ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (7) (ملف/17)

إشارة:
ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع “ثامر الحاج أمين”: “سيرة وجع عراقي: محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني” الذي يتناول جوانب من المسيرة الإبداعية الباهرة والثرة للراحل الكبير “علي الشيباني” وكفاحه الحياتي المرير الذي رسم نهايته المؤلمة. يأتي نشر فصول هذا الكتاب ضمن ملف الموقع عن الراحل علي الشيباني الذي تدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للناقد ثامر الحاج أمين.
أسرة موقع الناقد العراقي

الفصل الثاني
كتبوا في تجربته الابداعية والحياتية *

* لثراء المنجز الابداعي لـ ” الشباني ” فقد حظي بعدد من القراءات والدراسات الأدبية من قبل أسماء مهمة في الثقافة العراقية، اخترنا في هذا الفصل عدد منها.

شيء من عالم “أيام الشمس”(*)

طارق ياسين – 1973
“علي الشباني” شاعر يقدم لنا رؤية خاصة للعالم كما يراه وليس كما يراه الاخرون، ملتقطاً اهم صوره مثلما يلتقط الطفل الفراشات من الحقل، ولكي يكوّن الشاعر عالمه الخاص، ينبغي له ان يراه بعيني طفل مسحور بعذوبة وعفوية وبراءة ودهشة عهد الطفولة الكامن في رجولتنا ينم دائما عن رجل متقهقر، ويضعنا امام طوفان مدمر محبوس في مكان ما مجهول في لحظة شديدة القلق….
أسكت جزيره الحجي.. وبراسي يلعب سيل
ماذا سنخشى لو غمر السيل الجزيرة وأباد وجودها الصلب واخفاه عن اعيننا وأقدامنا، سيفكر كل منا بالخطر على النحو الذي يبتغيه ويتصوره، وان الشاعر شديد الحساسية والحدوس كما تعلمون، حيث يستطيع اخافتنا من نملة ويحرضنا على مقاومة تنين، ويلهمنا القوة على صد جدار كبير من التداعي والانهيار، ان علي الشباني عاجز ومتعب من جر العربة خلفه طويلا، لأن الشاعر الأصيل حصان، بل مهر منهوك القوى من جر عربة العالم..
راحت الدنية… تلف راحت.
لو كانت العربة خالية لجرى علي الشباني مسافات اكبر وأطول، الا انها كانت مكتضة بتجربة قاسية، ويمثل شخصية وقيم وعادات اجتماعية عامة، وتقاليد وحرمانات شتى، فوق ذلك فأن الانسان الذي يجر العالم الثقيل وراءه ليصل به الى مكان ما، هو ذات فانية ناقصة الكينونة، فعلى مسافات متباينة يقف ليأخذ نفسا عميقا، واثناء مايتنفس يقول لنا:
عاند الخطوه الترد يومك لباجر
ولكي يترس نفسه بالأمل في جدوى جر العربة: (يترس السنبل مناجل).
بعد ان اجتاز فترة راكدة قصيرة في كتابة الشعر الشعبي، انضم علي الشباني الى عالم القصيدة الحديثة بشكل جريء يتسم بأصالة واضحة، وبالتحديد يوم كتب قصيدة (خساره) التي اشتهر بها ولفتت اليه الانتباه، وكانت هذه القصيدة انجاز علي الشباني الاول، وربما ستظل أهم شعره على الرغم من مرور سنين مارس فيها كتابة قصائد اخرى جيدة، ومن جهة ثانية ستظل لها أهمية خاصة بالنسبة لتجربته الشعرية والحياتية معاً.
أراد علي فيها شيئا ولكنه انجز اشياء كثيرة لم يكن يدري في حينها انه استطاع انجازها، وكلما اشتقت لمراجعة شعره لاأدخل الية الا من هذا الباب الضيق. لقد كانت (خسارة) علي الشباني الحياتية ربحا للشعر الشعبي رغم مافي هذا القول من قسوة على الحياة: (لو دره البلبل بواجيه غنه.. يبلع السانه ويموت).
وتبدو لي حكاية علي مجازا مثل حكاية صبي شاء عبور جسر في زحام، ولما لم يكن مستعجلا وليس لديه هدف معين يستحثه لعبور كل هذا الجسر انخرط في التجربة، لم يكن على الجسر موضع لقدم، وكانت العبرة بارقام، ومن لايمتلك رقما فوق الجسر لايحق له ذلك ولايحضى بأدنى اهتمام واحترام، فشاور الصبي نفسه…
شاور حروف الدفاتر، مالكه لحزنه دوه/ شاور الشكره وبجه

ـــــــــــــ
(*) من دراسة طويلة للشاعر طارق ياسين لتجربة الشباني.

علي الشباني والبحث عن الملامح الخاصة

سعدي السماوي ــ 1972
بدأ علي الشباني كتابة الشعر منذ حوالي سنة 1964 اطلاعه على الشعر الشعبي كان عن طريق القصائد التي تذاع في برامج الشعر الشعبي في الاذاعة العراقية. بعد ذلك اطلاعه على الأشعار الشعبية التي كانت تنشر في جريدة ” كل شيء” واخيرا اطلاعه المهم على اشعار مظفر النواب بشكل مباشر. وهكذا نجد ان نمو على الشباني لم يأت اعتياديا طبيعيا كنمو مظفر النواب، عزيز السماوي، شاكر السماوي، طارق ياسين، الذين ابتدأوا بالتراث الشعبي متمكنين منه طالعين منه، انما ابتدأ علي الشباني من ” فوق” من مظفر النواب، ولذلك استمر – رغم الفترة الزمنية الطويلة – معتمدا على مظفر بشكل مباشر في التعبير والرؤية واللغة. اذ ان علي الشباني لم يمد له جذورا في التراث عميقة يعتمد عليها، ولذلك اصبحت اشعار مظفر بالنسبة له تراثا ونموذجا نهائيا في الوقت نفسه.وهو – حتى عندما يحاول الانفلات من سحر مظفر – انما فقط ينفلت من مواضيع مظفر اخذا معه رؤية مظفر، وصوره، ولغته.

اللغة عند علي الشباني
اللغة عند علي مزيج من لغة مظفر ولغة الفرات الاوسط، وحتى لغة الفرات الاوسط يختارها علي ويتحسسها بأصابع مظفر، اذ ان علي اخذ عن مظفر تحسسه باللغة كتعبير وكمفرد. ويمكننا ان نجد في اشعار علي العديد من تعابير مظفر، ويمكننا ان نجد مئات المفردات التي تبدو وكأنها منتزعة من قصائد مظفر. ولنلاحظ التعابير النوابية هنا:
خليت روحي رهن ريحة ويه ماي الفرك
وشمايذري المشط روحي صبيره ومشه بيها الرمل شمسين
والعب تحت فيك روح ما بياش، والخباز اشده احزام
كتب فوك الرمل البعيد حزن امة كتب فوك الحياطين العتيكة اسمة الجبير وغيرته السمرة
يخنجر فضة ومدلل، وصخى الفوتات من تصطك مصايبها
اذ ان هذه التعابير ((الاساليب)) تذكرنا بتعابير مظفر. وهي مسبوكة على طريقة مظفر
مجال مظفر، تأتي تعابيره مشوشه، ملتبسة: بشكل جيد. بيد ان علي عندما يحاول ان يجرب تعابيره، ان يخرج من
يا صبر وادمنة المذهب مناير
يا ذخر دنيا وتظل نور اليفتش عين حاير
وكت حاير.. وبحزن جيتك ازف حزني دمع
نذر صينية الخوف الماخذ الحنة واصابعها شمع
*
اهب بهدومك الترفه هوه
جا يمتة نجي الدنيا فرد مره سوه واموت بيك عش وانه الحمامة
ان عدم الوضوح هنا ((لا اقصد بالوضوح المباشرة انما الوضوح الذي يطالب به بول فاليري في نظريته عن الشعر الصافي)) آت من ضعف السيطرة على اللغة – وعلي الشباني لم يمارس لغته ولم يجربها ويعانيها وانما وجدها جاهزة في اشعار مظفر. ولنلاحظ عدم الوضوح هنا، في هذا المقطع الذي يحاول فيه عدم الابتعاد عن مظفر:
الملم كل عطش روحي، واشتله ابابكم سدره
جبيره… وبالعطش توكف سواجي ازغار
حزينة وبالربيع تخضر الها عشوش يلعمرك فرح مرشوش
ونحس هنا، ان خيالنا يجاهد من اجل ان يجمع اطفال الصورة المشتتة الممزقة. بينما نجد ان الشباني يستطيع ان يعبر بشكل جيد عندما يكون واقعا تحت تأثير مظفر:
ريان يلطولك النايل
طير وعله كل نسمة مايل
غيض الزغر والغنج شايل
وبين الحالتين: حالة ان يكتب على تعابيره الخاصة فتبدوا ملتبسة، وحالى ان يكتب بتعابير مظفر فيتمتع بالوضوح المضيء، بين هاتين الحالتين ثمة حالة ثالثة يستطيع بها ان يكتب بلغته الخاصة، بتعابيره الخاصة وبوضوح وسبك لغوي جيد. هذه الحالة نجدها في مقاطع من قصيدة ((خسارة)). والذي يمكنه من ذلك هو الصدق الغني في هذه القصيدة ويمكن ان نلاحظ هنا اساليب علي الخاصة:
غنه خوف المبتلى بروحه بعد ما خضر الخنجر وسط كلبه ولمع وجهه بسكوت
بس يظل مبضوع كلبه
شاور حروف الدفاتر ما لكة الجرحه دوة
*
ايموت شاعر يعلك السلطان شمعه
ايموت جاهل تعتلك بالكوخ دمعة انت شاعر؟ اكتب اشعارك عله شيلة ابنية
اقره للمكروص شعرك بلجي يبرد غضب حيه
انهي نفسك زنت يالذنب الثجيل
وكنا نتصور ان عليا، بعد ان كتب هذه المقاطع الجيدة، سينمو في هذه الابعاد مكونا عالما خاصا لغة وتصور، وايقاعا الا ان القصائد الاخيرة لمظفر كانت تمارس اغراءها المستمر معه
اما من ناحية المفردة، فقد قلنا ان عليا يختار المفردة بالحس الذي كونته فيه اشعار مظفر، فهو يشترط بالمفردة ان تكون ذات مواصفات كالتي في مفردات مظفر. واحيانا يتسخدم الكثير من مفردات مظفر وبالطريقة التي يستعملها بها مظفر. ان المفردة ليس حكرا لشاعر معين، ولكن الشاعر الجيد يستعمل المفردة بطريقة يعيد لها فيها نقاءها فتبدوا وكأنها جديدة، مبتكرة، لم يستعملها احد من قبل. وثمة في اشعار علي الكثير من مفردات مظفر لم يستطيع علي ان يستعملها بالطريقة التي تبدو بها كأنها خاصة به.

زاوية النظر وبناء الصورة
علي الشباني يتصور الاشياء، ينظر الى العالم بزاوية نظر مظفر، كيف تستطيع ان تثبت ذلك؟ ان ملاحظة بناء الصورة عند علي وتتبع تكوينها ثم مقارنتها بطريقة مظفر في التصوير يكشف لنا مدى الشبه الذي يصل حد التطابق. ان الصورة عند مظفر حسية، موحية، تشكيلية يمكن ان ترسم، تسعى دوما لان تخرج عن المألوف والطبيعي والواقعي. وعلي الشباني يدرك ذلك و يسعى دوما لان ينجح في رسم الصورة النوابية ذات الاحساس التشكيلي ويمكن ان نلاحظ ذلك:
اصكن كل وجع روحي واجيك ابجي بدمع ليرات
*
روحي صبيره ومشه بيها الرمل شمسين
يا ضفيرة ماي مسكي الشوف منك
*
والتشع كصته كمر ابيض يسولف للتراب
ولنلاحظ طريقة “التعميق النوابية ” في رسم هذه الصورة “قصيدة غركان” داخن الجرفين… والشط المشه يغني ابمماتك.
انه اريعلك بواجي.. وامشى ظلمة بكل صيف
ان هذا التصوير يذكرنا بطريقة مظفر في تعميق الصورة وفي رسم العالم الخارجي المحيط بالبطل بطريقة يبدو فيها وكأنه يحزن لحزنه ويفرح لفرحه.
لقد اعتمد علي الشباني على طريقة التصوير النوابي الى درجة ضيع على نفسه فرصة ان يرى العالم بعينيه، فانا لا استطيع اقع على طريقة تصوره للاشياء، ويخيل الي احيانا ان هذه الطريقة التي يرسم بها علي على اشعاره – هي طريقة مستعارة كما قلنا – يخيل الي انها طريقتة الخاصة لشدة التصاقها به. طبيعي ان من حق الشاعر ان يفيد من غيره ولكن بشرط ان يلون ما ياخذه بروحة وصالته.
وكثيرا ما يعتمد علي الشباني الى توليد صورة قصائده من صور معروفة عند مظفر، ويمكننا ان نجد الكثير من الامثلة. يقول علي الشباني في “خسارة “:
اهذب وخلي النجم لمتونك الوسعه كلايد
ويقول مظفر:
وكلادة مهرك تشامر عالليل انجوم انضويلك
ويقول مظفر:
واظن حتى النجم يطفي زراكة ولا بعد يسهر
ويحور علي هذه الصورة تحويرا جيدا. ولدا منها صورة ذات حركة واثارة:
انشد النجمة الزغيرة اشكد دمع للموت نثت واستحت ليفوك وطفت.
ويعتمد علي الشباني احيانا بشكل مباشر على افعال مظفر واشتقاقاته اللغوية واستعاراته كما نلاحظ هنا يقول:
واكسرلك شمس وابجي بشليلك سل
ويقول علي:
واكسرلك برد واكعد شمس بالفى
يقول مظفر:
دخيل الشوك.. دخيل امروتك السمرة
يقول علي:
كتب فوك الحياطين العتيكة اسمة الجبير وغيرته السمره
يقول علي:
خويه جان الليل ما هوش ليل
يقول مظفر: صنطة الدنيا، لابيرغ يرف بيها، و لازمر التفك يسهر
جن الناس لا هي ناس
واحيانا يستعين علي بأستعارة مظفرمباشرة دون تحوير او توليد اذ يقول علي:
والبيت، البيت النزعت العتب بأكتاره
ويقول مظفر في قصيدة فصيحة ” قراءة في دفتر المطر “:
ابحث عن بيت انزع فيه تعبي
انني اذا اورد هذه الامثلة لا اعتقد
– كما قد يظن – ان وجود بعض التأثرات او الانكاءات او حتى النقل النصي، يلغى او يقلل في قيمة القصيدة الجيدة. ففي قصيدة ” خسارة ” مثلا الكثير من التأثرات بلغة ورؤية وايقاع مظفر، ومع ذلك فهي قصيدة جيدة، استطاع علي الشباني بكتابتها ” ان يفتح بابا ولكنه لم يدخله لحد الان ” انني اومن ان الصدق الفني، صدق التجربة عندما يتوفر في اي عمل فني يغفر لكل نواقص القصيدة. اذ ان هذا الصدق سيفرض بالتاكيد ايقاعا خاصا وبالتالي يهب القصيدة بعضا من روح شاعرها. وعندما اوردت الامثلة السابقة كنت اقف ضد محاولة ان يضمر الشاعر في نفسه مقدما نية ان يؤلف مثل هذه القصيدة الجيدة للشاعر الفلاني او تلك.
التجربة
من يقرأ قصائد علي الشباني بدقة وتأمل سيجد، لا بد، ان علي يكتب في مواضيع متعددة تصل احيانا الى حد التناقض مما يجعلنا نفتقد الوحدة النفسية للقصائد. وهذا، في رأيي، ناتج اما من كون علي الشباني لا يدرك لحد الان نوع المواضيع التي تجد لها صدى في نفسه، او انه ذو نزعة تجريبية. وليس اخطر على الشاعر من هذين الاحتمالين.
فعدم ادراكه لنوع تجربته، لنوع احزانه وافراحه، اجهاض لقصائد عديدة، والتجربة تتضمن في ذاتها عدم قناعة خفية بما يكتب، وذلك يطفيء حتما الصدق الفني وبالتالي تصبح عملية الخلق الفني، تلك العملية السرية، عملية تأليف واع لا اكثر. وغالبا ما يقع علي الشباني ناسيا ((خسارته تأثير مواضيع مظفر فيضيع وقته بكتابة نسخ ثانية من قصائد مظفر كما حدث في قصيدة ((فختاية وورك شمام)) حيث ان تجربة القصيدة (مراهق ومراهقة يكتشفان اثناء اللعب في الماء حلاوة الجنس يضبطان من قبل اهلهما) تذكرنا بقصيدة ” نهران اهلنه” التي يتحدث فيها مظفر عن نفس التجربة التي تحدث في نفس المكان ((النهر)) وتنتهي القصيدة بنفس النهاية، بل حتى لغة القصيدة ومفرداتها، وكونها على لسان الفتاة يذكرنا بقصيدة مظفر. ويحدث نفس الشيء تقريبا في قصيدة ((حرير اشكر)) حيث تذكرنا بقصيدة ((على كد البريسم)) وفي قصيدة ((بستان العصر)) نجد ان الصدق الفني فيها يغفر لها تطلعها الواضح نحو ((على كد البريسم)). بيد ان علي يكون في احسن احواله عندما يمس تجربته الخاصة، تجربة الخيبة والاحساس بالفشل والخسارة، والتأنيب والتمزق بين ان يكون او لا يكون التمزق، بين ان يسموا الى مستوى مثاله الذي في ذهنه وبين واقعه النفسي. وهذه التجربة مكتوبة في ((خسارة)) هذه القصيدة صادقة فنيا في مقاطع وفي اخرى تبدوا (تأليفا ” وتجريبا مشحونا بالوعي وبالقصد. ورغم النواقص فأن القصيدة، عندما نقرأها، نحس الحيره ونحس اليأس والحزن الثقيل والكابى الذي يبدوا لثقله غير انساني ولذلك نخرج من القصيدة بطعم مر وكأننا نخرج من مشهد جريمة قتل.
وكما قلنا في البداية فأن قصيدة ((خسارة)) فتحت بابا جديدا، فقط فتحته ولكن علي لم يدخله لذا ظل يتابع – وقد ادهشته – قصائد مظفر الاخيرة.
ويمكن ان نلاحظ تجربة علي الحقيقية ((تجربة الخيبة والفشل والتمزق بين دافعين)) هنا:
انت شاعر؟؟ اكتب اشعارك على شيلة بنية
اقره للمكروص شعرك، بلجي يبرد غضب حيه
انهي نفسك زنت يالذنب الثجيل اوف دنياي اشبعد بيه واكابح ها كثر مطلوبلج دنياي
ولنلاحظ الخوف من السقوط مصورا تصويرا نفسيا صادقا.. اذ اننا في لحظة الخوف الحقيقي/ الخوف الاكبر، نرتد اطفالا، ونلتجيء دون شعور الى ابائنا:
يبّس الماي الحزن كلبي ولج يمه انتلف كلبي ولج يمه
وانعي وتموتين وابجي بليلج المهظوم عشر اسنين
يمه والعباس ما ينزع ولد عندج الغيره
يوكف الطاري المراجل بيرغ اسود كلبه ديره
بيها مذبوح الشرف واليشبك اجدادمه الظهر يعرك ضميره
ويعود ويهيب بنفسه، يسول لنفسه ان تتمرد (الشخص الثاني).-
اهذب وخلي النجم لمتونك الوسعة كلايد
الفح الشرجي ابيمينك شرد انجوم البراري
والتعاند تحترك
من تصك الريح تفركلك فرك
وينتكس معنويا في اللحظة النفسية التالية، على بعد ابيات ويقول:
يا ولك جذاب بالدنيا اليكف الصبح
ويأتي الندم فاتكا:
ضايع ابشوك الثاية وانت تدري الشوك ذيب ابهلوكت
انت ترجية عرس بس تاخذ صوابك غمت
انت بس اتموت عطشان الظهر تنزرع بير ابكلب بيده
ويصل حد اليأس:
جذب يبست شواطيها.. كزيز انشتل واديها
ابد ما ظل عرج بيها.. ابد ما ظل عرج بيها
ونجد في نفس هذه الاحاسيس وقصائد اخرى ولكن ليس بمثل هذا الدفق نجد ذلك في ((غركان)) حيث يتقمص علي شخصية الام التي فقدت ولدها.
وبعض المقاطع في هذه القصيدة تبدوا رائعة لانها تعبر عن تجربة علي الحقيقية تجربة الخيبة، والفشل وفقدان الامل الوحيد:
ليشي يلنومك كصير
يلي طفيت النبع بالصيف
دنيانا ياحيف
*
يمر فوك الماي حسي و تضوي كل ضبة شمع
من نذر ضيج الليالي امتانيه ومتانيه ومتانيه
ولنك ترس روحي لعب
ولكن علي لا يوسع هذه المقاطع الجميلة، انما يخنقها بجماليات لا ضرورة لها.
وفي القصائد الاخيرة يبتعد علي نهائيا عن هذه الاحاسيس وكأنه افتقدها اذ تبدوا مواضيع قصائده الاخيرة غريبة على النمط العام لشعره والذي يدهشنا ان ضعفا واضحا ينتاب قابلية علي الشباني في السبك وبناء القصيدة وطرح الموضوع نلاحظ في قصيدة ((بيان للزمن المذبوح)) اذ تبدوا القصيدة بمطلع جيد، يعبر عن التجربة الحقيقية لعلي ” التمزق بين دافعين “:
مخطوف.. عمري امن الزغر مخطوف
كبر بي الدرب والضيم بي يشوف اخذني يا منارة نار اخذني..
ولا تحط بعيوني حيرة اتطوف
ولا تستمر القصيدة هكذا، انما تنكسر منذ:
زرعت اسمي ابدرب ريحك
زمان الخوف والذلة وعذابات السبي
ونسمع في القصيدة اصواتا متعددة لشعراء اخرين، فنسمع شاكر السماوي هنا:
يا حيرة وكت مشبوح بين الموت والانسان
يا وحشة كلب حيران
يا ذلة كلب سهران
بالهم والبجي وانت واكف باخر الدنيا نبي
نسمع ايقاع عزيز السماوي هنا:
مر بي ولو بس انت تلكاني حزن واسرار
اصلي بكل مساحة اتكوم بيه النار
اصلي بكل مساحة ايحضر البسمار
بل اننا نسمع نغما من قصيدة ((خسارة)) وكان علي يحاول مثلها ولكن يسقط في يده:
ولك سباح صبري امتد بعد ما اظن تكفي الكاع
اركض يا مهرنا بساع
خلي عيونك الوسعة نجم يهدي السفن والريح
وفي منتصف القصيدة يفاجئنا بمقطع نثري بالفصيح، ثم تتدهور القصيدة حتى تصل الى الهتافات:
واعاند للشعر والناس/ والحرية تالي الليل/ والحب والصداقات
وفي قصيدة “سجة وعشك ماينكال” يحدث نفس الشيء، حيث تبدأ القصيدة بمطلع جيد:
مستاحش تمر بيه ابسمج غفله وارد مذبوح / لن طولك بعد مامش/ ولك عمري عطش، عمري مهر مجنون
وبعد ذلك تتعثر القصيدة، وتبدو وكأنها تبحث عن موضوع، ولذلك يلجأ علي لتغطية هذا النقص بالزخرفة اللغوية والصورية:
انه الطحت بدروبك مذله وهم/ افر كلبي بسواليفك واطيحن دم/ انت امطفح ابكل السواجي ورود/ وبروحي تمر جدحه نجم للكاع/ تذبحني ولاعوفك/ اطيح بروحي من تجزي حطب.. وانوج
وكل هذه الصور لاتصنع قصيدة، انما مجرد زخرفة، اذ ان الصورة الشعرية ليست جميلة لانها جميلة بل لأنها معبرة، مثقلة بالاحساس، ضرورية ان الصورة وسيلة من وسائل التعبير، من وسائل الايصال. وان تكون القصيدة مليئة بالصور لايعني انها جيدة، فقد يعني -اذا كانت القصيدة فارغة من التجربة والاحساس- الزخرفة التي تنمو -دائماً- عند غياب التجربة والموضوع كما نلاحظ:
وجني المشيتك صفنات، وخذني الكل درب خطار/ هيه الدنيه هم تندار/ لنك.. اوف.. موسيقه / لعيونك رجف كلبي.. الك بهداي موسيقه/ وكعدت ابدربك الخدران.. جلمات وحديقه.

بناء القصيدة
يتنوع البناء في قصائد “علي الشباني” فهو احيانا بناء مظفر “غركان” “فختايه وورك شمام” “بستان العصر” “حرير اشكر” “نايل”. اذ نجد روحية مظفر النواب في اخراج القصيدة وفي رسم بطلها، بل في طريقة كلام بطلها واحساسه، واحزانه، كما نلاحظ هنا في هذا المقطع من “غركان”:
يمه حدر يلحلاتك كذلة العمر الزغير/ يغسل الكذلة الرمل الاخضر واعاين ذاك وينك/ تضوي دنيه الماي.. يلنجم الجبير/.داخن الجرفين.. والشط المشه يغني ابمماتك/ وبربع ورد دشداشتك/ انه اريعلك بواجي وامشي ظلمه ابكل رصيف.
ونجد نفس هذه الاحاسيس، احاسيس البطل النوابي، في “فختاية وورك شمام ” “بستان العصر”. ويكون البناء الفني، عند علي، بناء خاصا مميزا في “خسارة” “قصائد” “حيرة” حيث نجد ان القصيدة لاتحتوي موضوعا واحدا، انما مضامين متعددة يشدها احساس واحد، وخير مثال على قصيدة “خسارة” لولا ان القصيدة تفتقد التركيز، وتصاب في مقاطع بالميوعة والتفكك، لذلك تبدو لنا هذه القصيدة وكأنها عدة قصائد ومما يؤكد هذا الاحساس ان في القصيدة العديد من الابيات التي تبدو وكأنها مطالع لقصائد جديدة وقد احس علي بذلك فاستعمل طريقة الترقيم، مع ذلك فان عليا اول من كتب هذا النوع من القصائد ” القصيدة التي تحتوي اكثر من موضوع ” في الشعر الشعبي مستفيدا من محاولات الشعر الفصيح “القصيدة الشمولية” بيد ان عليا لم يتم هذه الصفة في شعره. ونوع ثالث من البناء يظهر في قصائد علي وخاصة الاخيرة. وهذا النوع يتراوح بين طريقة بناء طارق ياسين، عزيز السماوي، شاكر السماوي. فقصيدة “صاحب الزمان” تذكرنا بطريقة شاكر السماوي في بناء القصيدة وتطويرها، ويحدث نفس الشيء في قصيدة “بيان للزمن المذبوح”. ونجد اسلوب عزيز السماوي في “الشمس والبيت الاسمر”. لكن عليا يحسن البناء في القصائد القصيرة، اذ اننا نحس السبك والبناء الفني الملائم في قصائد “الوحشة” “نايل” “صدك” “بستان العصر” وثمة قصائد، وبخاصة الاخيرة، يبدو فيها البناء مشوها، مهدما او منبعجا، كما نجد في “تاريخك عشب محروك” “بيان للزمن المذبوح” “سجة وعشك ماينكال” “الشمس والبيت الاسمر”.

الايقاع:
عندما تقرأ قصائد علي الشباني تسمع بين لحظة اخرى ايقاعا لمظفر، ولكثرة مانسمع ايقاعات مظفر عند علي نعتاد عليها، بل احيانا ننسى ان هذه الايقاعات لمظفر. ان ايقاع قصيدة “ابن ديرتنا حمد” لمظفر النواب يدخل في كل قصيدة من قصائد الشباني بهذا القدر او ذاك وبصورة خاصة قصيدة “خسارة” ومابعدها، ويمكننا ان نورد هنا بعض الامثلة. يقول مظفر في “ابن ديرتنا حمد”:
طفر الغراف بالمهرة الحليبية اللي شوفتها سفر/ جدموله الليله المرسنه، الحوافرها الثلاثه انجوم خضره
ونسمع نفس الايقاع في قصيدة علي “خسارة”:
امسح ابعينه ضوه الليله الكصايبها شمع/ لو تحد السيف بخيالك ترد روحك زغيره/ وترسم ابماي السمه الازرك درب يسطع لديره/ حيره يضوي الشوك بيها والحجي المظلم بحيره.
ويقول مظفر في نفس القصيدة السابقة:
الهور وهلاله المزفت واللحى المصفره بالدخان والبرنو اميره/ والمحجلها من التفك مخطوبه ومهدله على اجتاف المحبين الظفيرة.
ونحس نفس الايقاع هنا عند علي:
يمه والعباس ماينزع ولد عندج الغيره/ يوكف الطاري المراجل بيرغ ابيض كلبه ديره/ بيهه مذبوح الشرف واليشبك اجدامه الظهر يعرك ضميره.
ويقول مظفر:
ابن توثة بيتنا الخضره المطر الازرك غسلها
ويقول علي في “خسارة”: والقصيده الساجيه الزركه ضمير الماي ومزامط عشاير.
ونسمع نفس الايقاع في “غركان”: يغسل الكذله الرمل الاخضر واعاين ذاك وينك
ونسمع هذا الايقاع في قصيدة “تاريخك عشب محروك”: كتب فوك الرمل البعيد حزن امه/ كتب فوك الحياطين العتيكه اسمه الجبير وغيرته السمره/ جنة النجمه المغبشه، لون هندس، كون ثكلت.
ونجد هذا الايقاع النوابي مبثوثا هنا وهناك في الكثير من قصائد علي الشباني. وفي القصائد الاخيرة “الشمس والبيت الاسمر” “بيان للزمن المذبوح” “سجه وعشك ماينكال” نسمه ايقاعات بعض الشعراء الاخرين. ويمكن ان نسمع ايقاع عزيز السماوي هنا: يقول علي: ياخذني عليك الليل يلطولك سمه وهلال/ تعبان النهر بالماي.. ثكلان النهر بالطين/ والسكته جسر عالماي.
ويقول “عزيز السماوي” في “مشاحيف السفر”: كل خطوه شمس بالراس/ ثكلان الحجي بالراس/ يلوصلك شمس عالماي.
وثمة امثلة كثيرة. وليس مصادفة ان تكثر هذه الايقاعات المستعارة في قصائد علي الاخيرة او في القصائد الخالية من التجربة الحقيقية. ان التجربة تفرض ايقاعها الخاص المعبر عنها موسيقيا. وعندما يتوفر على الشباني لتجربته بصدق واخلاص نسمه ايقاعه الخاص. ولأن عليا قليلا ماتوفر لنفرض ورصيدها بدقة وحرص نجد ان ايقاعاته هجينية مختلطة او غير واضحة على الاقل.

تجربة “الشباني”*
اشعار تستلهم أساطير الجنوب العراقي الدينية والفلكلورية

سلام ابراهيم
الشباني شديد الوثوق بالروح العراقية، بهمتها وقدرتها، شدة تولهها بترابها، فنراه يمزج بين ذلك الفعل المستحيل الكامن في روح العراقي المقاوم وبين الحزن القائم من روح الحسين وطقوس العزاءات الكربلائية التي تأتي ببيت علي الشباني الشعري بطريقة عفوية منبثقة من طقس الجنوب ومن طفولة الشاعر المشبعة بذلك الندب الذي يكاد يكون مع مرور الأيام والسنين أبدياً. ففي الشاهد الذي سوف أورده يكثف الشباني في بيت شعري طقوس نسوة الجنوب اللواتي يشدن العباءات حول الخصور ويلطمن راكضات بشوارع مدن الجنوب بعد أن يغبشن إلى شاطئ الفرات ليطينَّ وجوههن في طقس تشييع ودفن جثة الحسين في اليوم الثالث عشر من محرم الموحش:
وأغني تخضّر العودان
وأطيّن وجهي.. لا فرحان
منك.. لا.. ولا حزنان
بس طعم المحبة وياك..
ما يرهم بلايه ونين
وفي محاوراته مع العراق والعراقي، وصوت الشاعر يحدس ضياع رموز الأمكنة المتمثلة في القصيدة ببغداد كونها تاريخ وعاصمة الزمن العراقي المعاصر، بوقت مبكر جداً وكأنه يتنبأ بزمن الاحتلال القائم هذه اللحظة.
مهرة بدمك التعبان..
تهذب عارية بلا سور وتسولف:
جم بغداد ينراد إلنا يا بغداد
وندامن على سنين الحرب والعوز
جم غيبة شمس وتكوم..
يتصاعد في القصيدة الحوار مع تراب الشاعر وحزن أبناء جلدته المبتلين وهم يساقون إلى حرب لا معنى لها إلا بما يخدم وقتها دول النفط الخليجية التي تعزو القصيدة كل المظالم وما وقع لأرض العرب ومن عاش معهم لتلك السلطات البدوية الثقافة والمتناغمة الإيقاع مع ثقافة صدام وأصله الوضيع بمعيار الحضارة وثقافة حقوق الإنسان. الشباني يسجل اللحظة التاريخية تلك في قصيدته هذه، والتي أجد فيها مسكاً لجذر حقيقي ليس في محنة العراقي فقط، بل في محنة الإنسان في ظل هذا الوضع الملتبس. يسجل الشباني ذلك الموقف بمشهدٍ قصصي صاغه شعراً عراقياً محكياً. ففي خضم انشغال القصيدة في الخراب العراقي يلتفت الشاعر إلى وجه صبية لبنانية امتهنت العهر صادفها في القطار النازل إلى البصرة وهو في طريقه للالتحاق بوحدته في الجبهات يشطح بالقصيدة هذه المرة ليس شطحاً صوفياً بل غضباً عارماً يتلون بين شدة الغضب وشدة الحنان للعاهرة الضحية التي ترى فيها القصيدة بحسٍ وشفافية جديرة بالشعر فقط شاهد الخراب العربي الكامن في بداوة الأنظمة الغنية.
أشوفك بالحلم مهموم.. وأتلملم
بيني وبينك النيران
تلهب نار.. يا نفط العرب
بعيون لبنانّية تتوسل
صعدت بالقطار النازل البصرة
حنان عيونها الذبلانه يروي جيوش وولايات
ذبحت روحها الترفه المحطات
.. البحر أخر محطه.. تفوح بثياب العرس
والخجل سيف.. يمر على جنود العرب..
والنخوه مبيوعه بالإعلانات
من عسكر لعسكر، طولها المرهون للشهوات
من تطفح مذلتها دمع..
تنسه بوجهها عيون
طول ذراعها الموشوم..
سيف انكسر من ردس الخطابات
وحماس الرمل من يصبح شعر موزون
هذا السيف، بس يركض على الجيران
في إشارة لفداحة الحرب التي أشعلها الدكتاتور على الجارة إيران. وتغور القصيدة في عمق وجودي يشي بالمبلغ الذي وصل إليه العراقي ذلك الزمن اغتراباً، فأصبح لا حول له ولا قوة، وضمير المخاطب الشعري يعود إلى العراقي المتعايش مع تلك الظروف والذي لم يستطع أن يتخذ موقفاً يجعله شهيداً أو منفياً. أي أننا إزاء أهم صوت موضوعي يمثل ذلك العراقي الذي عاش وقاوم وناور كي يبقى في زمن السحق المطلق والذي سرعان ما شبت من جديد بعد زوال الطاغية. فيصرخ شاهد القصيدة عن موته اليومي وعدم قدرته على الفعل والقول الصريح.. يصرخ بالعراق:
بيني وبينك الصلبان
وكأن روح العنقاء تكمن بكيان العراقي:
صلبوني عشر مرات.. من رديت
لنك وردة بالنسيان
أشمك وأنترس ريحه
تنغمر القصيدة في بحر الروح، فيحاور صوت الشاعر نفسه لحدود ينعتها بالجنون:
طولك قافية شاعر.. صدكـ مجنون
وفي خضم تلك المحنة حيث يساق الشاعر إلى جبهة الحرب كي يموت بلا شرف. في الخضم تزدهر الأحلام والقصائد والرؤى، فتتجلى القصيدة وتختزل كلمات البيت الشعري تلك الأحلام إلى مكونات الحياة الأولى التراب والضوء والماء في تشبث بالوجود يميزّ العراقي. أقول ذلك رغم أن هذا القول قد يزعج غير العراقي من العرب:
أهاجر.. روحي تنزل بالتراب سنين
وترد بالمطر خطفة ضوه
أنت أقره من كثر السراب.. وضِيعْ
تصفه بلا محبه.. وحزنك بكثر الهوه.
في شدة وجد العراقي المهدد زمن الحرب والقمع حيث يصير الماء والهواء حلماً. في المحنة التي هي محض عراقية يصرخ الشاعر مخاطباً روح العنقاء التي كمنت بروح العراقي وهو يتحول في كثافة بيت الشباني الشعري الفريد إلى جسر وبستان.
أنت أعبر بروحك جسر.. رغباتك البستان

*
مقطع من دراسة مستفيضة للروائي سلام ابراهيم عن صديقه “الشباني”

هذا التراب المر..حبيبي”
قصائد مشتعلة بالاحتجاج والغضب

ثامر الحاج امين ـ 2011

عندما تستعرض تاريخ تجربة ابداعية، وتكتشف قدرتها على التواصل بالعطاء المميز في ظروف مختلفة وثباتها على ذات الخطى والمواقف التي انطلقت منها ونسجت خيمتها الإبداعية، فهذا مؤشر على أصالة هذه التجربة، وصلابة الأسس التي تقف عليها وتديم حضورها في المشهد الإبداعي، فمنذ مطلع السبعينيات وأنا قريب من تجربة الشاعر “علي الشباني” ومتابع لعطاءها ودورها الريادي في حركة الشعر الشعبي العراقي، فقد وجدت فيها مشروعاً مخلصاً للنهوض بالقصيدة الشعبية الى المستوى الذي يليق بها كرافد من نهر الثقافة العراقية. وهذا ما يؤكده ديوانه الجديد “هذا التراب المر.. حبيبي” الصادر مؤخرا عن دار الرواد والذي قدمّ له القاص “سلام إبراهيم ” حيث تلمس عبر أكثر من عشرين قصيدة ضمها الديوان أصالة هذا الصوت الشعري الذي شكلّ مع أسماء قليلة مدرسة شعرية كانت امتداد لتجربة النواب الكبير. فهي قصائد مشغولة بهموم الإنسان ومنحازة إليه في صراعه ضد مستغليه، مؤكدة ذلك من خلال التحريض على مواجهة القوى التي تحاول النيل من حريته وكرامته:
ياماي الجبل يمته تفيض الهور
ياهور الشعب، يمته الگصب يزعل
مو دم الشرف ساح وهدم الأسوار
مو وسع المقابر جزعّ الأسوار
مو ساحت نذالتهم على الأفكار
ولا يكتفي بهذا الخطاب المشحون بالغضب، بل يحاول أيضا استنفار همم الشرفاء من خلال استحضار صور التاريخ العراقي المشرق والتغني بمآثر شعبه وقيمه النبيلة:
يا شعب الشهادات المشت نشوانه بالنيشان
يتقدسّ ترابك… ياوطن… يندار
تسجد للعذاب البيك… وتصلي
ويزود العالم بحزنك نبض يغلي
وعن لجوء “الشباني” في الكثير من اشعاره الى توظيف رموز المثيلوجيا الشعبية والى رموز شيعية اخرى مثل “الحسين” و”صاحب الزمان” الذي اتخذ منهما رمزان للثورة والخلاص فان استخدام هذه الرموز جاء للتورية، ووسيلة للتخلص من رقابة السلطة،فهي لم ترتبط بواقعة او بحكاية محددة انما هي تعبير عن هم فردي، ولاأتفق مع ماجاء في المقدمة من انه لجأ اليها بسبب (اليأس من اليسار الضعيف الفعالية)، ذلك ان جل قصائده التي وظف فيها هذه الرموز قد كتبها في مرحلة مبكرة من نضوجه السياسي والفكري والشعري، وهو ما تؤكده قصائده المبكرة ومنها قصيدة “صاحب الزمان” التي كتبها في اواخر الستينيات:
(ياصاحب) بچت مهضومه كل دنياك
وأتعناك
يلتغسل دهر يمناك
ياسورة غضب ماجاي شيلة راس
ياصبر المسيح وشيمة العباس
ياسيف اليصفي الناس… من الناس
لقد ظل “الشباني” رغم الانكسارات، شاعرًا مخلصاً لأفكاره، متوردا بالأمل واليقين من صواب مسيرته وقناعاته، يجسد ذلك بوضوح في منلوج تحكيه قصيدة (هموم عراقية):
يلتعب بيك البحر.. مامش جرف لليل
يلمشت كل المنايا لصوبك المهيوب.. وانت
دارت الـچيلات بحزامك خرز
وأنت بالشدات حيل اتدورها
الك بالثورات غيرة محزمة، وللناس ليل ابخورها
وكيف له ان يشطب على تاريخه وتجربته النضالية المريرة،المطرزة بالصمود والاٍباء والعذابات ويتركها لنهش الشامتين، وهو كثير ما تغنى بها (يلممشاك كل خطوة مسارات… وصبر ليل انترس بيبان)، فها هو في قصيدة (قهر) يؤكد اعتزازه وهديه بنور ذلك السِفرْ الطويل:
ظل ضاوي
ظل ضاوي يعمري بكثر ما يضويك ذاك الراي
ظل راوي حبيبي بكثر مايرويك نفس الماي
وفي قصيدة “ليل التتر” التي تعد واحدة من أهم قصائد الديوان لما فيها من ثراء وتنوع في الصورة الشعرية اضافة الى جرأة واضحة، استطاع الشاعر ان يشيع في نفس القاريء حالة من السخط على مايراه من مأساة عاشها الانسان العراقي في ظل انظمة القمع، فهي بانوراما صورت واقع الحياة العراقية أبان حرب الثمانينيات حيث ترى فيها حجم السقوط الاخلاقي والسياسي للطبقة الحاكمة:
موتك يالعراقي.. البيه طعم.. ومبادل الدولار
موتك حطب، حتى النار
تسري بكل زرع مبخوت
جيش من الكلاب السود، شو رايتهم الدولار
وانت تموت..
بس كون الخليفة يدوم
ليله وعسكره المسموم

ثامر الحاج أمين وعلي الشيباني

كما يصوّر في هذه البانوراما العراقية التردي الذي صار عليه الواقع الثقافي بسبب خيانة البعض ممن يحسبون على الثقافة لرسالتهم وتهافتهم على العطايا والمكرمات التي كانت السلطة تشتري بها الذمم والولاءات:
يصعد ع المنصة الوسخة نص شاعر بطول نعال
يرگص للدراهم حيل
يطحن بحضن الخليفة.. وتنزل اشعاره تبن
واسعار الذمم تلفانه.. بسنين الحروب الوسخة
وانصاف الزلم تترادس بلا ساس
منخل شيخهم، من كثر مابيه عيب
ويستمر صوت الغضب يهدر في اكثر من قصيدة من قصائد الديوان، غضب لم يكن وراءه موقف ذاتي، بل اصطفاف وتضامن مع كل ضحايا القهر والاستبداد، فالشاعر ينظر حوله فلا يرى الاّ الموت والخراب وهو يهتك بالبشر والحجر:
بولايه تزغر كل صبح…
بيها البشر عودان.. يبست بالجذر
تابوت كل شارع…
شمس مصلوبه.. ومهدله الزلوف الظهر
والحيطان باحزان الكتابات الحزينه تطول…
كل شارع رمح… من تمشي يتلگاك
وفي قصيدة “قهر” يطل علينا وجه آخر للشاعر، وجه يجسد حالة الانكسار بكل ماتحمله من حزن وهزيمة، وكأنه بهذه الاطلالة اراد ان يعرض قبح من تسبب بهذا الألم، واحتجاج بوجه من أساء لجمال الروح ونقاءها:
شسولف من لذت بالليل
شفت الذله تمشي وياي
تشرب بالعطش وياي
بالنوم وحلمها وياي
صحت ياناس ولكم هاي
فرس مجنون داستني بحوافرها…
ومشت بيّ تطوف بكل ميادين القهر.. والخوف
ولكن رغم هذا الحصار وتلاحق الخيبات، نرى الشاعر لايستسلم ولايهرب ذليلاً الى الضفة الاخرى، انما يجد الخلاص من ذلك في استحضار من هو قادر على اضاءة ظلمة ايامه، فهو في قصيدة “سماء… سماء” يناجي الحبيبة ان تطل بوجهها لتروي ظمأ القلب:
مري يحبيبه الشته يدگ باب روحي
ومالي حيل ويه السفر تگضي السوالف
وانتٍ باول زخه.. نجمه زغيره نزلت بالسوالف
لقد أكد علي الشباني في ديوانه الجديد انه نخلة عراقية لاتكف عن العطاء، نذر نفسه بمحبة (احط روحي نهر واگعد جرف للناس) ولايزال نهرا متدفقا بالعطاء والابداع وجرفاً يمنح شاطيء الشعر الخضرة والجمال.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

* شهادة *
طفل من شعر وحكايات
سعد جاسم (ملف/45)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

المقصف الملكــــي
قراءة نقديـــة
أ. د. عبد الرضـــا عليّ (ملف/21)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *