د.صالح الرزوق: الأدب والسياسة: قراءة في كتاب “من أدب السجون” لحسين سرمك حسن

يبدو لي الفصل الأول من كتاب “من أدب السجون العراقي” للباحث الدكتور حسين سرمك حسن* وكأنه عمل إبداعي بحد ذاته. أو بتعبير أدق هو فوق نص وليس ميتا نص، باعتبار أنه عقد حوارية جدلية ناقدة بين الجاني والمجني عليه. وهنا في هذه الحالة هما الجلاد وضحيته أو السجان والمسجون. ومع أن الموضوع يدور حول تجربة الاعتقال السياسي كما رواها الكاتب العراقي شاكر خصباك فإن النظرة النقدية حولت المشكلة لمستوى الغرائز والشعور الباطن، وحصرت كل همها في تحليل جوانب خفية وغامضة من نفسية مستويين من مجتمعات التخلف (ولا أستطيع أن أحدد هويتها أو جغرافيتها). فالناقد كان يهتم بميول الأفراد ورمزية هذه الميول أو بمعناها الشامل والموضوعي من الحالة الوجودية. وعليه تستطيع أن تلاحظ أنه انتقل من السياسة لمجال الأخلاق العامة والسلوك أو الدور الوضعي للأفراد في مجتمعات كافكاوية، وتتصف بكل ما يتصف به الشرط الإنساني. وهذا التحويل يتكرر في الفصل التالي الذي يدور حول قراءة سياسية لشاعر الحداثة المغدور به “محمود بريكان”. لماذا اختار الدكتور سرمك هذا الشاعر بالذات للكلام عن تجربة السجن في الشعر؟؟. إن رمزية بريكان لا تختلف عن رمزية توفيق صائغ مؤسس مجلة حوار. لقد ظهر الاثنان بنفس الظرف التاريخي، واختارا محاربة الركود الفني الذي خيم على الساحة االعربية، وربما كانت ظاهرة القلق التي أحاطت بهما لها نفس المنشأ أو الأسباب. كلاهما كان له هم معرفي ولكن مع فروقات بسيطة. فقد غلبت قضايا النخبة على الصائغ بينما غلبت الحالة الاجتماعية على بريكان. ومع ذلك وضع القدر لهما نهاية مأساوية متطابقة: قتل الأول نفسه نتيجة اكتشافه لعمق جرحنا الحضاري ورداءة لعبتنا السياسية. ولقي الثاني مصرعه على أيدي لصوص عاديين كما ذكرت التحقيقات. بتعبير آخر كانت الجناية الأولى نتيجة سيناريو من الجهات العليا. بينما ثاني جناية هي حصيلة سيناريو البنية التحتية.

وأعتقد أن أي قراءة فنية لحساسية بريكان في الشعر ستقودنا لوضعه في سياق مغامرة الحداثة المبكرة، ونبوءتها حول مأساة جيل العشر سنوات (1955 – 1965)، وهو الجيل الذي بدأ مع حروب الاستقلال وانتهى لشكل من أشكال الانقلابات العسكرية. في تلك الفترة كانت السياسة جزءا لا يتجزأ من حياة كل مواطن، فما بالك بكاتب وشاعر من الطليعة!!. والحقيقة إن أفضل من يمثل أدب المعتقلات في تلك المرحلة هو الشاعر سعدي يوسف.

فهو أقرب للتجربة النضالية بمعناها المباشر، وكل قصائده يحدوها تفسير سياسي لكل نشاط الإنسان، من المأكل والملبس وحتى طريقة اختيار الحبيبة وترتيب السرير من أجلها. وبمقارنة “متاهة الفراشة” لبريكان (وإعداد باسم المرعبي) مع “إيروتيكا” ليوسف ستلاحظ هموم الحياة اليومية وهي تضرب رأس بريكان بمطرقة ثقيلة، بينما يتعايش يوسف مع أفكار حزبه وأوهام تحولاته الإيديولوجية. وإن كان لدى بريكان قصيدة عن السجن فإن شعرية يوسف هي جدل مستمر بين وجود الإنسان وشرط الحرية، وروايته اليتيمة “مثلث الدائرة” ليست إلا محاولة للهرب من عدة سجون ومعتقلات: المجتمع والطبيعة والنظام. بعبارة أخرى تبدو لي شعرية بريكان أشبه بتآلف مع الوضع الجائر لبلاده أو تعايش مع حالة ندرة. في حين أن شعرية يوسف هي محاولة لكسر هذا التآلف. وأضيف إنه أفضل من أستاذ الجيل نزار قباني بهذا الخصوص. لم تكن لنزار قضية سياسية بل خصومة مع سياسيي مرحلته، بينما كان لسعدي هم كوني مع أخلاق السياسة وشروطها.

باختصار لا أستطيع أن أتخيل بريكان شاعرا سياسيا، والقصيدة التي اختارها الدكتور سرمك تخلو من صدوع الوجدان التي تراها في بكائيات أبي فراس وهو في السجن الحربي في القرن العاشر. وقل نفس الشيء عن أنشودة الحرية لنجيب الريس والتي يقول فيها: يا ظلام السجن خيم / إننا نهوى الظلاما. ومثلها قصيدة محمود درويش: زنزانتي / وجدت على سقفها وجه حريتي. وإن كان لا بد من تصنيف شعر البريكان فهو يأتي في خانة الشخصيات القلقة. وقد انتبه الدكتور سرمك لذلك حينما وصفه بعدة صفات منها الإنكار (نفي الحالة وإعلان براءته منها)، والنميمة أو الفضائحية (باختيار عناوين طويلة لا تترك لذهن القارئ أي مجال للتكهن)، والوأد (أوالدفن قبل الأوان). وهو ما يسميه الدكتور سرمك: الإلقاء أو مقلوب أسطورة الإنقاذ الأمومي. وإذا أضفنا لما سبق أن السجين لم يكن لديه اي أجندا أو أي نشاط حزبي، وكان يراقب العالم على طريقة أبطال هنري باربوس (من خلال نافذة عليها قضبان) نستطيع القول إنه شاهد على عصره وليس مشاركا فيه. لقد كانت توجد مسافة فاصلة بينه وبين حركة العالم الخارجي، مثل المسافة التي تفصل أي مشاهد في صالة السينما عن شاشة العرض. حتى أن الدكتور سرمك وجد في شعرية البريكان (والكلام له حرفيا) عينا سينمائية. وإذا تابعنا قراءة الدكتور سرمك يمكن أن نستنتج معه الاستنتاجات التالية:

1- أن شعرية البريكان درامية بامتياز وتقوم على المراقبة والمناجاة أو الخطاب من طرف واحد (الاكتفاء بالنشاط الذاتي مثل أي مصاب بمشكلة العادة السرية).

2- النظر لوجوده الشخصي على أنه ضعيف وعرضة للانهيار ويغلب عليه التردد (الإقبال والإدبار بتعبير الدكتور سرمك).

3- المشكلة في الأساس هي مشكلة مع الحرية ونابعة من شرط وجودي وليست مجرد صدفة أو محنة مؤقتة.

4 – الاحتراق بنار الشك والتشاؤم.

5- التفكير بالموت والعدم والخوف من الفوضى وتهديد نظام أو ناموس الحياة.

وهي أهم الصفات التي يعزوها كولن ولسون للمثقف البورجوازي الذي لا يفهم نفسه وبالمقابل لا يفهم عالمه.

لم يستغل البريكان أزمته لتعرية نظامه الجائر أو لتعرية ظروف واقعه المزري. بل بالعكس كان مستسلما لتيار الأحداث مثل أي إنسان مشلول الإرادة. وما يزيد الطين بلة أنه اكتفى بالركون لموضعه في القطار ومراقبة العالم وهو يجري من حوله. وهذا آخر شيء يمكن أن تتوقعه من أي سجين رأي: أن يكون حجرة جامدة في عالم يتآكل أمام عينيه. وتذكرني هذه الصورة بأدباء ما بعد أوسلو (كمحمود الريماوي مثلا). إنهم يختلفون مع عالمهم دون أي محاولة لتصحيح أخطائه. بتعبير آخر ينظرون للحياة كأنها لغز يصعب حله، حتى أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء التفكير بسبب لهذه الحالة. والإشارات المتكررة في قصيدة البريكان للقيود والحديد والسجان لا تختلف عن إشارة أي إنسان ضعيف يقف وراء حاجز زجاجي حسب فلسفة سارتر أو مالرو. إن الخلاف يبدو هنا مع الشرط البشري أو ما يسميه سومرست موم “الغل البشري”. وهو موقف عام من وجود محكوم عليه بالخطيئة والندم ولا علاقة له بالخلاف مع السلطات. وبوجيز العبارة إنه موقف فلسفي من الحياة وليس موقفا سياسيا من النظام. وكل كلمات بريكان في القصيدة استبدالية وليست تحويلية، بمعنى أنها تحتل مرتبة مجاز أو رمز وليس مرتبة تمثيل أو صورة. ويمكن تعميم نفس الكلام على الفصل الخاص بمناقشة رواية (المسافة) ليوسف الصائغ. لقد ظهرت الرواية في عام 1974 في دمشق، وعلى الغلاف عنوان فرعي هو (قصة جديدة). ولك أن تتخيل من هذا المدخل طبيعة موقف الكاتب من نصه. فهو لم يكن مهتما بالجانب السياسي قدر اهتمامه بالمشكل الفني. وسمعة الصائغ أساسا مبنية على معادلة أخلاقية وهي دور الندم بعد ارتكاب الفواحش. وإن سألت أي مثقف عراقي عن يوسف الصائغ ستحصل على جوابين: كاتب حداثي ومتذبذب. وقد ناقش الدكتور سرمك بكثير من التفاصيل موضوع التبرؤ (التنصل من الهوية السياسية) والاندماج بالمؤسسة الحاكمة. ولكنه لم يقترب من دور هذا التلون في أسلوبه. كان الصائغ على أغلب تقدير يصارع أقداره مثلما هو يصارع التقاليد. وانتفاضته على الأشكال الأدبية الملتزمة هي طريقة لتنظيف سمعته، وبنفس الوقت للتعويض عن الخوف من الاحتراق بنور الحقيقة. فالإنسان الذي يكره سحنته لا يطيل الوقوف أمام المرآة. ومثل هذه الدرامية على الصعيد الفردي تشير غالبا لخلع ذهني، وخير من يعبر عن هذه الحقيقة موقف الوجوديين من وضع البشرية بعد أن دمرت نفسها، ثم تنصلت من الإذعان لغسل الضمير بواسطة الاعتراف المسيحي. لقد حاولت البشرية بعد عار الحرب أن تجمل وجهها السادي بمكياجات الحداثة. وهذا لا يعني أنها لم تكن تعرف الحقيقة، لكن اختارت أن تعكس أسلوب قراءتها لها. فوضعت الأمنيات مكان الواقع المجرد، وجاهدت بقدر ما تستطيع لاختراع عداوات مفتعلة توجه اللوم نحوها. وكان الملام في حالة الصائغ التقاليد البالية (في المجتمع) والسكون الفني (في الكتابة). وقد ساعده ذلك على الانفصال عن ماضيه واللجوء لحالة مرجأة تمنحه بعض الوقت لاستعادة توازنه. إن الصائغ شخصية مضطرية ثانية، لا تسهدف النظام الجائر، بل جملة الأفكار الجائرة التي تمنعه من احتلال موقعه الطبيعي بين النخبة**.

وكان علينا أن ننتظر الفصل الثالث الخاص بشعرية قصائد رعد مشتت للتعرف على طبيعة وموقف المعتقل من مشكلته مع النظام الحاكم. وفي قراءة الدكتور سرمك لمشتت يمكن أن تعايش تجربة معتقل من داخل آلة القمع الرهيبة والتي خصها كافكا بمسرحية من أجمل ما كتب في الأدب الحديث عن العقوبات وآليتها وأسلوبها البشع في النيل من إرادة الإنسان وتدميره بشكل ممنهج وبطيء. وهي “في مستعمرة العقوبات”. إن الآلة التي تخيلها كافكا لإيقاع وتطبيق الألم على سجناء الرأي لا تختلف عن زنزانة رعد مشتت بشيء. ومن هذه التجربة يمكن أن نتوصل لحقيقة أساسية عن أدب السجن: أنه رؤية جزئيات وليس كليات، ومتابعة لتآزر التعذيب مع الشعور بالوقت وهما يقضمان حياة البشر. بمعنى آخر إن أدب السجون الناجح (أو إن شئت الحقيقة المعبر والناقل للمعنى والعبرة المرجوة منه) هو أقرب لأدب المذكرات. وتستطيع أن تلاحظ هذه الحقيقة فيما كتبه سولجنتسين عن معسكرات الاعتقال في روايته الشهيرة (يوم من حياة إيفان دينيسوفيتش). ومثلها (قصص كوليما) للسوفييتي الذي توفي في موسكو من جراء معاناته مع المعتقلات وهو فارلام شالاموف. وهذا يفسر أسباب وجود كم هائل من مذكرات السجناء السياسيين بالمقارنة مع الأعمال الإبداعية، هناك مقابل كل 10 – 15 كتاب مذكرات تجد عملا إبداعيا واحدا. وأنا مع الدكتور سرمك أنه كلما زادت درجة القمع في مجتمع قلّت الأعمال الأدبية التي تتكلم عنه. وهذه مفارقة (بتعبير الدكتور سرمك أيضا) لكنها ليست عجيبة نظرا لاقتران الجور السياسي بالرقابة العاتية. والرقابة هي السبب في انتشار ظاهرة الترميز وأدب الإبهام (أو ما نسميه نحن في بلادنا المنكوبة الحداثة). وتستطيع أن تلاحظ انتشار ظاهرة كافكا بين أدباء المنظومة الاشتراكية والعالم الثالث أكثر من انتشارها في الغرب. لقد تسللت كوابيسه وأدواته الرمزية لبلادنا بعد عام 1960. أو بلغة الأرقام بعد انقلاب عبدالناصر في مصر وإحكام قبضته على وسائل النشر والإعلام (ابتداء من عام 1954). وفي فترة تهيئة الأجواء في سوريا والعراق لدخول حزب البعث على الخط وتأسيس ما يسمى مكتب الإعداد السياسي (منذ عام1963 وما بعدها). لم تترك هذه السياسات الوطنية (في حينه) أي هامش للكاتب ليفكر. وكانت تتدخلبخاتمة النص وبعلاقات الشخصيات التركيبية لتلائم اتجاه النظام. ومن البديهي أن نجد نفس المشكلة في عموم أرجاء الاتحاد السوفياتي. كانت درجة نجاح أي كاتب تتوقف على مقدار التزامه بالتعليمات وليس بالواقع الحقيقي والمجرد. والمهزلة أن هذه المدرسة حملت اسم : الواقعية الاشتراكية. وقد ناقش صنع الله إبراهيم هذه المأساة أو المذبحة الفنية في واحدة من أهم رواياته وهي (برلين 69). وقد صور فيها المعضلة الوجودية المحيرة بين فكر وفلسفة الكاتب وبين تعليمات نظامه.

وأعزو الكم الهائل للروايات الحربية (حروب فلسطين عند العرب، والحرب الأهلية ثم مقارعة النازي في شرق أوروبا) للتهرب من مواجهة النظام وإملاءاته. لقد كان الكاتب يتستر وراء هذه الشعارات ويرتدي عباءة وطنية تحميه من التلامس أو الاحتكاك المباشر مع أنظمته. ودائما للسلطة أولويات قد تلجم لسان المخيلة وتسـتأنسها وتحولها إلى تفكير ذيلي هزيل ورخيص. والسؤال الآن: في هذه الحالة ماذا يتبقى للكاتب من نصه؟.

مع أن الدكتور سرمك لا يؤيد فكرة “موت الكاتب”، ويربطها بهلاوس ما بعد الحداثة، أجد نفسي مضطرا للتأكيد على نقطتين اثنتين.

الأولى أن موت المؤلف لا تعني موت الإنسان الذي وراء النص. فهو موجود لكنه مفصول عن أدواته. إنه موت أداتي وليس موتا وجدانيا. بتعبير أوضح هو مجرد وضع حد لدكتاتورية الكاتب على نصه. وهذا يفسر أسباب وجود تفسيرات متعارضة لأي رواية أو قصيدة.

النقطة الثانية أن ما بعد الحداثة فلسفة جاءت من الغرب لتفسير علاقة الإنسان بمجتمعه. وهو مجتمع إنتاجي واستغلالي. ومثلما يستغل رب العمل العامل يمكن للمستهلك أن يستغل المنتوجات. ومن البديهي أن الغلال (الطبيعية والصناعية) تنفصل عن مؤسسات الإنتاج تماما بعد أن تدخل دورة العرض والطلب في الأسواق. وهذا يحررها من إملاءات المنتج . بمعنى آخر العلاقة الاستثمارية والنفعية تضمن للمستهلك موت المنتج، وهو في مجال الأدب: المؤلف والناشر. إن موت المؤلف يعني ببساطة ضمان الحرية للقارئ بالتعامل مع النص ولا يعني المصادرة على رأي المؤلف بوجه الإطلاق. وبدواعي إنصاف الحداثة وما بعدها يجب أن لا ننظر لها بعين واحدة. لم تكن هناك أية دعوة لتجميد النشاط الإبداعي وعزله عن سياقه التاريخي. وهناك أكثر من إشارة لعزل المحاور المتداخلة لتسهيل قراءتنا لمعانيها. والبنيوية بأبسط مبادئها تدعم محور اللحظة بمحور اللحظات المتوالية أو التزامن والتزمن (وهي مصطلحات لا أحب استعمالها بسبب شحنتها البلاغية العالية). فتثبيت البنية (عند أي ناقد للحداثة) لا يلغي دور خلفيات الكاتب ولكن يؤجلها لوقت آخر. وقد قال فوكو في دراسته الرائدة عن نيتشة: إن الجينيالوجيا لا تتعارض مع نفسها ولا مع تاريخها، ولكن لكل جزء منها دور غائي أو هدف مختلف في أي لحظة تاريخية معينة، حتى أن الأخلاق الفاضلة لها ميزان أو معيار يختلف من منطقة لمنطقة. ويمكن للواجب أن يعني في نفس الوقت خطيئة يرتكبها الضمير (والكلام لا يزال لفوكو). فالمعاني هي من اختراعنا نحن، وهي نشاط فردي وجماعي، أو أنها خداع ذهني***. ولذلك رأى كامو أن السؤال الوجودي واجب على كل إنسان، لكن هذا لا يعني أن نتوقع تقديم إجابة نهائية عليه. وهذه هي وظيفة الحداثة عند فوكو. لقد جاءت لتعكس دور العقل من الملاحظة إلى التركيب والتحفيز أو لصناعة المعاني الغائبة وغير الموجودة. وكما ورد في الكلمات والأشياء (نقلا عن عصام حمزة ****) إن احتكار المعرفة في بنية جاهزة شيء غير ممكن، وأمر التفكير بالعقل البشري وإنجازاته مجددا أمر لا مناص منه.

من هذه النقطة يبدأ الدكتور سرمك قراءته لشهادات حميد المختار عن السجن السياسي، ويلاحظ أن الإنسان مخلوق عدواني يسطو على أبناء جنسه، ولكنه في نفس الوقت هو حيوان رومنسي، ويبني هذه القناعة على أساس أن الجلادين الساديين المنحرفين نفسيا لا يشكلون سوى 5 بالمائة، والباقون هم مثلنا. ضحية لفساد وإكراه نظامهم. وحتى النسبة الضئيلة من الساديين هم من الأشخاص المهزوزي الإرادة الذين يخافون من الخصاء وافتراس الأم لهم. بتعبير آخر هم معطوبون وبذوات محدودة المساحة، ودائما يخافون من عدوان مبيت عليهم. ويعود بذاكرته للمرحلة النازية وينبهنا إلى أن معظم جلادي تلك الفترة المدمرة من أصحاب الاهتمامات الفنية. ويقوده ذلك للكلام عن مفارقة الازدواج في الشخصيات المضطربة، وللتأكيد بشكل عام أن الإنسان كائن لامنطقي، بل هو نفسي ويميل للتسويغ والتبرير.

وكم كنت أتمنى لو ربط هذه الظاهرة بالسجان الحقيقي والسجان الوهمي، أو الحارس الذي نصبه الشارع على الناس العاديين. وغني عن القول أن التخلف السياسي والأنظمة القميعة تكون محملة أيضا بنماذج اجتماعية مريضة منها الفتوة والبلطجي والزعيم. وغالبا ما تفرض إرادتها على الإنسان العادي في سجونها الوهمية. ليس بالضرورة أن يكون للسجن باب مصفح من الحديد وأسوار تحيط بها الأسلاك، بل توجد سجون في غيتوات وكانتونات لها قوانين غير مكتوبة وجدران لا تراها بالعين ولكن تشعر بها. وقد تطرقت الرواية العربية لنظام الشوارع في عدة حالات، وبالأخص في ظروف الحرب الأهلية. وقانون الأحياء لا يتوقف عند توزيع المصالح بل يتمدد لخنق كل أنواع الخصوصية، وهذه أول صفة من صفات السجن السياسي كما يقول الدكتور سرمك. وفي العشوائيات تحاصر الإنسان البسيط العيون المريضة والحاسدة، وتتطفل على حياته وأفكاره، وتذهب لما هو أبعد من ذلك، وهو الإملاء أو الإيحاء.

وإذا كانت دوافع سجون الدولة مفهومة ما الداعي لسجون الأحياء؟؟. يصعب على الإنسان أن لا يرى فيها مرضا اجتماعيا، أو حالة تشبه دولة داخل دولة. وأستطيع التذكير هنا برواية “سابع أيام الخلق” لعبد الخالق الركابي. إنها لا تكتفي بالكلام عن إمبراطورية إنسان مغامر يحكم مجتمعا بكامله من وراء جدران قصره، بل عن مستعمرة يحميها بجيش من الأبناء المسلحين. وربما أغفل فوكو في كلامه عن أنواع التعذيب شراسة الأنظمة الهرمة في الدفاع عن وجودها. (وهذا لا يشمل الدول المتخلفة فقط بل ما يسمى بالحرس القديم في المؤسسات الغربية أيضا – وأورد الدكتور سرمك وقائع لا يمكن إنكارها عن العقوبة الجسدية في سجون أمريكا). لكن كان موفقا جدا بالإشارة للتعذيب النفسي بالحصار والضغط والتخويف والحرمان. بهذه الطريقة أنت تسلب إرادة الإنسان وتقوم بعملية مبادلة بين أولوياته. وربما اعتقال الإرادة أهم من اعتقال الجسد. بل قد يصل الأمر لمبادلة بين المفاهيم. وهذا يطال مفهومات حساسة في العرف الاجتماعي كالذكورة والأنوثة، والرجولة. ويترتب على ذلك إقرار أخلاق وعادات مخالفة في المأكل والملبس وتوزيع الحصص والصلاحيات وكأننا حيال جمهورية “فاضلة” من نوع آخر يحل فيها الجندر مكان الجنس البيولوجي. وبلغة أوضح تكون الرجولة من حق البلطجي، والبقية مجرد خلاسيين أو نساء في الشارع الذي يحكمه. ومثل هذا الفضاء (بحدوده الجغرافية والاجتماعية) يضعنا دائما أمام مشكلة مستمرة لها علاقة بمعنى نشوء وتطور الحضارة والنظام. وهو أحد الجوانب التي تكفل فوكو بمتابعتها في كتابه عن أنواع “الرقابة والعقاب”.

يبقى لدينا ثلاث نقاط حول المنهج.

الأولى تتعلق بالنماذج المختارة. لماذا توقف الدكتور سرمك عند نصوص غير معروفة ولا تشكل حالة شائعة في المشهد الأدبي؟. ألم يكن من الأفضل لو تناول الأعمال المعروفة والتي تحتل مكانا في ذاكرة كل مثقف، ولا سيما قصائد شيطان الشعر العربي مظفر النواب، أو روايات راهب الرواية العراقية عبد الخالق الركابي. وفي الذهن روايته “ليل علي بابا الحزين” فهي عن ظرف السجن السياسي وفي لحظة تاريخية حرجة، ساعة دخول الدبابات الأمريكية وتكسير جدران السجون وفتح الباب على مصراعيه للشعور الباطن كي يقول كلمته بحق الأنظمة القمعية.

الثانية تتعلق بنطاق الدراسة. لماذا لم يوسعها لتشمل الساحة العربية بشكل عام؟؟. فالسجن السياسي في العراق لا يختلف عن مثيله في دول الجوار، لا بالظروف ولا الدواعي، وربما لا يجوز مقاربة هذا الموضوع دون التوقف وبشكل مطول عند أعمال لا تنسى لصنع الله إبراهيم وفي مقدمتها: شرف، وتلك الرائحة. فهي درس في هذا النوع من الكتابة.

النقطة الثالثة والأخيرة أن الباحث ترك لنا حرية استنتاج ما يجمع وما يفرق بين كل هذه الاتجاهات في الكتابة عن السجن. وكان من الأجدى لو أنهى كتابه بخاتمة يذكر فيها النقاط المشتركة وما يمكن أن نستدل منها سواء من ناحية الأثر النفسي وعلاقته بأساليب التعبير، وربط كل اتجاه بمرحلته. فالكتابة عن المعتقلات تحتاج لحرية، وهي عملة مفقودة في بلداننا، إن لم يكن خشية من محاسبة السلطات (التي قد تتساهل معك لتعرف الحقيقة وتتجنب السقطات والمواجع) فذلك خشية من الرقابة الشعبية التي لعبت دورا أساسيا في تعويم اسم صنع الله إبراهيم وخنق سمعة يوسف الصائغ. وهذا إن نسيت دور الرقابة الدينية في الشارع. فكم من كاتب اضطر للتواري عن الأنظار خشية من ضغط الرأي العام مثل نجيب محفوظ في مصر أو تسليمة نسرين في بنغلاديش.

* صدر الكتاب بعنوان من أدب السجون العراقي. عن سلسة نقد. دار الشؤون الثقافية العامة. 255 ص. بغداد.2019.

**حالة يوسف الصائغ لا تختلف بكثير أو قليل عن موقف المثقف العراقي من كاتب طليعي و مجدد آخر هو جمال الغيطاني. و إن سألت عنه أي كاتب عراقي سيرد فورا إنه غير محبوب بسبب كتابه “حراس البوابة الشرقية” الذي دعم به موقف صدام في حرب الخليج الأولى. ومن الواضح أن هذا الكتاب له وظيفة إعلانية ولا يدل على موقف إيديولوجي. لقد غطى النفور من صدام على دور ومكانة الغيطاني من كل النواحي: الفن والسياسة والإيديولوجيا.

***نيتشة والجينيالوجيا والتاريخ. مقال من ترجمتي. غير منشور.

**** غرف العقل المغلقة – إضاءات – 28 – 10 – 2016.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. سناء الشعلان : الكوفحيّ يصدر كتابه “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” .

صَدَرَ حديثاً في العاصمة الأردنيّة كتاب “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” للأستاذ …

| صدر عن درار ضفاف للطباعة والنشر بغداد الشارقة رواية جديدة للكاتبة المغتربة في كندا نيران العبيدي تحت عنوان ( عند باب الأزج )

 ) وباب الأزج اسم منطقة باب الشيخ بالعصور العباسية المتأخرة . هذه الرواية تعتبر جزء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *