رياض رمزي: ليلة القبض على تشي

إشارة : قبل مدّة شاهدت على شاشة التلفاز مباراة بكرة القدم بين فريقين في نهائي بطولة أندية العالم .. بعد المباراة خلع اللاعبون قمصانهم ومنهم اللاعب الأرجنتيني “فيرون” الذي ظهر واضحا وشم صورة “جيفارا” الخالد على ذراعه . وحتى يومنا هذا يلبس الشباب في كل مكان قمصانا تحمل صورة هذا المناضل الأسطورة. وفي هذه المقالة المؤثرة يستذكر الاستاذ “رياض رمزي” النهاية المأساوية والعظيمة لتشي جيفارا. فتحية له. 
 و تركك في الدنيا دويا كأنما / تداول سمع المرء أنمله العشر        
                                                                          المتنبي
            سأظل أحلم إلى أن تقول الرصاصة قولها
                                                 أرنستو تشي جيفارا
قال فيرغاس ساليناس، الضابط البوليفي، أنه دفن أرنستو تشي جيفارا سرا و بدون يدين في مقبرة جماعية مع رفاقه. هكذا مات واحد من أعظم ثوريي القرن الماضي بدون شهادة وفاة. وهي حالة تعكس طريقة ولادته التي تمت بشهادة مزورة. إذ تزوج والده من أمه وهي حامل به في شهره الأول. عندما ولدت مولودها البكر في 15-5-1928 كان عليها أن تؤخر زمن ميلاده بشهر واحد كي يكون متوافقا مع زواجها من أبيه خوفا من فضيحة غير مأمونة العواقب. عند ولادته جاءت عرافة من الهنود الحمر كي تقرأ حظ المولود. لم تنبهر بطالعه. و عندما أخبرتها الأم أنه من مواليد برج الثور و ليس الجوزاء صفقت العرافة يديها بعد أن أعادت قراء طالعه و قالت” ما أراه يفوق الخيال”.
لم يكد الطفل يتجاوز عامه الثاني حتى أخذته أمه إلى ناد ليلي في ليلة باردة من ليالي بوينس أيرس. أصيب في تلك الليلة بنزلة برد شديدة اضطرت الوالدة بعد ارتفاع درجة حرارته إلى استدعاء طبيب أعلن أنه مصاب بحالة ربو شديدة. الربو الذي سيحرمه لسبع و ثلاثين عام ستأتي من حياة طبيعية. كان عليه أن ينشط في حالة خفوت الربو و أن يخلد إلى الراحة في حالة اشتداد الأزمة. تحولت فترات الصحو إلى حالة استثنائية و و نوبات الربو المتلاحقة إلى حالة طبيعية. وهو وضع أجبره على تعديل التصرف بوقته. كان عليه أن ينشط في حالة اشتغال الربو و أن يستريح في حالة هموده. هكذا منذ الطفولة و بمساعدة أمه الأسطورية تحول الاستثنائي لديه إلى طبيعي و الطبيعي إلى استثنائي. أحرز هذا التغيير في الأداء نقلة في طبعه. فأعطاه هذا السلوك مفهوما جديدا للحياة التي باتت تعني قبول أكثر التحديات صعوبة في ظل أشد أنواع الآلام. صارا الصعب بالنسبة له مجالا مباحا.
حمل الربو العائلة على تغيير نمط حياتها لمراعاة نزوات المرض. إذ ما أن تحل النوبة حتى يباشر الوالد إلى إدخال المنشاق في فمه، تدفئته، حمله. حتى أن والده تعلم النوم جالسا طوال الليل لسنوات و الطفل نائم بين يديه أو في أحضانه. لم يكن بوسع الهائلة البقاء في مدينة واحدة. كان عليها أختيار مكان تسهل فيه السيطرة على الربو. فرض الرحيل الدائم تأثيره على الطفل الذي أصبح مجبولا على الحركة و التنقل و الهجرة الذي اضفى على شخصيته غنى من خلال تنوعها غير المحدود. أستقر بالعائلة المقام في مدينة ألتا غارسيا التي سيبقى فيها 11 عاما. خرمته نوبات الربو من المواظبة على حضور الدروس. نذرت الأم نفسها لتعليم ولدها المريض. نقلت إليه صفاتها الشخصية: العناد، المثابرة، عدم الرضوخ للصعاب و عدم المهادنة.فكان يتمتع بانضباط عجيب لطفل لم يبلغ السابعة من العمر. وهي صفات لم تحدد طريقة حياته فحسب، بل رسمت شكل موته. كان يجلس أياما طويلة قعيد البيت يتابع دروسه على يد أمه، يلعب الشطرنج، يقرأ الكتب( بودلير، مالارميه، نيرودا، شتاينبك…). علمته الأم اللغة الفرنسية التي أجادها بكفاءة قل نظيرها جعلت الفيلسوف سارتر يجلس أمامه كتلميذ وديع يستمع إليه وهو يشرح طريقة تحرير العالم من سيطرة اليانكي.
كان يخرج من البيت ليجرب قوته الجسدية عن طريق اذكاء روح التنافس في داخله إن لم يكن بالتنافس مع أقرانه و ذلك عن طريق التفنن في إظهار قوته الجسدية: تسلق الأشجار العالية، التعلق و عبور أسياخ أماكن خطرة، شرب قنينة حبر… هكذا هو في آن واحد: منضبط و لكنه لا يُدَجَّن. دخل صراعه مع الربو مرحلة جديدة عندما قام بتشكيل فريق للرجبي. وهي لعبة تتطلب قدرة بدنية عالية. كان يواصل اللعب غير مبال بنوبات الربو مؤجلا استخدام المنشاق. و عندما يستفحل عليه المرض يذهب إلى خط التماس لتهدئته ليعود ثانية إلى اللعب كي يحصل على ثنائين: إعجاب الآخرين به و إعجابه بإعجاب الآخرين أنها مرحلة جديدة من صراعه مع الربو الذي اتخذ شكل مجاهدات صوفية هدفها بلوغ أعلى مراتب الإرادة. أنها الظروف التي يجب خلقها بالإرادة و التي ستصبح أساس نظريته الثورية: الثوري لا ينتظر الظروف بل يخلقها.
كانت تلك فترة شهدت فيها الأرجنتين تدفق آلاف المهاجرين من الجمهوريين الأسبان الذين كان أبنائهم يحدثون أقرانهم الأرجنتينيين عن بطولات حدثت في بلادهم قام بها مقاتلون شجعان يدافعون ليس عن أرض و مال بل عن فكرة. كان نوعا من شجاعة ألهم الفتى أرنستو. أشترى خريطة لأسبانيا علقها فوق فراشه حيث وضع دوائر سوداء على المدن التي تسقط في يد أعداء الجمهوريين، و إشارت بخط أحمر لمدن كانت تقاوم هجمات الأعداء. كان يرى بعين خياله و يشارك في حفر الخنادق و يدافع عن تلك المدن وهو يقف خلف المتاريس.
في سنة 1945 بعد أن أكمل دراسته الثانوية ألف قاموسا فلسفيا حسب الحروف الأبجدية/ الله، الأيمان، العدالة، فرويد، ماركس.. قرأ في هذه الفترة كافكا، ويلز، راسل، فرويد و شاعره المفضل نيرودا.
بعد أن دخل كلية الطب شرع في القيام بجولة على دراجة هوائية للتعرف على الأرجنتين. في أثناء تجواله يلتقي بجوالة آخر يسأله عن سبب طوافه في البلاد يجيبه أرنستو” للاستجمام”. يرد عليه الآخر” كل هذا الجهد لقاء لا شيء؟”. يغير طريقته في التفكير. يقرر أن أن يكتب رحلته على شكل يوميات. يجد أن الكتابة طريقة مثلى في التفكير و اختبار لصحة مشاعره. بدأ ينظر إلى العالم المحيط نظرات محترف في الحياة و لها معنى. بدأت ذاكرته تعمل كملف يرتب فيه أفكاره و يعطي لكل شيء أهمية. يعود من رحلته متخما بالكشف. يقرر القيام بسفرته الشهيرة في 4/1/ 1952 مع صديقه روبرتو غرانادو على دراجة نارية يزور فيها خمسة بلدان هي شيلي، بيرو، كولومبيا، فنزويلا و ميامي في أمريكا. يكتب يوميات سيعثر عليها والده بعد 52 عاما و ينشرها تحت عنوان” ولدي تشي”. رأى في تلك الرحلة أمريكا اللاتينية الأخرى التي تعم بالجذام. رأى أوطانا ليست تلك التي يؤدي طلبة المدارس في الصباح لأعلامها تحية الولاء. رأى متشردين أصيبوا بالبرص، أوليغارشيات( أقليات) امتلكت الأرض بعد أن طردت ساكنيها من الهنود الحمر. تعرف في البيرو على طبيب يساري أسمه بيسك درس في الغرب و رجع إلى البيرو كي ينذر نفسه لقضية الفقراء. اعترف تشي بعد سنين بتأثير هذا الجندي المجهول عليه، حيث أهدى إليه كتابه الشهير قضايا حرب العصابات، ” إلى بيسك الشخص الذي أحدث أعظم تأثير في مواقفي تجاه الحياة و المجتمع”. عندما يعود إ‘لى بلاده يكتب” تغيرت أكثر مما كنت أظن. لم أعد الشخص الذي كنته سابقا”. يتخرج من كلية الطب. بدلا من ارتداء بدلة الطبيب و كمامات الجراحة يقرر السفر مرة أخرى. يصل بوليفيا و بنما. يكتب من هناك” هذه ليست أوطان أنها ملكيات خاصة”. يدخل غواتيمالا وهي تحت قيادة رئيس ثوري اسمه أربنز الذي قام بإصلاح زراعي جلب عداء شركة الفواكه الأمريكية. تتدخل أمريكا لإسقاطه. تدخل قوات مرتزقة من نيكاراجوا فيلجأ أربنز إلى سفارة المكسيك. يوافق الانقلابيون على خروجه من البلاد شرط خلع ملابسه. يشاهد بعينيه ذل الاستسلام فيقوم فؤاده بسرد منافع القتال حتى الرمق الأخير. يكتب من هناك رسالة إلى أمه أشبه بنبوءة” أن مرحلة عطائي الكبرى ستكون في عمر الخامسة و الثلاثين. سيكون مسرح عملياتي قارة أمريكا اللاتينية كلها”. ينتقل بعدها إلى المكسيك حيث سيتزوج من شيوعية من غواتيمالا اسمها هيلدا. تفتح وكالة الاستخبارات الأمريكية ملفا باسمه تكتب فيه” طبيب من الأرجنتين قام الاشتراك في مقاومة مسلحة في غواتيمالا”. هكذا بدأت المطاردة الشهيرة التي ستسمر خمسة عشر عاما وجدت إيقاعها على شكل ثورات و انتفاضات ثم مواجهة كادت تحدث حربا عالمية. يتعرف في المكسيك على ثوري اسمه فيدل كاسترو الذي أطلق سراحه حديثا تحت ضغط شعبي بعد قيادته لهجوم فاشل على ثكنة مونكادا. ثوري رغم فشله كان يدعو جهرا و علانية للإطاحة بحكم باتيستا في كوبا. كانا يقضيان أوقاتها حتى الصباح يناقشان مسائل الثورة. يعرض عليه فيدل الانضمام إلى حركته. يوافق بدون تردد. يباشر في اليوم التالي الخروج إلى بركان خامد قريب من العاصمة مكسيكو ليتعلم تسلق الجبال ملتزما بحمية غذائية للحفاظ على لياقة ضرورية إيذانا بتغيير مهنته إلى مقاتل أممي. يسهر في الليل يقرأ آدم سميث، ريكاردو، ماركس، التجربة الصينية. قالت زوجته عن تلك الفترة أنه بدأ يشعر بالاصطفاء وهي حالة صوفية يحل فيها فراغ في القلب يخلي المكان كي تبسط حالة أخرى السيطرة على قلبه. في 17 مارس يكتب عنه المدرس العسكري الذي استأجره فيدل لتدريب النواة الأولى من المقاتلين ما يلي” حضر عشرين درسا، أطلق 65 طلقة أصابت الهدف. رام ممتاز، يتمتع بانضباط عال و تحمل جسماني لا يضاهى”. عندما تحل لحظة الذهاب إ‘لى كوبا سرا يكتب رسالة إلى والديه يقول فيها” دعاني قائد لتحرير بلاده. وافقتُ. سيرتبط مصيري بالثورة/ أما النصر نصيبي أو الموت. لا اعتبر مماتي فجيعة لأحد بل  كما يقول ناظم حكمت- سأنقل إلى قبري لأغنيات لم أكمل إنشادها في حياتي”. تعتقله في هذه الأثناء الشرطة المكسيكية لنشاطاته الثورية. يعلن أمام محققيه كصوفي نبذ الخرقة أنه ثوري و هدفه إشعال الثورة في عموم أمريكا اللاتينية. عندما يطلق سراحه يغادر مع ما يقارب ثمانين شخصا على يخت غرانما الذي اشتراه كاسترو من ثري أمريكي. يصل إلى الساحل الكوبي حيث يجد من فيه أنفسهم أمام قوات من باتيستا بانتظارهم. تحدث معركة ينجوا فيها أثنا عشر شخصا فقط. يواجه في تلك المعركة أول خيار له: إنقاذ عدته الطبية أم صندوق الذخائر. يقرر دون تردد انقاذ صندوق الذخائر. يدرك أن السرعة في اتخاذ القرار هو قدر و ليس خيار. ينسحب إلى جبل قريب و رصاصة في رجله. يختبئ مفكرا بأفضل طريقة للموت. يتذكر قصة لجاك لندن اسمها اشتعال النار عن شخص في الآسكا تتجمد أطرافه فيقرر الموت بدون شهود و لكن بإباء و شمم. عندما ينجو أرنستو يرسل رسالة قصيرة لأمه تتلخص في جملة واحدة” فقدت اثنتين و مازال لدي خمسة منها”. سرعان ما تفهم الأم شفرة رسالته: أنه قطة بسبعة أرواح.
تبدأ حياته الفعلية في جبال السييرا مايسترا كطبيب و مقاتل. وضعته مهنة الطب أمام أصعب المهام الأخلاقية. كان عليه أن يوازن يوميا بين اختيار حمل مدفع غنمه من العدو و بين حمل جريح، و متى يقرر الإجهاز عليه برصاصة الرحمة ليس كرها بل من شدة الحب. عرف قيمة الكلام الذي يستجمع فيه روحه وهو يختار مفردات مشحونة بالمضمون لاستنهاض همة نزرها يسير لدى مقاتل ينزف بقوة.
بات وجوده ملموسا في جبهات القتال. كان قادرا بمجرد حضوره أن يجعل الأشياء تبدأ و الحوادث تحدث. دأبت الدعاية الحكومية بعد كل معركة خاسرة إلى الإعلان عن موته أو إصابته بجرح بليغ. عندما سيطر الثوار على السلطة نظم فيه الشاعر الكوبي غولين قصيدة قارنه فيها بخوسيه مارتي. أما السفارة الأمريكية فقد كانت ترسل برقيات تصفه براسبوتين الثورة الذي يأخذ القيصر فيدل بنصائحه. بعد انتصار الثورة خرجت الجماهير متدافعة لرؤيته. يلقي خطابا يقول فيه أن طموح الثورة يتعدى حدود كوبا. ما أن تصل  الشخصيات العالمية  إلى كوبا حتى تهرع للقاء هذا الثوري الوسيم الذي يسعى لأن يعيد للثورات نقاءها و بعدها ألأممي، في مقدمتهم سيمون دي بوفوار و سارتر الذي كتب عنه بعد استشهاده” أنه الإنسان الأكثر كمالا في هذا العصر. بعد رجوعه إلى باريس يكتب سارتر عن هافانا التي اختفت النوادي الليلية و لعب القمار. اختفى الزوار الأمريكيون. عن الفنادق شبه الفارغة التي يتجول فيها رجال المليشيا، يعقدون اجتماعات يتدارسون خطط الدفاع عن الثورة. الكتاب الكوبيون يعلنون له عن اكتشاف مذهل وهو أن التجريب على الشكل عمل مناهض للثورة. أما سيمون دي بوفوار فتلخص الوضع” قليل من الحرية و كثير من النشاط”.
يتزوج من إحدى المقاتلات التي كانت تحت إمرته ( أليدا مارش). تصل زوجته الأولى إلى كوبا. يخشى مواجهتها و يطلب من أحد أصدقائه أن يخبرها بزواجه. عندما تواجهه و تجهش بالبكاء يصرخ” الموت في المعارك لأهون من هذا”.
يغادر في جولة تستغرق ثلاثة شهور يزور فيها 14 دولة يلتقي بأشهر الزعماء( عبد الناصر، سوكارنو، نهرو، بن بيلا). يصل إلى موسكو. يدعوه خروتشوف لحضور عرض عسكري بمناسبة ثورة أكتوبر من الشرفة الشهيرة المطلة على الساحة الحمراء. يرفض” من أنا كي أعطى هذا الشرف”. يصر خروتشوف على حضوره. أنها المرة الأولى التي يحضر فيها رجل بدون ألقاب عرضا عسكريا للجيش الأحمر. كشف تشي في تلك الزيارات عن التوجهات الفعلية للثورة. قررت الحكومة الأمريكية إلغاء صفقات شراء قصب السكر الكوبي. يتقدم الاتحاد السوفيتي لشرائه. تتوقف الصناعة عن العمل. تصاب الآلات بالصدأ نتيجة التوقف في العمل بسبب غياب قطع الغيار. يتم تعيينه وزيرا للصناعة و مديرا للبنك المركزي. يتصدى للكتابة عن مسائل نظرية في التطبيق الاشتراكي( قانون القيمة، رأسمالية الدولة، التبادل التجاري غير المتكافئ). يعمل لعشرين ساعة يوميا. يشارك في حملات التطوع. لا يكف عن الدعوة لتحويل أمريكا اللاتينية لحلبة صراع ضد اليانكي. رأت فيه الأحزاب الشيوعية غريما أفسد عليها بضاعتها قام بالسطو على التراث الماركسي اللينيني من خارج الحزب. تم اعتباره صينيا مقنعا تارة و تروتسكيا تارة أخرى. دفعت موسكو في تلك الأثناء الأحزاب الشيوعية في أمريكا اللاتينية إلى عقد مؤتمر في هافانا لعزل الصين. تم تكريس كاسترو قائدا و لكن بجوقة شيوعية لا تقبل بحرب العصابات. لم يحضر تشي المؤتمر. سافر إلى الجزائر لحضور مؤتمر منظمة التضامن الأسيوي الأفريقي. ألقى خطابا هاجم سياسة التبادل التجاري غير المتكافئ مع الغرب. عندما يعود إلى هافانا يستقبله كاسترو و يجتمعان لساعات طويلة لا أحد يعلم ما دار في الاجتماع. يختفي تاركا المجال لمختلف الشائعات:” في النهاية تبقى كوبا بلادهم”” السوفيت يضغطون لإخراجه”… لم يكن هناك من يعرف سبب اختفائه و التخلي عن كل وظائفه.
في 20/5/1965 يعلن كاسترو أنه موجود في المكان الذي تحتاج فيه الثورة لخدماته. تتحول كل الأماكن التي تسمع فيها صيحة احتجاج أو أطلاقة نار إلى موقع يزعم لنفسه قدسية وجوده فيه. كانت إشاعة تحولت إلى أسطورة سرعان ما صدقها مطلقوها. كان كل الثوريين يطالبون به. فكانوا يقاتلون معتقدين أنه موجود في الصفوف الأمامية على مبعدة أمتار منهم. و من يقاتل في الصفوف الأمامية كان يعتقد أنه يزجي الصفوف في الخلف. تحول في كل الجبهات إلى حاضر غائب. تم في تلك الأثناء نشرت مجموعة رسائل كتبها قبل اختفائه: واحدة إلى القارات الثلاث و واحدة إلى فيدل و أخرى إلى الوالدين و ” رسالة إلى أولادي قال فيها” إذا لفظ القرن أنفاسه و الامبريالية باقية و أنا لست موجودا عليكم أن تقاتلوها. أما إذا زالت فأنصحكم برحلة إلى القمر”. أهدى كتاب رأس المال لصديقه بوريغو حيث يختلط المتن مع تعليقاته و شروحه” من هذا الينبوع نهلنا سوية
لم يكن أحد يعلم أنه غادر سرا إلى دار السلام مع مجموعة ثورية وجهتهم الكونغو. كانت فكرة حرب القارات تسيطر على مخيلته، حيث تعطي كل قارة للأخرى خبرتها بابتسامة و إيماءة احترام. توجه من فوره إلى ميناء كيجوما على الحدود التنزانية الكونجولية. تعرف هناك علة كثب على قادة الثوار الكونجوليين الذين كانوا يتركون المعارك و يأتون لقضاء لياليهم في مباغي الميناء. تعرف على أحد القادة و أسمه لوران كابيلا الذي كان يستقبل المقاتلين بسيارته المرسيدس رافضا إيصالهم إلى الجانب الآخر من البحيرة بيخته الفاخر الذي قدمه له السوفيت هدية. كان الثوار العائدون من الدول الاشتراكية محملين ببضائع قاموا بشرائها من أسواق تلك البلدان. انتقل إلى أرض المعركة مع ثوريين كوبيين و شرع بتدريب المقاتلين و أسس مستوصفا للعلاج. وجد أن أغلب أمراض المقاتلين هي أمراض جنسية أو نتيجة اللعب بالأسلحة النارية جراء إهمال أو إفراط في الشراب. قام بافتتاح مركز لمحو الأمية باللغة الفرنسية. بدأ بتعلم اللغة السواحيلية. وضع خطة لمهاجمة قاعدة بانديرا. كان هجوما تحمل الكوبيون عبئه الأكبر بعد أن رفض أهل البلاد القتال. اندفع الكوبيون الذين خسروا عدة مقاتلين إلى الصراخ أمامه” لماذا نقوم نحن بذلك إذا كانوا غير راغبين في القتال من أجل بلادهم؟”. يكتب في مذكراته” فساد القيادة و سوء التنظيم لن يجلبا الانتصار”. القوات المعادية تحكم الحصار حول مقره وسط الغابة. أحبره المقاتلون أن قادتهم هربوا مع زوجاتهم و عشيقاتهم. بدأت الأنشوطة تضيق حول عنقه عندما سقطت القاعدة التي بناها قبل ستة أشهر و تحول كوخ القيادة إلى كرة نارية ملتهبة. قر الانسحاب بشرط أن يقدم القادة المهزومون ( كوثيقة للتاريخ) إقرارا خطيا بذلك. لم يوقع أحد من القادة إقرارا مثل ذلك لأنهم كانوا منشغلين بما هو أهم من ترهات التاريخ: النجاة برقابهم. يقرر تشي و رفاقه الكوبيين الانسحاب مهزومين أمام موبوتو الذي سيحكم البلاد لعقود كواحد من أكثر الحكام فسادا في الأرض. يختفي في السفارة الكوبية في دار السلام و لا يعلم أحد عن مكان وجوده فيدل و السفير الكوبي الذي كان يهيأ له الطعام بنفسه. استغل فترة اختبائه لكتابة دروس أسباب اخفاق بؤرته الثورية  في الكونغو أهداه إلى مقاتل كوبي أسمه هازا قتل في أحد المعارك هناك، مارا على أصغر التفاصيل، حتى أنه أورد عدم تعلمه اللغة المحلية سببا منعه من الاحتكاك بالمقاتلين.  بدأ بكتابة ملاحظات فلسفية و اقتصادية ستنشر في كتاب اسمه” مشاكل الانتقال إلى الاشتراكية”.
توصل في مخبأه السري إلى قرار حازم يتلخص في عدم العودة إلى كوبا بل الذهاب إلى الأرجنتين لبدء حرب تحرير هناك. لم يشأ العودة مهزوما بعد أن قرأ العالم رسائله. تعلم ذلك في غواتيمالا عندما شاهد طوابير الثوريين يتوجهون في فرار جماعي نحو السفارات. في منتصف مارت من العام 1966 يترك تنزانيا متوجها نحو براغ. لم تكن السلطات تعلم بوجوده. كان هناك اتفاق بين الاستخبارات الكوبية و التشيكوسلوفاكية يقضي بتزويد الاستخبارات الكوبية بيوت تتصرف بها وفق ما تراه مناسبا. درس عن كثب الوضع في أمريكا اللاتينية. قرر الذهاب إلى بوليفيا. لا أحد يعرف لماذا اختار هذا البلد. هل لأنه الأكثر فقرا؟، هل لأنه يتوسط البيرو، تشيلي، الأرجنتين و البرازيل؟ هل لوجود عناصر يسارية تدعو إلى الكفاح المسلح؟ هل قام كاسترو بتسويق هذا البلد كي لا يذهب إلى الأرجنتين في مغامرة غير مأمونة العواقب؟. لا أحد يعلم بالضبط. أرسل أحد رفاقه و اسمه الحركي فرانسيسكو إلى هناك لدراسة الوضع حيث استلم منه تقييما ايجابيا.  في 21/7/1966 يقرر العودة إلى هافانا حيث يعيش في شقة منعزلة. يغادر في اليوم التالي إلى شرق كوبا( سانت أندروز) أين يقوم بتجميع نواة جيشه ألأممي الصغير المؤلف من كوبيين و بيروانيين و بوليفيين اختارهم بعناية. بعد انتهاء برنامجهم العسكري المكثف يحضر كاسترو لتوديعهم. في 15/10/1966 يبدأ المقاتلون ترك المعسكر على دفعات متوجهين إلى بوليفيا.
غادر تشي إلى بوليفيا على الشكل التالي. لإخفاء شخصيته خضع لعملية جراحية بسيطة لفكه الأسفل أعطته هيئة منتفخة. صار يتكلم و كأن فمه مملوء بالماء. انتقل بعدها إلى مرحلة ثانية تمثلت في نتف شعر رأسه شعرة شعرة في الوسط حتى بانت فروة رأسه التي غدت تشبه يقطينة حمراء محاطة بشعر أسود على هيئة حدوة فرس. لكي يتم التأكد من إحكام تمويه الشخصية و المظهر درجة استعصائها حتى على الشكوك قرر كاسترو دعوة القيادة الكوبية للتعرف على شخصية مهمة جاءت لمناقشة قضايا تهم البلاد. دخل كاسترو بمعية رجل أسمه رامون يرتدي بدلة غامقة و يضع على عينيه نظارات داكنة و قبعة ذات لون غامق. لم يكتشف أحد منهم هذه الشخصية برغم أنه تحدث معهم لفترة طويلة.” ويلكم أنه تشي” صرخ كاسترو كاشفا عن شخصية هذا الوافد الجديد. انفجر الكل بضحك مجلجل. لم يقتصر الاختبار على ذلك بل تعداه ليشمل عائلة تشي. تم إحضار أطفاله الأربعة كي يودعهم” أنه العم رامون الذي أرسله بابا كي ينقل قبلاته و تحياته لكم”. أخفق ابنه الكبير كاميليو في التعرف عليه. ثم أخفقت ابنته أليوشا التي قال لها ” الوالد طلب من أن أقبلك”. وهي قبلة جعلتها تقول” هذا الرجل يحبني كثيرا”. وهي جملة ما أن سمعها الوالد الملتاع حتى اغرورقت عيونه بالدموع.
غادر تشي هافانا متوجها نحو براغ، فيينا، فرانكفورت، باريس، مدريد، سان باولو( هناك لغط كبير حول الدول التي مر بها إذ هناك من يقول أنه شوهد في بوينس أيرس). في 3/11/1966 يصل إلى لاباز عاصمة بوليفيا رجل أعمال بيرواني الجنسية اسمه أدولفو مينا غونزاليس. لم تكن هذه الشخصية غير الكومندان الأكثر شهرة في العالم. لم تكن هذه الشخصية المزيفة غير أكثر الناس صدقا في العالم. ذهب إلى أحد الفنادق. أول عمل قام به أنه أخذ لنفسه صورة في المرآة. كان على عجلة حيث انتقل في اليوم التالي إلى القاعدة كي يجد نفس العدد الذي أرسله من كوبا بدون ملتحقين جدد. رفض الشيوعيون البوليفيون العمل معه و منع أعضائه من التعاون معه. قرر تشي البحث عن حلفاء جدد، إذ لا يعقل أن تبدأ حرب التحرير بدون ركيزتين أساسيتين: وسائل اتصال مع المدينة لتوفير الأخبار و المؤن و توفير متطوعين جدد ناهيك عن عناصر من أهل البلد تزكي الملتحقين منعا من الاندساس. اتصل بمجموعة منشقة عن الحزب الشيوعي البوليفي التحق منهم بالقاعة سبعة مقاتلين. لم ينتظر طويلا كي يتعرف على المكان. قسم رجاله إلى ثلاث مجموعات للتعرف على البيئة المحيطة تاركا مجموعة واحدة في القاعدة لحمايتها و استقبال المتطوعين. لم يكن مخططا للمجموعات أن تغيب فترة طويلة. كان شتاء مرصوفا بأمطار طوفانية عبروا أنهارا و صعدوا جبالا و هبطوا منحدرات لم يتجرأ حتى الماعز الجبلي عن الولوج فيها. كانت أنهارا سريعة الجريان جرفت اثنين من المقاتلين حتى الموت. احتمت المجموعات بأشجار لم يستطع ضوء الشمس من ولوجها. عادت المجموعات منهكة بعد 42 يوما. وجدوا أن القاعدة شهدت أحداثا خطيرة. إذ هرب اثنان من الرجال و لكنهم وقعوا بيد الجيش الذي حصل منهم على معلومات عن المقاتلين و عن تشي شخصيا. قام الجيش باحتلال القاعدة. تم الإخلال بمبدأ ذهبي في حرب العصابات: أن لا يكتشفك العدو قبل الأوان و أن توجه إليه ضربة مفاجئة.وجد تشي نفسه أمام خيارين: المحافظة على القوى مع شجاعة مهانة أو إدخال المقاتلين في معركة قبل أوانها. قرر تشي معاجلة الجيش بهجوم مفاجئ على القوة العسكرية التي قامت باحتلال القاعدة. كانت عملية ناجحة غنم فيها المقاتلون ذخيرة و قتلوا عددا من الجنود بدون تقديم خسائر. كان تأثير الضربة قويا. فدقة تخطيط و سرعة تنفيذ الهجوم جعل الجيش و من ورائه أمريكا يعدان العدة لمواجهة مقاتلين أكثر عددا مما هم فعلا. بدأت الولايات المتحدة تتدخل فعليا في الحرب إذ أرسلت فرقة خاصة مدربة لمكافحة رجال العصابات من ضمنهم فيلكس رودريغوس الذي كان مكلفا بتحديد مكان تشي عندما أعلن عن اختفائه. في 20/4 تم اعتقال الفرنسي ريجيس دوبريه مع شخص آخر أسمه بوستوس وهو أرجنتيني رسام. اعترف كلاهما بتواجد تشي على رأس الثوار. قام الأرجنتيني تحت تهديد الجيش برسم صور كل المقاتلين. أصبح الجيش على معرفة بهم فردا فردا. قرر تشي تقسيم قواته إلى مجموعتين تسهيلا لحركتهم. واحدة تحت قيادته و أخرى تحت قيادة جواكيم. تحركت المجموعتان في ظل غياب وسائل اتصال. جابت المجموعتان الغابات و الجبال بحثا الواحدة عن الأخرى. كان تشي في فترات عزلته يقضي لياليه تحت ضوء القمر يقرأ و يكتب ملاحظات عن الكتب التي قرأها. كانت مجموعته جائعة و متعبة. كان تشي منهكا من مرض الربو الذي لم يكن لديه دواء بعد أن استولى الجيش على خزين الدواء الموجود في القاعدة. مرت في تلك الأثناء تحت الجبل الذي كانت المجموعة تختبئ فيه قوة عسكرية. لم يجد أحد منهم لديه ما يكفي من القوة لإطلاق النار على تلك القوة. كان يغيب عن الوعي و عندما يستفيق كان يصاب بالهلع من نتانة جسده. كان مثقلا بالربو الذي لم تجد معه الحشائش التي كان يغلّيها و يشربها  نفعا. اضطر، بفعل نوبات المرض التي كانت تستمر لأيام، أن يطلب من المقاتلين أن يضربوا بأخمص بنادقهم على صدره لإيقاف الربو دون جدوى. أزاء تفاقم الجوع قرر المقاتلون نحر الدواب وسيلة النقل الوحيدة كي تبدأ ولائم أكل اللحوم.  كان تشي أشبه بأسد وطئت قوائمه على الجمر فلم يعد قادرا على المسير. قرر إرسال أقوى مقاتليه إلى قرية قريبة لمهاجمة صيدليتها لجلب دواء ضد الربو. توجهت المجموعة نحو الصيدلية و في غمرة القتال لم تستطع الوصول إلى الصيدلية. أدركت قيادة الجيش بعد معركة الصيدلية أن تشي جائع و مريض. ماذا يستطيع فعله أسد جائع و مريض؟. ألم يقل المتنبي” و ما ينفع الأسد الحياء من الطوى/و لا تتقى حتى تكون ضواريا”.
تحدث معركة مع الجيش الذي بات يطارده. يقتل في المعركة الكوبي تيوما الذي كان مقاتلا تحت أمرته منذ اندلاع حرب العصابات و في الكونغو. أصيب برصاصة ثقبت كبده.  عندما قتل ريبيو الذي ترك الهندسة المعمارية و قاتل تحت أمرته في السييرا و الكونغو فقد كتب تشي عنه” فقدت صديقا فقدانه لا يعوض. صمد إخلاصه في كل الامتحانات. لقد فقدت ولدي”.  قام تشي بفعل غريب. ترك جثة ريبيو بدون دفن ليوم واحد. أمر بدفنه في اليوم الثاني، جمع بعدها المقاتلين و قال لهم” هذا هو وقت القرارات الكبرى. من يريد أن يجرب نفسه كرجل فليأت معي. من يريد الحياة فليذهب”. قال الكل أنهم ماضون معه حتى النهاية. بدأ تشي التخطيط لملاقاة المجموعة التي تحت أمرة جواكيم. خمن من أماكن المعارك كما كانت ترد من إذاعة الجيش عن طريق مذياعه المحمول أن المعارك تحدث شمالا. كانت المجموعة تبحث عن تشي و رفاقه. قررت التوجه نحو قرية فيها أحد المتعاونين معها. قام هذا الفلاح بإرشادهم إلى مكان قام الجيش بالاتفاق معه بنصب كمين لهم. أبيدت المجموعة عن بكرة أبيها. كانت أحدى أفراد المجموعة مقاتلة أرجنتينية أسمها تانيا. هناك تقليد لدى قوات الجيش بالبحث عن مقتنيان ثمينة في جيوب القتلى. لم يجد أحد الجنود في جيب الفتاة غير قصاصة ورق كورها و رماها. عندما عاد لالتقاطها أحد الضباط وجد قصيدة مطلعها. لا تتركني يا لاعب القيثارة اللحن ما زال في روحي”. علم تشي بمقتل أفراد المجموعة و عرف أيضا قيمة رأسه الذي بدأ يرتفع ثمنه حيا أو ميتا. بدأ مرض هلوسة الحرب تنتاب مقاتليه. وهي حالة يصبح فيها العالم مليئا بتهديدات غامضة. إذ يقف وراء كل حجر أو شجر رتل من الجنود يصوبون بنادقهم نحو الظهر و لفترة زمنية تستعصي على الانتهاء بحيث تصبح كل محاولات الاختباء عبثا لا طائل من ورائه. يقرر مع مجموعته السير نحو قرية ألتوسكيو حيث يجمع هناك فلاحي القرية الخائفين و المرتجفين هلعا من أشباح نتنة بلحى طويلة. ينهض قائدهم و يلقي خطابا عن ظلم اليانكي و عن بشائر الثورة العالمية. عندما شاهد المقاتلون الاعراض و الصد المهين من قبل من جاءوا لتحريرهم شعر المقاتلون بثقل الفجيعة. لم يكن أمامهم سوئ التغاضي عن صدودهم بالمضي بالحدث نحو نهايته المحتومة: الموت. علّ الدم يحل ورطة إعراض المظلوم عمن جاء يرفع الحيف عنه. عندما غادر المقاتلون تدافع الفلاحون نحو الجيش ليخبروهم بما شاهدوا” كانوا مهزولين. رئيسهم يركب دابة و هم يخدمونه كإله متوج”. كان تشي يسير بشكل وئيد، و لكن بثبات، نحو حتفه المحتوم مثل شخص ألقي وسط البحر فبدأ ألماء يدخل رئتيه. لكنه قرر الاستمتاع بهذا الماء المميت. أنها نتيجة طبيعية توصل إليها طرفة بن العبد قبل أكثر من ألف عام” فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي/ فدعني أبادرها بما ملكت يدي”. إزاء مطاردة و ضغط الجيش توجهت المجموعة نحو أرض مفتوحة. أرسل ثلاثة أشخاص لاستكشاف الطريق. قتل منهم اثنان و اصيب الثالث بجروح بليغة قرر إثرها الانتحار. هرب اثنان من المقاتلين. قبض عليهما الجيش الذي عرف منهما وجهة تشي المقبلة. عندما خيمت ليلة السابع من أكتوبر انتحى تشي جانبا و كتب قصيدة تحت ضوء القمر عنوانها ضد الريح و عكس التيار تكلم فيها عن الثورة” ستحمل هذه القصيدة إمضائي/ ستة مقاطع ذات رنين/ ملأى بالقلق و الحنين”. أستمع من مذياعه المحمول أن الجيش أكمل حصاره لمجموعته.
لماذا لم يهرب؟. لماذا أصر على عدم النجاة؟ النجاة؟. نعم النجاة. لكن هل النجاة أنجع الحلول دائما؟. لماذا نتدخل في تصاريف القدر؟. أليس الموت مآلا طبيعيا؟. ما هو معنى العالم إن كان جيفارا حيا يجتر ذكرياته و يوزعها على شكل مقابلات في صحف مرموقة؟. هناك أشخاص ببقائهم يصبح العالم عتيقا و مهجورا. وهناك آخرون بموتهم يغدو العالم متجددا و قابلا للسكن فيه. أناس بفنائهم تسطع وجوههم من شدة الاختفاء. لا أحد يعرف إن كان جيفارا وزيرا للصناعة، بل الكل يتذكره وهو مسجى على مصطبة حجرية، و هناك ضابط يشير إلى موضع قرب القلب، أين استقرت رصاصة حولته من بشر برأس فان إلى عملاق يسكن أرض الخلود. الأبطال هم من يبقون في أيديهم الورقة الأخيرة: أن لا يفقدوا آخر حرية يحوزون عليها. حرية السيطرة على المصير الأخير و توجيهها كطلقة أخيرة لمقاتل محاصر لم يعد يفكر في طريقة للتخلص من الحصار بل بكيفية إيصال دوي صرخته الأخيرة إلى كل المسامع. يبدأ الآن مرحلة الدخول في حالة التسليم التي تعني الثبات عند نزول البلاء من غير تغيير يشهده الباطن. فالباطن هو الإرادة. والعالم ليس غير تجل يأتي على قدر الإرادة. فالمرء عندما يكون خارج الأشياء فأنه لا يرى شيئا. و عندما تتجلى له لا يكون إلا ما يراه. أنه يتحد بموضوعه بحيث لا يعود يدري هل هو هو؟ هل الموضوع هو؟ هل هو الموضوع؟. هذا هو استغراق الصوفي في الذكر. حيث لا يلتفت الذاكر إلى الذكر في وقت الذكر. أنه الفناء. عندما تحل في شيء فأنك لا محالة فان عن سواه. عندما يصل الصوفي إلى حالة الفناء فهو في عين البقاء: لأنه يفنى عن نفسه و يظل باقيا في العالم كله. ذكر تشي مقاتليه الجائعين بما قاله خوسيه مارتيه” هذا زمن الحرائق، يجب أن لا يرى شيء غير النور. كما قال أحد الناجين و اسمه بنيغنو أن تشي أمر المقاتلين أن يودعوا الحياة و قد تحولوا إلى لهيب. أنها حالة عقلية يجد الفرد نفسه و قد أدى الواجب و ما عليه الآن سوى ترك المهمة لدمه كي ينجز المهمة. ألم يقل الحلاج قبل موته” تهدى الأضاحي و أهدي مهجتي و دمي”.
في يوم 8/10 في الساعة الواحدة والنصف ظهرا بدأت المعركة. أصيبت بندقيته برصاصة حولتها إلى خردة غير نافعة اخترقت رصاصة ثانية رجله اليسرى و ثالثة اخترقت بيريته. أحاطه الجنود من كل جانب وهم يطلقون السباب. تحامل أحد الثوار على جراحه و صراخ” أنت يا خراء هذا هو الكومندان تشي. أنه يستحق كل إجلال”. أشار تشي بيده طالبا وقفا لإطلاق النار” أنا تشي جيفارا لا تطلقوا النار”. تقدم الضابط المسئول وهو ينظر إلى شحمة أذنه اليسرى كي يتأكد من الوشم الذي تركته طلقة أصابتها في معركة خليج الخنازير. كانت بشرته متسخة و سوداء كلون الآجر العتيق عدا مكان الرصاصة الذي كان يتوهج مثل نجمة الصباح. قام الضابط بنزع نطاقه العسكري و قيد يديه. تم نقله إلى مدرسة قديمة حيث ترك لوحده مع جثتي رفيقيه الكوبيين أنتونية و أرتور. في السابعة و النصف مساء حضر قائد الجيش ليجري تحقيقا معه:
– أيها الكومندان أجدك مكتئبا؟.
– أنني فشلت وهذا سبب اكتئابي.
– لماذل أتيت تقاتل في بلادنا؟ لماذا لم تذهب إلى بلادك الأرجنتين؟.
– أنا كوبي، أنا أرجنتيني، بيرواني، أكوادوري. دوت في تلك الأثناء أصوات أطلاقات نارية في الغرفة المجاورة. سمع صرخات التحدي من رفيقيه جانغ و ويلي. هز تشي رأسه يمينا و يسارا دلالة على وصوله درجة من السخط لم يجد غير الموت حلا وحيدا كرد على هذا الألم.
جاءه في اليوم التالي عضو الاستخبارات المركزية فيليكس رودريغوس حذره تشي قائلا” أمثالي لا يستجوبون”. سمح له تشي بالتحدث معه. اعترف تشي أنه هزم في المعركة. في الساعة الواحدة ظهرا من يوم 9/10 وصلت برقية تطالب بإعدام تشي بدون إبطاء. يدخل فيليكس رودريغوس و يقول” آسف وصل برقية بإعدامك”. طلب منه أن يبلغ فيدل رسالة” أنها كبوة عارضة و ستنتصر الثورة لا محالة”. أضاف رسالة أخرى لزوجته أليدا طلب منها أن تنس ما حدث و تتزوج مرة أخرى. في الساعة الواحدة و عشر دقائق دخل الملازم ماريو تيران و بيده غدارة سريعة الطلقات. قال له تشي بجنان ثابت” أنا أعرف أنك جئت لقتلي. أطلق النار يا جبان. أنك تقتل ر..ج..لا..”. أصابه الملازم بعدة طلقات في يديه و رجليه. سقط تشي وهو يعض على يده كي يمنع نفسه من الصراخ. ثقبت رصاصة رئته اليسرى و ملأتها دما. مات أرنستو جيفارا لوتش في 9|/10/ 1967 عن عمر بلغ التاسعة و الثلاثين عاما.

أن الدماء التي طلّها/ مدلٌ بشرطته معرم
تنضح من صدرك المستطاب/ نزيفا إلى الله يستظلم
ستبقى طويلا تجر الدماء/ و لن يبرد الدم إلا الدم
( محمد مهدي الجواهري)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.