روايات مترجمة: (6) الراكض على حافة البحر
(من الأدب القرغيزي) جنكيز آيتماتوف
ترجمة: د. عباس خلف
قراءة: ناطق خلوصي

اجتهد الدكتور عباس خلف فاخنصر عنوان رواية ” الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر ” واكتفي بالعنوان المختزل ” الراكض على حافة البحر ” وهو يترجم هذه الرواية لجنكيز اينماتوف الحائز على جائزة لنين وجائزة الدولة عن مجمل أعماله السردية .تتناول هذه الرواية التي صدرت ترجمتها عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 1991 وجاءت في مئة وثلاثين صفحة، موضوعة صراع الانسان مع الطبيعة وتذكرنا بعض أحداثها يرواية همنيغواي ” الشيخ والبحر “، لكن حيث كان سنتياغو ” الشيخ والبحر” يواجه الطبيعة : البحر وأسماك القرش لوحده ، كان ثمة أربعة أشخاص يواجهون البحر والطبيعة بقسوتها المتناهية ويستسلمون للضعف ويغادرون قاربهم واحداً بعد الآخر مفضلين الموت باسنثناء الصبي كيريسك الذي أنقذنه الطبيعة نفسها .في رواية ايتماتوف كان الرجال الثلاثة في رحلة لتدريب االصبي ” كيريسك “على الصيد في البحر وفقاً لتقاليد العشيرة وكان كيريسك هذا في الحادية أو الثانية عشر من عمره بصحبة شيخ العشيرة ” أورغان ” الذي يدعى الجد ، ووالد الصبي ” امرايين ” وابن عم أبيه ” ميلغون”في قارب وقد تم تزويدهم بماء ومؤونة تكفي لأيام الرحلة التي تهدف إلى صيد الفقمات . الكلب الأبلق خليج استمد اسمه من ” رابية صخرية مائلة نحو البحر وكانت تتميز عن عداها، وهي تشبه من يعيد كلباً أبلق ضخماً ، يركض عند حافة البحر لبعض شؤونه ” ( ص 10 ) (والأبلق في اللغة هو الذي يجمع بين اللونين الأبيض والأسود) . كان الجد أورغان ، وبحكم مكانته وسعة تجربته ، يدير دفة القارب وله الكلمة العليا في توجيه الرجلين المكلفين بمهمة التجذيف وكان بسعى لتدريب الصبي على الصبر والتحمل بما يمكنّه من أن يكون صياداً ماهراً يوفر لقمة العيش لعشيرته في المستقبل . وكان هو الذي ” قام بصنع القارب بوحده . ومنذ ذلك الوقت وهو يعرف بأن هذا القارب سيكون الأفضل بين القوارب التي صنعها في حياته ، لاسيما أنه ظل ثلاثة أصياف يجففه وينجره ” ( ص19 ) . وكان يحدّثه مثلما يحدّث أي رجل . كان كيريسك يراقب بعين يقظة فيرى أباه وابن عم أبيه يجذفان: ” ولم يكن يرى وجهيهما ، إذ كانا جالسين وظهراهما نحوه ، ولكنه كان يرى أكتافهما وهي تتقلص وتنبسط. كانا نادراً ما يتبادلان الحديث ” (ص 24 ) ، وكان هو يلوذ بالجد ، لكنه حاول التجذيف فكان أبوه وابن عمه يتركان له المجذاف لكي يتعلم لكن قواه ، قوى صبي ، لم تسعفه كثيراً . أكتشفوا موقع الفقمات وحمل أمرايين البنادق ونزل الثلاثة تاركين الجد مهموماً بحلم حورية البحر . زحفوا على الأرض وهم يتسللون إلى مرقد الفقمات واصطادوا واحدة . ووقعت الواقعة : ” كان جدار رمادي من الضباب الكثيف يزحف في البحر نحوهم سادّاً نصف الأفق تقريباً ” ( ص62 )وبدأ موقف الذين في القارب يضعف شيئاً فشيئاً وقد اقتحمه ماء البحر فتخلصوا من صيدهم .كانوا يأملون أن ينقشع الضباب : ” لكنه لم ينقثع ، ولم يبد في نيته انه سينقشع. لم يكن يتحرك ، وبدا كأنه شيء رهيب لا يعقل ، كائن خرافي من عالم آخر ، ينفث رطوبة قارسة قد ابتلع الكون كله : الأرض والسماء والبحر “( ص73). وأخذ ماء الشرب يشح لدى الأربعة وصار الجد يقتصد في السماح لهم بالشرب ويمنعه عن نفسه .
يوظف الروائي الأسطورة في روايته بدءاً من حكاية بطة ” لوفر “التي تقول الاسطورة انها هي التي أنشأت اليابسة : ” حطت البطة ” لوفر ” على الماء ، وانتزعت من صدرها ريشات وصنعت منها عشاً ومن ذلك العش الطافي بدأت اليابسة تتكون . وشيئاً فشيئاً كبرت اليابسة وشيئاً فشيئاً صارت تقطنها المخلوقات وكان الانسان بينها وفاقها جميعاً ” ( ص 9 ) . ويشير بهذا الصدد إلى قصة الصياد الأعرج وحورية البحر التي اصطادها وحملت منه وكان الجد اورغان يحلم بحورية البحر كثيراً ،” وكما كان أورغان يؤمن بحورية البحر ، فقد كان يؤمن أيضاً بأن البحر يصغي إليه ” ( ص 42 ). وحين ضاق الأمر يالأريعة وشح الماء والطعام ألقى نفسه في البحر بحثاً عن حورية البحر لعلها تنقذهم .
وبلغ اليأس حده الأقصى لدى الأب وابن عمه فألقيا نفسيهما في البحر انتحاراً في موقف انهزامي غير مبرر ووجد الصبي نفسه وحيداً في ظل معاناته من الجوع والعطش ، على الرغم من أنه ظل يردد ما كانت أمه قد علمته في طفولته بأن يدعوالفأر الأزرق لكي يعطيه قليلاً من الماء وفق الأسطورة الشعبية التي كانت سائدة . وفجأة تغير الموقف : “كان الوقت منتصف النهار أو بعده بقليل . هكذا خيّل لكيريسك استنتاجاً من لون الضباب المائل إلى الاشراق. إذن فالشمس تسطع في مكان ما في قبة السماء ” ( ص120) ، عمل بنصيحة الجد ، في انتظار مرور البومة القطبية على البحر ليستدل من طيرانها على اتجاه الريح. ومرت البومة القطبية فوقه: ” كان الصبي مذهولاً .. فالنجوم والقمر والريح والأمواج هي الحياة والحركة….. لقد تحرك الضباب العظيم وخرج من جموده وأخذ ينتشر في الدنيا تسوقه الرياح والأمواج “( ص 123 ) .وظلت الرياح والأمواج تسيّر القارب . “نظر كيريسك إلى الأمام ثم فرك عينيه مذهولاً . فمن خلف منحنى مياه البحر الخضراء الداكنة سبح نحوه مباشرة الكلب الأبلق . كان الكلب الأبلق يركض لملاقاته ! الكلب الأبلق العظيم ! ” ( ص 129 ) ، بما يومىء إلى أنه وصل ديار أهله.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *