رمزي العبيدي : وقفة متأنية مع مقالة الدكتور حسين سرمك حسن، (الشعر الجاهلي بين علي الوردي وطه حسين)

نشر الأستاذ الفاضل الدكتور حسين سرمك حسن ، على موقع ( الناقد العراقي ) مقالة بعنوان ( الشعر الجاهلي بين علي الوردي وطه حسين ) ، مقدِّماً اسم الدكتور الوردي على اسم عميد الأدب ، ويأتي اعتراضي على العنوان لا لكون طه حسين هو عميد الأدب ، بل لأنَّه الأسبق والأقدم ، أو هو صاحب ( نظرية انتحال الشعر الجاهلي ) التي اعترض عليها الوردي وغيره من المعترضينَ ، وليس العكس ، فقد جرَتْ العادة ومضى العرف عند النقاد أنْ يقدِّموا الأوَّل ويأخِّروا المتأخِّر خصوصاً إذا كان الثاني هو الذي تعرَّض للأوَّل منهما بالنقد .
كتب قبل عنوانها : ( تعقيباً على مقالة الأستاذ رمزي العبيدي ) ، قلتُ : قرأتها ولم أجد فيها تعقيباً على مقالتي المتعدِّدة الأقسام ، بلْ وجدْتُ فيها نقداً منقولاً عن الدكتور علي الوردي ، موجَّها إلى عميد الأدب ، ومؤيَّداً من الكاتب ، لذا فإنَّني أقترح أنْ تُستبدَلَ فيها كلمة ( عطفاً ) بكلمة ( تعقيباً ) ، لأنَّه لم يتطرَّق إلى ما كتبته مباشرة ، لكنَّه ربَّما اعتدَّ أكتوبتي مناسبة لنشر مقالته التي لمْ أستطعْ أنْ أفكِّك أسلوبها الرصين ، أو أطعن ببيانها الرشيق ، لكنَّني أستطيع أنْ أناقشه بتأنٍ ورويَّةٍ ، بعيداً عن أيَّة عصبية وأيِّ انفعال .
في البداية لا بُدَّ لي من الإشارة إلى أمانة الدكتور حسين سرمك حسن في نقله عن الدكتور الوردي بأنْ أشار إلى كتابه ( أسطورة الأدب الرفيع ) ، ووضع نصوصه بين أقواس ليميِّزها عمَّا يكتبه أو يخطه بقلمه ، وذلك من الأمانة العلمية التي لا نستغربها من أمثاله من نقاد الأدب الموضوعيينَ ، وتجدر الإشارة إلى أنَّه طبيبٌ نفسيٌ شغف بالأدب العربي وأبدع في نقده ، تميَّز بأسلوبٍ فريد يعتمد على التحليل النفسي للكتابة الأدبية ، فهو يبحث عن الدوافع الشعورية التي دفعَتْ الأديب لأنْ يكتب ما كتب ، وهذا منهج فريد وقليل هم الذين يستطيعونَ اعتماده أو استخدامه في كتاباتهم النقدية .
وتسألني لِمَ كتبَ اسمكَ أو أقحمه فيها ؟ ، أقول : لقد أراد أنْ ينبِّهني إلى رأي الدكتور الوردي في قضية انتحال الشعر الجاهلي الذي جاء في مقالة للوردي جاءَتْ في كتابه الأثير ذاك ، معنونة : ( حقيقة الشعر الجاهلي ) ؛ نعم أراد أنَّ ينبهني لهذا الرأي ، ربَّما لأنَّه حسبني غافلاً عنه ؛ وليس له عندي إلا الشكر في الحالتينِ ، فإنْ كنتُ غافلاً فقد انتبهْتُ ، وإنْ كنتُ منتبهاً فقد أحرجني وأجبرني على الخوض معه ومع الوردي في هذا الجانب الذي هو نظرة علماء النفس والاجتماع للشعر الجاهلي ، وأنا اعترف أمام القرَّاء أنَّني لا أستطيع مجاراته أو التفوق عليه في تخصِّصه الذي يبرع هو فيه ، لكنَّني أستطيع أنْ أناقشه وأجادله في اختصاصي الذي بارع أنا فيه وهو الأدب ، وليس المهمُّ أنْ أتفوَّق أو أفوز عليه ، فيزيدني فخراً ويملؤني زهواً إذا حكم القارئ له ، ويكفي غروري وتكبُّري أنَّه ذكرني في عنوان مقالته قائلاً عني : ( الأستاذ ) ، وكنْتُ قد فرحْتُ قبلاً يوم كتبَ في إشارته على القسم الأوَّل من مقالتي ( نظرية انتحال الشعر الجاهلي / مناقشة قضية خطيرة بمنظور حديث ) المنشورة أولاً على إحدى صفحات موقع الناقد العراقي ، قلتُ : غمرتني الفرحة والغبطة عندما كتب عنِّي : ( الباحث ) أكثر من فرحتي بـ ( الأستاذ ) اليوم .
لنْ أكتفي بشكري للدكتور حسين سرمك حسن لأنَّه ليس بحاجة له أو هو أكبر منه ، لكنَّني أعِدُهُ وأعِدُ القرَّاء معه بأنَّني في أقسام بحثي الباقية سأولي موضوع رأي الدكتور الوردي جانباً كبيراً من الاهتمام والنظر ، ويلاحظ القارئ المتتبع أنَّني كتبتُ ثلاثة أقسام منه أعقبتها باستدراك لا بُدَّ منه قبل القسم الرابع والأقسام الأخرى ، ثمَّ توقْفتُ ولم أنشر شيئاً بعدها رغم إتمامي لمعظم القسم الرابع منه ، فالكتابة يا إخواني تحتاج إلى تفرُّغ لها أولاً ، وإلى صفاء بالٍ وراحة نفسية ثانياً ، وأنا أحمدُ الربَّ على أنَّني لسْتُ متفرِّغاً وليس عندي صفاء البال ولا أنا مرتاحٌ نفسياً ، والأسباب معروفة والحديث فيها ذو شجون ، وما تأتي أكتوبتي هذه إلا اعترافاً له بالفضل والجميل .
والجدير بالذكر أنَّ كتاب الدكتور علي الوردي مطبوع أكثر من مرَّة ، بين يديَّ من طبعاته الطبعة الثانية الصادرة عن دار كوفان بلندن في العام 1994م ، والموزَّعة بدار الكنوز الأدبية ببيروت ، وأعرف أنَّ الدكتور الوردي أصدره أوَّل مرَّة في العام 1957م ، بطبعة أولى في بغداد ، ولا أدري إنْ كانتْ له طبعة ثالثة بعد وفاة الوردي بعد أو في منتصف تسعينيات القرن المُوَلِّي ، وهو كتابٌ يستحق القراءة سواء أ كنتَ تتفق معه أم تخالفه ؟ ، فالناسُ الأسوياء المعتدلونَ المُتَّزنونَ يختلفونَ في الفكر لكنَّهم لا يتباغضونَ ولا يتعادونَ ، بل يزيدهم اختلافهم هذا محبَّة وتواداً ، وهذا ملخص ما يمكنكَ أنْ تتعلَّمه من قراءتك لهذا السفر القيِّم ، وفيه ينقل الدكتور علي الوردي ـ بعد مقدِّمةٍ ضافية ـ خمس مقالات لـصديقه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين ، ليناقشه بعدها في اثنتينِ وثلاثينَ مقالة ، أوَّلها : ( الاجتماع والأدب ) ، وآخرها : ( كلمة الختام ) .
وعندي أنَّ الدكتور الوردي لم يتفوَّق أدبياً في معظمها على صنوه الدكتور محيي الدين ، وهو عندي حجَّة في علم الاجتماع لا في الأدب ، وهذا ليس تجنياً أو كلاماً إنشائياً لا دليل عليه ، ففي موضوعنا الذي نحنُ فيه الذي هو نظرية انتحال الشعر الجاهلي ، أقول : لقد قرأتُ ردوداً واعتراضاتٍ على عميد الأدب العربي طه حسين تفوق وتربو على ما كتبه الدكتور الوردي الذي عدَّ ما أتى به طه حسين مجرَّد ( صيحة مدوية ) ، وعنده أنَّ هذه الصيحة المدوية لا تستحق هذه الضجة ، هو الذي يحاول أنْ يقرن نفسه بعميد الأدب في محاضرةٍ له كادتْ أنْ تحدث ضجة لولا ستر الربِّ خالق الأكوان مبتدع الخليقة ! .
هذه الأسطار الأخيرة قد تعطي فكرة للقارئ كيف سأناقش وأستعرض أراء الدكتور علي الوردي ، فهي من باب تشويقه واستجراره إلى ما أريد وأبغي .
رحم الربُّ الدكتور علي الوردي وخدينه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين ، وقبلهما عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ، وأطال عُمْرَ الدكتور حسين سرمك حسن وأبقاه راعياً للأدباء في موقعه الالكتروني المتميِّز الذي هو ( الناقد العراقي ) .
ــــــــــــــــــــ                  

للتواصل مع الكاتب يرجى الكتابة إلى :
Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com
Ramzee_Alobadi@Hotmail.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن العاصي : ينظر الأوروبيون إلى المسلمين على أنهم متخلفون.. التجريد الصارخ من الإنسانية .

“ليس عليك أو تكون وحشاً أو مجنوناً لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. يلزم فقط أن تكون …

| حاتم جعفر : في حاضرة الفن السابع .

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.