( إشراقة الأمل )
محمد جودة العميدي

شاء القدر أن لا تلد أمي غيري ، لا ولد ولا بنت ، فنشأت طفلا وحيدا عزيزا بين والديّن كريميّن . والدي عامل بناء يكبر أمي بخمس سنوات ، أنهكه تعب السنين ، تعب يومي من عمل بلا توقف من اجل لقمة عيش طيبة مباركة . كثيرا ما كنت أسمعه يحدث نفسه منفردا في جانب من جوانب بيتنا الطيني نادما ومتألما : ( آه لو انني اكملت دراستي وحصلت على وظيفة حكومية لكانت حياتي أفضل مما أعانيه اليوم من شظف العيش ، لكنني اضطررت الى ترك مدرستي لأساعد أبي في توفير لقمة العيش لعائلة كبيرة .
كنت أعتذر كثيرا من أصدقائي الشباب في المدرسة بعدم مساهمتي في سفرات مدرسية ترفيهية ، فكان بعض زملائي متفهمين لحالتي ، فيبادرون الى اشراكي بهذه السفرات على حسابهم الخاص ، فكنت أتحرج في الكثير من الأحيان في مثل هذه المواقف فألعن الفقر والعوز .
عانيت الفقر كثيرا مع أبي و أمي وأصبحت حساسا أكثر و أنا في استعداد لأداء امتحان الثانوية العامة .
كثيرا ما كانت أمي تتشاجر مع ابي لعجزه عن توفير ضروريات الحياة اليومية رغم صغر عائلتنا . وذات يوم وقع شجار بين أبي و أمي تخلله جدال عنيف وعناد ، لم أستطع خلاله الوقوف مع أي منهما ، فوالدتي تريد توفير ضروريات الحياة كبقية العوائل ووالدي يعتذر عن توفيرها لأسباب بعيدة عن ارادته . أنتهى الشجار بتطليق والدتي– وهذا ما كنت أخشاه في داخلي – وخروج أبي تاركا البيت لي ولأمي . بيت لا رأسمال فيه سوى نفقة لأمي فرضتها المحكمة على أبي .
آه يا الهي ! أي مستقبل مجهول ينتظرني ؟ بدأت العوائل الآن بتوفير أجواء دراسية لأبنائها وهم يستعدون لأداء امتحان الثانوية العامة بعد شهرين . لم أر والدي لشهرين ، لاتزال كلماته وتشجيعه لي على النجاح والتفوق ترن في أذني ، فكانت تمنحني طاقة إضافية لتحقيق ما أصبو اليه . قررت أن أصاحب أحد زملائي أثناء فترة الامتحان ، فرحب بي وبدأنا ندرس سوية في بيتهم . أقترب الامتحان فدعوت الله بالتوفيق فعسى ان يكون نجاحي سببا لجمعنا من جديد .
أديت الامتحان على أكمل وجه وبعون من الله كنت من المتفوقين الأوائل وقررت الالتحاق بكلية الطب . أكملت دراستي ست سنوات عجاف لا يعلم بحالي الا الله الرؤوف الرحيم فتخرجت طبيبا . انقطعت أخبار أبي خلال فترة دراستي – ظنت أمي أنه هرب من دفع النفقة – وأنا ظننته قد فارق الحياة . وعلى أية حال فأننا أخذنا بأسوأ الاحتمال .
بعد ثلاثة شهور تعينت طبيبا في أحدى مستشفيات محافظات الجنوب ، واستلمت مرتبي الأول ووضعته بين يدي والدتي وكم كنت متلهفا لهذه اللحظة لأضعه بين يدي والدي أيضا ، ولكن أين هو الآن ؟

أجتاح وباء ( كورونا ) اللعين العالم وكانت الاصابات بمئات الآلاف . عملت في المستشفى مع الفريق الطبي المسؤول عن احتواء المرض ومعالجة المصابين . استلمت القائمة الثانية بأسماء المصابين بالوباء ، واذا بأسم أبي ( رجب عبد الله ) قد ورد بينهم . يا الهي هل هذا اسم أبي أم شخص آخر يحمل نفس الاسم ؟ تأكدت أنه ابي وقد جاء الى هنا ليعمل بستانيا ليرعى أحد بساتين النخيل . بدأ الفريق الطبي بعلاج المصابين ونال والدي مني اهتماما كبيرا رغم أني لم أعلن له هويتي ولم أعرفه بنفسي . كان كثيرا ما يسألني عن سبب اهتمامي به ، فكنت أجيبه أننا نهتم بالجميع . وما ان انتهت فترة ألعلاج و أعلن الفريق الطبي شفاء المرضى وإمكانية مغادرة المستشفى ، اقتربت من والدي وعانقته وقبلت يديه وقلت : أنا دكتور أحمد أبنك الذي كنت تسمعه أحلى الكلمات منها : ( انك ستفخر به في يوم من الأيام ) ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| محمد الدرقاوي : التاكسي 75…

“ساكن جديد حل بالحي” ، هذا ما أسر به عامل مقهى في أذن مقدم الحي …

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.