عبد العزيز إبراهيم: بِنْيَة السَّرد في رواية “حياة ثقيلة” لسلام إبراهيم (ملف/122)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

” وَما غَيّضَ السُّلوانُ دَمعي وإنما نَزَفْتُ دُمُوعي في فِراقِ الصواحب
وقُلتُ، وقد نكبّتُ عَنهُ لطيَّةٍ سلامٌ، فإنّا مِنْ مُقيمٍ وذاهب” -1-
(ابن خفاجة الأندلسي/ت533هـ

تقديم
يُنظر إلى السرد كونه علماً يهتم بـ “دراسة النصّ واستنباط الأُسس التي يقوم عليها وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه” -2- وهذا يعني أنْ السرد يمكن أن يُجرّ إلى الرواية التي تقوم على الق الذي يرويه المؤلف كونه الراوي العليم بمجريات الحدث الروائي الذي يضع نصب عينيه أن هناك متلقياً لما يرويه نصاً يرتبطُ بمكان وزمان تكون اللغة أداة الراوي. ورواية سلام إبراهيم الموسومة بـ “حياة ثقيلة” بصفحاتها التي قاربت المئتين والخمسين بحجمها المتوسط، ستكون نصاً نقف عنده قراءةً.
قسّم القاص روايته إلى ثلاثة أقسام معنوناً كل قسم بعنوان، فالأول (لبناء عالمٍ جديد) ص5-69، والثاني (وينك يا بلدي) ص70-150، والثالث (أي خِلْصَتْ) ص151-242. ويصور كل قسم حياة شخصية من أصدقاء المؤلف الذين ارتبطوا معه بالحزب الشيوعي العراقي في حقبة سبعينيات القرن الماضي ومالحقهم من ملاحقة أمنية واعتقال وتعذيب، يلتقي بهم ويتفقد أحوالهم بعد سقوط النظام السياسي في 2003 على يد الأمريكان، فكانت شخصية أحمد في القسم الأول، وسعد في القسم الثاني، وحسين في القسم الثالث.محاور يكون المؤلف (سلام) هو مركز الرواية الذي يربط الثلاثة إلى مداره حدثاً وحواراً فلا نجد غير بطل الرواية المؤلف سارداً، يتمدد على أرضية “حياة ثقيلة” وكأن هذه الحياة الموزعة على أقسام الرواية ما هي إلا حياة المؤلف ذاته، ولولاها لبقيت هذه الشخصيات تائهة تبحث عن مؤلف. وبذلك يمكن أن تقرأ الرواية “حياة ثقيلة” سيرة ثلاثية لكاتبها، إلا أنه تغلب على هذا المدخل من خلال السرد الرائع بلغة تمتلك جمالية اللفظ ودلالية المعنى،زاوج الكاتب في هذه اللغة بين الفصحى والعامية العراقية، مطعماً إياها بلهجة لبنانية تلتقي مع العراقية في تصوير المأساة (القسم الثاني) ليبكي كلٌ على ليلاه في بغداد وبيروت دون تكون هناك صلة في الأحداث إلا كون صوت يتردد ألماً في الثانية فيلقى رغبة في البكاء عند الأولى بعد سقوطها وتدهور الأوضاع الأمنية فيها. والكاتب لا يريد من هاتين المدينتين تأريخاً للمأساة كما صنع تشارلز ديكنز في روايته (قصة مدينتين) التي نشرها سنة 1859، بل يريد (الديوانية) وما حلَّ بها قبل سقوط النظام وما بعده من مآسٍ وقتل ناهيك عن الخوف، ولم تكن الديوانية إلا صورة لوطنه العراق الذي تدهورت أوضاعه سنة بعد اخرى.
1ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1
شخصيات رواية “حياة ثقيلة” كادحة أرتبط تأريخها بالعمل السياسي يشدها حلم “الوطن الحرّ والشعب السعيد” فتستيقظ من هذا الحلم الجميل على وطن محتل وشعب ممزق جائع لا يأمن حتى على حياته في وضح النهار بعد أن أنهكها اللجوء إلى الجبل (كردستان العراق) حتى تحقق ذلك الحلم الذي يتراءى لها من موسكو إلا أن هذه الرؤيا كانت هي والنضال في العراق محط سخرية الرواي العليم في حواره مع سائق سيارة الأجرة قائلا:
“لم يكف عن الإشارة إلى سخريتي من السياسة في العراق بعد عنف التجربة ومعيشتي في دولة (الدنمرك) لم تدخل حرباً منذ أكثر من قرن وبنت مدينة فاضلة تحترم الإنسان، بينما وجدت الإنسان في مدينتنا التي كنا نظن أنها فاضلة موسكو مسحوقاً يلهث خلف لقمة الخبز، مذلاً مهاناً!”ص153.
وإذا جمع سلام إبراهيم في هذه الرواية ثلاث شخصيات يتحدث من خلالها بألم عن أوضاع العراق من قتل ونهب وسلب، فإنه لا يبتعد عن صنيع نجيب محفوظ في روايته “بنسيون ميرمار” عندما جمع أربع شخصيات هي “عامر وجدي/حسني علام/منصور باهي/سرحان البحيري”-4- ليحاكم من خلالها ثورة يوليو (تموز) 1952م بالرغم من سقوط هذه الشخصيات وضياعها. ولا يختلف سلام إبراهيم عما ذهب إليه نجيب محفوظ وهو يحاكم الأيدلوجية التي آمن بها والتي دفع ثمناً غالياً دون أن يحقق أملاً وهو يردد “كنتُ أظن قبل سقوط الدكتاتور بأن همومي كلها ستزول بزواله، فأتمكن من زيارة الأهل والأحباب، أرى أمكنتي الأولى، وأشم هواء وتراب مدينتي…” ص6 لكن الذي رآه “أرفع يديكَ!. انصعتُ للأمر والملثمون أحاطوا بي، بارزين من جهتي الشارع وهم يوجهون فوهات بنادقهم صوبي”ص11. هذا هو حال الوطن الذي حلموا بحريته وسعادة شعبه. وأمام هذا التدهور، فإن الشخصية الأولى أحمد المناضل ينتهي إلى متدين “لم أتبين ملامحك فقد أضاعتها لحيتك البيضاء الطويلة”ص64 “ورحت تبسمل مردداً آيات قرآنية بصوتٍ خافت يدغم الحروف، مسبل الأجفان…”ص65 لكن هذا التدين لم يمنع الميلشيات المتصارعة من قتله (ص68) وهو جالس في دكان مكتبه.
أما الشخصية الثانية فهي شخصية سعد الذي ترك العراق ليقاتل مع الفلسطينيين في لبنان ثم يلجأ إلى الجبل في شمال العراق ويدفع ثمن نضاله أن تهجره زوجته لتتزوج ضابط أمن في الديوانية في غيابه يداعبه أمل لرؤية ابنتيه ولسانه يردد “لو بقه يوم بعمري لازم أشوف بناتي وأشوف الرجل الذي أحتل مكاني بالفراش”ص137 وضاع سعد ولم يُعْثَر عليه بعد أن ترك الجبل متوجهاً إلى الموصل أملاً في رؤية ابنتيه.(ص145).
وتبقى الشخصية الثالثة حسين فلا تختلف نهايتها عن أحد الصعاليك المعاقرة للخمرة في ساحة الميدان. وقبيل موته يردد “أي خِلْصَتْ” ص239 بعد أن تحطم بفقدان ابنته وسط القتل العشوائي والخطف في بغداد ما بعد الاحتلال الأمريكي الذي أشاع السلب والنهب وحرض على القتل!.

1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2

يمكن أن نقول إنّ السارد هو الشاهد الأخير على ما حدث في أية رواية والذي يتدخل في رواية الحدث إطالة أو اختصاراً، يركز انتباه القارئ على نقطة قد لا تكون كهمة في نظر المتلقي ولكنه يراها الأساس لبناء سردهِ متخذاً من التداعيات أو حوارات الذات أو نصاً شعرياً أو نثريا مُضمناً إياه في ثنايات السرد هدفه من وراء ذلك أن تكون الأدوات نقطاً مضيئة تساعد المتلقي (القارئ) على فهم الرسالة التي يريد إيصالها إليه وهو يقرأ روايته. ووسائل المؤلف هي:
1- التداعيات/ ينظر إلى التداعي من زاوية علم النفس بعيداً عن اللغة أو مصطلحات القضاء، ويقصد به ترك الذاكرة حُرّة في استعادة الماضي وهذا ما وظفه الروائيون كونه إطاراً خلفياً لتصوير الحدث أو تقريبه إلى ذهن القارئ وصفاً. وهذا ما يلجأ إليه سلام إبراهيم في روايته، مثالنا لذلك بدايات القسم الأول حيث يقول “وحدي، وحدي، وحدي والستون تفرش أيامي، تحتل لحظتي، تحيط بي، تحاصرني في سهري، في سكوني، وفي حركتي، في أنفاسي، في نومي، في يقظتي….”ص5 فيفهم القارئ رسالة الكاتب أن الرجل يعاني غربة في مكان بعيد عن وطنه يفصله زمن حاضر لا يجد إلا الماضي عوضاً وتكون تداعياته العزاء الذي يسلي نفسه به وسط غربة المكان وبَعد الزمان.
2- الحوارات/ ونقصد بها أن يحاور السارد نفسه بعيدا عن حوارية باختين التي ترى في الحوار ممرات أيديولوجية بخلاف ما نذهب إليه، وهذا ما نقرأه في رواية سلام إبراهيم في القسم الثاني منها فنراه يسرد بقوله “في مساء اليوم الثالث فرغتُ من تدوين مشاهداتي وتوجهتُ نحو موقعك. لم تكن هناك أخبروني أنك ترقد في غرفة الطبابة منذُ ثلاثة أيام. أي منذ جلستنا على ضفة النهر. سألت:- ماذا جرى؟ – يتقيأ ولا تقبل معدته الطعام. قلتُ مع نفسي: – كما توقعت.”ص127-128. فالرسالة التي أراد الراوي أن يبلغها للقارئ المفترض هي أنَّ سعداً منهار لأنَّ زوجته قد هجرته وباتت في حضن رجل أخر.
3- التضمين/ وهو صورة من صور التناص يلجأ إليه المؤلف لإيصال فكرته من خلال شعرية اللغة التي تفتح النص شعراً إلى جانب النثر. ولذا نلاحظ أنّ سلام إبراهيم قد لجأ إليه في القسمين الثاني والثالث فضلاً عن الأول. ففي الثاني يقول الراوي “وجعلتُ أنشج مثل أُم فقدت وحيدها وهو يُنَغِّمُ أسمك (بويه سعد يا بويه/الونه طالت يا سعد يا بويه) لأسقط في نوم عميق وكأنني لم أكن” ص104 ويكرر ذلك في ص135 وكأنه بهذا التضمين يقول أن ما حلَّ بسعد جعله يئن دون أن يتخلص من ألمه الممض.

2ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1

قد تلتقي السيرة الذاتية التي يرويها صاحبها مع القصيدة في سردها كون السيرة والقصيدة تعبران عن معاناة السارد. وفي رواية “حياة ثقيلة” التي قدمنا أنها قائمة على ما يرويه المؤلف باعتباره الراوي العليم بكل مجريات الحكايات الثلاث التي وقعت لأحمد وسعد وحسين في زمن مضى لكن المحكي يقترب من الحاضر، وهذا يعني أن الذات الساردة تكون قابلة للانشطار إلى ثلاثة أزمنة داخل الماضي لكون السرد تمَّ فيه دون أن تخرج عنه.
أ‌- ما يرويه السارد عن نفسه معرفاً القارئ بحاله ناقلاً إياه من الحاضر إلى الماضي وهو يبدأ في الوقت نفسه بكتابة الرواية فيقول: “أجلس على حافة الستين، خلف النافذة الليل أبيض، خلف النافذة تهبط الأضواء وندف الثلج من سماء بيضاء.. الشوارع خالية. زوجتي تنام في الغرفة الأخرى. صرتُ قليل الكلام بعد أن كنتُ لا أمل منه.”ص5 وعند ختام الرواية يقول “عبرتُ الستين خلف النافذة، الليل أبيض، خلف النافذة تهبط الأضواء وندف الثلج من سماء بيضاء.. الشوارع خالية، الغرف الأخرى باردة. لم أعد أتكلم مع أحدٍ.”ص241. فنفهم أن الزمن الذي استغرقه قصّ الرواية تجاوز السنة وقد يكون السنتين أو الثلاث وهو يروي للقارئ المفترض كلماته المكتوبة على الورق مصوراً ذاته قبل أنْ يصور شخصيات روايته.
ب‌- ما يرويه عن الآخرين، وفيه يتحول الخطاب من شخص فاعل للحدث إلى السارد ينقل له ما حدث أو ما عايشه، فيقوم السارد بنقل المروي الذي سمعه إلى القارئ. ويبدأ سرد القاص بالسؤال: ” قلتُ له:- بلا مقدمات أش صار البارحة وأحنه هنا بالبيت متنا من الخوف عليك وما نمنه للصبح!” يخبرنا الراوي العليم بالجواب وليس الشخص المسئول:- “طلبتْ منه العودة عند حلول الظلام وقالت سأترك باب البيت مردوداً ما عليك سوى دفعه والدخول” ص204 فنعرف أنّ الكلام نقل نقلاً غير مباشر عن الآخر.
ج- ما يرويه عن قناعاته. وهذا الروي لا يريد به السارد توجيه خطابه لمتلقٍ بل يريد به غرضاً آخر يعبر به عما وصلت إليه تجاربه الحياتية. ولنا أمثلة فبعد تجربة السياسة يقول: “منذ تلك التجربة آمنتُ تماماً بأنّ الكائن الأيدلوجي بلا ضمير وأناني ولا يهمه مصير الفرد تنطبق عليه مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” التي لا تجرد الإنسان من إنسانيته حسب بل تبيح له قتل الآخر. صدرت الجملة من أعماقي بصوتٍ خافت وكأني أحدث نفسي”ص120 وقد يشعر بعبثية النضال أو القتال من اجل الآخرين فنراه يقول في ذاته “لا يشغل همنا غير الناس، والناس لا يأبهون بنا، لكننا لا نهتم ونردد بكل ثقة:- سيستيقظون يوماً وينتبهون لمأزقنا!. وهذا ما لم يحدث قط!.”ص78 ولم يبق أمامه إلا النضال من اجل الحصول على المرأة فيقول على لسان صديقه حسين في الحكاية الثالثة: “لا تضحك أني مجنون بالنساء وداعتك زهدت بكل شيء، بكل شيء ما عداهن”ص203.

2ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2

قد يغري السرد مؤلف الرواية فيدفع به إلى أن يسهب في القص على حساب البنية الروائية، عند ذاك لا يجد الراوي مناصاً من أن يلجأ إلى صمامات أمان يختفي عندها السارد فيخلق في القارئ تشوقاً لما يحدث من خلال ثلاث موصلات فنية إنْ تمكن منها شدَّ المتلقي إليه فيجعله لا يفارق سرد المؤلف، وهذه الموصلات هي:
1- تداخل السرد: ويقصد بالتداخل “دخول شيء في شيء آخر بلا زيادة حجم أو مقدار”-5- على رأي أهل المنطق اعتمده سلام إبراهيم في سرده للحكايات الثلاث التي تؤلف روايته. ففي الحكاية الأولى التي يرويها عن رحلته بالسيارة بعد سقوط النظام السياسي في العراق وما رافق ذلك من ظهور الميلشيات المسلحة والقتل على الهوية وحالة الخوف التي ظهرت على وجوه الركاب أثناء مرورهم على اللطيفية وهو يقصد بغداد ليلتقي بصديقه أحمد الذي فارقه أكثر من عشرين عاماً. يداخل الراوي ما مرّ به من أحداث أو مواقف وشخصيات عايشتها وكان هو قريباً منها فيروي عنها تلك المواقف ومنها حكاية لقاءه بـ (ناظم) جاره السائق الذي أبدى اهتمامه به بعد خروجه من المعتقل (ص؟27) ثم يدخلنا بحكاية أخرى بطلها عباس الناصري الشيوعي الذي أنقذه من بطش السلطة شيوعي آخر (سعد) وهو عميل في جهاز ناظم كزار الأمني، ثم يدخلنا مرة أخرى بحكاية صديقه ناظم السائق وهو يسأل عنه بعد عودته إلى الديوانية من الدنمرك:”أخبرني أخوه الصغير أنه أشترك في انتفاضة آذار 1991.. ألقى الحرس الجمهوري القبض عليه وبعد ستة أشهر أطلقوه ضامراً صامتاً ليموت بعد أسبوع”ص32.
2- قطع السرد/ينظر إلى القطع أنه يكون “في الجزء الذي لا يتجزأ”-6- وهذا يعني أن يوقف السارد روايته ويتحول إلى حكاية أخرى لا علاقة للسابقة باللاحقة أو أن يقطع ما يفكر فيه إلى أمر آخر لا تربطه صلة بما يفكر. ومثال الأول حكاية سعد (القسم الثاني) يقول “ومشينا نحو القاعدة القريبة صاعدين من حافة النهر نحو القاعات والغرف المنتشرة في فسحة الوادي.. لم نتبادل كلمة واحدة، كنتَ تسرع بخطاك. تريد الهرب وغبت بين شجيرات الدرب الصاعد نحو فصيل الإسناد الذي كنتَ مسئوله العسكري” ويقطعه بقاطع جديد من السرد فيقول “أجلس في مواجهة دائرة بريد الديوانية، يبننا النهر الذي ضاق مجراه وامتلأ بالنفايات، أجلس مغموراً بك”ص123 فنلحظ أن المكان في الأول هو جبال كردستان في شمال العراق. وفي الثاني صارت مدينة الديوانية ونهرها مكاناً. واختلاف المكان هو اختلاف الحدث والزمن ولا صلة بين الأثنين إلا قوله مغموراً بك أي مفكراً بما آل إليه وضعك، والفكرة لا تمت إلى مجريات الحدث بصلة فقد يفكر بعدها بشيء أخر أو يقطع صديق له في الديوانية صمته وينقله إلى واقع أخر.
3- مفارقة السرد/ تقوم المفارقة على الاختلاف. ويراد به في مصطلح الحداثة “كتابة غير تتابعية”، نصاً بتشعب ويعطي القارئ خياراً وخير مكان لقراءته هو شاشة تفاعلية”-7- كما يذهب إلى ذلك تيودورهولم نيلسون وينظر إليها من زوايا درامية ولفظية فضلاً عن المواقف. وما يعنينا هو المفارقة اللفظية التي ترسم أسلوبية الروائي التي جمع فيها حشداً من المفارقات في الحكاية الثانية التي تُشخّص سعداً فيها غير مفارق لما يدور بالرغم من غيابه عن المكان (الديوانية – المقهى) حيث “يتراءى له بقامته ووجهه الشاحب” وبالمقابل يظهر صديقه (علي الشباني) “بقامته المتداعية وخطاه الواهنة يحملق بشرود في البشر والشارع” فضلاً عن وجوه جديدة تحلم مثل حلمنا القديم – يقصد وطن حر وشعب سعيد – بالمدينة الفاضلة.ثم يفارق السرد قائلا: “أقبل نحوي علاء جواد كاظم أستاذ مساعد في كلية الآداب بالديوانية، ناقد شاب به مَسّ من الجنون يصحبه خالد إيما فنان مسرحيّ ويكتب متابعات نقدية..الخ” ثم يفارق سرده بالعودة لمخاطبة سعد مرةً أخرى دون أن يرد عليه سعد أو يطلب الكاتب منه ذلك فيقول: “لم يبقَ أمامي سوى مغادرة المقهى للخلوة بك لترتيب روايتك حتى صفحتها الأخيرة والتي أناطوا مهمة طيّها” ثم توجه بالسؤال “هل تعتقد أن شيئاً من أمكنة قلب المدينة تغيّر؟!.”ص124.

3ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1
بالرغم أنَّ المؤلف السارد لرواية القصة أو القصص الداخلة في بنية الرواية راوٍ عليم، فإنّ هذا الراوي قد تزدحم الأحداث في سرده لاسيما إذا تعدد القص ثلاث مرات لحادثة واحدة وقعت للراوي المتكلم وهو يوجه قصه إلى المتلقي مبيناً علاقة ثلاث شخصيات ارتبط بها وحاول أن يتحدث عنها راوياً ما حدث لكل شخصية من جهة، وعلاقة الحادث به من جهة أخرى. هذا الروي الثلاثي المكون لبنية السرد في رواية (حياة ثقيلة) يشخص لنا في حكاية التحاق السارد بالثورة المسلحة في كردستان العراق أيام سلطة حزب البعث، ويظهر في القسمين الثاني (وينك يا بلدي) في علاقته بشخصية سعد، والثالث (إي خِلْصَتْ) في علاقته بشخصية حسين، ونجد الروي الأول للحكاية عندما توجه السارد بطل الرواية متحدثاً عن التحاقه بثوار الجبل مع زوجته ورفيق لهما مكلف بايصالهما لمجمع باعذرة. فيروي على لسانها أنها أدعت كونها معلمة كي تقنع السائق للوصول إلى ذاك المكان المحظور دخوله فقالت: “وادعيت أني معلمة تعينت هناك وأخوي ابن عمي يوصلاني ويطمئنان عليّ ويرجعان واتفقت على الأجرة”ص109-110وهذه رواية القسم الثاني. اما القسم الثالث فإنَ الرواية تأتي بسردين متباينين الأول يستذكر الماضي في الديوانية وهروبه من العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي فيقول:- “- ما أدري. ما أدري، لكن ما أريد أموت بهذي الحرب! وبقيت مختفياً لمدة شهر في البيت إلى أن وجدتُ من يوصلني إلى الثوار في الجبل فالتحقتُ تاركاً زوجتي وأبني في الشهر الثاني، ولما لم تكتب وحدتي العسكرية إلى دوائر الأمن فقد أُشيع في مدينتي الديوانية كوني مفقوداً. لذا ارتدت زوجتي السواد حداداً وبقى الأمر هكذا.” ويؤكد هذه الرواية عندما أنتقل إلى بغداد واختفى في بيت صديقه حسين دون أن يفارق زوجته التي صاحبته وصارت حاملاً بطفل مما خلق إشكالاً في وضعها الاجتماعي، زوجها مفقود (غائب) وهي حامل مما أضطرها للإجهاض والرجوع إلى الديوانية للعلاج في بيت أهلها. (ص/192 وما بعدها) ثم يسرد الرواية الثانية في القسم الثالث. وهي الرواية الثالثة في سرد حكاية الالتحاق بالجبل فيقول:- ” لم أره – يقصد حسين – بعد ذلك إلا مرةً واحدةً، حينما رتبت زوجتي أمر التحاقنا بالثوار، فقضينا ليلة بغداد الأخيرة في بيته مع الرفيق المكلف بإيصالنا، ومع خيوط الفجر الأولى فللنا أذرعنا بعد عناق طويل لأفارقه قرابة عشرين عاماً.”ص210.
هذا التناقض يمكن حَلّه لو كانت هذه الحكايات بأقسامها الثلاثة منفصلة عن بعضها بحكم أنّ السرد قائم بالقصة لوحدها وهو في الوقت نفسه مستقلاً عن غيرها. أما في هذا العمل “حياة ثقيلة” فإننا أمام عمل أدبيّ قال عنه مؤلفه أنه رواية، وهذا يدفعنا إلى البحث عن حلٍّ آخر نجد له تبريراً بحكم أنَّ السارد قد تحمل وحده عبء السرد وهو بذلك له الحق أن يروي الحدث من الزاوية التي يراها مناسبة لسرده، مؤثرة في القارئ حتى وإن كانت مخالفة لرواية سابقة، طالما أن السرد قيامته ورقية ، وشخصياته متخيلة يصنعها القاص دون أن يطالب بالأسباب التي ألجأته إلى ذلك أو يفسر للقارئ عمله، فهو يختبر ذكاءه وربما يمازحه. وهذا ما نجده عن كتاب الرواية الأوربيين والذي أسماه نقاد الحداثة بـ “ما وراء السرد” أو “ما وراء الرواية” حيث يقول جيريمي هوثورن معرفاً بالمصطلح يشير ” إلى نوع من الرواية أو القصة القصيرة التي تعمل على نحو مقصود على هدم الخيال السردي لتعلق بشكلٍ مباشر على طبيعتها الخاصة أو على عملية الإنشاء الروائي. ويعد لورنس ستيرن (lawrence stem ) أباً هذا النوع من الروايات في أنكلترا حيث نجد في روايته “تريسترام شاندي” (1760-1767) Tristram shandy أنَّ الراوي يمزح مع القارئ ويسخر منه بوسائل مختلفة حيث ينصحه بتقليب عدة صفحات ليقرأ فقرة ما كرّة أخرى” -8- ولا يبتعد سلام إبراهيم في روايته عن ذلك النهج.

3ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2

وإذا أخذنا السرد بحثاً فأبعدنا عن العاطفة ونحن نقرأ هذه الرواية التي كتبها سلام حزيناً على وطنه (العراق) خائفاً على مستقبله يائساً من الثورة والمدينة الفاضلة التي أصبح القتل فيها مبررا “يعني، لو ثأر، أو انتقام أو خلاف على سرقات، للقتل ذريعة، ومثل ما تشوف الدولة غائبة”ص217. والقاعدة أن ينتقم (العراقي من العراقي وكأن الاحتلال أيقظ الوحش الكامن في نفوس أبناء بلدنا فعادوا يقتلون بعضهم تنفيذاً لأفكار مجردة أتت بها سلطة طائفية في بلد خربه دكتاتور ثم احتلال سلم مقاليد العراقي لحفنة من الساسة الفاسدين”ص238. ولسان حاله يردد ” هل حولني المنفى إلى مجرد حالم مسكين يعيش الزمن كما يرسمه لا كما هو الواقع؟!.”ص35 بعد أن ودع أصحابه واحداً بعد آخر يبكي عليهم كبكاء الجبل الذي لجأ إليه ابن خفاجة الاندلسي وقد أعلن استسلامه للحياة التي تمنح البقاء للبعض وتحرمه عن الآخرين.
إنّ عمل سلام إبراهيم الروائي ينطبق عليه قول (شوبنهاور 1788-1860) “إنّ واجب الروائي لا أن يسرد كبار الأحداث بل يجعل صغار الأحداث ممتعة” -9-.
وهذا ما صنعه سلام إبراهيم في روايته.
العراق/ الديوانية في 14/12/2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الدراسة
1- ديوان ابن خفاجة/دار صادر بيروت د.ت/ص43-44 وينظر كتاب الذخيرة في مجالس أهل الجزيرة/ دار الثقافة – بيروت/ط2/1399هـ – 1979م/ق3/ج2/ص587.
2- دليل الناقد الأدبي/د.ميجان الرويلي – د. سعد البازعي/ المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء/المغرب/ط4/2005/ص174.
3- حياة ثقيلة/ سلام إبراهيم/ دار الأدهم للنشر والتوزيع/القاهرة/ط1/2015م.
4- تنظر دراستنا “الصخب والعنف” في بنسيون ميرمار” مجلة الطليعة الدبية/دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد/ العدد الرابع/تموز1985/ص95-106.
5- دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون/القاضي الحمد نكري/تر. حسن هاني فحص/دار الكتب العلمية بيروت/ط1/2000م/ج1/ص192.
6- المصدر نفسه 3/63.
7- دليل الناقد الأدبي(م.س)ص269.
8- مدخل لدراسة الرواية/جيريمي هوثورن/تر.غازي درويش عطية/دار الشؤون الثقافية-بغداد/1996م/ص34.
9- موسوعة المصطلح النقدي/المفارقة وصفاتها/د. سي ميوبك/ تر. د.عبدالواحد لؤلؤة/دار المأمون للترجمة والنشر. د.ت/ص104.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *