أدب ما بعد الكولونيالية والخطاب المعاكس: هيلين تيفين
ترجمة: د. صالح الرزوق

كما بين جورج لامينغ، ذات مرة، إن أكثر من ثلاثة أرباع العالم المعاصر قد تأثر بشكل مباشر وعميق بالإمبريالية والاستعمار… وقد شملت عمليات إنهاء الاستعمار في الفن والأدب عمليات تفكيك جذري طالت القوانين الأوروبية وتبعها تحولات لإنهاء الاستعمار وتجاوزه ولتوطين الخطابات الأوروبية المهيمنة بما يلائم المرحلة الجديدة. وقد صاحب ذلك في كثير من الأحيان العمل على ترسيم “واقع” جديد تماما أو واقعي مستعاد بالكامل، يخلو من كل الملوثات التي دخلت مع الاستعمار. ونظراً لطبيعة العلاقة بين المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتح الميم)، بما تتسم به من وحشية وبائية وتشويه ثقافي، فإن هذا العمل كان مرغوبا به بل هو محتم. ولكن كما ثبت لاحقا من الأدب الإفريقي كانت التناقضات كامنة في مشروع تفكيك الاستعمار ومنها مشاريع شينويزو وجيمي ومادبويك بغرض إنهاء استعمار الأدب الأفريقي (شينويزو وآخرون 1985)، ولم يكن من الممكن أبدا استعادة النقاء الثقافي السابق على دخول الاستعمار وبكامله..
إن ثقافات ما بعد الاستعمار مهجّنة لا محالة، وتنطوي على علاقة جدلية بين علم الوجود الأوروبي وعلم المعرفة والدافع إلى إنشاء هوية محلية مستقلة أو إعادة إنشائها. إنهاء الاستعمار هو آلية وليس غاية. ويتطلب حوارا مستمرا بين أنظمة مركزية مهيمنة ونسخا محيطية منها، بين الخطابات الأوروبية أو البريطانية وما تبقى منها بعد التحرير والانفكاك عن الاستعمار. وبما أنه لا يمكن إنشاء أو إعادة إنشاء تشكيلات وطنية أو إقليمية مستقلة تماما عن ارتباطاتها التاريخية مع المشروع الإستعماري الأوروبي، فقد كان مشروع الكتابة في مرحلة ما بعد الاستعمار يهدف لاستجواب الخطابات والاستراتيجيات الخطابية الأوروبية من موقع متميز داخل (وفيما بين) عالمين؛ للتحقيق مع الوسائل التي فرضت علينا أوروبا وحافظت على رموزها بموقع الهيمنة الاستعمارية في بقية أرجاء العالم. وهكذا فإن إعادة قراءة وإعادة كتابة السجل التاريخي والخيالي الأوروبي مهمة حيوية لا مفر منها. وهذه المناورات التحويلية، بدلا من أن تبني أو تعيد بناء الهوية الوطنية أو الإقليمية أساسا، تصبح هي ما يميز نصوص ما بعد الاستعمار، ويعطيها صفة التحول باعتبار أنه سمة من سمات خطاب ما بعد الاستعمار بشكل عام. وهكذا تتشكل الأدبيات/الثقافات اللاحقة للاستعمار في ممارسات مضادة لا ممارسات متجانسة، وهي تقدم “حقولا” (لي 1977: 32-3) من الاستراتيجيات الاستدلالية المضادة للخطاب المهيمن. إن عملية الخطاب المضاد لما بعد الاستعمار (تيرديمان 1985) (1) ديناميكية وليست جامدة: فهي لا تسعى إلى تخريب المهيمن بهدف أخذ مكانه، بل تسعى، بتعبير ويلسون هاريس، إلى تطوير استراتيجيات نصية “تستهلك” باستمرار “انحرافاتها الخاصة” (هاريس 1985: 127) في نفس الوقت الذي تفضح فيه وتعري تلك التي يقوم بها الخطاب المهيمن….
للطعنبفكرة عالمية الأدب (أو سيطرة أوروبا على تطبيقات نظرية ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية) انخرط كتاب ونقاد ما بعد الاستعمار في مواجهة معاكسة معهم. ولكن نماذج منفصلة من “أدب الكومنولث” أو “الكتابة الجديدة باللغة الإنجليزية” التي تتبنى ضمنا أو صراحة مفاهيم تدعو لاستمرارية أو الحد من “الخط العام” للأدب البريطاني، تعيد النظر بوعي أو دون وعي بتلك الافتراضات المهيمنة والتي كان أدب ما بعد الاستعمار منذ بداياته يتوجه ضدها. إن النماذج التي تؤكد على اللغة المشتركة والظروف المشتركة للاستعمار (مع الاعتراف بالاختلافات الهائلة في أساليب الإمبريالية البريطانية من مكان لمكان) تسمح باستراتيجيات خطابية مضادة، ولكن ما لم يكن التأكيد على مجالات النشاط المضادة، فإن مثل هذه النماذج تخاطر بأن تصبح مستعمرة (بكسر الميم) بدورها. وقد رفض النقاد والكتاب الأفارقة على وجه الخصوص هذه النماذج بسبب أساساتها التكوينية الجديدة كما يبدو، واختاروا بدلاً من ذلك الخطاب القومي أو خطاب إفريقيا الموحدة. ولكن إذا كان الدافع وراء النظر لكثير من أدبيات ما بعد الاستعمار على أنه خطاب مضاد على نطاق واسع، وأصبح من المفهوم أن الاستراتيجيات الناتجة قد تتخذ أشكالاً عديدة حسب ثقافاتها المختلفة، أعتقد أنه سيصبح لدينا نموذج أفضل من النموذج القومي والعرقي أو الجماعات الثقافية. وسيكون قائما على نتائج التهميش، وهو نموذج ربما يتجنب بعض عثرات الأنظمة أو النماذج التراكمية السابقة. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذا النموذج يمكن أن يفسر الموقف الغامض الذي يمثله الأستراليون البيض، الذين، على الرغم من أنهم لا يزالون مدينين لهيمنة أوروبا والأفكار الأوروبية، هم أنفسهم مستعمرون (بكسر الميم) يستمرون بالتحكم بواقع السكان الأصليين. في هذا النموذج، يمكن اعتبار جميع أنواع الكتابة والمرويات الشفهية للسكان الأصليين في مرحلة ما بعد الاستعمار بمثابة خطاب – مضاد للخطاب “الأسترالي” المهيمن ومن وراء ذلك يعاكس أيضا خطاب سلفه الأوروبي. وهذا هو النموذج الذي أود أن أطبقه في وقت لاحق حينما أنظر في رواية “العدو” لـ ج م كويتزي، والتي تمثل بنظري مشكلة أدب المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا والقمع المستمر الذي يطبقه البيض على المجتمع الأسود، وهم الأغلبية.
ومن الممكن تركيب نموذجين على الأقل (لا يستبعد كل منهما بالضرورة الآخر) وذلك لإجراء دراسات مقبلة وفق أسلوب واتجاه نظريات ما بعد الاستعمار. في الحالة الأولى تكون ظاهرة ما بعد الاستعمار في أي نص كامنة في سماته الخطابية. في الثانية، في تحديده لعلاقاته مع وضعه المادي. ويكمن خطر أول نموذج في أن تحويل مرحلة ما بعد الاستعمار إلى مجموعة قراءات غير موجهة. ويكمن الخطر في الثاني في إعادة تقديم شكل سري من الأسس الجوهرية. ولتجنب هذه المزالق المحتملة أود أن أجمع بين النموذجين لتكوين قراءة شاملة لنصين من خلال التأكيد على استراتيجيات خطاب مضاد وهو بدوره سيوفر لنا إمكانية أو إمكانيات قراءة بعد استعمارية أشمل وأعم. غير أن هذه الممارسات تأخذ توجها سياسيا؛ وتصبح مواقع الإنتاج والاستهلاك مرتبطة ارتباطا وثيقا حتى مع إنتاج المعنى. وموقع التواصل له أهمية قصوى في الكتابة ما بعد الاستعمارية، ويبقى هو العامل الأهم في رسم حدود لتعريفها.
وضمن الميدان الواسع من الخطاب المعاكس يمكن العثور على بعض الجماعات الفرعية التي يمكن التفكير بها. وتشمل “الواقعية السحرية” باعتبار أنه خطاب ما بعد استعماري، (انظر داش 1974 وسلمان 1987)، والتعويضات التي طرأت على الأجناس الأوروبية الكرنفالية مثل البيكاريسك بسياق ما بعد استعماري، فقد تم رفعها لسلطة متحولة أعلى. وقد بين ستيفن ليمون إمكانات الأليغوري لتكون موقعا متميزا للخطاب المناهض للاستعمار أو أن تكون موقعا للخطاب بعد الاستعماري (سلمان 1986, 1988b). ولكن مجال الخطاب المضاد وبعد الاستعماري الذي أريد أن أناقشه هنا هو ما سأسميه خطاب الناموس المضاد. ولعل هذه الاستراتيجية معروفة وواضحة في نصوص مثل “بحر سرقسطة الواسع” لجان ريس، وهي استراتيجية يتناول فيها كاتب مناهض للاستعمار شخصية أو شخصيات، أو افتراضات أساسية لنص من الناموس البريطاني، ويكشف النقاب عن تلك الافتراضات، ويحور النص بما يخدم أهداف الحركة بعد الاستعمارية. هناك نقطة هامة يجب أن تطرح هنا وتتعلق بوظائف خطاب تركيب النص نفسه ضمن عوالم بعد استعمارية. لقد قاربت النصوص الأوروبية تلك العوالم ، و“قرأت اندماج” اختلافها بمصطلحات رموزها المعرفية الخاصة. ومذكرات المستكشفين والدراما والقصص والحيثيات التاريخية و’رسم الخرائط’ مهد الطريق للغزاة وللاستعمار ولفهم و/ أو لتبرير هذا الاختلاف. ولكن في كثير من الأحيان كانت النصوص ذاتها التي سهلت مثل هذه الأمور وسرعت الاندماج النفسي هي تلك التي فرضت نظم التعليم الأوروبية على المستعمرين كأدب “عظيم” ويتعامل مع قضايا “كونية”. أو أدب له مصطلحات نوعية وإمبريالية ويجب قبولها كبديهيات موجودة في الهوامش الاستعمارية. وقد ذكر أتشيبي المفارقة الناجمة عن تدريس رواية “قلب الظلام” لكونراد في الجامعات الإفريقية الكولونيالية.
وعلينا أن نفهم أن مهمة المشروع بعد الكولونيالي أصبحت محددة بدراسة اندماج واحتواء سياق النصوص الأوروبية واستيعاب الفضاء الاستعماري وما بعد الاستعماري وبمقاطعة ما هو أصلي ومتابعة سياسة الاحتواء.
في دراسته لفرنسا في القرن التاسع عشر، رأى ريتشارد تيرديمان ما أسماه “الثورة النصية” مشروطًا جزئيًا بـ “استعصاء الطاقة الموجهة إلى التغيير البنيوي في تشكل المجتمع”(تيرديمان 1985: 80). لكنه يمضي بعد ذلك إلى ملاحظة أنه حتى رغم ذلك، لم تكن “الثورة الأدبية ثورة انسجام وتجانس، ولكنها ثورة وظائف موجهة”. فقد كانت الثورة الأدبية في عوالم ما بعد الاستعمار مكونًا جوهريًا في “غياب المحددات” الاجتماعية (بيشو 1975:158) (2) منذ البداية.
ويؤكد مقال أشيبي “الروائي المعلم” (أشيبي 1975: 167-74) على الوظيفة الحاسمة للنصوص في التشكيلات الاجتماعية ما بعد الاستعمارية وأهميتها في إحداث الثورة والترسيخ، وهي أولويات ليست مفاجئة بالنظر إلى دور النص في استيعاب أوروبا واستعمار إفريقيا. تتضمن استراتيجيات الخطاب المضاد لمرحلة ما بعد الاستعمار رسم خريطة للخطاب المهيمن، وقراءة وفضح افتراضاته الأساسية، وفك ارتباط افتراضاته من زاوية مثاقفة “المحلي” الذي اقترضته الذات الإمبريالية. ورواية “بحر سرقسطة الواسع” تنافس بشكل مباشر السيادة البريطانية – على الأشخاص والمكان والثقافة واللغة. إنها تعاود استثمار عالمها المهجن الخاص من زاوية داعمة وطبيعية، لكنها زاوية ملحقة بالبنية عمدا على أنها داعمة لأن الرواية تحاول جهدها وبمشقة لتأكيد الطبيعة الذاتية في وجهة النظر وبالتالي لتركيب المعنى ثقافيا. تماما مثلما كتب جان ريس مرة في “بحر سرقسطة الواسع” للرد على رواية شارلوت برونتي “جين آير” فعل صموئيل سيلفون في رواية “صعود موسى” وج م كويتزي في “العدو” (وفي جميع أعماله). لقد كانت كتاباتهما للرد على دانيال ديفو وروايته “روبنسون كروزو”. لم يكن أي من هؤلاء الكتاب “يكتب ردا” على النص الرسمي الإنكليزي، ولكن على كل الحقل الخطابي الذي نشط ضمنه مثل هذا النص وتابع نشاطه في عالم ما بعد كولونيالي. و“العاصفة” لويليام شكسبير كانت تعادل “روبنسون كروزو” كجزء من عملية “إصلاح” العلاقات بين أوروبا و”الآخرين”، ولإنشاء قراءة الآخر وفي نفس الوقت للعمل على تثبيت “ثوابت” هذا الآخر، ولتطبيع الفروقات داخل رموزها المعرفية الخاصة. ولكن وظيفة مثل هذا النص الرسمي في المحيط الاستعماري أصبحت أيضا جزءا هاما من التطبيقات الإمبريالية الملموسة، وهذا، ومن خلال المؤسسات التعليمية والنقدية، يقدم ويكرر باستمرار على مسمع الذات “المستعمرة” (بكسر الميم)، الهضم الأصلي لجوهره/ ها الآخر، وعمليات القضاء عليه، وتهميشه، أو تطبيعه كما لو أن هذا بديهيات “غير موجودة ثقافيا” ولكن “كونية” وطبيعية. وقد تناول سيلفون وكويتزي الحقل الخطابي المعقد الذي يحيط بـ “روبنسون كروزو” وفتح هذه االجيوب المحكمة الإغلاق بجلاء ووضوح.

* من “أدب ما بعد الاستعمار والخطاب المضاد”. كوانابيبي 9 (3)، 1987.
ملاحظات
1- ريشارد تيريدمان. الخطاب/ الخطاب المضاد: نظرية وتطبيقات المقاومة الرمزية في فرنسا القرن التاسع عشر (إيثاكا ولندن: منشورات جامعة كورنيل، 1985). ويضع تيريدمان الأسس النظرية لإمكانيات وحدود ثورة الخطاب الأدبي المضاد ضمن الخطاب السائد، وينبه أن الخطابات المضادة تمتلك السلطة لتموضع: أو لتنسب سلطة واستقرار النظام السائد في الملفوظات والتي لا يمكنها أن تدعم وجودها (ص 15- 16). ولكن تيرديمان ينظر للخطاب المضاد على أنه في النهاية غير قادر على تفعيل ثورة أصلية، لأنه محكوم عليها أن تبقى مهمشة في الخطاب السائد. والوضع بعد الاستعماري مختلف جدا عن ذلك الذي يقدمه لنا تيرديمان مع نموذجه.
2- يستعمل ميشيل بيشو مصطلح “اللاتحديد” ليشير إلى تحول وانزياح في موضع الذات بالعلاقة مع الإيديولوجيا السائدة.

هوامش المترجم
إيبوكو شينوز : ناقد نيجيري.
أونوشيكوا جيمي: شاعر نيجيري.
إهيشوكو مادوبوكي: كاتب وسياسي نيجيري.
الترجمة من كتاب “دليل الدراسات بعد الاستعمارية”. إعداد: بيل أشكروفت وغاريث غريفيثس وهيلين تيفلين.

هيلين تيفين Helen Tiffin : أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة كوينزلاند في أستراليا. متخصصة في نظرية الكتابة بعد الاستعمارية. شاركت بعدة مؤلفات من أهمها “بعد أوروبا” و“بعد آخر موقف” و“قصص المحيط الهادئ الجنوبي” و“السرد المعادي للاستعمار” وغيرها….

ترجمة : صالح الرزوق

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *