شوقي يوسف بهنام : لوعة المسافات ، قراءة نفسية لقصيدة ” لو دربك دربي ” * للشاعرة لميعة عباس عمارة

تعلن الشاعر لميعة عباس عمارة في مطلع قصيدتها موضوع هذه السطور عن  إشكالية طالما طرحتها الفلسفات الوجودية والعبثية على مر العصور . هذه الإشكالية هي ضياع الإنسان في العالم ولا غائية وجوده فيه .. اعني في هذا العالم . وتتخذ لميعة من هذه الإشكالية نقطة انطلاق لبث شكواها إلى هذا الغائب الذي لم يحضر بعد ولم يتسسلل إلى اسوار ذاتها . فالشاعرة تعيش خلف اسوار منيعة صعبة المنال لا يتمكن أي رجل من القيم بذلك . ومن هنا هذه العزلة التي تعاني منها الشاعر وهذا الضياع الذي تشعر به في هذا العالم . تقول الشاعرة في ذلك:-
العالم درب تفنى فيه خطى الانسان
تتابع في الأزمان
درب لا ندريه
لكنـّا نعيشه
بالألم الخائف والحقد والحرمان
                                             ( مجموعة عراقية ، ص 57) 
                               *******************
تلك إذن هي رؤية الشاعرة لميعة عن العالم . ولا يخفى إن في هذه الرؤية تفوح منها رياح السوداوية بشكل خانق . ويتعمم هذا الشعور السودواي على علاقتها بالعالم .. اعني من في العالم .. نراها تتأوه وتزفر زفرات الحزن لكون القدر لم يمنحها ما تريد . وعلى ما يبدو لن يمنحها ذالك أيضا . والشاعرة على اثر ذلك ترسم لنا قصة حب سيخلدها هذا العالم الشقي أو هذا الشعور الشقي بالعالم إذا استعرنا تعبيرات “هيجل ” . لنلاحظ في المقطع التالي كيف تعيش الشاعرة لميعة هذا الحزن المتأجج والفائض خارج منافذ الذات :-
ليت َ خطاي خطاك
في الدرب المغرق في البشر
نمشيه بلا حذر ..
                                      (المصدر السابق ، ص 58)
                                      ******************
هل مشا معا على الرغم من إعلان لميعة عن التباين في خطاهما والبون الشاسع في المسافات بينهما . انها إذن لوعة المسافات . نعم هما لم ولن يمشيا في هذا الدرب الذي لن يجمع بينهما . كل منهما في جانب من هذا العالم . ليس هناك جسر يربط  بين الجانبين . كلام لميعة صحيح لو لم يك هناك مفردة ” ليت َ” هذه المفردة كما هو معروف هي تعبير على رغبة لم ولن تتحقق على مجال الفعل . هي أمنية وأمنية تبقى في الرأس فحسب !! . ولذلك فكلام لميعة في مجمل القصيدة هو كلام رغبوي صرف لن يتحقق . لا ندري لماذا هذه العوائق والحواجز والموانع بينهما . نترك تحديد تلك العوائق والحواجز للشاعرة نفسها . ومع ذلك وعلى الرغم من سحابة اليأس القاتمة السوداء التي تغطي سماء لميعة فأن بذور الأمل باقية تمارس عليها سلطانها . لنرى كيف تصور لنا لميعة تلك البذور التي لن تفلح في غرسها في أرضها على ما يبدو .  تقول لميعة :-
وإذا مد َّ بعمرينا الموت
لم نأسف أنـّا عشنا ظلـّين
وسرنا قصة .

فلقد صغنا للدرب نهاية
غير الغصة
                                         (المصدر نفسه ، 58 )
                                  *******************
تفكير لميعة في الموت هو تفكير من اجل الخلاص . هذا الخلاص من هذا العالم الذي لم يهبها فرح اللقاء بهذا السعيد الذي تربع على عرش قلب لميعة . لميعة منشغلة به أيما انشغال . حتى الموت نفسه لا يستطيع محو ذكراه من مخيلة التاريخ . لا نستطيع القول ان الموت قادر على محو ذكريات لميعة بعد ان يفعل فعلته اللعينة تلك..اعني ان يختطفها من وجه التاريخ على حين فجأة . ولذلك تقول لميعة انها لم تأسف أولم يأسفا إذا كنا دقيقين في التعبير . وتعبير لميعة وتصوريها لتلك العلاقة غير المكتملة بينهما . تلك العلاقة لم تنتهي النهاية التي تنتهي عند بقية البشر .. اعني اتحاد الأجساد !! . هي علاقة عذرية إذن وكما توحي بها مقاطع القصيدة كما سنرى . انهما سارا ظلين وأصبحا قصة تثرثر بها الألسن . ولكن ما الفائدة من ذلك . دربهما ليست واحدة ..لن تجمعهما وجهة واحدة على الإطلاق . تتمادى لميعة في الحلم مع هذا الرجل . كم سارا في شارع واحد وأعادا الكرة تلو الأخرى . وتحدثا واحتقرا العالم .. هذا العالم اللعين الذي لا يعرف معنى الحب . عالم بغيض .. كريه ..ممقوت . كم حلما بعالم جديد . هنا نستطيع القول ، وبكل ثقة ، ان لميعة تعبر عن موقفها الإيديولوجي الماركسي للعالم . من خلال الرفقة مع هذا الرجل . هذا الرجل ليس حبيبها فقط بل رفيقها الحزبي ونعتذر للشاعرة عن هذا التعبير . سنرى مصداقية رؤيتنا لذلك ..اعني عن رؤية لميعة عن العالم . تقول لميعة :-
ورسمنا العالم دربا يفنى فيه الحرمان
في أحداق النور ، وليل العتمة
سيظل لقانا نجمة
                                        (المصدر نفسه ،ص 59)
                               ********************
سؤالا واحدا نطرحه على شاعرتنا لميعة : هل العلاقة العادية بين رجل وامرأة تغير وجه التاريخ وتقلبه من رأسه على قدميه  كما فعل ” ماركس ” في طروحاته الفلسفية عن التاريخ ؟ لا نعتقد ذلك . لكن إذا كانت تلك العلاقة قد نشأت في أحضان جو مشبع في الطروحات السياسية مترجمة على شكل واقع تنظيمي لهدف تغيير الواقع المعاش ..عند ذاك تكون تلك العلاقة قد حققت الغايتين معا . وإذا كانت لميعة تتحدث عن الحرمان فنعتقد انها تشير إلى الحرمان في بعده الاقتصادي وبعده العلائقي بين الناس . على سبيل المثال لا الحصر العلاقات بين النساء والرجال التي يحكمها الأساس الديني والمذهبي . هذه العلاقة توقلب العواطف والانفعالات الا ما حدث تمرد وثورة على تلك الأسس . ولكن في المنطق الماركسي هذه الأسس لا وجود لها ، لأن العلاقة آنذاك سيحكمها الانتماء للمنطق الماركسي باعتباره رؤية بديلة للعالم عن الرؤى التي تتبناها المذاهب والأديان السائدة . عند ذاك سيكون كلام لميعة صحيح وجميل لأنه نابع من الأعماق الدفينة للانا . عندها سيبارك التاريخ تلك العلاقة وسوف يخلدها ويعتبرها نموذجا للاحتذاء . وهذا ما سوف نراه في المقطعين التاليين :-
تترقق آلاف الأعوام سنى ً للجسم الخابي
وسنبقى عطرا في الغيمة
وندى ً في الأعشاب
وصلاة للحب
لو دربك في هذا العالم دربي
                                      (المصدر نفسه ، ص 59)
                                  ************************
لميعة تعيش في هذه القصيدة حلم يقظة جميل وسعيدة ولكن في ارض الواقع سوف يسبب هذا الحلم شقاءا ما بعده شقاء .انها تعلم علم اليقين ان هذا الحب لن يعط للجسم ما يريد لأن دربها غير دربه … 
   
• عمارة ، لميعة عباس ، عراقية : مجموعة شعرية ، 1972 ، دار الطليعة ،بيروت ، لبنان .   

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.