عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: المهنة و المهانة(2)

أعيد للأهمية حول المهنة والمهانة:

اول مرة أشار الراحل الوردي او كتب عن المهنة وعلاقتها بالمهانة في العام 1951 وذلك في محاضرته التي تحولت الى كراسة بعنوان شخصية الفرد العراقي ثم كرر الطرح في عام 1958 في محاضرته التي تحولت الى كراسة ايضاً تحت عنوان الاخلاق / الضائع من الموارد الخلقية /1958 تلك التي شارك بها في ندوة عن الضائع من الاخلاق جرت في الجامعة الامريكية في بيروت ونُشرت كبحث في مجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الامريكية في بيروت السنة11 ج2 حزيران1958 أي بعد سبعة أعوام عن طرحه الأول. وعاد وتطرق لنفس الموضوع في كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي /1965 ثم ختمها بنفس الصياغات في لمحات تاريخية عام 1977 هذا يعني انه اقتنع بالموضوع واعتمده في طروحاته.

………………………..

الحقيقة شيء مستغرب من استاذ كرس حياته وكل اصداراته ووجوده العلمي التدريسي والاجتماعي على موضوعة علم الاجتماع والمجتمع العراقي. ولم يقف لحظة واحدة للانتباه او إعادة تفسير العلاقة بين المهنة والمهانة هذه العلاقة المهمة والخطيرة والملتبسة والمهمة جداً في موضوع الحضارة والتطور…كان على الراحل الوردي كما اعتقد ان يتوقف امامها كثيراً ولا يتعجل الاقتباس والبحث عن التأييد والاندفاع للجزم.

أكثر من ربع قرن بين اول ذكر للمهنة والمهانة في طروحات الوردي واخر طرح لها دون ان يهتم بها ولو لمرة واحدة ذلك الاهتمام اللازم.

أعتقد ان الموضوع خطير ودقيق ولا يجب ان يؤخذ كما السابقات واللاحقات من الورديات الكثيرات ببساطة وسطحية ودون إبداء رأياً فيها أو إضافة شيء بخصوصها ينتفع منه/به المجتمع والسبب كما اظن/أعتقد ان الراحل الوردي قرأ ذلك في المقدمة التي وضعها ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون على استعارة الوردي لها حيث كما ورد في السابقة واُعيدهُ هنا للتذكير ان الراحل الوردي كتب في ص16 كراسة شخصية الفرد العراقي/ 1951 التالي:[لأن صاحب السيف يأبى ان يكون صانعاً أو عالماً وقد كان يسمي ألصنعة ’’مهنة’’ أي شيئاً ممتهناً ومحتقراً’’انظر ابن خلدون المقدمة ص 544] انتهى

الراحل الوردي تمسك بهذا النص و اخذ يدور حوله كما غيره من الامور كل تلك السنين الطويلة ويبحث عما يسند به ذلك القول فوجد سطر في كتاب حافظ وهبه/ الجزيرة في القرن العشرين وسطرين في كتاب شاكر مصطفى سليم/ الجبايش… والدليل ان الوردي ذكر ذلك النص بهذه الصيغة او تلك في أربعة من كتبه التي امتدت من عام 1951 الى عام 1977، واستمر حال هذه الحالة حتى بعد وفاته عام 1995 له الذكر العطر الدائم والرحمة، ومستمر حتى اليوم وسيستمر من خلال استعارات البعض لذلك الرأي/ النص حيث أينما تذهب في الأرشيف تجد من يقول: [قال عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي ان المهنة من المهانة] نسوا او لم ينتبهوا اولم يعلموا او يتعلموا ان الراحل الوردي نقل لنا و لهم هذا القول عن ابن خلدون الذي سطره منذ أكثر من ستة قرون على اطلاع الوردي عليه و استعارته له وبقي عند الوردي صالحاً صحيحاً رغم التغَّيرات الهائلة التي عصفت في كل مناحي الحياة خلال كل تلك القرون.

أصبح هذا النص وردياً ’’ الوردي’’ بسبب طريقة الدكتور الوردي في الاستعارة/ الاقتباس حيث يذكر المصدر عند اقتباسه اول مرة وفي التاليات من اصداراته يعيد النص ولا يشير الى المصدر الاصلي وقد يستعيض عنه ب’’ وقد رأينا’’ او ’’ انظر علي الوردي في كتاب كذا ’’ الذي ذكر فيه ’’ وقد رأينا ’’ و أعتقد انه يعلم ان الغالبية العظمى من القراء و حتى’’ الباحثين’’ لا تعود للمصدر وهذا كما اظن ما سار عليه الوردي و يحاول البعض اليوم اقتفاء أثر الراحل الوردي في هذا الاتجاه وستُمرر هذه الحالة للأجيال القادمة مع الأسف الشديد.

ولتعزيز هذا القول تصرفوا ويتصرفون كما تصرف الوردي في تعزيزه حيث أرفقوا ويرفقون تلك الاستعارة باستعارة اخرى نقلها أيضاً لنا ولهم الراحل الوردي لكن هذه المرة من القرن العشرين عن السيد حافظ وهبة من كتاب (جزيرة العرب في القرن العشرين) ص152 / حيث كتب الوردي في ص 80 من دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 التالي: [يقول الأستاذ حافظ وهبة ان البدو إذا أرادوا تحقير انسان وسبه بكلمة تكون مجمع السباب قالوا له ’’ يا ابن الصانع’’] انتهى

أعتقد ان الراحل الوردي نقش النص من غير مصدره الأصلي وهذه ليست غريبة او جديدة على /عند الراحل الوردي حيث وجدتُ النص التالي الذي يختلف كثيراً عن النص الذي نقله الوردي وهو:

[فالصناعات على اختلافها معدودة من المهن الخسيسة التي تحط بقدر صاحبها ولذا فالذين يحترفون هذه الصناعات إما من غير العرب أو من العرب الذين ينتمون إلى أصول غير مشهورة أو من غير قبيل، ومما يدل على احتقار الصناعات ألفاظ السباب المعروفة عند العرب (يا ابن الصانع) إذا أرادوا تحقير إنسان أو سبه بكلمة تكون مجمع السباب] انتهى….

((حافظ وهبة تكلم عن العرب في القرن العشرين وليس عن البدو من العرب في القرن الرابع عشر/ القرن الخلدوني))!!

ورأي حافظ وهبة هذا فيه ما يلفت النظر حيث كان على الوردي الانتباه اليه والتدقيق فيه…وهذا النص/ الرأي يدفع الى طرح السؤال التالي: ما هي الصناعات التي كانت في جزيرة العرب وقتذاك ومن هم القائمين بها/ عليها او أصحابها او العاملين فيها خلال الفترة التي شملها السيد حاظ وهبة في كتابه أي الفترة من 1915 الى 1934؟

…يمكن تحديد/ تصور تلك الصناعات وحصرها في:

الحياكة والحدادة والفخار وصناعة الحصران وتوابعها ودباغة الجلود وتصنيعها وصناعات نحاسية وجميع القائمين عليها وصُناعهم أو اغلبهم ليسوا من قبائل الجزيرة العربية بل هم من الرق والعبيد والموالي او احفادهم وهم من غير العرب او الذين تعَّربوا وأشار إليهم الكاتب…ومع ذلك فأن السيد حافظ وهبة فَصَلَ بين الصناعات/ألصنعة والمهن/المهنة ولم يجزم بشمولها وعمومها حين قال:(فالصناعات على اختلافها معدودة من المهن الخسيسة) ولم يَّقُلْ (فالصناعات على اختلافها معدودة مهن خسيسة) وهذا يعني ان هناك مهن غير خسيسة ووفق هذا فليس المهنة/ألصنعة من المهانة!! ويفهم من هذا أيضاً ان ’’ تلك الخسة/المهانة/ الاحتقار’’ التي قصدها وقصدوها ليست بسبب الصناعات/ألصنعة/المهنة انما بسبب محترفيها الذين في الغالب اولئك الذين دعا الإسلام الى مساواتهم وإنصافهم والذين نتجوا/تواجدوا نتيجة ’’ الغزوات’’ الفتوحات او الهجرات… وهؤلاء غير العرب هم الذين أدخلوا الصناعات/الحرف على العرب فالعرب اعتبروا الصناعات خسيسة لان محترفيها ’’ خسيسون’’ قبائلياً حسب تصورهم او فهمهم فالموضوع إذن لا يخص الصناعات انما محترفيها.

لم يكلف الراحل الوردي نفسه ولم يكلف من استعار استعارات الوردي هذه أنفسهم بالبحث عن المهن والصناعات/ ألصنعة/الحرف التي كانت سائدة قبل الإسلام وبعد انتشاره ورأي البدو في المرحلتين فيها والقائمين عليها؟

نُقل لنا ان النبي محمد ابن عبد الله امتهن التجارة لكن لا/لم نعرف او يُنقل لنا ماهي مهن الخلفاء الراشدين قبل الخلافة ولا ماهي مهن الصحابة المبشرين بالجنة قبل البشارة؟ والمهم في كل ذلك هو رأي بدو تلك المرحلة بهم وبمهنهم ومن هؤلاء من كان يرعى آلهتهم في البيت العتيق ومن صنع لهم تلك التماثيل والنصب التي يحجون اليها ويعبدون؟ وهل كانت القبائل البدوية تحتقر قريش لان قريش في غالبها تحصل على قوتها بكد يمينها وليس بالسيف والسلب والنهب؟

هذه/تلك اسئلة وملاحظات أعتبرها ضرورية لمتابعة الموضوع.

والان انتقل الى ما ورد في كتب الراحل الوردي حول موضوع المهنة والمهانة سأذكرها كما وردت مع التعليق عندما اعتقد انه ضروري وهو حق لي، ولغيري ان يبدي ما يريد حولها لنستفيد وتحفظ هذه الفائدة إن كانت في الأرشيف لترافق طرح الوردي…اليكم:

1ـ في ص16 كراسة شخصية الفرد العراقي/ 1951 التالي: [لأن صاحب السيف يأبى ان يكون صانعاً أو عالماً وقد كان يسمي ألصنعة ’’ مهنة’’ أي شيئاً ممتهناً ومحتقراً’’ انظر ابن خلدون المقدمة ص 544] انتهى

2 ـ في ص15 من كراسة الاخلاق/1958 كتب الوردي التالي: [“…ومن أكبر العار على أحدهم أن يُقال عنه صانع او حائك فذلك يعني في نظرهم أنه ضعيف يحصل على قوته بعرق جبينه كالنساء ولا يحصل عليه بحد السيف”]. ((يتكلم عن البدو)) ثم يكمل الوردي نفس المقطع حيث كتب: [ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم ’’ المهنة ’’ والمهنة مشتقة من المهانة كما لا يخفى] انتهى …

*تعليق: لا يعني ذلك انهم يحصلون على قوتهم بعرق جبينهم كالنساء فالنساء لا يحصلن على قوتهن بعرق جبينهن انما قوتهن من قوت عوائلهن…والعار ليس لأنهم يحصلون على قوتهم بكد أيديهم انما العار ان كان فهو بسبب أصول القائمين على تلك’’ الصناعات’’.

نلاحظ ان الوردي هنا جَزَمَ بأن المهنة من المهانة حيث ذكر عبارة:’’ كما لا يخفى’’ كما جزم ابن خلدون عندما ذكر’’ أي شيئاَ ممتهناً ومحتقراً’’.

3 ـ في ص29 “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965” كتب التالي: […ومثل هذا يمكن أن نقول عن الاحتراف ونقصد به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الإنسان منها رزقه بكد يمينه وعرق جبينه. أن البدوي يعتبر الاحتراف ذلاً ومهانة. والظاهر أن لفظة “المهنة” في اللغة العربية مشتقة من “المهانة” أو هما من مصدر واحد. أن الرجل البدوي رجل مقاتل يحترم النهب والغزو ويحتقر الرزق الذي يأتيه عن طريق العمل. ولذا وجدناه منذ قديم الزمان يختزي أن يكون حائكاً أو صانعاً او بقالاً او معلماً او كاسباً او كل ذي حرفة من الحرف التي اشتهرت بها الحضارة فأولئك في نظره جبناء اذلاء ولو كان فيهم شيء من الرجولة لتركوا حرفهم الحقيرة وامتشقوا الحسام ليكسبوا به الرزق “الكريم” الذي يليق بالرجال أمثاله…] انتهى

*تعليق: ابن خلدون قال عن ألصنعة والمهنة والوردي تدخل في النص وجعله الحرفة والمهنة بل الاحتراف بقوله (إن البدوي يعتبر الاحتراف ذلاً ومهانة) أي كل النشاط الإنساني اليدوي والذهني…

لم يجزم الوردي هنا كما جزم هو وبن خلدون كما ورد في (1) و(2) أعلاه حيث كتب [والظاهر أن لفظة “المهنة” في اللغة العربية مشتقة من “المهانة” أو هما من مصدر واحد]…انتبهوا لطفاً الى ذكر ابن خلدون لعبارة ’’ صانعاً أو عالماً’’ وكيف سيتوسع بها الدكتور الوردي.

وهنا اطرح السؤال التالي على الراحل الدكتورعلي الوردي له الرحمة والذكر الطيب دائماً: هل توجد صناعة في البادية منذ قديم الزمان حتى تكتب/تقول [ولذا وجدناه منذ قديم الزمان يختزي أن يكون حائكاً أو صانعاً او بقالاً او معلماً او كاسباً او كل ذي حرفة من الحرف التي اشتهرت بها الحضارة فأولئك في نظره جبناء اذلاء ولو كان فيهم شيء من الرجولة لتركوا حرفهم الحقيرة وامتشقوا الحسام ليكسبوا به الرزق “الكريم” الذي يليق بالرجال أمثاله…الخ] انتهى؟

هل كان في البادية معلمين حتى يستنكف او يشمئز منهم او يحتقرهم البدوي…هل كانت في البادية صناعات حتى يختزي منها البدوي؟

كل ما يحتاجه البدوي ينتجه في بيته…سوى سلاحه الذي ينتجه النافخ بالنار’’ صانع السيوف’’ والبدوي يبحث في ذلك عن الأجود وعليه فهو يتودد لصانعه ويزوره او يستقبله ويتقرب منه لغرض للحصول على السلاح بحالة جيدة وسعر مناسب وتبهره صنعته لصعوبتها وقساوتها؟

أعتقد ان البدوي كان مجبراً على حمل السيف لأنه لم يتمكن من الحرفة او ألصنعة/ المهنة فربما لو تمكن منها لأمتهنها ولو كان بإمكانه أن يكون عالماً فما منعه أحد لكنه فشل في كل ذلك ولم يجد الا السيف والسيف حاجته للدفاع عن نفسه وعِرضة وماله/حلاله…حيث أن اول امتشاق للسيف كان ولا يزال للدفاع عن النفس والعِرض والممتلكات ومن بعدها توسعت أغراض ’’ الامتشاق’’ لتصل الى القتل والسلب والنهب عندما لا يحسن أي صنعة تدر عليه ما يتدبر به امر معيشته واسرته وحلاله ’’ إبله’’. البدوي لا يحب السلب والنهب لأنه بكل بساطة مُعَّرَضْ لذلك فمن يغزي/يغز يُغزى…عليه لو كان متمكن من مهنة او يمتلك حرفة او لديه صنعة ما فرَّط بها والتجأ للسيف والإذلال والذل.

صحيح انها حالة موجودة (احتقار الحرفيين) لكن المهم في عالِمْ الاجتماع الغور لفهمها وعرضها وتفسيرها للقارئ لكي يتميز العالم عن ال’’ ناقل’’ وحتى يمكن ان نتصور انه بزوال الأسباب ستزول الفكرة/النظرة التي كما يبدو سادت وهذا ما نلاحظه الان عند القبائل التي اطلق عليها الراحل الوردي’’ القبائل الأصيلة’’ حيث عملوا في الحياكة و اطلقوا عليها نسيج و عملوا في صيد السمك واطلقوا عليها بحيرات اسماك وعملوا ’’ صناع’’ وقالوا ’’صانع الأستاذ أستاذ ونص’’ وعملوا في زراعة الخضر وقالوا’’بيوت بلاستيكية’’ وعملوا في جمع فضلات الحيوانات وغيرها.

في الوقت التالي لوقت ابن خلدون حتى وقت الوردي لماذا لم ’’ يختزي’’ البدوي او من صاروا قبائل’’ أصيلة’’ من ’’ النَّداف’’ ومهنته القريبة من الحائك؟ ولماذا لم ’’ يختزي’’ من مربي الابقار والأغنام والماعز؟ ولماذا لم ’’ يختزي’’ من النجار والخياط والحلاق وغيرهم الكثير من اصحاب المهن.

4 ـ في ص 80 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 كتب الراحل الوردي: [وهم قد يحتقرون المهن الفكرية كمثل ما يحتقرون المهن اليدوية فالمعلم عندهم محتقر وكذلك الكاتب والمنجم والمغني والعازف والطبيب وربما احتقروا الحاذقين في معرفة الانساب والانواء او الفراسة او اقتفاء الأثر إذا كان هؤلاء يعتمدون عليها في كسب رزقهم] انتهى

يتبع لطفاً

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عامر هشام الصفّار : رواية “حين تتشابك الحكايا”..وتشابك القلوب والرؤى .

أصدرت الكاتبة الفلسطينية المولد العراقية النشأة سلوى جرّاح روايتها السابعة والمعنونة “حين تتشابك الحكايا” في …

| سعد جاسم : لماذا يَشْتَمونَ سعدي يوسف ؟ .

لم يتعرض شاعر وأَديب ومناضل عراقي أو عربي أو حتى أَجنبي ، للإساءات والشتائم والقدح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *