تعريف روفائيل بطـِّي بعبد القادر البرَّاك
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

طوي سجل الحياة للأديب والصحفي العراقي عبد القادر البرَّاك قبل سنوات معدودة،وقرّ في أخلاد بعض الناس أنـَّه ذهب إلى دنيا العدم كما جاء منها،دون أنْ يبقي أثراً ما يدل على منواله ودأبه في ممارسة الكتابة والعمل الصحفي،وراحت معه مئات المقالات الـتي كتبها للصحف والدوريات لتعنى بالأحوال والأوضاع العامة السائدة في الوطن العربي ونظيراتها من الكتابات الأدبيـة والفكرية وذات الصِّلة بالأعلام من السياسيين والأدباء وما أبقوه من آثار دالة عليهم،أو خلفوه من نتاجات تحكي سمتهم وطابعهم،فلحدِّ هذه اللحظة ما يزال الحديث دائراً بين المثقفين وأحرار الفكر في مصر الشقيقة حول مواقف الرواد المستنيرين من أقطاب البيان ورجال الصحافة عن مجريات الحوادث المتتابعة وتعاملهم معها،يوم كان الصحفي أمس أديباً مكتملا ًومستوفيا ًخصائص الأديب الحق،فهو وإنْ درج على مواكبة المناسبات العارضة والحوادث اليومية،واعتاد إيفاءها بما يلزم من الشرح والإبانة،فـإنَّ مقالته تتميَّز بالقوة والرَّصانة وسلامة التعبيرولا تنطوي البتة بانطواء المناسبة والباعث الذي استدعاها وأوحى بها .

ونبهني واحدٌ من أصحاب المكتبات التجارية على ما يخاله إهمالا ًوتناسياً للأدوار التي أدَّاها واضطلع بها لفيف من صحافيينا في العهود الماضية،باذلين ما في وسعهم من جهد ومثابرة على أداء أعمالهم ووجائبهم بكلِّ رغبة وتفان ٍ،فشقت الصحافة العراقية دربها المحفوف بالمصاعب والمثبطات بفضل جلادهم وفتائهـم،ويملأ نفسه الأسى أنْ تـُنوسِيتْ قابليات عبد القادر البرَّاك ومؤهلاته،وعَـدِمَ مَن ينبري للكتابة عنه على سبيل التذكار وإشهار فضله وسابقته على جيل الصحفيين من الشباب الطالع أنْ يجري على غراره ويقتفي طريقـته في الترسل والعفوية وتوخي الأسلوب المطبوع،وهذا أبين ما برع في مجاله الرَّاحل البرَّاك وأدلّ على طواعيته وسلاسة طبعه،حيث لا يعهد من نفسه حِراناً وتوقفاً عن الإداء ريثما تواتيه هذه اللفظة أو تلك،ويقحمها على نسجه وتعبيره،فانتفت من قوالبه وتراكيبه كلِّ صنوف الحذلقة والتكلف والتعقيد التي تغلب على الأساليب المتكلفة الـتي لا يجـد أصحابها في نفوسهم الرغبة و الاندفاع الحقيقي وراء الكتابة أصلاً.

والطريف أنـَّه صنف مجموعة من مقالاته المكرّسة لترجمة أحوال نخبة من السياسيين والأدباء كتبها أبَّان سني الأربعينيات يوم كان شابا ًتمتلئ جوانحه بالآمال والتطلعات لتحقيق الإصلاح المنشود وانتشال مجتمعه من آفات التأخر والانحلال،فاستوحى من مجريات حياتهم الحافز القوي الملهم بالفتاء والعزم شطر هذا القصد،فكان كتابه (أعلام من الشرق) الذي ظهر في المكتبات عام 1950م،من خيرة الكتب التي يعتدُّ بما حوته واشتملت عليه من معلومات ووقائع واستنتاجات فضلاً عن بيانه المتدفق عذوبة وسلاسة وبعداً عن البهرجة والتنميق،كما أعدَّ في العقد التاسع من القرن الفائت عينة من كتاباته المنشورة في جريدة الاتحاد بعنوان (من ذكريات أيام زمان)،وفي هذا الطور جاوز مرحلة الشباب وتبددت عنده كثير من الأحلام والمنى والرّغاب والمشروعات الطوباوية،وأطلَّ على الشيخوخة المؤذنة بالفناء ومغادرة هذه الحياة،ومرّت البلاد بكثير من التحولات والمتغيرات،وبداهة أنْ يعتريه بعض الفتور من جهة علاقاته وأواصره ببعض الأوساط والمحافل نتيجة تراكم الخبرات والتجارب،

روفائيل بطي

وتغادره اجتهاداته وقناعته الشخصية وثقته بالأفراد أو يعوقه الاشتغال بمسـؤولياته وتبعاته حيال مَن يقوم بأودهم من أهل ٍوعشير عن الاحتفاظ بوجهات نظره نفسها بخصوص مختلف المشكلات والقضايا بما يلازم بطبيعة الحال خطـة كتابه البدوة من ناحية لغته الرشيقة وبيانه السلس مع اشتماله ما وعته ذاكرته من وقائع وصروف عانى منها هـذا البلد،صحبتها مواقف واستجابات وردود أفعال لبعض الشخصيات المؤثرة ما ذر قرنه في ظروف منقضية من الدواهي والنوازل سواء كان ذلك بالسلب أو الإيجاب،فسُجـِّل للخيرين طيبتهم ومروءتهم وبعادهم عن الخطل،وتحاشى أنْ يرمي النفر الثاني بما يؤذي شعـورهم ويثوِّر الغبار بصدد نزاهتهم وإخلاصهم،وهذا التحول من الأمور الاعتيادية في حياة الأفراد حيث تؤثر فـي سلوكياتهم تجارب الحياة وتدعهم يعتصمون في أخريات أيَّامهم بعد أنْ يصفوا حسابهم معها بأن عصارة كل ما مر بهم من خطوب وأهوال أثام في أثام،وقد حظي كتاب (أعلام من الشرق) بتقديم ضافٍ نفيس كتبه الأديب الكبير والصحفي المعروف روفائيل بطـِّي،الذي دلَّ بجرأته التي لا تعرف حدوداً تقف عندها،فأومأ إلى حالة الثقافة المتدنية وغلبة الكساد والركود عليها،مبدياً استغرابه من مجازفة صديقه البرَّاك بإصدار كتـاب غير مضمون رواجه وتداول القرَّاء له وإقبالهم عليه،إذ ليس هو من الكتب المدرسية التي ينشدها طلاب المدارس ويحتاجونها،ولا هو من التآليف التي تداعب الغرائز الجنسية وتستهوي المحرومين من إشباعها،فينعى على صنوه فلاكته أعني شعوره بالإحباط وقلة نصيبه من الغنى،ومع هذا الحال من فقره المدقع واحتياجه إلى الأدنين،يسخو بما لديه من مال ٍ قليل ويتنازل عنه تسديدا ً لثمن الورق وتكاليف الطبع،كل ذلك من أجل أن يشهر انطباعاته وآراءه عن بعض الوجوه والصدور الأماثل ممن افتقدتهم مجتمعاتهم وباتت أحوج إلى درايتهم وحسن بلائهم في حسم المعضلات التي تواجهها من آن ٍلآن،لولا أنَّ كاتب المقدمة يؤاخذه على قلـَّة خبرته وإنْ كان لطغيان شهرة بعض الرِّجال الذين تحدث عنهم على ذهنه حافز لتحليل شخصياتهم واكتناه نفسياتهم،وكأنـَّه يكتم انتقاصه منهم ولهم،ويبطن الشواهد على فساد ذممهم في ظروف معلومة،مثلما يشوم الخطل في الاستناد إلى الآثار الكتابية والأدبيات المتداولة في الانتهاء إلى عصارة مستقطرة عن حياة الأديب أو المفكـِّر وسريرته وخلقه،وكذلك يلفي ثمَّة شططاً في لجوء العقاد إلى هذه الخطة أو المنهج في دراسته وتفسيره لشعر ابن الرومي،فليس شرطاً في ملته أنْ يتطابق سلوك الفرد ونتاجه الفكري مها اكتنز بالقيم الفنية والجمالية الموهمة بصدقه في شعوره وإحساسه .

الأستاذ عبد القادر البراك في الوسط

ومما يختلف فيه روفائيل بطـِّي عن المؤلف هو فرط غلوه في تقدير حجم الكوارث والمحن التي اكتنفت حياة انطون الجميل الذي نزح من لبنان شابا ًوشغل منصب مدير حسابات ثمَّ تحوَّل عنها إلى الاشتغال بالصَّحافة،فرأس تحرير الأهرام وترقت به الحال إلى عضوية مجمع اللغة العربية ومجلس الشيوخ،وتدانت صلاته وأواصره بجهابذة الفكر والأدب أمثال :- طه حسين،والعقاد،والمازني،وسلامة موسى،فتوهَّم إمكان مساماته لهم في صفاء اللغة وعذوبة البيان،بينما نزع روفائيل بطي إلى تجريده من هذه الخصائص،وينفي أنْ اعتور حياته أي نكدٍ ومشـقة،ويتخذه مثالاً ونموذجاً للأديب المرفـَّه فقد تساوقت نعومة أسلوبه ونقاوة تفكيره مع الحياة الفكرية والمعاشية التي قضاها بين المحابر والأقلام،دون أنْ يبخس إلحافه في الدِّقة وجلده على التقصي ولكن بروح هـادئ مطمئن لا أثر للثورة والصخب فيه .
وبعد لقد كان روفائيل بطـِّي يوم كتب مقدمته هذه أديباً يشار إليه بالبنان،وقبلها بثمانية وعشرين عاماً طبع بمصر كتابه (عن الأدب العصري في العراق العربي،الجزء الأول) فعدا عن المختارات الشعرية الدَّالة على حسن فهمه للأدب ووظيفته،فضلاً عن سعة اطلاعه على نتاجات الرَّعيل الأول،وبراعة تحليله لشواهدهم ونصوصهم،وجلائه ما تنطوي عليه من نظرات وفلسفات،فإنَّ لاضطلاعه بالأعباء الصحفية وانخراطه في صفوف المشتغلين بالقضايا العامة ومشاركته لهم في متاعبهم وهمومهم،ومقاسمتهم ما يطولهم من عناء وينوشهم من أذى،طوال السنين التي سبقت كتابته هذه المقدمة النفيسة ذات التعليقات المثيرة والتعليقات الثاقبة،هذا إلى تمتينه أواخيه وعلائقه بجمهرة من أدباء مصر وإقامته بينهم ردحاً من الزمن،وانبرائه للتحرير والنشر في جرائدهم ومجلاتهم،شافع لعدِّها من قبيل التوجيه الذي يتقدم به،في غير مَن ٍ،واحد ممن عركوا الحياة وذاقوا منها الحلو والمر،نحو الآخر الفتي ومن جيل ثان ٍفي بدء مراسه وتجربته ونزوعه للتثقف والتحصيل ! .

ملاحظة من اسرة الموقع:
بعد نشر المقال نبهنا الباحث والناقد الأستاذ شكيب كاظم إلى أن الصورة المرفقة ليست للراحل الأستاذ (روفائيل بطي) بل لنجله الصحفي المعروف (فائق بطي) – رحمه الله- تم تغيير الصورة.. فشكرا له.

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *