رمزي حسن: في العزلة السابعة (ملف/44)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.
أسرة موقع الناقد العراقي

( 1 )

من كوة بحجم الكف، يتسلل ضوء شحيح من نور الشمس، يمتد من أعلى السقف، ثم ينكسر على الأرضية، فيكشف عن رجل ملقى على ظهره بإهمال، هامداً دونما حراك، فوق بساط من دم متكلس.. بدا داخل مسقط الضوء، وكأنه مسجى في تابوت زجاجي شفيف: ساقاه متباعدتان، وقد سقطت ذراعاه إلى جانبيه، فيما عيناه تحملقان في الفراغ، في جزع مخيف، حتى تكاد تحسبه ميتاً.
كل شيء مطبق حوله.. ليس ثمة صوت، أو حركة أو نأمة في الجوار، وفيما عدا ذلك الصفير الرتيب لصرار الليل، ذلك التراسل اللحني وكأنه عزف ممل مديد.. ليس ثمة شيء آخر.
لحظة، ويبدأ الرجل بالحراك، يتحسس رأسه المدمى، يحاول النهوض، غير انه يخفق، كما لو أنه مشدود بأسلاك إلى الأرض.. يجهد بالحراك مرة أخرى، يتشبث بالجدار، وبعد عناء شديد يقف على قدميه، فتنتصب أمامه تلك الآثار المخيفة لحيوات زائلة: مزق أشلاء متيبسة / أصابع وأكف بشرية ممهورة على الجدران/ لطخات من دم متطاير بدت كأزهار مفجوعة تنز منها الدماء/ بصاق جاف مخضب بألياف حمراء لأناس مصدورين، معلولين، مكوناً خطوطاً شاقولية تخثرت والتصقت على الحائط.
آثار عبّرت عن وجودها الغامض في لحظة ما، عبر شريط من انفعالات ورغبات مخنوقة، بدت وكأنها قلوب انتزعت عنوة ليقذف بها إلى الحيطان بكل وحشية، لتشكل هذا المشهد الدامي. فكر: ليس ثمة خلاص، والطريق إلى الموت بات يقيناً، عبر زنزانة مخيفة، مرعبة كهذه .
فيما عيناه تمسحان المشهد حوله، تناهى إلى سمعه زعيق غريب هذه المرة، ثمة مخلوقات رمادية صغيرة بدأت تتخاطف حوله. لم يكن يتسنى له أن يسبغ على حجمها شكلاً ما ثابتاً. كانت تمرق على نحو خاطف، لتنزلق داخل سراديب سود صغيرة، متفرقة هنا وهناك. لم يكن عددها يتجاوز أصابع اليد أول وهلة، غير إنها سرعان ما بدأت تظهر أمامه بأعداد كبيرة، وراحت تتقافز حوله دون أن تعبأ بوجوده.. مخلوقات دائبة الحركة، في رؤوسها الصغيرة المدببة، تستقر عيون سود داكنة، أشبه بخرز صغير بارز، في حين انتصبت على جوانب رؤوسها آذان صغيرة مرهفة، مشرعة على الدوام لالتقاط أخف الذبابات الصوتية، وحالما تشرع في قضم شيء من لباب الخبز اليابس، تخالها غير عابئة بشيء حولها، بيد أن حركة بسيطة غير محسوبة من يد الرجل، تجعلها تفرّ مسرعة لتتوارى من عينيه، ثم ما تلبث أن تظهر من جديد وهي تدلق رؤوسها من أوراب جحورها، ترهف السمع بترقب حذر وفضول شديد.
حالما يدفع له بالطعام خلسة، حتى تقبل نحوه بالعشرات، من جميع الجهات: من تلك السراديب السود.. من بين شقوق الجدران.. من جوف الأرض، في طوابير طويلة لا تنتهي.. تبدو مهتاجة، مسعورة، مشحونة بطاقة عمياء، وتدفعها غريزة لا سبيل إلى مقاومتها، حتى إنه، عندما ألفاها عنيدة، فظة، على هذا النحو، اضطر إلى الإذغان لها، وقف إلى جانب يرقبها عن كثب، حيث تلتهم الطعام بشراهة، حتى إذا ما أتت على كل شيء انصرفت إلى جحورها غانمة، مظفرة، عند ذاك راح الرجل يفكر في وسيلة للخلاص من تلك المخلوقات، التي بات وجودها خطرا يتهدده، فضم قبضته وراح يلوح بها باتجاه تلك المجاثم السوداء.
لبث بجوار الحائط ينصت إليها.. كان يشعر بها قابعة، متأهبة هناك، في جوف الأرض، وإذ وجد في تلك الخلوة مجالا للتفكير عما سيفعله في اللحظات القادمة، عندما ستزحف نحوه تلك المجاميع، وكأنها جيش جرار، عاوده ذلك الصوت مجدداً. كان العزف منفردا، أما الآن فقد أضحى تجويقاًً.. وعلى إيقاع تلك التراسلات اللحنية، وجد نفسه مستغرقا في غفوة، ثم سرعان ما تناهى إلى سمعه صوت قرقعة وعاء جعله يستيقظ في الحال.
كان هناك جمع غفير من تلك المخلوقات يحيط بالوعاء، ويلعق الحساء السائل، منه مما أثار حفيظته، فاعترته نوبة جعلت أرنبة أنفه ترمع من الغضب، ثم أمسك بأحد الجرذان وأفرغ فيه كل طاقته المخبوءة المستترة، وفيما طفق الجرذ يزعق ويرتعد في يده، تراجعت البقية إلى الوراء، وكأنها تعد لانقضاض مفاجئ، مثل كلاب ضارية، بيد انه تدارك الأمر في اللحظة المناسبة، وفيما أرخى قبضته، انزلق الجرذ من يده راكضا، وقد تبعته بقية الجرذان، لا على عجل مثل كل مرة.. بل على مهل.. على مهل، كما لو كانت تؤكد حضورها بقوة وإصرار، فشعر الرجل بالاستياء، إذ وجد نفسه محصورا في زاوية ضيقة، مدفوعاً إليها قسرا، حيث القرار لم يعد قراره، ولكن مهما يكن من أمر في النهاية، فقد وجد في كل هذا إجراء أدعى إلى الأمان، ريثما يعيد الثقة بنفسه من جديد.
عندما أخفق الرجل في حملهن على طاعته، راح يفكر في تسوية للأمر: ماذا لو تناصبا الطعام سوية! حسن، ولكن ماذا عن يديه المرتعشتين؟ هل بوسعه أن ينال نصيبه من الطعام مع جيش من الجرذان؟!
في أول تجربة له.. وجد صعوبة في إيصال الطعام إلى فمه دون أن يبعثر نصفه على الأرض، وفي غضون ذلك، كانت الجرذان منتصبة على قوائمها الخلفية، معتمدة في ذلك على أذيالها الطويلة، فاغرة أفواهها، لتتلقف الطعام من بين أصابع يده المرتعشة، ليستقر في تلك السراديب الحمراء الداكنة، الموشاة بأسنان صغيرة، بحجم حبة الرز. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شرعت الجرذان تتسلق ظهره وتنشب مخالبها في جسمه.. إلاّ أنه كان مأخوذا بهذا المشهد، بل يبلغ به الأمر أحيانا، ينسى معه أن يقذف في جوفه لقمة واحدة، وعندما ينتبه إلى نفسه كان يغمغم (حسن، إنها لعبة جديرة بالعناء!).
لقد وجد في تلك الشراكة شيئا مسليا لبعض الوقت، إلاّ أن السأم عاوده من جديد. ترى: هل يمضي بقية عمره بمعية تلك المخلوقات ؟ هل قدّر عليه أن يشهد احتضار روحه، ليتعفن في هذا المكان الموحش مثل حشرة ميتة؟ (أوه يا إلهي، ترى متى ينتهي هذا الليل الطويل؟!).

( 2 )

في الزنزانة سرعان ما يهبط الظلام مثل ظل غول عملاق، ليردم الفجوة شيئا فشيئا، حتى تغدو جزءا من الجدار، عند ذاك يزحف الرجل إلى ركنه المنعزل.. يتلمس طريقه في الظلام كالصرصار.. يمد ساقيه ويستند بظهره إلى الحائط.
في الآونة الأخيرة بدأ يستجلب اهتمامه ظهور نجمة وحيدة تتلظى في السماء.. كان يظن أن العالم نسيه، غير أن ظهور تلك النجمة أشاع في نفسه بعض العزاء. آه، لو قيض له الآن أن يتوارى بلحظة واحدة، مثل طير راقص ليكون بجوارها.. وفيما النعاس ينساب إلى عينيه، شعر بإطلالة حانية تلقي بظلها عبر تلك الكوة، بدد إشعاعها الظلمة من حوله، لتنشر وشاحا أبيض، رقيقا، كثير الارتعاش، وكأنه مساقط من إشعاعات بلورية.
يشعر بيد حانية تربت على كتفه، تمسد له شعره، ثم تنزلق لتلامس خده.
ـ (أوه يا للمسكين، انه يكاد يموت من البرد).
ـ من، من أنت؟ هتف الرجل مذعوراً.
ـ لا تفزع.. لا تفزع يا صغيري.. إنني هنا من أجلك! ألم ترغب في أن تكون إلى جواري، ها أنذا قد قطعت كل تلك المسافة الطويلة لأحقق هذا الحلم.
ـ حسبت إنني ما أزال أحلم، قال وهو يفرك عينيه، ويتلفت حوله.
ـ لا، لم يكن حلما.. بوسعك أن تلمسني لتغدو على يقين من كل هذا.
ـ (يلمس وهجها فتختلج أصابع يديه) لا أدري أين رأيتك من قبل؟
ـ لا، لم يحدث أن التقينا من قبل، ولكنني كنت أرقبك كل ليلة عبر تلك الكوة، فشعرت أن شيئا ما يجذبني إليك.
ـ حسن، ما يزال هناك عزاء إذن، للحظة مضت، خلت أنني سأموت.. فالليل هنا لا يطاق، والأرض لم تعد مأوى آمنا للعيش.
ـ لا تقنط يا عزيزي، فلم يكن العنف قرين الأرض وحدها، فالسماء، هي الأخرى، لا تخلو من العنف.. عليك أن تتحلى بالصبر.. في أمور كهذه، على المرء أن يتحلى بالصبر.. ليس بالضرورة، أن يكون الأمر الذي فعلته مروعا لكي يأتوا بك إلى هذا المكان.. على أية حال، لا أظنك قتلت أحدا، ولا يبدو عليك قادرا على انتزاع ورقة من غصن شجرة.. هل تدري في أي صقع أنت الآن؟ حسن، حسن لا عليك.. اعتن بنفسك جيدا.. أوه يا الهي ما الذي فعلوه بك ( تتحسس ظهره ) ما هذا الشيء البارز هناك (شيء مريع) هل نبتت لك أجنحة؟!
ـ لا أدري، لعلها أضلاعي برزت!
ـ حسن، لا يهم.. سوف تتعافى.. دثر نفسك جيداً، هممم.. ثمة وهج كثير لدي، بوسعك الاحتفاظ به، فأنا لست.. لست بحاجة إلى كل هذا، على أية حال، قالت ذلك، وانزلقت دمعة من عينيها لتسقط على خده.
ـ ما بالك.. أتراني سوف أموت؟!
ـ أوه، كلا يا عزيزي.. لا تكن سخيفاً، غدا سوف تسترد عافيتك، وسيكون كل شيء على ما يرام، تشجع.. تشجع، ما يزال عليك أن تبذل الكثير لتنهض بروحك من جديد.
ـ حسن، سأفعل إذا ما منحتني وعداً بإخراجي من هذا المكان.
ـ لا تقلق، سأحاول.. عليك أن تتعافى أولا.. من يدري! لعلني سوف أعود لأصطحبك معي في المرة القادمة، ولكن، عدني بأنك ستكون قويا.. في مأزق كهذا: لا تنتظر من كائن في الأرض أو نجمة في السماء أن تفعل شيئا من أجلك.. كن ذاتك دوماً.. امتثل لمصيرك ولا تخل به.. لأنك إن فعلت هذا غدوت كائنا آخر.. على أية حال، ينبغي أن أعود الآن.. فهناك الكثير من الواجبات علي القيام بها قبل أن يدركني الفجر.
ـ لكن، ماذا عني.. هل تتركيني وحيدا في هذا الظلام؟
ـ لا تجعلني أشفق عليك.. دعني احترم هذا المصير، فلست الشقي الوحيد في هذه الأرض!
وانطلقت خفيفة، سريعة.. دارت دورة واحدة في السماء، مخلفة وراءها تلك الذرات المتوهجة، وكأنها عقد بلوري قد انفرط للتو.. انتصبت قبالته هنيهة وغمغمت (يا طفلي المسكين.. ليكن الرب في عونك!) ثم توارت في السماء البعيدة مثل حبة ثلج ذائبة.

شاهد أيضاً

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *