سعد جاسم يحتضن العالم بقبلة شاسعة
قراءة: حسن اسماعيل (ملف/32)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

أخيراً ، عثرتُ على كتاب الشاعر العراقي المقيم بكندا سعد جاسم ( قبلة بحجم العالم ) الصادرة 2010 بالقاهرة . وبيني وبين نفسي احتفيتُ أَيّما أحتفاء بصداقته الرائعة ؛حيث اللغة الصافية الحانية والقصائد أحلام بعيون مفتوحة , مسكونة بل مشحونة بالحب الأزلي منذ آدم .
يتفرد سعد جاسم عن شعراء جيله الثمانيني – وهو بلا شك جيل مجدد ضخ دماً حاراً في عروق القصيدة العراقية – لأنه يمتلك صوتاً كونياً ، ينطق بعذاب الإنسان الأول وبحثه الأبدي عن سره الغائر في الوجود . أنه شاعر متأمل يحتضن كل ما يحيط به ويراه بالسؤال والتعاطف وأمنيات بالخلاص . شاعر كوني حتى حين يتناول تفاصيل حياتنا اليومية ، حياة الناس العاديين والإحداث العاديات.
ويأتي كتاب ( قبلة بحجم العالم ) ليعلي من صرح هذا الشاعر – الشاعر اذ هو يروي قراءه من بئر حميم جرعات من قصائد عذبة ، قصائد تتواشج فيها الصوفية والسريالية الشفيفة في ضفيرة ستنفتح مسترسلة متهادية صوب السرمدي.
يفتتح الشاعر قصيدته الأولى ( هل كانت الكلمة أم القبلة ؟) متسائلاً ومخاطباً يسوع المسيح:

(هل في البدء كانت الكلمة ؟
أم في البدء كانت القبلة ؟)
وهو مطمئن بأن سؤاله هذا سيفرح نبيه صاحب القلب الكبير . ويتماهى في مقطع أخر من القصيدة أكثر فأكثر بلغة المعلم يسوع فيسمعنا صلواته الخاصة:
(القبل أجنحة نحلق بها
إلى أعالي الأبدية)
أو- –
(الامطار قبلات الله
التي تطهرنا من الضغائن
والأخطاء المرة)
-أو-
( الأرض
قبلة الله
التي لاتنتهي )
انه الهيام بالكون والسعي النوستالجي لملامسة أسراره الغامضة المشعة بألوان غريبة .. مثلما هو الأنهمار والذوبان فيه حيث تسحب القصيدة الكائن الضعيف وتعريه في محراب الذات ليصغي بصفاء لرنين هواجسه وأعماقه المضطربة . أنها تلغي الحدود بينه وبين دفق الوجود السادر في لعبة الحياة والموت.
هاهو الشاعر يترجل الآن – وهو مايزال في ظلال قصيدة الاولي – من الملكوت الازرق الى ملكوت الطين الغامض السريالي ، فيما تبقى لغته نقية طاهرة رغم دفقاتها الحسية الفائرة:
(القبلة
قصيدة نثر
يخربشها العاشق
المغامر
على جسد حبيبته
فيضئ العالم)
أو:
(المذيعة الجميلة
قبلة التلفزيون
للمشاهد الاعزل)
ضم كتاب الشاعر أربعة أجزاء عناوين تمطر القبلات ، حيث تكون القصيدة متواشجة واحدة بل قبلة كبيرة واحدة ، وكانت بحجم العالم .أنها لعبة التعري على أديم صديق حيث تنكشف سرائر الانسان حين تبوح القصيدة بمخاوفه وارتياباته وتغريه بأن يرمي نفسه في لجة الغامض وتذوق ممالكه البكر . وهنا يغدو الشاعر هو الصوفي والحكيم والمتنبي مثلما هو الانسان البسيط الذي أدمن الحب:
( أوقفني الحلاج
في باب القبلة
وقال
” ركعتان في العشق
لايصح وضوءهما ”
ألا بالمطر)
أو:
الفلاسفة يقبلون بقلوبهم) (
أو:
المتصوفة قبلاتهم عرفانية ) (
أو:
( شيئان لايمكنني الفطام منهما
القبلة والبكاء
بهما أتطهر وأكون)
( قبلة بحجم العالم ) تُرجم الى الانكليزية على يد البروفيسورة العراقية في جامعة نيويورك د. أنعام الهاشمي ( ذهب-وحرير) هكذا تكتب أسمها-–
وصدر الكتاب وترجمته في كتاب واحد عن دار
( الحضارة) المصرية
31/ 1/ 2016

شاهد أيضاً

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

تعليق واحد

  1. ذكرى لعيبي

    ( شيئان لايمكنني الفطام منهما
    القبلة والبكاء
    بهما أتطهر وأكون)
    تهنئة من القلب للناقد أستاذ حسن على هذه الاختيارات الجميلة ، وقراءة أجمل
    وتحايا تليق بحضور الشاعر أستاذ سعد ، والشاعر غنّي عن التعريف بقدرته وأمكاناته بتوظيف ” المفردة الواحدة” إلى ديوان عشق ..
    احترامي واعتزازي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *