عدنان أبو أندلس: نظرية “فيثاغورس” وزميلي “أندريوس” كانا وراء هجري الجامع وتركي الصلاة.

ـــــ تعودُ بي الذاكرة إلى مستهل آذار من العام 1970 ، كنتُ آنذاك في مدرسة ” الحكمة المتوسطة ” كما هو مدون بلوحتها والتي تعلو بابها الرئيسي ، وتحديداً في الصف الثاني المتوسط ، صبياً لم أبلغ من العمر الـ 14 عاماً ؛ بعد ، عشتُ في بيئةٍ مغلقة وخامدة من ناحية التَطلع الحياتي ، لذا نشأتُ فيها عكس ثوابتها ، متمرداً، عنيداً، محرضاً ؛ لكن بعفوية البراءة المُستحبة التي نألفها عن سجية باذخة في الصدق ، بدءاً ؛ لاقيتُ صعوبة في تفهم مادة ” الهندسة ” والتي كان يدرسنا فيها الأُستاذ المصري على ما أعتقد هو ” رمزي رفلة ” القاسي بطبعهِ المراوغ والشّديد البُخل بالدرجة حدَ قطع النفس ، إضافةً لإملائهِ علينا بالمواد من خارج المنهج المُقرر بحجة اتساع مداركنا لاحقاً كي نصبح أكثر مهنية ، مما أركسنا في متاهة النظريات الهندسية” الاقليدية ” بقطبها ، ومحورها ، وخطوطها ، وقائمها ، ووترها ، والتي لم نسمع بها آنذاك ، وقدْ التبس علينا الأمر ، نحنُ الجماعة الذين تعودنا أن نقرأ الدروس العلمية ومنها النظريات الهندسية في أطراف القرية ودروبها المتشعبة وبصوتٍ عالٍ شفاهاً حالها حال درس التاريخ ، ولا اثر لورقة أو قلم بين أيدينا في دراستها كي ندعم ذلك تحريراً . مما زاد في كرهنا لها البتة ، راجعنا أنفسنا بتغيير مسار توجهنا كي ننجح في هذا العام ، وعلى اثر ذلك قد طرأت مجدداً فكرة لي ، ولم أتردد بطرحها على الصُحب ، ألا وهي ؛ مواصلة خدمة الجامع بطلب الشفاعة والملاذ كما في العام الماضي وذلك بعد أن نتطهر ونصفي النية وحسب أحلام صِبانا البيضاءَ ، وفعلاً أبدوا الموافقة بكل ترحابِ ، وبدأنا فعلاً نتوضأ ونسابق الكبار في لصفوف الأمامية لصلاة الفرائض وكسب الثواب والنجاح معاً ، نعم نقيم الصلاة ونشارك في حملة تنظيفه وترتيبه خاصة قبل صلاة الجمعة ، وعلى ما أذكر كان قد حُدّدَ لنا امتحانا بـ المادة ذاتها بعد عطلة ما ، لم تعد تخطر ببالي الآن ، مما حدا بنا أن ندرس المواضيع للامتحان في الجامع لتترسخ في أذهانا مستعينين بـ دعاماته التي تتوسطهُ وقد كان قياسنا لها مثل أضلاع المثلث قائم الزاوية ، وقد ركزنا على نظريات مهمة يرغبها المدرس والتي كان يهذي بها دائماً على مسامعنا ، وخصوصاً نظرية ” 49 ” فيثاغورس ، قلنا : هي المعنية لا مُحال ، وقد حفظناها عن ظهر قلب وبمفردة ” الدْرّخ ” ، إضافةً إلى نتيجة النظرية التي كان يعشقها من كثرة ترديدها المُبالغ ، لكن في يوم الامتحان وعند كتابة الأسئلة على اللوحة لم يظهر أي حرف مما نبتغيهِ ، وقد خاب سعينا وأيقنا بعدم الإجابة المراد لها ، وبعد أيامٍ وزعت الأوراق وظهر بأننا المعنيين فقط بالرسوب في ذلك الفصل ، وزميلي الطالب الآشوري ” أندريوس ” الذي يجلس معي على الرحلة كان قد نجح بدرجة ممتازة ، سألتهُ في الحال بعد اطلاعي على ورقتهِ بنوع من الحسد الطفولي ، أندريوس : هل أديت قُداس الصلاة في الكنيسة قبل الامتحان ؟.. ، ابتسم وحدّق بي قائلاً باستغراب يفضي إلى تساؤل : لا ، لم أؤدها ، وما علاقة الصلاة بالامتحان !. سكتُ ولمْ أُجبهُ ، وقد همستُ مع نفسي بأخذ الثأر والانتقام . وحال انتهاء الدوام وفي طريقنا إلى البيت ، قلتُ لأصحابي : أنا من الآن متنازل عن خدمة الجامع وسأهجرهُ وسأترك الصلاة فيهِ من الآن ؛ وسيحصل ما يحصل !.. رغم إني أصغرهم سناً لكنهم عاضدوني وآزروني بما طرحتُ لهم وانقطعنا عنهُ نهائياً ، واستمرينا على هذا الاتفاق وقتاً ما ، وقد ترانا قدْ نجحنا بالدرس ذاتهِ في الأشهر اللاحقة من دون صلاةٍ تُذكر مجتازين تلك المعضلة ، وبقينا على هذا المنوال و حالما نبصر القيَم على الجامع وهو جًدي ” الحجي ” من بعيد نتهرب منهُ خشيةً من أن يلومنا على الانقطاع من الجامع ، وترك الصلاة فيهِ ، وذاتِ يوم وحين ترجلنا من السيارة وحال عبورنا الشارع العام بعد صلاة العصرٍ بفوضانا تلك ، خرج ” الحجي ” لتوهِ من الجامع ، وفجأةً كنا أمامهِ وجهاً لوجههٍ ، يا للمصادفة المحرجة !.. وليس لنا عُذرٍ يُذكر ، سلمنا عليهِ بخجل وبارتباك واحداً تلو الآخر ، ومضينا مهطعين رؤوسنا ومسرعين لئلا يسألنا عن الآمر ، ردّ السلام منادياً : ها أين ذهبت صلاتكم ؟!… ، كانت مصلحة وطمع ، عرفتكم منذ العام الماضي ، بقولهِ : ” تركتكم لعلكم تعقلون ” أسرعنا نحثُ الخُطى دون التفاتة تذكر، وبتسارعٍ محموم للخلاص ، وقهقهه مخبوءة على حالنا بتقريعاته اللاذعة تلك ، والمصادفة التي كانت مربكة بوضعنا لحظتها ؛ حقاً .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : فلسفة الاغتراب في قصص السيرة عند الأديب علي القاسمي / الحلقة الثانية .

عند ذلك أمسى وجهي أكثرَ اصفراراً، وقلتُ لأُمّي بعينيْن مُنكسرتَيْن وبنبرةِ اعتذار: ـ صدّقيني، يا …

| مولود بن زادي : ظاهرة الحفظ دون فهم في المجتمعات الإسلامية – إلى متى؟ .

“لا يمكننا أن نحلَّ مشاكلنا ونحن نفكِّر بتلك الطريقة التي صنعناها بها“، عبارة رددها عالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *