محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (الحلقة الثالثة)

– 4 –
الآن عاد سامر سعيد الى الدائرة العملاقة مديرا عاما لها ، عاد مديرا عاما الــــى أبي علي الغالب الذي شحذ كل أسلحته ، لكي تكون مواجهته ذات ضجــة ورنين مع هــذا
الرجل ذي الحظ الذهبي . كان يشتعل بلهيب حقده تجاه هذا الرجل الــذي نال كــل مـا
يتمناه ، على الرغم من أن ماضيه لا يختلف عن ماضيه هو أبو علي الغالب . قدر أن
مواجهته يجب أن تكون غير ظاهرة للعيان ، يعني أنها ستتم فـــي الظلام ، يعنــي أن
عليه أن يتوسل بالغدر الذي لن يشفي غليله بغيره . أوحى لـــه عقله المضطرب بألف
فكرة بشعة للأنتقام ، ألا أنه كان يخفق في الوصول الى كيفية تنفيذها ، لأنـــه يصطدم
دائما بالحواجز الأدارية وغير الأدارية التي تقف بينه وبين المدير العام . كان يعرف
أنه يمتلك سلاحا فعالا لتنفيذ أنتقامه ، لكنه يتريث على الدوام في استخدامه ، خوفا من
أنقلاب هذا السلاح ضده ، فهو لا يثق أبدا بصديق ولا يؤمن بأية صداقــة ، فقــد حقنه
أبوه السيد منذ أن كان طفلا بأمصال مضادة للثقة بالأصدقاء ، بل بالأصدقاء أنفسهم ،
كان يردد على مسامعه بأستمرار وهو في تلك المرحلة المبكرة من حياته :
– أياك أن تثق بصديق يا أبا علي الغالب ، فالعرب قالوا قديما : في الحياة ثلاثة مــــن
المستحيلات هي الغول والعنقاء والخل الوفي .
حين وعى أبو علي الغالب هذا الكلام فيما بعد ، قرن الخل الوفي بالغول الــذي علــق
عليه الرعب والغدر وكل الصفات الرديئة ، وهكذا وصل الى سن الرشد بقناعات عن
الصديق والصداقة تثير أشمئزازه وأحتقاره . في ضوء هذه القناعات سلك مــع أولئك
الذين أجبرته ظروف الحياة على مرافقتهم لفترات من الزمن ، أو الأحتكاك بهم علـى
أنهم محطات مؤقتة يمكن الأستفادة منها للأستراحة فقط ، يعني أن سلوكه أتسم مــــع
أولئك الذين أوهمهم بصداقته لهم بالنفعية ، ألا أنه لم يمنحهم ثقته .
كيف يمكن له أن يمحض سميع المحمود ثقته ؟.. أكتشف فيما مضى أنه غادر وحاسد
ومؤذ ، وهو شرس وقوي أضافة لتمتعه بقوة ونفوذ الحزب . فيما مضى ، عندما كان
سامر سعيد رئيس قسمهما ، أفلح في أقناعه الوقوف ضده ووضع العراقيل في طريقه
من أجل وضعه خاتما في أصبعيهما ، لكن الآن ما السبيل الى أقناعه مرة ثانية بأعادة
ما فعلاه سابقا ؟.. هل تستمر علاقته بسميع المحمود على متانتها في ظل وجود سامر
سعيد الذي يعرف معرفــة وثيقة جـــدا أنتهازية ووصوليــــة سميع . ماذا لو أسند اليه
وظيفة ذات مسؤولية أرفع من وظيفته الآن ؟. عند هذا التساؤل أحس مــن جديد بذلك
الخوف القديم الذي يغزوه حين يتوقع الخطر يتقدم نحوه . خطر فــي ذهنـــه أن سامر
سعيد ليس بالشخص الساذج الـــــذي يمكن التغرير به ، وأنـه لا يقل دهاء عــن دزينة
من الثعالب ، فماذا لو أنـــــه سيقوم بأستمالة سميع المحمود اليــــه مستخدما علآقتهما
الحزبية المشتركة ، لكي يحوله الى المطرقة التـــي ستهشم رأسه . فــي هــذه اللحظة
طفا على سطح ذاكرته ذلك الحذاء الــــذي أصبح أكثــر شهرة مــن حذاء أبــي القاسم
الطنبوري .شق على أبي علي الغالب أن تنتهي به الأمور الـى هذا المأزق الذي أحس
أنه لا يمكن الفكاك منه بيسر .
بقي مفكرا طوال تلك الليلة في أيجاد ما يمكن أن ينجيه مـن هذين الوحشين اللذين قدر
لهما أن يحيطاه من كل جانب . قرر أن يلجأ الى الحذر في التعامل مع سميع المحمود
وأن يراقب كل ما يقوم به من التحركات حتى لا يفاجئه بما يمكن أن يسبب له مـــا لا
تحمد عواقبه .كما قـــرر أن يتحدث بشكل واضح وصريح مــع سميع المحمود بشأن
الحرب على المدير العام .
في صباح اليوم التالي ، وفي مكتبهما الصغير المشترك ، خاطبه سميع المحمود :
– هل تعرف أن المدير العام أوصلني الى الدائرة بسيارته الخاصة ؟
دقق أبو علي الغالب النظر به ، قال في سره أذن أنفتح باب المشاكل علي ، حاول أن
لا يبدو في وجهه ما يفضح قلقه .. سأله :
– أين وجدك لكي يأتي بك الى الدائرة ؟.. هل جاءك الى البيت ؟
– لا .. وجدني في الطريق ، أعنـــي رآني أنتظر حافلــة نقل الركاب ، فأوقف سيارته
وطلب مني الصعود معه .
قال معلقا بخبث :
– هذا موقف نبيل سيجعل لبنكما أثخن .
أنتبه سميع لغرابة قول صديق ، سأله :
– ماذا تعني ؟
قرر غالب أن ينتهز الفرصة لتعبئة زميله للحرب ، أذا لــم يكن قـــد عبأه المدير العام هذا الصباح ، أجابه :
– أنت تذكر ما فعلنا به عندما كان رئيس قسمنا ، وأقدامه علــى دعوتك للركوب معـه
في سيارتك يعني أنه يطلب منك فتح صفحة جديدة معه .
– ما فعلناه به سابقا كان أعتداء منا عليه .
أحتج أبو علي الغالب :
– أعتداء ؟ .. أنسيت أننا قررنا أن نجعله خاتما في أصبعينا ؟
– لا لم أنس ذلك ..
عندئذ قرر أن يضرب أبو علي الغالب ضربته :
– يجب أن نعيد المحاولة .
– أي محاولة ؟
– محاولة تحويله الى خاتم في أصبعينا .
أعترض سميع المحمود :
– أنه الآن المدير العام .
– هذه هي أهمية المحاولة .. تذكر أنك رفيق في الحزب ويجب أن تكون أحـد المدراء
المهمين في هذه الدائرة العملاقة .
أختلجت تعابير وجه سميع المحمود . لم يفت ذلك على أبي علي الغالب . سأل سميع :
– أهذا ممكن ؟
شعر أبو علي الغالب بفرحة لنجاحه في دغدغة طموح هذا الرجل . قال :
– كل الأمكان ؟
– كيف ؟
قرر أبو علي الغالب أن يكتشف ما أذا أتفق هذا الأنتهازي مع المدير العام ضده أم لا،
قال :
– حين نتضامن أنا وأياك من دون أن نجعله يفرقنا لكي يبطش بنا واحدا وراء الآخر.
– أنا لن أبتعد عنك أو أخونك أبدا ، لأنني اعرف مــن التجربة أن أحدا لن يستطيع ان
يهزمنا حين نكون معا .
لكن الضحى بعث المخاوف القديمة لأبي علي الغالب ، ففـي ذلك الضحى أطل المدير
العام على مكتبهما ، وطلب من سميع المحمود أن يرافقه فـــي جولته التي ستشمل كل
مكاتب الدائرة في الطوابق الأربعة . غمز سميع المحمود بعينه لأبي علي الغالب قبل
أن يتبع المدير العام . لم يفت على أبي علي الغالب مغزى طلب المدير العام مرافقـــة
سميع المحمود له في جولته . أيقن تمام اليقين أن هذا الرجل أعد طبخة ستتضح بعـــد
قليل من الوقت معالمها ، فهو سيوحي لجميع الموظفين بعلاقته الحميمة بسميع ، وهذا
يعني منحه أهمية كبيرة ..لماذا ؟.. لا شىء يمكن فعله فــــي هذه الساعة ، هذا ماردده
لنفسه أبو علي الغالب . أعترف بعجزه عن مواكبة أو معرفـــــة وكشف خطط المدير
العام ، وعلى الرغم من أعترافه هذا فأنه تمسك أكثر مما في السابق بحذره منه ومــن
سميع المحمود . في تلك اللحظات المشحونة بالخوف والسخط ترآءى له خوفه الـــذي
لم يفارقه أبدا بأن جميع من حوله قد تحولوا الـــــى قطعان مــن الذئاب والضباع التي تحوم حوله لتنقض عليه وتقطع أوصاله نهشا . مع كل المخاوف القديمة ، ومــــع كل
المخاوف الجديدة ، فأنـــــه يمتلك طاقة عجيبة ، طاقة لا حدود لقوتها بالتمسك بالحياة
وبمسراتها وحيويتها .
كان مدركا أن سميع المحمود سيخفي عنه الكثير ممــا دار بينه وبين المدير العام ، لا
لأنه يحاول الحفاظ على أسرار المدير العام الذي لن يفشي أسرارا في ممرات الدائرة
الضيقة التي تتيح للآخرين أن يسمعوا صوته مهما كان خافتا ، وأنما ليضفي على تلك
الجولة التي رافق فيها المدير العام أهمية قصوى. في تلك الساعتين اللتين أستغرقتهما
الجولة ، ولج مكتبه العديد من الموظفين والموظفات الذين يهيمون عشقا بالقيل والقال
وتناقل الأشاعات . سألوه كثيرا عن سر هذه الجولة ، ولماذا لم يرافقهما هو أيضا ؟ .
لم يشبع فضولهم فأجوبته كانت مبتورة وغامضة
أطل في الساعة الواحدة من بعد الظهر سميع المحمود عليـه بوجه ملىء بالبشر ، قال
قبل أن يجلس :
– في الساعة السابعة من هذا المساء لدينا موعد مع المدير العام ؟
سأله ليتأكد مما قاله :
– تعني أنت ؟
– أعني أنا وأنت .
الآن بدأت الرؤية تتوضح قليلا بعد أن تمزقت قليلا طبقات الضباب عــن الموجودات
أمام أبو علي الغالب ، غير أنه رغب بمزيد من الوضوح ، سأله :
– أهو أجتماع ؟
– نعم .
– معنا نحن الأثنين أم هناك آخرون ؟
– لم أسأله هذا السؤال .
– ألم تعرف ماذا يريد من هذا الأجتماع ؟
– من دون شك أنه يخص عمل الدائرة .
– خلال الجولة هل أستطعت أن تقتنص منه بعض المعلومات ؟
– ماذا تعني ؟
– أعني رأيه بك وبي .. رأيه بالموظفين الآخرين ..رأيه بعمل الدائرة .
– لا .
قال أبو علي الغالب بتبرم :
– أذن ماذا كنت تفعل خلال مرافقتك له ؟ .. هذه المرافقة فرصة لمعرفة الكثير منه .
– لم أرد أن أثير شكوكه بأسئلة حول هذه الأمور .
– لقد أضعت فرصة لا تعوض ياسميع .
أعترض سميع :
– لا لم أضع فرصة ، بل كسبت فرصة .
تساءل أبو علي الغالب بدهشة :
– كسبت فرصة ؟
– نعم .. وسترى ذلك هذا المساء .
بدا ذلك المساء لأبي علي الغالب وكأنه قدم مــن أرض سعيدة مجهولة ، لــم يصدق
في البداية أن ما يجري هو الحقيقة ، تصور أنــه يحلم ، فالمدير العام الـــذي تخيل أو
توقع أنه سيبطش به منتقما من أفعاله القديمة ، قد أستقبله فـــــي باب مكتبه ، صافحه
هازا يده بحرارة وساحبا أياه الى الداخل برفق . لم يجلس وراء منضدته بل جلس الى
جانبه . سأله كثيرا عن صحته ، كذلك فعل مع سميع المحمود .فيما بعد ، أعني فــــي
في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك المساء ، كان يصاب بالدهشة عندمــا يسترجع ذلك
اللقاء ، لا لأن المدير العام كان ذا مزاج طري غريب كل الغرابة عليه فهو معروف
بحدة الطبع والخشونة ، وأنما نسيانه هو أبو علي الغالب حذره الذي جعله ينساق فــي
تيار المدير العام بسهولة . هل أستطاع هذا الرجل أن يغسل دماغه ببراعة ؟.
جر المدير العام الرجلين الى حديث طويل عن الواجبات الأساسية المهمة لهذه الدائرة
العملاقة . تحدث مـــن دون مقدمات ومــــن دون مبالغات أو تهويلات ، كانت كلماته
بسيطة ولكنها تصيب الهدف بمهارة وسرعة . بعد نصف ساعة من الحديث نسى أبـو
علي الغالب عزمه السابق الــذي وطن النفس عليــه ، تمامــا مثلمــا نسى حليفه سميع
المحمود كل حسده وحنقه تجاه هذا الرجل . أنخرط الثلاثة فـــي قلب كل أمور الدائرة
العملاقة ونبش أسرارها التي كان المدير العام بحاجة اليها . الحقيقــة أن الثلاثـــة لــم
ينهمكوا في تعرية موظفي الدائرة مـن ملابسهم ومن كياستهم ، فالمدير العام خلال ذلك
الحديث أثبت أنه مستمع لا مثيل له ، كمــا أثبت سميع المحمود أنـــه يجهل الكثير مما
يحدث في الطوابق الأربعة لهذه الدائرة .كان أبو علي الغالب هــو النجم الساطع مــن دون منافس في هذا المضمار . في لقاء المساء ذاك وضع أمام المدير العام أكثر ممــا
كان يأمل في الحصول عليه . كاد المدير العام أن لا يصدق ثلاثة أرباع مــا قالــه أبو
علي الغالب، معتبرا أن ما سمعه لم يكن سوى أفتراءات وأكاذيب، مـن أجــل التشهير
وتلويث سمعة الكثير من الموظفات والموظفين، لولا أن أبا علي الغالب أسند كلامـــه
بأحداث يعرفها الجميع .
باح لهما أنه بحاجة اليهما في القسم الثاني الذي تعصف به الفوضى منذ أن كان رئيسا
له . أخبرهما أن هذه الفوضى قد وصلت أنباؤها مكتب الوزير الذي طلب منه أن يجد
الحلول اللازمة لها . قال لهما أنه يعرف أن لا أحد يحل هذه المعضلة غيرهما ، فهمـا
كان يعملان في هذا القسم ، ويعرفان الكثير من أسراره ومن أسرار موظفيه . سألـــه
أبو علي الغالب :
– هل تعيدنا الى القسم لنشغل وظائفنا السابقة ؟
– لا .. سأفكر لكما بوظائف جديدة ذات صلاحيات أكبر .
ثم أضاف :
– أتصالاتكما بي ستكون مفتوحة ومــن دون مواعيد مسبقة ..مــن أجل الكتمان التام
أرجو عدم أستخدام الهواتف للأتصال بي .
سأل سميع المحمود :
– ما هي واجباتنا يا جناب المدير العام ؟
– أبلاغي عن كل ما هو مخالف للقانون والأصول المرعية .
سأله أبو علي الغالب :
– أهذا كل ما يجب علينا القيام به ؟
– نعم .
سأله ثانية :
– ألا يمكن أن نقدم مقترحات لتطوير العمل ؟
– نعم تستطيعان ولكن ليس الآن .. واجبنا المستعجل والمهم هو وقف هذه الفوضى .
خلال نزولهما السلالم للخروج من الدائرة سأل سميع المحمود :
– فوضى ؟ .. ماذا تعني ؟
أجابه أبو علي الغالب :
– يعني هناك تجاوزات ؟
– حسنا وماذا تعني هذه التجاوزات ؟
– تعني سرقة أموال الدولة .
– أذن جعلنا الحراس الذين يطاردون اللصوص .
– نعم . لذلك يتوجب علينا فتح عيوننا جيدا وعدم تضييع هذه الفرصة .
سأل سميع المحمود بأستغراب :
– فرصة ؟ .. أي فرصة ؟
– فرصة الأستفادة من هذه الحالة ؟
– أشرح لي فأنا لم أفهم ..
– هل نكشف له كل صانعي الفوضى من دون مقابل ؟
– ماذا تعني بالمقابل ؟
– مكافآت خاصة .. مخصصات عمل أضافي ..
– أتعتقد أنه سيوافق ؟
– سيوافق أذا أسندتني ولم تخذلني ..
– لن أخذلك أبدا .
ما كان أبو علي الغالب بحاجة الى هذا التأكيد ، فهو يعرف ان هذا الرجل يرغب مثله
بالكثير ، غير أنه لا يعرف أي طريق يسلك للحصول عليه . وأذن ، عليـــه مـــن هذه
اللحظة أن يكون له الدليل والقائد ، نعم القائد الذي يعرف متى يضرب ومتى ينسحب،
مستفيدا منه لعضويته في الحزب . شعت في ذهنه الى جانب ذلك فكرة دارت طويــلا
ثم خمدت : لجان العمل القديمة ، فهي الوحيدة التي ستهيأ له السلطة والمال .لكن هــل
يمكن الأعتماد على شريكه في تحقيق حلمـه القديم ؟ . كان يشك ، وكان يخاف . يشك
في ذكاء هذا الشريك الذي يحتاج الى الكثير من المفاتيح التي تساعده علـى فتح الكثير
من مغاليق الأمور التي لا يبصرها جيدا ، ويخاف مــن أن يسرقه هــذه اللجان لقـــوة
موقعه الذي يستمده من الحزب . هذا الخوف والشك أوقعاه فــي محنة التردد والحيرة
أزاء تحقيق أجمل الأحلام .
صدر أمرهما سريعا وألتحقا بعملهما الجديد الذي لم يفهماه خلال الأسبوع الأول مــن
شغلهما لمكتب أكبر فـــي الطابق الرابع . أستقبلهما رئيس القسم الثانــي ومساعـــــده
محاولين معرفة أي ريح قذفت بهما الى هــــذا القسم .ألا أن سميع المحمود وأبا علي
الغالب أستحالا الى ثعلبين عجوزين من المحال التغرير بهما .كان الموظفون القدامى
يعرفون علاقتهما القديمة المتوترة مــــع المدير العام ، فأطمأن رئيس القسم ومساعده
والموظفون ، وأعتبروا نقلهما الى قسمهما القديم عقوبة من المدير العام . عرف أبـــو
علي الغالب أن شريكه لا يمتلك القابلية أو القدرة على التغلغل الـــى مــا وراء السطح
الخارجي لجلود الموظفين ، ووجد أنه يتعين عليه القيام بذلك ، موطنا النفس علـى أن
يستغل هذا الضعف لدى شريكه الى أبعد حد . تحرك أبو علي الغالب تابعا أنفـــه مثل
كلب البوليس شاما رائحة فضيحة لهــا القدرة أن تطوح بمساعد رئيس القسم . فكر أن
عليه التأني من أجل أن يحصل على فضيحة أكبر ، خبرته القديمة أشارت عليــــه أن
أن يمتطي هذه الفضيحة لتوصله الى فضيحة أكبر. أخبر المدير العام بورقة دسها لــه
من تحت باب مكتبه المطل على الممر، شرح له فيها كل شىء ، كما شرح له فكرتــه
أو نظريته في أمتطاء الفضائح . أطلق المدير العام صفيرا طويلا عندما أطلع على ما
تحويه الرسالة . علق : هذا الرجل لديه القدرة على قلب نظام الحكم .
لكنه لم يقلب نظام أي حكم ، أنما قلب ما يجري في القسم مــن الأعلى الــى الأسفل أو
من الأسفل الى الأعلى ، لا فرق . زار مساعد رئيس القسم في مكتبه . بعــــد لحظات من جلوسه قال له بصوت واطىء جدا :
– كن حذرا في علاقتك بهدى ، فقد بدأت الرائحة تتصاعـد . أنا أحترمك وأقدرك لذلك
جئت أحذرك.
تحول وجه المساعد الى حمرة ثم صفرة ، ثم قال بصوت مرتعش محاولا انكار ذلك:
– لا تصدق ذلك يا أبا علي الغالب .
أبتسم أبو علي الغالب قائلا :
– تطلب مني أن لا أصدق عيني .
ثم ذكر له لقاءه بها في محطة وقوف الباص القريب من باب المعظم ، ثم ركوبهما في
سيارة أجرة لتنقلهما عبر دجلة الى حي المأمون ،وتتوقف عند باب بيت مقابل جامع .
ثم ختم كلامه وهو يقف :
– كن حذرا فهدى متزوجة وأذا ثارت فضيحة فأن كثيرا من البيوت ستتهدم .
خرج من الغرفة تاركا وراءه عاصفة ليس بمقدور مساعد رئيس القسم أن يهدئهـــا أو
يتحكم بها . عاد الى مكتبه فسأله سميع المحمود :
– هل جرى كل شىء مثلما أردنا ؟
– نعم .
– والخطوة الثانية متى نقوم بها ؟
– لسنا نحن من نقوم بها .
– أذن من ؟
– مساعد رئيس القسم ، لقد تركته مثل قط شبت النار في ذيله ، أنه سيحرق الدنيا .
– وأذا التزم الهدوء ولم يفعل أي شىء ؟
– سنضرب ضربتنا الثانية .
لم يحدث أي رد فعل عنيف أو غير عنيف لدى مساعد رئيس القسم خلال هــذا اليوم .
تساءل أبو علي الغالب أن كان قد رمى حجره فـــي مكان تصوره بحيرة ، ثـــم أجاب
هو على تساؤله : أذا كان الأمر كذلك فأن أحدنا أحمق ، أما أنا وهـذا محال ،وأما ذلك
مساعد رئيس القسم . غير أن تساؤلات أبي علي الغالب ذهبت بعيدا ، أذ أن الرجل قد
تلقى ما يشبه الصاعقة حين تحدث أبو علي عن تلك الفضيحة .
تلقى أبو علي الغالب دعوة من رئيس القسم لزيارته . قال لشريكه وهو يهم بالخروج:
– الآن ستظهر على سطح المياه الراكدة ما تحويه في الأعماق .
أستقبله رئيس القسم ومعه مساعده في مكتبه الكبير. قال :
– قال لي أبو نزار كل الذي جرى بينكما .
قال أبو علي مبتسما :
– لم يجر بيني وبين أبو نزار أي شىء .. أنا حذرته فقط من أمر خطير .
– هو يشكرك لهذا التحذير .
قال أبو علي الغالب متصنعا البراءة :
– ماذا كنت سأفعل أكثر من هذا؟
– ليباركك الله يا أبا علي الغالب . لكننا نخشى أن تثور الفضيحة فعلا .
– من سيفعل ذلك ؟
قال رئيس القسم :
– لا أعرف ..
ثم أضاف بما يشبه الهمس :
– ربما أحدهم يخبر المدير العام .
قرر أبو علي الغالب أن يضرب ضربته فقد أزف وقتها ، قال:
– من المحتمل ذلك ؟
أرتعشت أيدي رئيس القسم ومساعده وعلا الأصفرار وجهيهما . مـــــال رئيس القسم الى الأمام قليلا ليقترب من أبي علي الغالب ، وقال بصوت منخفض :
– أن حفظ أسرار الناس من شيم الرجال الشهمين .
أبتسم أبو علي الغالب قائلا :
– ماذا تتوقع أن أفعل ؟
قال مساعد رئيس القسم :
– أنا صديقك منذ زمن طويل يا أبا علي الغالب .
– لذلك جئت اليك وحذرتك .
لم يصدق رئيس القسم ولا مساعده قول أبي علي الغالب الأخير فهما يعرفانه أكثرمما
يعرفه أحد غيرهما ، كمـــا كانا يعرفــان أن لصمته ثمن ينبغي عليهما أن يدفعاه . قال
رئيس القسم :
– هل نتحدث بصراحة يا أبا علي ؟
– حول ماذا ؟
– حول أشياء أخرى أهم بكثير من موضوع هدى .
– أنا أسمع .
– لماذا لا تدخل معنا كشريك في أمور تجلب لك المال ، صحيح أنــــه ليس كثيرا جدا
ألا أنه ليس قليلا أيضا .
جارى أبو علي الغالب رئيس القسم في خفض صوته :
– أهي سرقة أموال الدولة ؟
– لا .
نظر أبو علي الغالب بعينين مفتوحتين لرئيس القسم ومساعده ليتأكد أنهما لــــن يزجاه
في مشكلة ، قال :
– ماذا في هذا القسم لكي يستفيد أحد منه ؟
قال رئيس القسم :
– هل نطمئن على أنك لن تفضحنا أو تشي بنا عند المدير العام ؟
أحتج أبو علي الغالب :
– منذ متى وأنا أشي بالآخرين ؟
أكد رئيس القسم قائلا :
– الأطمئنان واجب في كل الأحوال فأننا لا نريد أن نذهب الى السجن .
قال أبو علي الغالب :
– أذن الأمر مخالف للقانون ؟
– المسؤولون في الدولة يعتبرونه كذلك ، لكنـــه فــي حقيقة الأمر ليس سوى عمليــــة
تجارية معمول بها في كل دول العالم .
لبس أبو علي الغالب جلد الثعلب لكي يعرف المزيد ، سأله :
– أشرح لي اكثر فما زال الأمر غامضا .
– أنه فائدة مئوية يمنحنا أياه البائعون .
سأل أبو علي الغالب مندهشا :
– هل هذا القسم يقوم بعمليات الشراء ؟
– نعم .
– منذ متى ؟
– منذ قرر المدير العام السابق وقف أستيراد 90% من المواد من الخارج .
بدا أبو علي الغالب وكأن أحدهم قد هوى بمطرقة ضخمة علــى رأسه ، أذ كيف يمكن
لمثل هذا الأمر المهم أن لا يعلم بـه .. كيف ؟.. هـــل أصابه الغباء الــى حد أن رئيس
القسم هذا ومساعده يمرران الذباب من تحت أنفه من دون أن يراه ويحس به . توصل
الى أن الآخرين يمتلكون مهارات أفضل بكثير من مهاراته في الغش والخداع والنهب
وأنه يبدو الى جانبهم هاو غرير. قرر أن يغوص معهم حتى يبلغ القاع الـــــذي يقفون
عليه ..سأل رئيس القسم :
– هذه الفائدة المئوية التي يمنحها لكم البائعون مقابل ماذا ؟
– مقابل الموافقة على الأسعار التي يطلبونها .
وضح الأمر لعيني أبي علي الغالب ، وعرف أين يكمن اللعب علــى القانون والسرقة
في ظله . سأله رئيس القسم :
– هل تدخل شريكا ثالثا ؟
سأله أبو علي الغالب بدوره :
– أيعني أن أحدا غيركما لايقوم بهذا الأمر ؟
– نعم أنا ومساعدي فقط من يقوم بهذا الأمر ، والآن ستنضم الينا .
قال أبو علي متصنعا الخشية والخوف :
– لا أدري فأنا لم أفعل مثل هذا سابقا ، يعني أنني لم أقفز فوق القانون .
قال رئيس القسم :
– أي قفز خارج القانون ؟ .. كل الشركات في العالم تدفع هذه النسبة للمشترين منهــــا
وهناك يسمونها قومسيون .
قال أبو علي وهو ينهض من مكانه :
– أنا خائف .. أعطني بعض الوقت لكي أفكر .
– كما تشاء ولكن لا تتأخر كثيرا ، وأرجو أن تكون مشكلة أبي نزار فـي طي النسيان.
قال أبو علي الغالب وهو يخرج من الغرفة :
– تعرفان أن ذلك قد تم منذ أن عرفت به .
كان الطرفان يعرفان بعضهما بشكل لا يرقى اليه الشك ، فرئيس القسم ومساعده على
دراية أن أبا علي الغالب لا يعدو عن كونه كلبا يضع ذيله بين قائمتيه الخلفيتين حيـــن
يكون فـــي فمه عظم ، وكان أبو علي الغالب يصنف رئيس القسم ومساعده فــي خانة الرجال الأنتهازيين الوضعاء الذين ركبوا موجة الأنتماء للحزب مــــن أجل أن ينهبوا
تحت ظل مشروع . ألا أن هذا ليس من الهموم التي تؤرقه فهو يعرف أن غالبية الذين
هم الآن تحت خيمة الحزب من هذا النوع من اللصوص .
لم يجد سميع المحمود حين عاد الــــى مكتبه ، وظل غائبا حتى نهاية الدوام الرسمي .
شعر بالأرتياح لغياب شريكه ، أذ توفر لديه الوقت في التفكير ، لكنـه تساءل : التفكير
بماذا ؟. كان ذلك السؤال من نافل القول ، أذ أنه وجد نفسه محصورا بين آماله التـــي
علقها علــى مشجب المدير العام ، وأطماعه التـــي أثارها رئيس القسم الثانــي . ليس
محصورا فقط وأنما مطحونا تعصف به الحيرة بين هذين القطبين ، فالمدير العام لـــم
يعده بشىء ، لم يقل له شيئا يطمئنه على تحقيق مآربه في القادم مـــن الأيام ، لقد نجح
في تجنيده تحت لوائه من دون أن يلوح له بأي مكافأة أو أمتياز ، ورئيس القسم وضع
تحت أنفه ما يسيل اللعاب ، فألى أي السبيلين يميل ؟ .
ليس الخوف أو القلق من النتائج هو الذي استولى علـــى تفكير أبي علي الغالب خلال
تلك الليلة ، فهــو يعرف أن بمقدوره صرف أنتباه المدير العام عـــن علاقة هدى بأبي
نزار ، أو في أسوأ الأحوال أقناعه بأنه لا ينبغي عليه التضحية برفيق له فــي الحزب
مـــن أجل أمرأة طائشة ، وأنما يمكنه لكــي يدرء الفضيحة الأكتفاء بنقلها الـــى دائرة
أخرى . لكن ما كان يشد أعصابه ويوترها هو شريكه سميع المحمود الذي بات يشعر
به كحجر طاحون معلق الى رقبته ..كيف السبيل للخلاص منه ؟ .. هذا السؤال هو ما
دار في ذهنه وظل يدور أياما عديدة . خلال كل ذلك الوقت طفت الـى السطح طبيعته
الأنانية والنفعية التي لا تتقبل ان يشاركه الآخرون ما يحصل عليه . الآن بعد كل تلك
الأيام العجاف التي تلت أختفاء اللجان ، يحط علـــى رأسه طير السعد جالبا لــه الحظ
الذي يعده بالمال .. يعده ؟ .. لا أنه قد جلبه معه ، لكن هذا الذئب وقف له في منتصف
الطريق .. أذن ، كيف السبيل للخلاص منه ؟ .. خطر له أكثر من مرة أن يخفي الأمر
عنه غير أنه في كل مرة يبعد هــــذا الخاطر ، أذ أنـــه يعرف أن شريكــــه يمتلك أنفا
مماثلا لأنفه ، يعني أنه مثله يتبع أنفه كالكلب شاما الفضائح ، وأنه سيكتشف مؤآمرته
وأنه سيرمي به وبالآخرين الى مديرية الأمن .
بعد تلك الأيام التي بلبلت رؤوس الكثيرين في الدائرة ، أعني رأس المدير العام الــذي
طال به الأنتظار ، ورأسي رئيس القسم ومساعده اللذين طال أنتظارهما لموافقة أبــي
علي الغالب ، وأنتظار شريكه الذي هاجمته الوساوس مـن جراء صمت شريكه ، بعد
تلك الأيام دعا أبو علي الغالب سميع المحمود الى جلسة على مائدة فـي أحدى خمارات
أبي نؤاس . التقط شريكه أشارته كما لو أنها أشارة لاسلكية .
مع قرع أول قدحين من العرق الزحلاوي بدأ أبو علي الغالب حديثه طالبا مـن شريكه
أن لا يقاطعه الى أن ينتهي من كلامه . بسط كل الأمور شارحا كل النقاط التــي يمكن
أن تتحول الى مشاكل أو عقبات . ختم كلامه قائلا :
– ماذا سيضع المدير العام في جيوبنا ؟
أعترض سميع المحمود :
– أنه مازال في أول أيامه ، لنعطه القليل من الوقت .
– مضى عليه أكثر من أسبوعين . كان يمكنه أن يفعل الكثير في مثل هذا الوقت .
ثم أضاف :
– ماذا ينتظر ؟ أن ينضج الخلال ؟
فكر سميع المحمود بعد أن كرع كأسه المترعة .. قال :
– وأذن ، ما رأيك ؟
– أن نتقاسم ما في دلو رئيس القسم الثاني ومساعده .
– يعني سنخذل المدير العام ونساهم في الفوضى التي يشكو منها .
قال أبو علي الغالب مؤكدا :
– الفوضى التي تأتينا بالمال أفضل من الشكوى منها .
– لكن هل فكرت بالمخاطر ؟
– نعم .
– هل ننجو منها ؟
ضحك أبو علي الغالب رافعا كأسه ثم دق بها كأس سميع المحمود ..قال بعد جرعــــة
صغيرة :
– أطمئن فلست أنا من يضع رجليه في الفخاخ .
قال سميع المحمود وقد أنتشى بكؤوسه :
– لتحيا الفوضى ياصديقي .
خفت حدة نظر أبي علي الغالب التي تراقب مايفعله الآخرون بعد أن أمتدت يده الـــى
باطن دلو رئيس القسم الثاني ومساعده ، ولم يكن فـي الدلو الكثير الـــذي يجعله يشعر
بالرضا ، ولكنه على أي حال أفضل من النهر الجاف للمدير العام . تحولت تلك الحدة
في النظر الى شركائه الثلاثة لكي لا يغدروا بـه ، فهم الثلاثة أعضاء في الحزب ومن
الممكن أن يتفقوا ضده . كان يصغي لكلماتهم فربما ترشح أحداها بما يشير الـــى عدم
أمانتهم معه .
خلال ذلك الوقت الذي مر نسى أبو علي الغالب المدير العام ، أو أنه تناساه لأنه هجر
عالم الآمال الذي عاش فيه عندما قدم هذا الرجل ، والرجل أعطــاه أنطباعـــا منذ أن
ألتقاه بعد مجيئه أنه يشبه حصاة مستديرة ملساء ، وهكذا قرر أن يبعد عنه فهـــو على أي حال يقدم خدماته من دون مقابل . والمدير العام نفسه يعرف ذلك ، كمـا يعرف أن
أبا علي الغالب نهاز ووصولي ولا يقبل بالقليل . خطر في ذهن المدير العام أنــه ليس
من المستبعد أو المستحيل أنه أصبح شريكا للآخرين في فوضى القسم الثاني .
في ظهيرة أحد الأيام أستدعاه الى مكتبه . أستقبلته السكرتيرة بوجه منقلب ، قالت :
– المدير العام ترك لك هذه الورقة .
ناولته ورقة مطوية ، فسألها :
– أهذا كل شىء ؟.. ألم يرغب أن أقابله ؟
– لا .
خارج مكتب السكرتيرة فتح الورقة قارئا ما خط فيها . كان المدير العام قد كتب القليل
من الكلمات التي يخبره فيها أن يهمل موضوع فوضى القسم الثاني . أستولـى الخوف
على أبي علي الغالب .. تساءل : ماذا يعني هذا الذي يقوله المدير العام ؟.. هـل كشف
كل أوراقنا وهو الآن يهيىء الضربة الأخيرة ؟. أنه يعرف هذا الرجل بما يكفي ليعتقد
ذلك ، فهو جاد وحازم وجرىء . كما تساءل : هل أخطأت التقدير يا أبا علي الغالب ؟
أصابه في تلك اللحظات التي أعقبت تسلمه الورقة من السكرتيرة أهتياج لم يمــــر به في ما مضى . عاد الى مكتبه محاولا السيطرة على الأنفعالات التي تجتاحه . لــم يجد
سميع المحمود . سأل فراش الممر عنه فأخبره أنه أستدعي الى الوزارة . سأله :
– منذ متى ؟
– منذ أقل من خمس دقائق .
فكر أنه كان في غرفة السكرتيرة حين أستدعوه الى الوزارة . بدا له أن دوامات لا عد
لها أخذت تدور به في أتجاهات مختلفة ، وأنه فقد السيطرة على التحكم بهواجسه .هل
أعدوا له طبخة ليست له القدرة على أزدرادها ؟.. مــاذا يعنــي أستدعاء موظف فـــي
دائرة من دون أخبار مديرها العام ؟.. رأى الأجواء من حوله قد تلبدت بالضباب الذي
جعله يصاب بالعجز في رؤية الأشياء . قفز من كرسيه الى منتصف غرفته صارخا :
– أنت حمار يا أبا علي الغالب .. كيف أبتعدت كثيرا عن مكتب المدير العام ؟
تلك هي الغلطة التي لا يمكن غفرانها . تراءى له أنه أخذ يتخبط فـي كل ما فعله سابقا
متذكرا ما فعله الرفاق بلجانه ، وأذن هل أعاد الرفاق الكرة ثانية مع دلوه . تذكر انـــه
أهمل مراقبة الآخرين ومسلطا بصره على شركائه . تساءل : ماذا عليه ان يتصرف؟
أشار اليه عقله الملتوي أن يهدأ وينتظر ما تأتي به الأيام ، وأن عليه أن لا يشنق نفسه
بحبله . تلك كانت نصيحة لكن براكين أنفعالاته ستطوح بــه مــن الطابق الرابع الـــى
فضاءات مجهولة . بدت له الدائرة وكأنها الجحيم الذي فتح أمامه كل أبواب دهاليزه ،
فقرر ان يفر من هذا المكان ، عسى أن يسترد سكينته .
قبل أن ينهض من كرسيه دخل مكتبه رئيس القسم الثاني ومساعده بوجهين مصفرين.
شعر أنه يسمع دقات قلبه بوضوح في صدغيه ، سألهما :
– ماذا ؟
قال رئيس القسم بصوت مرتعش :
– ألم تسمع ؟
– أسمع ماذا ؟
– لقد نحانا أنا وأبا نزار من مسؤوليتينا .
أصفر وجه أبي علي الغالب أيضا وسأل بصوت غطس في بلعومه :
– من قال لكما ذلك ؟
ناوله ورقة قائلا :
– هذا هو الأمر الأداري .. أقرأه .
قرأه أبو علي الغالب ثم قال :
– ليست هناك ذيول لهذا الأمر .
سأله رئيس القسم بدهشة :
– ماذا تعني بذيول ؟
– يعني ليست هناك أجراءات تحقيقية أو تأديبية ..أنه أمر أداري عادي .
– وأذن ؟
– تمالكا نفسيكما وأياكما والتهور الى أن تنجلي الأمور .
لم يريهما ورقة المدير العام حتى لا يكشف تواطئه مع المدير العام ضدهما .لم يخرج
من مكتبه وأنما من الدائرة كلها .آمن أن كل الفرضيات والنتائج التي تتولد منها ليست
سوى ترهات أفرزها عقله المسكون بالحمى . كل ما كان يريده هو أن يفهم ، أن يرى
من دون لبس الى أين تمضي به هذه الأمور التي جرت هذا اليوم . تنبه الى أنــه لـــم
يسأل رئيس القسم الثاني ولا مساعده عمن جاء بعدهما .
على السلم الخارجي القصير لباب الدائرة التقى سميع المحمود ، سأله :
– أين كنت ؟
– في الوزارة .
نظر اليه أبو علي الغالب من وراء نظارته الشمسية السوداء الكبيرة ، ساله :
– سمعت أنهم أستدعوك ؟
هتف سميع المحمود مدهوشا :
– أستدعوني ؟. أنا أتصلت بأحد الأصدقاء الذي دعاني لتناول وجبة غداء .
– هل سمعت بأعفاء رئيس القسم ومساعده من منصبيهما ؟
– نعم .
– من من سمعت ؟
– من المدير العام .
سأله محتجا :
– لكنك لم تخبرني بذلك .
– كنت أهم بالخروج من الدائرة حين ألتقاني المدير العام فــــــــي منتصف سلم طابقه
فأستوقفني وأخبرني بالأمر . كنت أظن أنك ستعلم بذلك سريعا .
– هل قال لك من سيكون رئيس القسم الجديد ؟
– لا .
– لماذا لا تكون أنت ؟
أطلق سميع المحمود ضحكة بصوت عال ثم قال :
– أنا ؟.. أنت تعطيني حجما أكبر مما أنا عليه .
– كفاك تواضعا فأنت تستأهل هذا المكان ففي الآقل أنك عضو في الحزب .
قال وهو يواصل صعود السلم القصير لبوابة الدائرة :
– ليس كل عضو في الحزب يمنحونه منصبا مهما .
في اليوم التالي تناقل الموظفون الأشاعة التي أطلقتها سكرتيرة المدير العام :
– سيكون مدير القسم الثاني علي الحسني .
– ولكن من يكون علي الحسني ؟
ردت السكرتيرة بأسى :
– لا أدري .
كان الكثير من موظفي الدائرة العملاقة يعرفونه ..قالوا موضحين للآخرين :
– أنه من الحزبيين القدامى ، وأنه يعمل مديرا لمدرسة ثانوية أو ما أشبه .
في مكتبهما الصغير في الطابق الرابع سأل سميع المحمود شريكه :
– هل تعرفه ؟
أجاب أبو علي الغالب :
– معرفة شخصية لا وأنما سمعت به كثيرا .
– ماذا سمعت ؟
– أهم ما سمعته أن أحد الوزراء في حكومة الحزب من أقربائه .
علق سميع المحمود :
– أذن جاءنا مسلحا بالسلطة .
ضحك أبو علي الغالب :
– لدينا عقلينا .
سأله بدهشة .
– ماذا تعني ؟
– أعني أن بوسعنا وضع المشاكل في طريقه .
– الجميع يقول انه قوي وجرىء وذكي ويجيد الأحتيال .
– هذه صفاتنا أيضا .
– تعني أننا سنجعل منه خاتما في أصبعينا .
– دعه يصل أولا .
– تعني أننا سنعمل معه ؟
– كيف نبطش به أذا كنا بعيدين عنه ؟

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.