره، هندس.. الخ) الضوه ابدنياك تسيارهكصيره نفس ومروحه يشيمة بيتميتنا يظل يحجي التراب الفافي بجروحهولك ذليتعلمناك بزغة صبح وامدلكلمن شفت الليالي اطوال شو رديترد للموت لو حنيتيظل تاريخك المصلوبسيف اسمر حزن مكتوب * وللرمز في شعر الشباني دالته ومدلوله ورموزه متداخلة دينية وطنية/ آدم، صاحب الزمان، المسيح، الخضر، العباس، الحلاج، جيفارا، كاسترو، فهد/ والتداخل يشير الى القضية الانسانية كموقف وجودي/ حياتي يتوج بالتضحية او مسببات الغياب:* ولكولا يكسر خواطرهم كلب تلفانيا حوبة اشموع المغربالصوب/ الخضر/ وحشة نذر نسوان* ياوينه اليكلك هالك/يا صاحب/ بجتمهضومة كل دنياك* يا نكلة غضب ما جاي شيلة راسيا صبر/المسيح/وشيمة/العباس/* كما أن الشاعر/ علي الشباني/ مسحور باللغة، لغته ويفوق اهتمامه في هذا الجانب أي اهتمام آخر في القصيدة حتى يخيل إلينا أحيانا عندما لا ندرك موضوع القصيدة بأن هذه القصائد ما هي الا تشكيلات لغوية، ولهذا حين يستخدم الرمز فإن هدفه تعزيز هذا السحر في جمال لغته رمزياً، حيث ان هذه الرموز مليئة بحركية إيقاعها ولذلك فإن قصائده المزدحمة بالرموز هذه تمتلئ بالأفعال المضارعة والماضية والأمر، وهذا يضيف للقصيدة حالة من الاسترسال الراكض والانسياب المتناهي، لذا فان المتلقي لا يشعر بالملل بسبب هذه الخاصية الديناميكية:* والراية ابمنامك تنكسر واتميلكسرني الماي من طاح العطش بالدم دمع وتسيلولا راية التسد السيل واتفك الشمس بالروح كل الغيم يمطر باللعبوايبلل اثياب الزغر ويروح.* ان ظاهرة الالتصاق الأمي/ من الأم/ تضاف الى ظاهرة الحنان والعودة الى البيت تمثل دلالات رمزية أخرى في شعر/ علي الشباني/ تحيلنا الى ان الشاعر يرعبه الافتراق ويخشاه شاعر مليء بالخوف الحسي لا يحب المغادرة ومنذ التراكمات الأولى للطفولة وهذا يؤكد الاستنتاج من جديد بأن الأم والبيت رموز ذات أهمية لديه لا يريد أن يخسرها بعد ازدياد/ خساراته/ وبعيدا عن الفهم الفرويدي لظاهرة الالتصاق الأمي فان الأم في قصائد الشباني دلالة رمزية ونافذة ومنزع للخسارة حتى يمكن القول بأن الأم هي رمز للخسارة في شعره/ وصي املء بعد لتغار ولك ما مش كلب غيري عليك ايغار.* وفي جماليات اللغة يؤكد/ علي الشباني/ قدرة فنية في تطويع اللهجة باتجاه لغة جديدة نقية، متخلصة من تراكمات مفردات ما عادت تصلح الانتقاء الحاجات اليها شعرياً ودلالياً ولغة الشباني مدينية لا تلوح للريف الا عن بعد، والتعليل كامن في تجربته المدينة ايضاً ومع ذلك يتوافر الشاعر على تجربته الخاصة لغوياً في التكرار سواء كان ذلك في تكرار المفردة او تكرار الحرف وهو يدرك تماماً ما لهذه الجماليات في إضافات فنية تعود لقصيدة الى المستقر الحي أكبر تحت عينك عام وأزغر تحت فيك عام/ وقد جاء التكرار للمفردة بأنساق مع الضوء والظل في البدء تكون. المشاهدة/ الضوء – أكبر، ومن ثم الظل/ اللقاء، أزغر. كما تكرار الحرف يشكل انتباهاً في توالي المشهد صورياً.*يل أسمر مسحته أو سيس عسن لا رد* وهكذا تمتعت/ هذا المر حبيبي/ بالمعايير الجمالية/ الفنية وهي العلامة الأخرى في تطور القصيدة الشعبية الحديثة والرد الفاعل على سؤال تكرر (اين القصيدة الشعبية الحديثة؟) فقرأت مستلة عن شعر الشاعر ضمن مخطوطة.

ماذا بعد رحيل علي الشباني
الآن..، وبعد أن رحل كائن البسالة الفائقة، والمواجهات الشجاعة والتحديات العالية التي كانت – من بدون وجل – تحاذي الموت، وتضيئه بطاقة الشعر الكونية، ثم تتخطاه بقوة الأمل إلى خيبة حياة تصرّ دائما لا على ترسيخ معنى حياته النبيلة، بل تتلاقفها – بأدوات شرسة، وحصار لئيم – إلى هباء يرفع مقومات الخسارة الى لحظة التمام والكمال.والآن ماذا بعد هذا الغياب الكامل بنقصان وجود علي الموضوعي الذي يدل على نقصان لن تتخلص منه مدينة الديوانية حتى شروق الفناء على هذا الكوكب؟ هل تلفّت تراب الديوانية إلى الجهة التي حملته في سفره الأخير؟ هل شهق نهرها غضبا واستنكارا لسنوات النكران التي قابلت به وفاءه النادر الذي منح ذلك التراب معنى ومبنى يخلطان ويختلطان على الفكر لفرط ما فيهما من بنفسجية وبخور أعراس؟ وأهدى لها مذاقا لا يمكن العثور عليه إلا في أعالي العناق، وكان عناق علي لترابه كم أهدى لهذا التراب مذاقا لا يمكن العثور عليه إلا في أعالي العناق، وجرب أن يعطيه أمطارا وخيولا ونارا تشعل النار في النار. قليلا من النبل.. قليلا من اللطف يا تراب القبر وأنت تربض على صدر هذا الشاعر الذي انّثَّ لفرط – ما يحمل من عذوبة وشروط جمال – لغة قومه ذات التضاريس القاسية فجعلها فضاء تملأه الأغاريد والمواسم والأغنيات.. لم تكن لغة القصيدة في هذه المنطقة من جغرافيا الشعر العامي قبل علي تملك كل هذه العذوبة والغنج والبنفسجية والحلاوة التي جعلت هواء الفرات الأوسط كعسل التين، تتقطر منه فتنة ودلال جسد من كونتها الأساطير في بيت الرحيق الذي يرافقها حتى غيبتها في غيوم بخور ليلة العرس. من يعيد للديوانية بعد اليوم بهاءً خلقه لها علي، وظل يسقيه من ضوئه الخاص وماء ريحانة روحه حتى صار سماءً تطل على جميع البلاد من جميع البلاد التي سجن وتشرد، وعاش عمرا من العذاب الفريد فيها ومن اجلها، وضاع ومات من اجلها أبو صمد. هل يموت من يُحيي كل هذه الوثارة والطرب والدفء والحياة العميقة الرائعة في كيان لغة كانت ميتة قبل مجيئه الجميل الى رحابها فيضيء آفاقها ببروق الإبداع الملهم الغريب. من هنا أنا أراه الآن ذلك الفتى الذي يزاول صعوده الآسر إلى قمر في سمائه… يشيع الذهب وينثره من هناك على طرقات تتنور بلؤلؤ يبتكر لنفسه دروبا جديدة تنقذ روح الإنسان وفجر الأرض بقصائد لا تموت، يبدعها فحل الوعول الخالد ويدونها بالمسك على بطن غزالة حارة أيقظت في الله قدرة أخرى وشهوة مختلفة على الخلق العظيم. هل سيموت المبدع؟
وإن مات فأنه لا يموت، وسيظل يملأ الوجود بوجود أعلى وأجمل، سيبقى يجدد الحياة ويفجر فيها إمكاناتها الكبيرة وأغنياتها الخلاقة، وسيدوم ما خلّفه من مبدعات تسبقه الى المستقبل الأكيد رافعة إياه قنديلا يضيء بوابات الآتي والبعيد.. انه المستقبل الذي لا يعرف الانتهاء او الذبول. انه الشاعر علي الشباني ذلك الفتى الذي يقف على بوابة الأبد يأخذ العطر إلى وردة، والمطر إلى أعراسه والحب إلى مواعيد وصوره الجديدة البارعة… انه الشاعر المبدع الذي يعيد البداية إلى بدايتها الدائمة المطلقة، ومطلعها الذي لا ينتهي حين ينتهي إلا بمطلع وشروق جديد تسبح فيه الارض والسماء بأفراح بها مهر الأعراس، حاملا معه المطر والبشارة والحقول التي تقف على أبواب العراق.
بهداي مشي المهر..
كبل المطر بهداي

ثامر الحاج أمين وعلي الشيباني

بيت علي الشباني محطة الشيوعيين.. شهادة

عبدالكريم العبيدي
في ليلة باردة من ليالي تشرين الثاني عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، اقتحم عبثي اليومي في البصرة أحد أصدقائي برفقة غريبين اثنين من أهالي الديوانية، اسم أحدهما حبيب ظاهر والثاني كريم، أخبرني صديقي أنهما قدما لتسفيري الى جماعة أنصار الحزب الشيوعي العراقي في كوردستان فوافقت على الفور، ولم أخبر أحدا، واستلفت مبلغ عشر دنانير من شقيقتي، وفي فجر اليوم التالي سافرنا الى السماوة، ومنها الى الديوانية التي دخلتها لأول مرة، وفي وقت الغروب.
قال “الرفيق حبيب”: نبيت الليلة في بيت علي الشباني، ونغادر في فجر اليوم التالي الى بغداد.
كانت الحرب العراقية الايرانية على أشدها، وكان كتاب التقارير الحزبية والرفاق الزيتونيين والمخبرين يبحثون عن كل شاردة وواردة لأي معارض أو خصم أو مشتبه به، مما جعلني أتساءل وقتها: كيف سيسمح لنا الشباني بالمبيت في داره وسط كل هذه المطاحن والخناجر المسمومة والموت المعلن!؟. دخلنا بيت الشباني القديم، فاستقبلتنا حرمه الفاضلة السيدة أم صمد وبالغت بضيافتنا، ثم زودتنا بالأغطية والأفرشة، وتسللنا مع أول خيط مجنون من تلك الليلة المجنونة باتجاه بيت الشباني الجديد الذي كان قيد الانشاء في حي سكني قريب، كانت بيوته جميعها تقريبا في طور التأسيس.
بعد ساعتين تقريبا قدم اثنان، فبادر حبيب بتعريفي لهما، فابتسما وعانقاني وأثنوا على خطوتي. كان أحدهما الشاعر والانسان علي الشباني والآخر صديق للشاعر لا آتذكر اسمه.
جلب لنا شقيق الشباني الطعام والشراب، وسرعان ما بدأنا الخوض في الراهن السياسي وخراب الوطن والموت المجاني، ثم تحول اللقاء الى جلسة شعرية مميزة، ألقى فيها الشاعر أبو صمد قصيدته الساخرة والجريئة وكان مطلعها، على ما أذكر: (عدنه خليفه نرجسي.. يوميه يملي الشاشه.. بدلة فرنسيه الصبح.. جفيه واعكال العصر.. ويبات بالدشداشه.. هذا الخليفيه نرجسي).
ما زالت دهشة تلك الليلة تسحرني، ما زلت ألامسها بحذر شديد، تلفه آلاف التساؤلات عن شرنقة الرعب والخوف وصدمة التحولات السريعة التي بددها الشباني بحنكة قائد، وغيرة وطني شجاع، وطيبة شاعر شفاف مرهف.
ولكن، ما زلت أتساءل: كم شباني في العراق، حول بيته الى محطة للمناضلين في عقود الدكتاتورية والبطش والقمع.!؟، كم شباني آمن وقتها أن الحياة العراقية فقاعة فصورها قبل أن تنفجر!؟، كم شباني آوى عراقيين غرباء في كل شئ، عدا عطر عراقيتهم الفواح بطعم الحب والفرح والجمال!؟، وكم شباني قسم قوته اليومي بين أفراد أسرته وظيوفه الخطرين جدا في غدوهم وايابهم بين كوردستان والبصرة والسماوة والحلة!؟.
لم أر الشيباني منذ تلك الليلة/ الحلم، التي أضافت لمخيلتي صورا مزهرة ومدهشة عن علي الانسان وعلي الشاعر وبينهما علي المناضل، فهذا الشاعر الفاتح كان متعبا ومرهقا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، وهو وحده الذي خرج من معطف “خسارته” الخالد، تلك الدلالة الملحمية والعنقودية الفارقة والحديثة في وهج الشعر الشعبي، التي مزجت بصورها المدهشة بين (شوغة الليل وبواچي العافية وحزن الملح وسوالف الصبير بدموع الشمس وحجي موت الخوف بدنيه الخوف).
كثيرا ما تساءل الشباني في شعره، وربما تنبأ:
(جم صبح ينـراد للماشاف صبحيه ابحياته
وجم عمر ينراد للباجر مماته)؟.
الشباني يقرأ موته/ الولادة أيضا في عنقائية ابداعه هكذا:
(أموتن غبشة ثوبي تراب
عشب روحي صبر ع الباب
أموتن سكته گلبي كتاب
واليقره الگلب يعمه).
ويعود ويسخر علي الشباني بنبرة أسى من رحلته الموجعة وعذاباته وآلامه وما آل اليه، يقول:
(دخان هذا العمر، عود الرماد ايوج)!؟
ثم يتغنى من داخل سجن الحلة في مطلع ستينيات القرن الماضي مزهوا بأنينه الشباني الخاص وبوحدته وغربته، معولا على حبيبه أن يغدق عليه بقليل من الحنان، يقول:
(ونيني لا شهر يخلص ولا عام
ونيني خاص إلي وحدي ولا عام
أخبرك لا أخو ينفع ولا عام
أريد من الحبيب يحن عليَّ).
بعد ما يقرب من ثمانية وعشرين عاما، قادتني الصدفة وحدها لرؤية علي الشباني برفقة صديقي أحد أصدقائي في مشفى ببغداد مؤخرا. وجدته هيكلا ابداعيا يغفو على بحر ابداعه، صامتا، هامسا، لكنه سرعان ما يستفز ضيفه بذاكرة متوقدة، لم يعرفني في أول الأمر، وما أن دفعت بذاكرته الى ثمانية وعشرين عاما من ذالك الأمس، حتى لمحت ابتسامة مدهشة ارتسمت على وجهه، هي الابتسامة الجميلة ذاتها التي استقبلني بها في تلك الليلة المجنونة داخل بيته قيد الانشاء، محطة المناضلين الغرباء الا من عطر عراقيتهم الفواح بطعم الحب والفرح والجمال، ثم سرعان ما عقد الشباني بمبادرة خاطفة لقاء “موبايليا” بيني وبين رفيقي القديم الرفيق حبيب ظاهر، الغريب الذي قادني الى كوردستان في تلك الليلة المعجونة بالرغب والصدمات. وقتها فقط شعرت بسعادة بالغة، وخرجت من المشفى فرحا منتشيا بسحر هذا الشباني الجميل والمدهش.

رحيل الشاعر علي الشباني..
رحيل الشمس والبيت الاسمر

ريسان الخزعلي
هكذا يرحل آخر اعمدة/ خطوات على الماء/ بصمت يقلع الجذور، ويجفف نبع الفرات الذي اقام عليه..، هكذا يرحل الشاعر الكبير/ علي الشباني/
بموت نبيل يطهر القلب من لمسة التراب المر..، (هذا التراب المر حبيبي)..، هكذا يكون الشاعر، وهكذا عند الموت (يكون الشاعر وحده). ترتعش القصيدة الشعبية الحديثة الان خجلا، وتنكسر الحروف امام مشهد الرحيل، وينهض/ موحان الغيظ/ مهوالا على ضفة الفرات يبلغ العابرين برحيل/ الشمس والبيت الاسمر/. كم انت موحش الان (يابستان العصر/؟!.. وكم انت حزينة يا (فختايه او ورك شمام)؟! يا علي.. الموت معبرنا الى اليقين وانت معبر القصيدة الى (صاحب الزمان) وايام الشمس. انت قلت يا شاعر.. للارض طعم النار، وللنار طعم الارض، وانت قلت كذلك، النار في المحبة، والنار في الشعر في دفاترك العراقية. خطواتك على الماء، خطواتك على الجمر.. فلا تحزن! من تركك وحدك، سيكون وحده، وان المسافة بين قلبك والحبيبات المهاجرات اندى من العطر على خديك. لقد سبقت موتك بالنبوءة عندما هاتفتني قبل شهرين وقلت سأراك وكاظم غيلان حتما لاني سأموت بعد زيارتكم..، خسارة ياصاحب (الخسارة): هي دنيه العشكت الهم والجرح.. وانت دومك اتموت اعله بو هلبت صبح جم صبح ينراد للما شاف صبحيه ابحياته؟! او جم عمر ينراد للباجر مماته..؟!.. انت قلت هذا يا شاعر، وليس غيرك..، نعم كان/ باجر/ يعادل الف عمر..، لو كان بيدي لمنحتك عمري وعمرهم، لكنك ترفض وتقول (العمر جذبه اعله باجر/. في ذاكرة الزمن: خطوات على الماء، ايام الشمس، النار في المحبة، للنار طعم الارض، هذا التراب المر حبيبتي، دفاتر عراقية، ستبقى جميعها رايات عالية تفضح الهبوط. وستكون حائطا بوجه الريح التي لا نستطيبها.. لقد كان اصرارك الابداعي يرفض حتى المكوث في المستشفيات.. كم سخرت بالموت؟! وعالجتنا بحياة جديدة ايها الشاعر المناضل. ان (المطبعة) التي استوليت عليها وطبعت مناشير الحزب.. ها هي توزع الان مناشير رحيلك على الانهار والاشجار والاقمار الجنوبية../ لن الحزن مطبعة او مكسور طاري الضوه/. سنغني لموتك، وعلى غير العادة، وبألفة مع شعرك:
لو دره.. البلبل
بواجيه.. غنه..
يبلع السانه اويموت.!
*وسنردد شعرا: في.. الظلام.. لا جدوى للمرأة.. الجميع يعبرون متشابهين.. ولكن انت الاستثناء! اذا، هكذا يرحل علي الشباني وترحل الشمس والبيت الاسمر.

للنار طعم الأرض لعلي الشباني
رهان على الشعر دائما

كزار حنتوش ـ 1997
النار في اصابعي عشر من المآذن الذهب
ترى من يبدأ العقوق اولا…؟
أهو الشاعر ذاته الذي هجر الناس والشعر، واختار له زاوية غريبة كل الغرابة مثل طابع قديم على مظروف منسي.. عامدا او مبلبلا أو ان الناس الذين هتفوا باسمه واسكروه بالقبل.. او الورد او الهتافات، فجرب في دل او تيه او قهر ربما متوهما عن قصد. ان الناس سوف يفعلون أي شيء من أجل ان يشع من جديد نجمة صبح في سمائهم الخريفية الشاحبة.
لا أدري.. ولا أريد ان أدري.. لكنني لا أظن ان احدا من الثقاة المشهورين الذين نودهم ونبجلهم كل التبجيل يجعل “علي الشباني” الذي ركض في مضمار الادب بساقين لاتسبق واحدة، حتى تتقدمها اختها واقصد “الشعبية” و “الفصحى”. هذا الشاعر الذي اصدر بعد ربع قرن ونيف ديوانه “للنار طعم الارض” ومن الثقاة الذين نودهم كل الود، بدءا من تلك الايام اللاهبة الزاهية والدامية ايام الستينيات وحتى يومنا هذا.. يوسف الصائغ.. عبدالرحمن طهمازي.. فوزي كريم.. فاضل العزاوي.. ولكم ان تسألوهم، سوف احدس مايقولون، مستحيل ان يقرع هذا الاسم طبلة الاذن دون ان يحدث رنة.. وعويلا.
-ما المناسبة التي تدق بها الطبول لشاعر، آثر الانكفاء وحده دون ان يرف له جفن ثم عاد الينا وحده، دون مشورة من احد.
-هذا شأن يخص الشاعر وحده، لقد خرج هذا الشاعر من سردابه العميق شاكي السلاح حاملا في يده اليمنى “للنار طعم الارض” وفي اليسرى ديوانه السبعيني المشترك “خطوات على الماء” جاء الينا يسترد حقه، في مثل هذا الوقت الذي اختلط فيه الشعر السيء بالاكثر سوءا وعقدت الرايات لشعراء لانجد بأسا من منحهم رتبة بواب او متفرجين في حضرة الشعر.. وباديته.. جاء الينا في يده “للنار طعم الارض” حسنا ستكون النار بردا وسلاما ونحن نعبر صوب الارض، نبتديء بشهادة الشاعر الراحل “طارق ياسين”.
1. “علي الشباني” شاعر يقدم لنا رؤية خاصة للعالم كما يراه وليس كما يراه الاخرون، ملتقطا اهم صور مثلما يلتقط الطفل الفراشات من الحقل، طفل مسحور بعذوبة وعفوية وبراءة ودهشة عهد الطفولة الكامن في رجولتنا، اذ يضعنا امام طوفان مدمر.. ومحبة طاغية.
2. الشاعر “علي الشباني” كان ومايزال ضمن شعراء يعدون على براثن الاسد، اقتحموا الوجدان الشعبي وكان ومايزال فاتنا لحد خطير في اقامة التناسق الممتع بين الفصحى والشعبية بحيث لاتستطيع ولو تسلحت بذوق هو رديف الحذق والفضول الفني الطريف ان تبصر اللاابيض من الخيط “الابيض” وكلاهما يعشيان البصر فرط شاعرية وأسى جمالي.
وسأدخل في قصيدة “النار في المحبة” لانها اميرة قصائد الديوان وملامحها ونبلها واحيانا هشاشتها العاطفية، تتوزع باقي قصائد الديوان، فلنقصدها اذن دون غيرها “ومن قصد البحر استقل السواقيا” انها تضم كل مثالب الشعر الستيني ومحاسنه. عدا مناهج فنية اخرى اتبعها قلة من الشعراء تعتمد الوحدة العضوية للقصيدة بصرامة كهنوتية وبأقل مايمكن من الكلمات مع “زفة” موسيقى في الختام، تضيء برقص بهي النسيج الشعري من اسفل الى اعلى، لكي نعيد القراءة ثانية بحيث يقف المشهد الشعري على قدميه الملائكيتين… امام بواصرنا المندهشة.. تلك المثالب ايامها، والمحاسن “ايامها”.. السرد:
لوينحني في الفرات
كنت في كل الشجر
محض اشتهاء يمنح الطيور هاجس السفر
لو يستحي… من قامتي النخيل
… كانت الانهار تجري للمنابع
والطمى الاحمر حناء المزارات
الانا…
من له وجه كوجهي
فليقف في وجه هذا الليل
مهرا.. كوكبا
قصائد الديوان تنتمي الى شعر ” كفاحي” لشعراء حملو قصائدهم ندى الغبش واوجاع الليل وعدم التناسق بين الشاعر والعالم، أي اللغة الريانة العذبة هي الوجه الاخر للنار أي المحبة ومنهم الشعراء يوسف الصائغ ومظفر النواب وعبدالامير الحصيري، لاتنسوا عبد الامير الحصيري لقد كان والله طازج اللغة، فريدها كانها رغيف خبز خرج توا من الفرن.
ما معنويات قصائد “للنارطعم الارض” لتأخذ نسغها من ذواكرنا الطيبة ايام الستينات.. يا كم كنا برمين بها ولكنها تلوح لذواكرنا اليوم كم طيبة “ملصت” آذاننا، وضربتنا على قفانا فكرهناها، ثم انحينا في التالي باللائمة على انفسنا لاننا عققنا تلك الام الماسية المجدولة بالدم والقلق والفرح والسفر… والخلافات النبيلة. معنويات القصيدة تشير باصبع لاتخطيء الاشارة الى الاصدقاء والنار.. النار الطهور.. والخيل والعراقي الطامح و”الخيبات”
استدارت رغبتي
كانت كدائرة الغبار المستدير
وانت في الدائرة الكبرى تطير
ابسط جناحك.. ايها الحب الاخير
فان روحي اوشكت والكوكب المسحور
يخبو في غيابك
ان قصائد الديوان ماثلة امام السادة القراء…. فليقرأ….

شاهد أيضاً

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *