صباح هرمز: مسرحيات محي الدين زنكنة في توظيف الرمز للبناء الدرامي (ملف/5)

إشارة :
بعد أكثر من 22 مسرحية رائعة جعلته المسرحي العراقي الأكثر شيوعا في الوطن العربي، رحل المبدع العراقي الكبير “محيى الدين زنكنة” بعد أن رسّخ في حياتنا الثقافية ما هو أهم وهو هذا التطابق الصادق والنادر بين فكره وسلوكه المخلص لعذابات الإنسان العراقي والذي تسبب في مطاردته وسجنه من قبل السلطات القمعية. هو القائل: “أليس المبدع الحق، خارج لغة الغرور والتواضع المصطنع، المقيتتين، هو النهر الذي يستقطر روحه الغنية، مستلهماً حرمانه وهو يحفر طريقه، بين الصخور المتحدية يسقي العطاش، ويروي الظمأى إلى النور والحب والمعرفة”. تتشرف أسرة موقع الناقد العراقي بفتح هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.
أسرة موقع الناقد العراقي
مسرحيات محي الدين زنكنة في توظيف الرمز للبناء الدرامي
صباح هرمز

اذا كانت المقبرة في مسرحية (الحارس = الشبيه) كمكان، ترمز الى العراق، حيث يدفن فيها يوميا شهداء الحرب الايرانية – العراقية، فأن الصحراء في مسرحية (زلزلة تسري في عروق الصحراء) تمثل نفس الرمز، ولكن من خلال ملاحقة المواطن العراقي، وتلفيق التهم به زورا وبهتانا، وكتم صوته، وتعذيبه جسديا الى ان يأتي الى نهايته بشكل بطيء ومأساوي.
وهذه المسرحية تفيض رموزا، ابتداءا من شخصياتها السبع، ومرورا بثيمتها، وانتهاء بالمكان الذي يجري فيه الحدث، ذلك ان المؤلف يتعرض لقضية مهمة وحساسة جدا، ولايستطيع ان يوصل ثيمتها للمتلقي الا عبر هذا الاسلوب، وهي قضية هيمنة الحزب الواحد على الحكم.
اذ ان الشخصيات الست التي ترمز الى النظام: العريف (عبد سليم عبد)، والشرطي1 (عبد عبد سليم) والشرطي2 (سليم عبد سليم) والمدير (عبد عبد مختار) والمؤلف (مختار عبد مختار) والمخرج (عبد مختار عبد)، وكما يبدو من اسمها الثاني والثالث، فأن صلات القرابة تتجاوز فيما بينها حدود العشيرة الى العائلة الواحدة، بالايحاء الى عهد الحكم السابق، كما ان تكرار كلمة العبد في الاسماء الستة، إشارة واضحة الى تمتعها بذهنية واحدة، اي انه مثلما يفكر المخرج والمؤلف ومدير الفرقة، بنفس العقلية يفكر الشرطي الاول والشرطي الثاني والعريف، مطبقا بذلك على نظام صدام، نص الحديث الشريف القائل: (سيأتي زمان يكون فيه القابض على عقيدته كالقابض على الجمر).
وبعد مرور خمس سنوات من كتابة هذه المسرحية، يسقط نظام صدام وتتحقق نبوءة المؤلف:
أما الشخصية الرئيسة: (المعلم/ الممثل) فهو رمز للشعب العراقي وواحد من أفراده المضطهدين، ذلك ان كل كلمة من اسمه الثلاثي توحي الى هذا المعنى، وهذا المعنى يتضح اكثر باجتماع الكلمات الثلاث لاسمه وهي (غريب يوسف علي)، اذ يرجعنا بأكثر من الفي سنة الى الوراء، ويذكرنا بالحقبات التاريخية للخيانات التي مر بها العراق، شروعا بخيانه اولاد يعقوب لاخيهم يوسف، في رميه بالجب، ومرورا بعدم مبايعة الامام علي بن ابي طالب، بعد وفاة الرسول محمد (ص)، وختاما زماننا هذا الذي ارتآى المؤلف ان يطلق عليه اسم (غريب) لانسجامه مع روح العصر، الذي يعني شعور الانسان بالغربة في وطنه، انطلاقا من المفهوم الفلسفي والفكري لطروحات هيغل وماركس لما يسميانه (الاغتراب)، ليمد اواصر الصلة بين هذا المدلول العصري لظلم الانسان وإضطهاده وقهره، وبين ذينك الحدثين اللذين كان لهما تأثيرا سلبيا كبيرا في مسيرة التأريخ العربي والاسلامي على حد سواء.
ولتعميق هذا الربط، يرتأي ان تجري احداث المسرحية، اي المعاناة التي يتعرض اليها الشعب العراقي في الصحراء، حيث جرت خيانة يوسف ابن يعقوب، والامام علي بن ابي طالب، في نفس المكان.
تتكون المسرحية من فصلين، وتبدأ احداثها، بملاحقة ثلاثة من رجال الشرطة لشخص يمارس مهنة التعليم، بدعوى انه ليس معلما وانما ممثلا، وقام بأداء دور ابو الذر في مسرحية (بذرة الشقاق) حيث انه لم يبق على القصد الشريف منها، وعبث الغرض النبيل لها، وذلك بالتمادي على الوالي وعدم احترامه والبصاق في وجهه.
وهي كغيرها من مسرحيات محي الدين زنكنة، تتحدث في ظاهرها عن شئ، وفي باطنها عن شئ آخر، فأذا كانت إناطة دور الممثل بشخصية المعلم، مسوغا لتشكيل لجنة المحكمة المكونة من مدير الفرقة ومخرج المسرحية ومؤلفها، وإتساق هذا المنحى مع البناء الفني للمسرحية، الا ان الهدف الاكثر اهمية منهما، هو إخفاء الهوية الحقيقية لهذه الشخصية وإنتمائها السياسي، وتجنب اعطاء شرعية قانونية للمحكمة، ذلك ان المؤلف في كلا التوجهين، ومن خلالهما، لا يسلك الاسلوب التقليدي والمباشر في تناول ثيمته، بل يتبع الاسلوب الحديث في كتابة النص بأختراقه للجدار الرابع، وقوعا تحت تأثيرات مسرح بريشت، وذلك عبر تبادل الممثلين لادوارهم امام الجمهور، والتمثيل داخل الصالة، واستخدام الرموز والدلالات الموحية.
ان رجال الشرطة الثلاثة واعضاء لجنة المحكمة، التي تلاحقه وتحاكمه، لا تلاحقه وتحاكمه، لانه في اداءه لدور ابو الذر اهان الوالي، وانما بسبب ميوله اليسارية وهروبه من السجن.
ولربما يكون زنكنة، قد استوحى ثيمة مسرحيته هذه، من الحادثة الحقيقية لفرار احد السياسيين اليساريين من سجن (نقرة السلمان)، المشيد وسط الصحراء أبان فترة الستينات.
ودليلي على ان المعلم ليس ممثلا، وانما هو سجين هارب وميوله يسارية هو الحوارات التالية التي تأتي على لسان شخصيات المسرحية
1- العريف: كان ينبغي ان نربطك بسلاسل من حديد ص 262
2- الممثل: أنا الاخر اعرفها (يقصد الصحراء) قد بت اعرفها بفضلكم اعرف ان كل ذرة من ذرات رمالها جحيم لايطاق، ولكن مع هذا تبقى اكثر رحمة وشفقة منكم/ ارحم من سياطكم المزروعة بالدبابيس والمسامير والشفرات من منفاكم الشيطاني الرهيب من قنانينكم التي …. ص 266
3- الثاني: بل هو وطني غيور لا يتعاطى المشروبات الاجنبية، لايشرب حتى ولو قتله العطش… الا المياه الوطنية.. أنا اعرفه.. ص 271
4- الاول: الدم.. هو يعشق اللون الاحمر، بضع قطرات من دمه القرمزي ص 271
5- الثاني: (يركله بعيدا) هذا الماء خص الله به عباده الصالحين لا اعداء الكفرة المارقين. فأنت وأمثالك قد أعدلكم الحمم. ص 272
ولو أعدنا قراءة هذه الحوارات، في محاولة للوصول الى القصد منها، لتبين لنا، ان العريف عندما يقول للمعلم، كان ينبغي ان نربطك بسلاسل من حديد، انما يعني أنه ما كان على ادارة السجن أن تتركه طليقا، ذلك ان سجن نقرة السلمان كان يتبع هذا التقليد مع مسجونيه، بسبب موت السجين الذي يختار الهروب من السجن في الصحراء، أما جملة (منفاكم، الشيطاني) التي يلفظها (الممثل/ المعلم) فمعناها واضح، اذ ان السجن الوحيد الذي يقع في الصحراء هو سجن (نقرة السلمان) المعروف ببعده عن العاصمة بغداد وعزلته عن العالم الخارجي.
ونعت الشرطي الثاني للمعلم بالوطني الغيور ولايتعاطى المشروبات الاجنبية، فمثل هذه العبارات لاتوجه الا الى اليساريين، وهي مسألة معروفة، ولعل معنى هذه العبارة يكتمل في رد الشرطي الاول عليه بأن المعلم يعشق اللون الاحمر، وإتهام الشرطي الثاني للمعلم وأمثاله بالكفرة، وكلمة (امثاله) توحي الى ان المعلم ليس وحده كافرا، وانما هناك من ينضم اليه ويشترك معه ويتبعه بهذه الصفة، أما كلمتا (الاحمر والكفرة) فليس بحاجة الى التعليق عليهما، لانهما يشخصان هذا اليسار ويضعانه في اطاره المحدد، ويتمتع المؤلف بحرفية عالية في رسم سلوك الشخصيات السلبية، ورصد ما يعتمل في دواخلها ومتابعة ما يدور في ذهنها،من خلال التعرض لمواقفها الانتهازية والمتقلبة، بهدف إدانة النظام وتعرية ممارساته الخاطئة باستخدام الصراع القائم لابطاله فيما بينها، او متفردة على منحى ازدواجية الشخصية، وذلك من خلال ابراز جبنها في اوقات ضعفها، ووحشيتها اثناء قوتها، وخستها في حالات ضرب مصالحها، موظفا هذه الازدواجية لخلق نماذج كارتونية وكاريكاتيرية، لا تتحرك الا بأيعاز وأوامر الاكبر منها وبما يثير الضحك والشفقة عليها.
وتاتي في مقدمة هذه الحالات والموقف، تنصل رجال الشرطة الثلاثة من مهمة الدفاع عن المتهم، ولكنهم ما ان يعرفوا بأنها تتمتع بمزايا الكسب المادي، حتى يتخاصمون فيما بينهم، في سعي كل منهم انتزاع هذه المهمة لنفسه، وعندما لا يتوصلون الى حل، تجري القرعة بينهم بواسطة قطعة نقدية.
المؤلف: من منكم يتولى الدفاع عن المتهم؟
الثاني: (بسرعة) انا سيدي القاضي..
الاول: لماذا انت يا ابن عيشة؟ الست الذي بادر الى ….
العريف: بل انا سيدي القاضي (لهما) المهم النتيجة.. والنتيجة ستستقر عندي، لاني اقدم من كليكما في الخدمة.. واعرق…
الاول: ولكني الاكثر تضررا سيدي العريف.. فأنا..
الثاني: وأنا؟ هل تحسبني غير متضرر.. منتفعا مثلا..
ويأتي إغماء المعلم، واعتقاد الشخصيات السلبية الست، بأنه قدمات ضمن ابراز المؤلف لهذه الحالات والمواقف، وذلك عبر توجيه سبب موته من قبل اعضاء لجنة المحكمة الى العريف، لان المتهم كان امانة بين يديه، الا انه بدهائه يستطيع ان يشرك الشرطيين الاخرين في هذه التهمة.
العريف: (يهجم على الاول يمسك بخناقه) هذا هو سيدي القاضي، الواجب يقضي ان اقول انه كان اكثرنا شراسة واشدنا سعارا واذا كان من احد قد تسبب في موته فهو ابن حسينة.
بيد ان اغرب هذه الحالات والمواقف الموظفة بهذا الاتجاه هو ارغام المتهم على تغيير مهنته من المعلم الى الممثل، واجباره على الاعتراف بأنه بصق في وجه الوالي، متمثلا الاول، بعدم اقرار المعلم بأنه ممثل، واصرار القاضي الذي هو المؤلف، بأنه سيقر بذلك ، وتهديده من قبل المدير الذي هو عضو في المحكمة، من الخير له ولأبنه وأبنته (أنيس وأنيسة) وزوجته (رملة) ان يقول بأنه ممثل.
والثاني بشهادة اعضاء المحكمة الثلاثة، المدير المخرج والمؤلف، وذلك من خلال وجود المخرج والمؤلف في الصالة اثناء العرض، واحضار الاول السكريبت المسرحية والثالث لمخطوطاتها والمدير لشريط الفيديو الذي يصور فيه كل ما اقترف المعلم وتطاول على الوالي.
والشخصيات الست السلبية ترمز الى الوالي، او الى الطعان اللص (لافرق) الذي سد بوجه المعلم ابواب الجامعة، وحرمه من الدخول الى حرمها المقدس، وحبسه في هذه الصحراء، بعد ان اتهمه بالبصاق في وجهه، وذلك في ليلة شباطية، وهي ايماءة الى الثامن من شباط عام 1963، حيث اعتقل فيها.
الممثل: انها ست صور مكررة من الوالي بعمامة سوداء وعباءة سوداء ولحية سوداء، استطيع ان اقسم ان لا كرية دم بيضاء ولا حمراء تسري في عروقه السوداء، انها ليلة شباطية غاب فيها القمر، واختفت فيها النجوم … لاتجاريه في سواده..
وعندما تعرف شخصيات المحكمة بأنها سوف لن تجني ما تصبو اليه لقاء ثمن اتعابها، ذلك ان المتهم معدوم من كل شيء، حتى من الدار الذي يسكن فيها، اذ هي ملك لحماته، وقتله يضفي عليه بطولة ويخلق منه شهيدا، عندها باسم الشرع تقرر التحاق الاولاد والزوجة بالزوج حيثما يكون، وهذه هي ايضا ايماءة الى ما كان يجري في عهد الحكم السابق، اذ ترسل الزوجة والاطفال حيث يناضل الزوج في الجبل، ولكن قبل ان يصل الثلاثة اليه، تموت عطشا، ويكف هو عن الحركة، وتزحف عليه الرمال وتغطيه ولا يعود غير مرتفع من الارض، ويأتي صوت من داخل القاعة وهو يقول بلا احساس وبلا مبالاة: زاد كثبان الصحراء .. كثيب.. اي زاد شهداء العراق شهيد آخر…
اذا كان محي الدين زنكنة في مسرحيتي (الحارس = الشبيه) و (زلزلة تسري في عروق الصحراء)، يتعرض لعهد الحكم السابق بشكل غير مباشر وعن طريق الرموز والدلالات الموحية، فأنه في مسرحية (سفن بلا مرافيء) المنشورة في مجلة (بيفين – الحوار) العدد – 8- تشرين الثاني 2001، وبأسم مستعار هو – ئاسوس – يتعرض له بشكل مباشر وعلني، مستوحيا ثيمة المسرحية عن قصة قصيرة لـ تشيكوف بعنوان (وفاة موظف) التي لاتتعدى عدد صفحاتها على الثلاث من حجم القطع الصغيرة، ممسرحا اياها في مونودراما، ارتآى ان يطلق عليها – كوميديا سوداء- تربو على خمس وخمسين صفحة من حجم القطع المتوسطة،
لقد كانت فترة سنوات 1880، فترة صعبة في تاريخ روسيا القيصرية، ومشابهة للفترة التي مربها العراق، بعد استلام صدام حسين للسلطة في عام 1979، فقد كان ذلك عهد استبداد الرجعية في روسيا وملاحقة اصحاب الرأي والفكر الحر. مثله مثل الحكم في العراق الذي ضرب كل مناوئيه بيد من حديد، وقصة (وفاة موظف) تسخر كما جاء في مقدمة كتاب (اعلام الادب الروسي) من عنجهية وضيق افق الرؤساء (البدناء) ومن خنوع وتملق (النحفاء).. وهي تدور حول موظف اسمه (ايفان ديمفر يفيتش) كان جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار الى (اجراس كورنيفيل) وفجأة عطس، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما اذا كان قد ازعج احدا بعطسه. وعلى الفور احس بالحرج، فقد رآى العجوز الجالس امامه في الصف الاول يمسح صلعته ورقبته، وهو الجنرال (بريزجالوف)، الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية فمال بجسده الى الامام واعتذر من الجنرال، الا انه لم يكتف بالاعتذار له لثلاث مرات متتالية في الصالة، بل وعززها بالذهاب الى بيته لنفس الغرض، ليخبره بأنه لم يسخر منه، ولا يتجرأ، لانه بذلك لايبقى احترام للشخصيات وما ان يلفظ الجملة الاخيرة، حتى يطرده الجنرال وعندما يصل الى المنزل يستلقي على الكنبة دون ان يخلع حلته.. ويموت.
يحول المؤلف هذا الموظف الصغير في مسرحيته الى مسؤول الامن السياسي للمدينة، اذ ما أن تبدأ حتى نعرف سبب استقباله من قبل موظفيه وتقديم التهاني والهدايا له، فقد كرم بوسام من قبل القيادة، لشجاعته وإخلاصه ومواقفه المتميزة، واكثر ما تأتيه التهاني على الهواتف، ولانهاوصلت حدا لا يطاق، يطلب من سكرتيره ان يحول اليه فقط مكالمات المسؤولين الكبار، لاعتقاده بأن صغار الموظفين لفرط سذاجتهم وجهلهم بالاصول والاتيكيت، يحسبون كلما أطالوا لغوهم الفارغ كسبوا ود المسؤول بصورة افضل. ولا يتخلص من هذه المكالمات الا بعد ان يدب فيه التعب، وبالرغم من ذلك، ان نشوته الغامرة بما ينتظره من مستقبل باهر، جراء تكريمه بالوسام، تضطره لأن يهاتف زوجته ويبلغها بأن المسؤولين الكبار قرروا إقامة خصلة كبيرة على شرفه ولا ينسى ان يبهجها بأنه سيرسل كل الهدايا التي جاءته بهذه المناسبة، الى البيت في شاحنة كبيرة. ولاخفاء مسحة كاريكاتيرية على شخصيته، يعمد المؤلف الى ان يتأمل هذه الهدايا ويتلمسها ويدقق في بعضها، ويفتح العلب الكارتونية، سعيدا بها كطفل تلقى مجموعة دمى .
واثناء قيامه بتحويل بعض الاوراق الموجودة فوق مكتبه من جانب الى جانب اخر، يعثر على الكتاب الذي يحتوي قصة تشيكوف، والذي سرقه من مكتبة الشيوعي الذي داهمت مفرزة الامن منزله واعتقلته، اذ من هذا الكتاب، تحديدا هذه القصة، تبدأ معاناته، لتنتقل عدوى عطس ايفان ديمفروفتش اليه، ويشرع هو الاخر بالعطس وبشكل مستمر، وفي وقت تأتيه مكالمة من سيادة عبد المهمين، وهو مساعد المدير العام للامن الاقتصادي واكبر منه في المسؤولية، ومازاد الطين بلة، انه اغلق سماعة الهاتف، على ان يهاتفه بعد ربع ساعة، وخلال هذه الفترة تزدحم عشرات الهواجس والوساوس في راسه، بحثا عن جواب لمرد مهاتفة عبد المهيمن، هذه المهاتفة الذي يظن انها في الظاهرة تهنئه، ولكنها في الخفاء شيء اخر، ذلك انه يبغضه منذ ان تزوج زهرة ابنة خالته، وهكذا يبدأ مفعول قلق ايفان ديمفروفتش يلعب سحره، بأنسحابه اليه، ويتصاعد هذا القلق بشكل تدريجي الى ان يبلغ ذروته بذكر الكتاب في الحوار الدائر بينه وبين عبد المهيمن على الهاتف. هذا الكتاب الخالي من عنوانه واسم المؤلف، والاسم الوحيد الموجود فيه هو (ايفان ديمفروفتش).
واذا كان المؤلف في مسرحيته (زلزلة في عروق الصحراء) قد اعتمد على منحى ازدواجية الشخصية في الصراع الدائر بين ابطاله، او مع نفسها، لابراز مواقفها الانتهازية، فأنه في هذه المسرحية لجأ الى استخدام اثارة عنصر المفارقة، عبر اتباع نفس المنحى، للكشف عن مدى خوف وهلع الادنى مرتبة عن الاعلى منه. وتقوم هذه العلاقة على نقل الافكار الدائرة في ذهنه بعكس ما يخطط ويرسم له، ويتمناه.
ولربما من خلال الشعور بهذا النقص، فاق قلق وخوف وهلع بطل هذه المسرحية على بطل قصة تشيكوف ذلك اذا كان ايفان ديمفروفتش قلقا، لانه بصق بشكل مباشر في وجه الجنرال الا ان بطل هذه المسرحية، يفضل ان يختنق، على ان لا تصل رذاذ عطاسه وعبر اسلاك الهاتف الى الاعلى مرتبة منه، وهو عبد المهيمن، مساعد المدير العام للامن الاقتصادي، مع انه قبل حواره معه كان يذمه، ويصفه بالرجل الموبوء، والممتليء بالشر، والخبيث، والقذر، والمتآمر…
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها بموت بطل هذه المسرحية في النهاية بصورة بشعة، لنفس سبب موت ايفان بتروفتش، الذي كان يعتقد مسؤول الامن السياسي للمدينة، انه اكذوبة، ولا يمكن ان يحدث شيء مثل هذا في الواقع بتاتا ولا حتى في الافلام الهندية او المصرية. فأذا به يواجه ذات المصير.
ولعل النفس الطويل للمؤلف في اعطاء مساحات واسعة لابطاله، حتى وان كان بطلا واحدا، كما هو شأن مسرحيات المونودراما، تحديدا في هذه المسرحية، يجعله قادرا على التحكم في سلوكها وتصرفاتها وعدم الانفلات من قبضته الامر الذي يكسب دفقها الدرامي لان يتصاعد بشكل تدريجي وبطيء، الى ان تصل او تكاد حد اشباع المتلقي منها.
وهو في بناء معمار مسرحيته ينطلق من فكرة بسيطة، وبعبارة اصح، يستوحي فكرة بسيطة، ويقوم بنسجها ويجعل منها فكرة غير بسيطة، اي يجعل من المألوف غير مألوف. وهذا ما لا يستطيع بلوغه الا امثال برشيت وتشيكوف.. طبعا لا بمجرد موت البطل في النهاية بسبب الهواجس التي تنتابه جراء العطس، وانما عبر الحبكة الدرامية التي يقوم بصياغتها لهذه العمارة لاستخدام الوسائل الفنية المعدة فيها لهذا الغرض وتوظيفها تحقيقا لها.
وتبتدى هذه الحبكة على مستويين، المستوى الاول في الصراع الداخلي للبطل والمستوى الثاني في النزعة النفسية التدميرية، ويتقدم المستوى الثاني على الاول، اي النزعة النفسية التدميرية على الصراع الداخلي، من خلال انجذاب بطل المسرحية الى الثروة والجاه والمناصب، والصعود الى المراتب العليا على حساب كرامته وعزة نفسه، والتقليل من شأن الموظفين الادنى مرتبة منه، والجهل الذي يتسم به، نتيجة عدم حبه للقراءة وايثار التدخين عليها، وقد بلغ جنوحه للثروة، حدا بلغ، ان يأخذ الهدايا الثمينة والورود المقدمة له بمناسبة تقليده بالوسام، الى البيت، او ان يبيعها، وميله لنيل المناصب، عمل المستحيل، وقطع كل المسافة، حتى لو كانت مليون ميلا، ما دام قد نال الحظوة الكبرى من لدن القيادة، ونعت الموظفين الصغار بالسذاجة والجهل. لاشك ان اجتماع كل هذه المثالب في نفس البشرية، تؤدي الى عدم الشفقة على اقرب الناس، ونفث سمومها على كل ما هو طيب ونبيل، وان تفضي الى القلق، كنتيجة حتمية، خشية تصفيته جسديا من جهة، ومحوما تم جنيه بشتى الطرق من جهة اخرى التي بدورها تؤدي الى المعاناة، اي الصراع الداخلي الذي يعيشه مثل هذا النموذج مع نفسه، وقوعا تحت عبء عقدة الشعور بالنقص.
ويبدأ الصراع الداخلي لبطل هذه المسرحية من لحظة عثوره على الكتاب، لينبني المنحى الاول للحبكة الدرامية لها وهو النزعة النفسية على الورود، والمنحى الثاني وهو الصراع الداخلي على الكتاب، كأول حجرين لبناء عمارتها، كاشفا هذا الصراع النقاب عن مدى جبنه وخسته، والطرق التي يسعى اليها للخلاص من الورطة التي وقع فيها، مع ان الكتاب لا يحتوي سوى على قصة لاعلاقة لها بالوضع السياسي في العراق، لان كاتبها روسي، ولا يتطرق في قصصه ومسرحياته الا للقضايا الاجتماعية، وأول ما يفكر به هو اجبار صاحب الكتاب على الاقرار والاعتراف بكل شيء، بكل ما يتعلق بالكتاب اولا ثم الاشياء الاخرى، واذا ابى وظل على ما يسمونه الصمود، سوف يسلخ جلده، ويخرق امام عينيه عروسه ذات الايام السبعة، ولكنه سرعان ما يتراجع عن هذه الفكرة عندما يدرك بأنه لم يحصل موافقة الجهات العليا، وخوفا من رصد عيون عبد المهيمن المبثوثة له، ووسط هذه الدوامة من الافكار، يفقد رشده، فيهجم على الكتاب في محاولة منه لتمزيقه، الا انه يعصى عليه، فيبدأ بتوجيه السباب والشتائم لـ عبد المهيمن الذي لا يستطيع ان يغفر وان ينسى ابنه خالته التي رفضته وفضلت عليه رجلا غريبا عن الاهل والعشيرة، فراح منذ ذلك اليوم يكيد له ويتربص به، يراقبه ويترصد هفواته، ويتصيد عثراته، طارحا على نفسه السؤال الذي طالما يثار وقت الازمات، وهو ما العمل؟ (من اين اتي للسيد عبد المهيمن بالخطوط والاشارات التي يريدها والتي يتمنى وجودها في الكتاب؟)
ويحاول ان ينفذ مشيئة عبد المهيمن، لكنه يهملها خوفا من ورود مجموعة عبارات او حتى عبارة واحدة تفوح منها رائحة افكارهم التخريبية القذرة، واكثر ما يضايقه هو اصرار وصول الكتاب اليه، ليتولى فحصه واقرار ما يحلو له، سيما وانه غير مسجل ضمن المبرزات التي ضبطت في منزل المتهم، واتهامه بانه هو صاحبه.
ثم يهتدي الى فكرة اخرى، وهي انه سينفي قراءة الكتاب باصرار، وذلك بعد ان يمسح بصماته منه، وبعد ان يلغي هذه الفكرة ايضا، يقرر اخفاءه، وباخفاءه تختفي الجريمة ايضا، في الوقت الذي لاشهود عليه ولا ادلة ضده، ما عدا الكتاب، حيث يبدأ بتمزيقه، لانه لم يتم تسجيله ضمن المبرزات، وبتمزيقه ينتهي منه، ولكن هل تأتي مشكلته الى نهايتها؟ ان مشكلته الحقيقية، بعكس ما يتصور، تبدأ من هنا، من حيث اراد ان تنتهي..
وهنا تبرز امكانية وقدرة المؤلف في رصد وتصوير نماذج من هذا النوع، ليجعل منه فأرا لا يعرف ان يختبأ، وهو يدس اوراق الكتاب بعد ان مزقه في جوف مقعد التواليت، وبين فترة واخرى يسعل ويعطس ويركض نحو الحمام، ويعصر بطنه ويصطدم الحواجز وتفوح الروائح الكريهة من غرفته، بعد ان تتدفق مياه التواليت منها، ويحدو منه، اقرب الى مجنون، وهو يخطف الهدايا واكاليل الزهور، ويدسها في فتحة التواليت، ثم لا يلبث ان يمتليء الحمام، ويواصل تدفق المياه اشبه بشلال صغير، ليتعلق بسلسلة المنعطف ويسحبها بكل قواه. فيسقط خزان المنظف فوق راسه… وتنزلق قدماه.. فيسقط على وجهه.. ليدخل راسه في جوف مقعد التواليت… ويموت هذه الميتة السخيفة..
أما مسرحية (العلبة الحجرية) المتكونة من ثلاث شخصيات، الشاب والفتاة والمرأة العجوز، فأنها تتحدث عن فتاة امريكية في ريعان شبابها، تعمل كخادمة لدى السيدة (روزستون) التي هي في الحقيقة جدتها، لقاء سد رمقها، وكسو جسمها من ثيابها العتيقة، وهي امرأة عجوز في العقد الثامن من عمرها، وقد حبستها في دارها، ولم تسمح لها بالخروج، بعد ان خدعتها وعلمتها ثلاث جمل هي: ان المطر يحرق الجلد تماما مثل حامض النتريك، والشمس تحرق هي الاخرى الجلد، وتجعله مثل جلد الزنوج نتنا على الدوام، وان الهواء خارج المنزل ضار ومخرب لانه يقلع الاشجار والمباني والاسلاك ويحرق الغابات.
وكما هو واضح ان المرأة العجوز، ترمز الى النظام الرأسمالي المهيمن على رقاب الطبقة الكادحة للشعب الامريكي، والمستغل لقوة عملها، والفتاة ترمز لهذه الطبقة، والشاب الى الانموذج الثائر والمتمرد على هذا النظام، وقد استفاد المؤلف من مسرحية (بيت الدمية) لابسن، وقام بتوظيف جانبين مهمين فيها، وهما المعالجة الدرامية لها، ورسم ابعاد ومعالم الشخصيات الرئيسة فيها، متمثلا الجانب الاول في تمرد الفتاة على المرأة العجوز، والخروج من بيتها، كما خرجت (نورا) من بيت زوجها، وهي تصفق الباب وراءها، وذلك بعد ان تدرك الحقيقة، ويوضحها لها الشاب، بأن الحياة ليست كما علمتها سيدتها، وتصورتها محصورة في ثلاث جمل لا تدعو الا على الياس والاحباط والانزواء في زوايا مظلمة، ومتمثلا الجنب الثاني في شخصية (نورا) التي تقابلها شخصية (الفتاة) وشخصية (الشاب)، وتقابلها شخصية (كروجتشاد)، وشخصية (هيملر) مقابل شخصية (المرأة العجوز). نورا بتضحيتها لزوجها وسعادة عائلتها، والفتاة لتقديم نفس الخدمات لبيت جدتها العجوز والانصياع لاوامرها. وإثارة الشاب لمعاناة الفتاة، يقابلها اثارة كورجتشاد السر الذي اخفته نورا عن زوجها ودكتاتورية هيلمر تقابلها دكتاتورية المرأة العجوز.
كما هو معروف ان ابسن في مسرحيته (بيت الدمية) احدث نقطة تحول كبيرة في كتابه المسرحية الحديثة، فبالاضافة الى انه قام ببناء مسرحية (ذات التحليل الرجعي)، استعان بعنصر (المناقشة) كثالوث مكون لمسرحيته بدلا من عنصر (الحل) التقليدي، وقد اتبع محي الدين زنكنة نفس الطريقة في مسرحيته هذه، سواء في الحوار الدائر بين الشاب والفتاة او الحوار الدائر بين الفتاة والمرأة العجوز، لاقناع الشاب الفتاة بتصوراتها الخاطئة للحياة، وإقناع الفتاة للمرأة العجوز، بأن العالم لا يتمثل في بيتها هذا.
واذا كانت المناقشة في مسرحية (بيت الدمية) تبدأ كما يقول عبد الحليم البشلاوي من قول نورا لزوجها: اجلس هذا امر يستغرق بعض الوقت لدي كلام كثير اريد ان افضي به اليك، فأنها تبدأ في مسرحية (العلبة الحجرية) من قول الفتاة للشاب: غلط.. السير تحت المطر اكبر غلط. اتعرف ما يفعله حامض النتريك بالجلد والعظم؟ ورد الشاب: ولكن ما علاقة المطر بحامض النتريك، وبين الشابة والمرأة العجوز، من اول حوار يدور بينهما:
العجوز: ماذا حدث.. الذي يجري في بيتي..؟ من الذي صفق الباب بهذه الوحشية؟ (الفتاة لاتجيب) هو؟ المتحدث؟ تكلمي يا بنت… يا (توميء براسها ايجابا) لماذا لا تنطقين هل قطع لسانك واخذه (صمت) لماذا تحطيم الباب؟ (لا تجيب) متوحش.. ثم ما الذي ابقاه حتى الان؟ لقد اعطيتك الاشارة بطرده منذ فترة طويلة.. لماذا لم تطرديه؟ اظل يطالب بأجره؟
الفتاة: (حابسة دموعها) لا.

مع ان موضوع المسرحيتين، غير متشابهين، لتصدي (بيت الدمية) الى عدم مصداقية الزوجة مع زوجها في المبلغ الذي استدانته لعلاجه، وابلغته بانها قد استدانته من والدها، بينما هي في الحقيقة قد استدانته من شخص اخر، وان موضوع (العلبة الحجرية) يتعرض لانانية المرأة العجوز التي تسعى لان تحتفظ بحفيدتها لخدمتها، وعدم الاحتكاك بالعالم الخارجي، خشية الانصراف عنها، اقول مع ان موضوع المسرحيتين غير متشابهين الا انهما يلتقيان معا في خطوطهما العامة، لا من حيث بناء شخصيات المسرحيتين ومعالجتهما الدرامية فحسب، وانما ايضا في طريقة بناء بدايتهما التي تعتمد على الايقاع البطيء، ونهايتهما بعكس ذلك على الايقاع السريع، وندم كلا الشخصيتين السلبيتين في النهاية، وبالمقابل اتخاذ قرار التحدي من قبل الشخصيتين الايجابيتين عن قناعة.
أن تتمرد الزوجة على الزوج، وتترك بيتها الى الابد، لم يكن امرا طبيعيا، قبل اكثر من قرن، تحديدا عام 1879، وهو فترة تقديم (بيت الدمية) لاول مرة في كوبنهاكن عاصمة الدنمارك، ولعدم طبيعيته، وجهت انتقادات شديدة ولاذعة الى نهاية المسرحية، مما دفع بابسن ان يغيرها بالمصالحة بين الزوجين، ولكن اثبت الزمن، صحة المعالجة الدرامية له، وليس كما ذهب النقاد. وهكذا فأن كلمة (لا) التي تنطقها الفتاة في (العلبة الحجرية) بوجه جدتها، لها نفس الوقع، وهي تتمرد لاول مرة عليها هذا التمرد الرامز الى انتفاضة الطبقة الكادحة على الطبقة الراسمالية، وتعبر المسرحية الاولى لمحي الدين زنكنة والموسومة (الاشواك) عن نفس المعنى، من خلال استغلال صاحب المستشفى للطبيب نوري، في العمليات الجراحية غير القانونية التي يجريها، اذ يثور عليه في النهاية، وهو يحمل بيده المسدس الذي اهداه له، منطلقا نحو المستشفى، واجمل ما في هذه المسرحية، هو عدم ظهور الشخصية المحورية، وهو الطبيب نوري على امتدادها، بالاضافة الى مدير المستشفى.
واذا ما اجرينا مقارنة بين الانتفاضتين، على اساس الانطباع الذي تتركانه لدى المتلقي، اي بين انتفاضة نورا في (بيت الدمية) والفتاة في (العلبة الحجرية) لنجد ان الانتفاضة الاولى، تترك انطباعا اجتماعيا، وهي تحرر المرأة من نير الرجل وعبوديته، والثانية اقتصاديا، لاعالة الفتاة من قبل جدتها لسد رمقها وكسو جسمها.
اما اذا اجرينا هذه المقارنة، انطلاقا من المعالجة الدرامية لكلا المسرحيتين، لنجد ان المعالجة الدرامية لمحي الدين زنكنة اكثر عمقا وتاثيرا، ذلك ان انتفاضة نورا، يلفها بعض الغموض، ويشوبها قليلا من التمويه، فلربما لهذين السببين تكاد تبدو باردة، او هكذا يترآى للمتلقي، قياسا بوضوح وشفافية القرار الحازم والصارم الذي تتخذه الفتاة.
فاذا كانت نورا تكتفي بصفق الباب على زوجها، فأن الفتاة لا تنض ثياب جدتها من جسمها، لتبقى عارية، كما ولدتها امها فحسب، وانما تعمد الى ارتداء معطف الشاب المبلل بمياه المطر، وتحتضنه، وتصفه بـ (كلكامش) ايحاءً الى تطهيرها، وانتمائها الى طبقتها، بحثا عن عمل الخير للمجتمع،
الفتاة: (تخرج وقد ارتدت معطف الشاب، تلقي بالملابس التي كانت ترتديها
على العجوز: خذي الى الشيطان انت وملابسك الحقيرة.
مثلما المؤلف في مسرحيته هذه، لاتبقى شخصياته على اشيائها الغالية، وهي ثياب الفتاة في (العلبة الحجرية)، كذلك ففي (مرافيء بلاسفن) يدوس بطل المسرحية في النهاية على الزهور والهدايا المقدمة له، كما انه مثلما يتعرى شخصية المعلم في مسرحيته (زلزلة تسري في عروق الصحراء) ايحاءً على عودته الى جذوره الاصلية التي هي الصحراء، او الام لافرق، فأن الفتاة في هذه المسرحية، كذلك تتعرى مانحة نفس المعنى.
وعلى الرغم من ان ابسن يعلن من البداية عن موضوع مسرحيته، الا ان الحوار الدائر بين نورا وزوجها هيملر، عن مصروفات البيت، وتوفير النقود، ورغبتها في تحقيق امنياته، الذي يأخذ بحدود ثماني صفحات تقريبا من جحم الفصل الاول، يجعل من ايقاع المسرحية بطيئا ومملا مثله مثل بداية (العلبة الحجرية) مسرحية ذات الفصل الواحد، في الحوار الدائر بين الشاب والفتاة حول المسكن المقصود منه الشاب، اذ يأخذ من عدد صفحاتها البالغة تسعا، صفحة ونصف الصفحة.

على الرغم من أن نص مسرحية (الشبيه = الحارس) المنشور في جريدة العراق نهاية عام 1987، ومجلة ثةيظين العدد -7- هذا العام، لمؤلفه القاص والمسرحي المعروف محي الدين زنطنة ، من النصوص المسرحية القصيرة أو الفودفيلات، كما كان يسمي تشيكوف هذا النمط، الاّ أن المتلقي ما أن ينتهي من تلاوته حتى تقفز الى ذهنه مجموعة من الأسئلة التي يصعب الأجابة عليها، ذلك للغموض الذي يلف دوافع أفعال الشخصيات الثلاث من جهة، والتعويل على ما وراء الكلمة لأعطاء المعنى من جهة ثانية، وإتباع منحى ترك محطات قصيرة للثيمة الجوهرية من جهة ثالثة، مانحاً هذه العناصر مقومات نجاح العرض، لما تتمتع بمزايا بناء العناصر الدرامية المعروفة، كالتوتر والتشويق والتأخير التي تشد انتباه المتلقي وتثير احاسيسه ومشاعره الى الحدث من البداية الى النهاية، بأعتبارها جزءاً من سر العمارة الدرامية، وتقنية فريدة في اسلوب كتابة النص المسرحي والثيمة المطروحة في الظاهر أي على سطح الأحداث شيء، وفي الخفاء، أي تحت سطح الاحداث، شيء آخر.
قد يبدو ظاهراً، أن الثيمة الجوهرية للنص هي عدم رغبة محمود لأَنْ يعمل مساعداً لدى مسعود، بذريعة خشيته من النزول الى حفر القبور، بينما في الحقيقة ان هذه الثيمة ثانوية، وان الاساسية أي المخفية وغير المعلنة، تتمثل في خلق أجواء ومناخات مشبعة بالسوداوية والقتامة، لأيجاد مسوغات تفضي الى موت الحارس ومسعود، وذلك عبر توظيف مجموعة من العناصر الدالة والموحية الى هذا المعنى، وتأتي في مقدمتها أختيار المكان، وهو المقبرة، وهو بحد ذاته أفضل أختيار للدلالة على الموت، ومن ثم المؤثرات الصوتية لهبوب الرياح والعواصف المثيرة للأتربة الموحية الى الكابة، بالأضافة الى اقتران كل شخصية من الشخصيات الثلاث بسمة تشير الى نفس المعنى، أو قريبا منه، كحدة طبع مسعود وسعاله الشديد وغير المنقطع، وعزلة الحارس عن العالم الخارجي، وإصابة محمود بمرض ما في رأسه.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بألحاح:
-ترى لماذا يقود المؤلف شخصياته الثلاث الى الموت، بما فيهم محمود. أضيف محمود الى الشخصيتين الأخريين، الحارس ومسعود، ذلك بالرغم من أنه لم يمت في النص، فهو يعتبر ميتاً، لسبب بسيط وواضح جداً، وهو تقمصه لشخصية مسعود. وها هو: (ينزع ملابس مسعود ويرتديها. يسعل كما كان مسعود يفعل. يشرب ماء. يغسل وجهه يدخن سيجارة من علبة مسعود. ينهض مقوس الظهر. يحفر بهمة ونشاط. لا يكف عن السعال. بنبرات تشبه نبرات صوت مسعود يقول: الحظ لا يطرق الباب دائماً.
ومرد سوق شخصياته الى الموت، هو انطلاقا من تحول العراق في عهد صدام، سيما أبان الحرب العراقية-الايرانية، الى المقبرة، والشعب الى موتى. فحتى الحي فهو ميت، شأن محمود.
ان المؤلف لا يكشف عن أدواته الفنية، بشكل مباشر، وانما يقدمها وفق معايير فنية سليمة، ذلك أنه يثير موضوعا قابلاً للتأويل، وتتعدد فيه الأصوات، وينضوي تحت لواء النص المفتوح، هذا النص الذي يتناول هموم ومعاناة الشعب العراقي في ثمانينات القرن الماضي، ولتحقيق هذا الهدف وتطابق بنية النص مع خطابه، فأنه لا يسير في موضوعه قدما الى الامام، كما هو متبع في النصوص التقليدية، وانما يتركه في محطات ويرجع اليه بين فينة واخرى، وكلما رجع اليه ازدادت قوة معوله في حفر اكثر، وتبعا لذلك اتخذ من هذه المحطات مثلها مثل المفردات الموظفةفي أختيار المكان والمؤثرات الصوتية والسمات الممنوحة للشخصيات دلالات ورموز موحية للموت. ويحوم شبح الموت في النص من بدايته، عبر الجملتين اللتين يطلقها الحارس.
الجملة الاولى: (سبحان ان الذي لا يحمد على مكروه سواه ) ص 239)
الجملة الثانية: (ليتني أملك بضعة أشبار منها تأوي جسدي، اذ يسترد الله أمانته..ولا أظل ملقى في العراء..تفترسني الكلاب السائبة) ص239.
ويرد عليه (مسعود) بعد ان يرنو اليه: أنا أمنحك إياها.
وفي الحوار الدائر بين الاثنين وعقب صفحة واحدة على حوارهما السابق، يسأله مسعود: (ولكن قل لي هل تخشى القبور؟)
والملاحظ ان مسعود تنتابه نوبات من السعال اثناء محاوراته للحارس فيما يخص الموت والقضايا التي تكسب ذات المغزى مما يدل على انه هو الأخر، وهي التفانة ذكية من المؤلف، في طريقه الى الموت شأنه شأن الحارس.
وفي بداية الصفحة (242) تتضح صورة الموت اكثر، حيث يتأمل مسعود الحارس من الخلف ويشير الى طوله دونما يدعه يشعر، يعود مسرعا، يضع علامات على موضع جديد..يباشر الحفر: الحظ لا يطرق الباب دائما، ولكن حين يخطأ ويطرق، يجب ان يكون ثمة من يفتح له بسرعة ويرحب به، قبلما ينتبه ويصحح خطأه).
ان هذه الجملة، حتى ان لم يأتِ المؤلف على ذكرها، فمعنى اشارة مسعود الى طول الحارس، كافية الى المقصود منه، وهو حفر القبر بطوله.
وفي الصفحة (243) يتطلع محمود حواليه بحثاً عن ميت يدفنه: (د..د دفن الموتى. آ آ آ ، اين هم؟ (ثم) كما تشاء ، كما تشاء).
ان جملة (يتطلع حواليه) هي الاخرى اشارة الى البحث عن الحارس لدفنه، لعدم وجود شخص آخر في المقبرة غيره.
وفي الصفحة (245)، وانه كان الحوار يدور حول هادي، وهو صاحب مقبرة اخرى، الاّ ان المقصود منه هو الحارس، ذلك ان لا فرق بينهما من وجهة نظر مسعود، اذ كلاهما كلبين جشعين)
مسعود: بل هو ذلك الكلب الفاطس، لابد أن أدفنه بيدي، ذلك قبره لن اردمه الاّ بجثته الملعونة..وعن قريب..قريب جداً، بأذن الله..أنظر (يذهب) الى احد القبور، ينزع عنه غطاءه، تغلبه نوبة السعال..)
هـ.. هنا أدفنه..ان شاء الله (يسعل بحدة).
وبامتداد وتعميم الرموز والدلالات الموحية الى الشخصيات ، يكون زنكنة قد اكمل لعبته ،وكشف عن لغته المسرحية الرامية الى تطابق بنيته مع خطابه ، بالاشتغال على النص من خلال السيمائية (العلامات المسرحية). والبنية هي الدلالات والرموز الموظفة في العناصر الثلاثة للنص وهي :
المقبرة ، ومحطات الثيمة والشخصيات ، والخطاب هو الموت ، وذلك عن طريق استخدام اسلوب الغموض الذي يلف افعال هذه الشخصيات، فمحمود لا يرغب بالعمل في المقبرة ولكنه رغم ذلك ، فقد جاء اليها ولو متاخرا . اذن ما هو دافع وجوده فيها ؟
هل جاء ليخبر مسعودا بأنه يخشى النزول الى حفر القبور ، لذالك قرر البحث عن عمل اخر؟
هذا مايبدو عليه في الظاهر و لكن في الباطن ثمة دافع اخر جاء من اجله الى المقبرة وهذا الدافع يتضح اكثر بعد ان يتلقى العطف والحنان من مسعود مع انه كان موجودا في الاصل الا انه لم يكن بهذا الوضوح ، ووجد محمود في جلب الرزق الى مسعود ، بسبب شحة الموتى ، افضل وسيلة لتنفيذ هذا الدافع ، اي للغرض الذي جاء من اجله وهو قتل الحارس .
الحارس :لو .. ترسل لي الولد محمود .. حين ياتي
مسعود: لن ياتي (يسعل)ثم انه ليس ولدا ،محمود رجل (تاخذه نوبة سعاد )
الحارس :ما كنت اقصد..ان..
مسعود:انه في العشرين من عمره ، ولولا ما اصابه لكان الان مهندسا له شأن .
(ربما قد تكون هذه الجملة اشارة الى اصابته في الحرب العراقية الايرانية )
الحارس : صحيح اعانه الله وأعان والديه .. لقد هجمت عليهم الكوارث دفعة واحدة بلا رحمة ولاسيما هو المسكين (يشير الى راسه) .
مسعود : (بحدة) محمود ليس مجنونا (الحارس يسكت)ماذا تريد منه ؟
الحارس: (مترددا)لاشيء..لاشيء
مسعود:كنت اود ان يشتري لي علبة سجائر.
مسعود :محمود ليس خادما .
كما هو واضح في هذا الحوار ارتياب مسعود بسلوك الحارس تجاه محمود ، سعيا لاستغلاله جنسيا ،ولكن يترجم محمود هذا الشك الى اليقين عندما يسال مسعود عن سبب مجيئه الى المقبرة بعد منتصف النهار ، بتطلعه حواليه ، وقوله :دفن الموتى ..دفن الموتى ..ين..هم..(كما لو كان يبحث عن الحارس لقتله).
ويلف الغموض افعال شخصية مسعود ايضا ، وذلك من خلال العطف على محمود من جهة ، وطرده من المقبرة من جهة اخرى ، ونفي مجيئه وارساله الى الحارس ، شان افعال شخصية الحارس الذي يبلغ مسعودا في بداية النص بانه ، سيتدبر حاله في شراء السيجائر فاذا به يعود في النهاية ، طالبا من محمودتلبية دعوته هذه ، وبالربط بين عدم مجيئ محمود على حد قول مسعود، و مجيئه ، و بين عدم مبالاة الحارس بشراء محمود علبة السجائر له ، ومبالاته ، يلف الفعل الدرامي ويدور وسط هذه التناقضات ، لاماتة الشخصيات الثلاث ، ذلك ان الهدف من الفعل الاول هو ، صرف الحارس عن التفكير بمحمود ولكن رغم ذلك ، فان مسعودا هو الذي يبعث بمحمود الى الحارس، حيث يقوم بقتله ، والفعل الثاني المتمثل بمجئ الحارس في النهاية ، بالضد من تصريحه الاول ، كان دافعا لموته وموت مسعود اي ان دوافع افعالهما الغامضة هي التي التهما الى المصير المشترك وكان محمود ضحيتها.
ان الحوار الدرامي ليس محصورا في الكلمة التي تقال ، ومالايقال هو باهمية ما يقال نفسه ، بل كثيرا ما يكون اكثر اهمية ، وهذا ما حصل في موت محمود الذي لم يفهه المؤلف.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *