رواية «الإرسي» لسلام إبراهيم نطقت بالشهادتين: شهادة الخراب، وشهادة إرسي عذاب العراق (2/1)
حسين سرمك حسن (ملف/115)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

«لا تنتابني كوابيس بخصوص هذه الأمور، ولكني أتذكر، وأتذكر، وتعاودني صورة ذلك الرأس المقطوع من جسد لاجئ ألباني في كوسوفو، إثر غارة جوية أميركية حدثت قبل أربع سنوات، كان رأسا ملتحيا واقفا وسط حقل أخضر، تحت نور الشمس الساطع، وكأنه قُطع على يد سيّاف من القرون الوسطى. وكذلك جثة ذلك الفلّاح الكوسوفي المقتول على يد الصرب، والذي فُتح قبره بواسطة الأمم المتحدة، فبرز أمامنا من الظلمات منتفخا، وذلك الجندي العراقي في منطقة “الفاو” خلال الحرب الإيرانية – العراقية، كان يلمع على إصبعه الثالث من يده اليسرى خاتم زواج ذهبي يتيم، يتوهج بالنور والحبّ لامرأة لا تعرف أنها أمست أرملة»

(روبرت فيسك) كتاب (الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة – الإبادة – ص 19)

«إنه الجندي “عبد فرج”، الذي لملمت أشلاء جسده الممزقة المقطعة، الملوثة بتراب سهوب شرق البصرة والدماء، ووضعتها جوار بقاياه الملفوفة في بطانية نقعت بصبيب دمه المتدفق، رغم اندماله بجدار الأبدية. جمّعتها باضطراب واضعا كل قطعة بمكانها، وكأنني أريد وصلها من جديد، الكف الصغيرة، الساعدين، وقدم واحدة فقط. ظللت أدور في أنحاء موقع البطرية بحثا عن القدم الضائعة دون جدوى. ترن ضحكته في رأسي. فبالأمس عدنا من الإجازة إلى الجبهة بسيارة تموين الكتيبة القادمة من البصرة. كان يحدثني مرحا عن قدر الإنسان ضاربا مثلا في نفسه. لم نعثر على القدم الأخرى إلا في اليوم التالي، فدفناها خلف الساتر الترابي وسط نحيب الجنود.»

سلام إبراهيم رواية (الإرسي)

في فضل الحرب على الإبداع:

من الغريب أن نجد دعوات تطلق من قبل بعض الكتاب تدعو إلى حرق أدب الحرب في الأدب العراقي، ولا تكتفي بالتساؤل عن جدواه. وما أقصده هنا هو أدب الحرب الحقيقي، لا التعبوي الهتافي المباشر. وهؤلاء دعاة الحرق يقعون في خطأ جسيم، فهم لا يدركون دور الحروب في تثوير الإبداع عموما، وفي إنضاج المدارس الفنية خصوصا. طبعا نحن لا نقصد تبرير الحرب تحت هذا الغطاء فهذه سذاجة فادحة. لقد ظهرت أغلب المدارس الفنية بعد الحروب. فعلى سبيل المثال ظهرت الرمزية بعد حرب 1870، والدادائية والسوريالية بعد الحرب العالمية الأولى .. والوجودية بعد الحرب الثانية. إن الحرب لا تهز القيم والثوابت وتمزق نسيجها حسب، بل تمنح المبدع فرصة تاريخية لمعاينة خراب النفس البشرية ونضجها على حدّ سواء وهي تقف أمام المشكل/ الموت وجها لوجه. في الحرب تشعر النفس البشرية بالموت كإشكالية وجودية كبرى، وحالما يشعر الإنسان بالموت كإشكالية وجودية، فإن هذا يعني أن شخصيته نضجت حسب تحليل عبد الرحمن بدوي. وهذا الشعور يرافقه في أغلب الأحوال ميلاد حضارة جديدة وهذا ما فصّله “إشبنغلر” أيضا. ومن ناحية أخرى مكملة، فإن الفضل على الأدب هو للموت وليس للحياة. إن الأدب الكبير هو أدب الخراب والعذابات. يتجسد هذا في روائع الإبداع العالمي مثل: ملحمة جلجامش وأوديب الملك وهاملت والأخوة كارامازوف ومدام بوفاري والأحمر والأسود .. وغيرها.

«إرسي» العذاب:
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية رواية (الإرسي)(1) للروائي العراقي “سلام إبراهيم”. فهي تتناول عوالم الموت والخراب السود التي لفت الحياة العراقية، وخنقتها بقبضتها الساحقة. والإرسي – كما هو معروف للقارئ العراقي – (هي غرفة علّية تبنى فوق المطبخ والحمّام، واطئة السقف، تُستخدم كمخزن في البيوت العراقية القديمة، ولها سُلّم مستقل من الباحة الداخلية، وسلّم قصير يصلها بالسطح- ص 7). وفي هذه الغرفة/ العلية اختبأ بطل الرواية بعد هروبه من الخدمة العسكرية في جبهات القتال. وأود الإشارة أولا إلى أن هذه الموضوعة موجودة فعليا، تقوم بها الأمهات في أغلب الأحوال للحفاظ على أبنائهن. فالحرب لا تدور رحاها على الأرض ولكن على قلوب الأمهات. وفي منتصف التسعينيات، شاهدت خبرا على شاشة التلفاز عن رجل بولندي أخفته أمّه في مخبأ في البيت منذ الحرب العالمية الثانية .. تصوّروا أن هذه الأم وهذا الرجل لم يعرفا أن الحرب قد وضعت أوزارها إلا في التسعينيات. وفي العراق شاهدت خبرا أيضا عن شاب من محافظة العمارة، خبّأته أمه في حيز صغير خلف خزانة الملابس عدة سنوات!

وقد يعتقد البعض أن هذا الجندي الهارب سوف يجد الخلاص والراحة في هذا المكمن. لكنه، في الواقع، كالفار من الرمضاء إلى النار. «أعيش في صمت مظلم ووحشة أشد إيلاما من وحشة الجبل. أتسلى بالإنصات لفتات الجص المتساقط من سماوات السقف الدامسة. وأحدق عند خمود البيت من ثقوب بحجم نصف آجرة صغيرة في أرجاء باحة البيت الخالية .. أنصت لضجيج منتصف النهار، مفكرا في شؤون الخلق والدنيا، لأصل إلى لحظة فراغ الرأس من كل شيء، فأتمنى من أعماقي أن أكون في غير هذا الإرسي المعتم عتمة سرداب، زنزانة، قبر، جنديا في الجبهات وسط الجنود في الخنادق – ص 26» .. إنه سيحيا في حالة قلق دائم من الانكشاف وإلقاء القبض عليه وإعدامه، ونفسيا فإن انتظار الموت هو أقسى من الموت نفسه، وقد وطّد (سلام) وهو اسم الشخصية الرئيسية في الرواية عزمه على أن يطلق النار على نفسه حين تداهم الشرطة العسكرية مخبأه. سيطلق النار على رأسه من المسدس الذي يحتفظ به تحت الوسادة، وهنا يثور تساؤل مشاكس هو أنه إذا كان هذا الجندي بهذه الشجاعة التي تجعله يقرر الانتحار بهذه البساطة، فلماذا لا يواجه قدره – رغم أنه قدر مصنّع وجائر وكريه – في جبهات القتال؟ فوق ذلك، كلنا ندرك مبلغ الخطورة الرهيبة والمسؤولية الجسيمة التي ستقع على أقرب الناس الذين تصدوا لـ “جريمة” إخفائه، وهي العمّة المعلمة التي وفرت له المخبأ، ورعت حاجاته. وهو يعرف هذه العواقب المميتة، وهذا مصدر آخر لعذاباته الباهظة. فهو يحب عمته التي كانت بديلا أموميا رحيما في حياته. يجتاح الرعب أوصاله ويعصف بكيانه (من طرق على الباب، رنة جرس يحطم سكون البيت، أو على صوت مفتاح ينحشر بثقب الباب، فيقفز باضطراب سائرا على أطراف قدميه، متحاشيا إصدار أي ضجة – ص 11 و12).

ومع قلق الانكشاف والعقاب المشتعل، والحرص على حياة الأحبة ومستقبلهم، هناك آلام العزلة والانقطاع عن العالم الخارجي .. إنها عزلة قاسية تفضي إلى الإكتئاب والأسى على خسارة كل الهناءات التي يحفل بها العالم الخارجي .. (فمن شروط عمته أن يلبث في عليته طوال النهار، ولا ينزل إلا لقضاء الحاجة أو للأكل إلى أن يجن الليل. وعليه تحاشي الغرف المطلة على الزقاق إلا في حالة إطفاء النور – ص 12). فسلام لا يستطيع رؤية زوجته الحبيبة “ناهدة”، ولا مقابلتها .. وليس بمقدوره احتضان طفله الوحيد “كفاح” بالرغم من أنهم يعيشون في الشارع نفسه!! ويراهم أحيانا من خلل نافذة غرفة الضيوف عندما يفرغ المنزل تماما بمغادرة عمته التي تعيش وحيدة إلى مدرستها أو حينما تزور أحدا. إنه يصف عذاباته وخساراته:

«تب تب، فاصلة صمت .. تب .. تب. اصطدام مكتوم أشبه بوقع رذاذ خفيف، تب .. تب .. تسقط الكتلة المفتتة من السقف الخفيض. تسقط في بئر العتمة منفصلة عن عقادة الآجر المنخور. تب .. تب .. واهنة تستقر على صدره، قدميه، عنقه منتشرة بنثارها الرطب. تب .. تب .. ترن في قعر الإبريق النحاسي، في حوض طاسة الماء المعدنية، على الكتب المكدسة جواره، في استلقائه الساكن في حلكة المستطيل العريض جهة الرأس، والضيّق جهة الأطراف والباب، يستقبل بعينيه الشاردتين، كائنات الغبار النشطة في عراكها المحتدم، وهي تدخل وتخرج من مسارات النور المتسرّب من أربع كوى تطل على باحة البيت القديم. يندمل في حركتها العشوائية، الضاجة بصمت، في حبال الضوء التي لا تنجح في إضاءة شيء من دكنة غرفة الإرسي العلية، بل تزيد الزوايا والجوانب حلكة في عزّ النهار. يلاصق الجدار الرطب المتآكل جهة الباحة، ساكنا ينصت بشرود كلما خلا البيت وران الصمت، ينصت إلى وقع الجصّ المتساقط في خواء وحشته، فقد تشابهت الأيام والنهارات والليالي، وهو في جحره الضيّق المهجور هذا- ص 9».

«لا يستطيع النزول إلى الباحة إلا لفترات قصيرة .. في تلك الأوقات يتمدد على بلاط الباحة .. يتعرى فيها قبيل دخول الحمام، يظل عاريا بعد السباحة .. خفيفا وهو يخوض في مناحي البيت، لذّة لم يجدها في دار أهله المكتظ بأخوته العشرة، يحتدم بعالمه الذي اتسع من مستطيل ضيق كتابوت إلى فساحة غرف خالية، لكنها محتشدة بأنفاس أحباب غيّاب، بعبق طفولته، فساحة تتيح له حرية التلصص على نهر الحياة المنحدر خلف غرفة الضيوف المطلة على مجرى الزقاق. يتلصص عبر زجاج النافذة العالية وسيمها المغبر، بكل شوق المستوحش، المضطر إلى الاختباء، يمعن في وجوه المارة المضبّبة، نسوة وأطفال، شيوخ وشبان، بغايا وأشراف، عشاق يسرقون القبلات في همس يشبه تساقط حبات الجصّ، يحدق عبر الزجاج المغبر. يرحل في شؤون القسمات، أشكال الأنوف، ألوان البشرات، عالم العيون، الزاخر بالظنون. يذوب في تكوّر المؤخرات الضائقة بالعباءات، بالظهور المنتصبة، الهزيلة. تخدره الحركة المتقاطعة المتقابلة المتوازية الدائمة لأجساد المارة الحميمة، السادرة في شؤونها، هذه صباحات الله التي ضاقت عليه، وتعسّرت. وصار مجرد السير فيها حلما عصيّا، قد يكلّفه العمر – ص 10».

إن سلام يعيش شكلا من أشكال “الحرمان الحسّي – sensory deprivation” حيث تضاءلت المثيرات الحسّية التي يتعرض لها الفرد العادي في حياته اليومية من الأشخاص الآخرين، ومن مكونات البيئة الغنيّة بدلالاتها. هنا يبدأ الفرد باجترار محتويات الذاكرة الملعونة، ومن صندوقها الأسود خصوصا. وفي بدايات العزلة ينشط الخيال الذي يصبح أداة للتماسك والحفاظ على الصلة بالحياة، ولكنه وبمرور الوقت يبهت فعله ويصبح مضجرا بفعل صدأ مخزون الذكريات ومراوحتها في دائرة المشاهد القديمة والمكررة. كما أن دوره الخلاق يُجهض بسبب مرارة القلق والتوقعات السلبية لأدنى نأمة، وأبسط حركة. إن الرتابة تدمّر قواه الفكرية .. ولدى بعض السجناء – كما أثبت ذلك علم النفس – قد تدفعهم إلى الانهيار والجنون. ليس لديه الآن من مثير حسّي غير متابعة تساقط فتات الجص من سقف الإرسي المنخور «تب .. تب .. وقع وجدته لعبة أزجي بها الوقت. أرهف السمع وأحاول تخمين أمكنة السقوط التي تخطيء جسدي المظاهر للجدار الأعرض، البعيد عن الباب – ص 12».

إن الحيرة والتردد تلقيان به في دوّامة من التذبذبات، فآلام العزلة لا تُطاق، وهي لا تقل إبهاظا عن ضغوط الحرب وتمزّقاتها. لقد وصل في بعض المراحل إلى قناعة مفادها هو أنه عالج الداء بالداء. قبل ذلك محقته الحيرة بفعل قراره بالالتحاق بثوار الجبل. فقد عاش – هو وزوجته – مؤمنين بحلم عظيم لوّنته الأفكار الماركسية التي تعد بحياة بهيجة تعمها العدالة والمساواة والسلام. هي يوتوبيا الإنسان المقهور في تصوّره الطفلي لفردوس الرحم الأمومي الحامي .. حيث النعم التي بلا حدود .. والطمأنينة التي تلف الأبناء المتساوين وهم على سرر متقابلين مسترخين. هي نفس فكرة مجتمع “المنتظر” الدينية.

وقفة وفذلكة:
وارتباطاً بهذا الموضوع الحسّاس، نشير إلى موقف للراحل “علي الوردي” سبق به المفكر الفرنسي ”مرسيا إيلاد” بما لا يقل عن عقد من السنين على الأقل، بعد أن تُرجمت لنا مؤلفات الأخير في التسعينيات. وقد قام الوردي بنشر رأيه الخطير في عام 1978 حيث يقول فيه: «يحلو لي في هذه المناسبة أن أقارن بين ما كتبه الماركسيون في وصف الحياة الاجتماعية عند ظهور المهدي. ورد في كتاب ”خريدة العجائب” عن النبي أنه قال في وصف أيام المهدي: ”تذهب البغضاء والشحناء والتحاسد، وتعود الأرض إلى هيئتها وبركاتها على عهد آدم، حتى تُترك القلاص – أي الإبل الجيدة – فلا يسعى إليها أحد، وترعى الغنم مع الذيب، وتلعب الصبيان مع الحيّات فلا تضرّهم، ويلقي الله العدل في الأرض في زمانه حتى لا تقرض فارة جرابا».(2) ويطرح الوردي بعد ذلك رأيه الخطير الذي سبق به الباحث الفرنسي ميرسيا إلياد رغم عدم اتفاقهما الزمني كما قلنا:

«وإني لأذكر من أيام طفولتي كيف كان الناس يتحدثون عن ظهور المهدي فيقولون إن النقود يبطل استعمالها آنذاك ويحل محلها الصلوات، فإذا أراد شخص شراء حاجة ساوم عليها بعدد من الصلوات، وهو يستطيع أن يحصل على الحاجة بعد أن يؤدي ثمنها بأن يصلّي على محمد عدداً من المرّات حسبما اتفق مع البائع. والبائع يكتفي بذلك لأنه بدوره يستطيع أن يشتري حاجاته بالصلوات كذلك.»(3)

ثم يصل الوردي إلى صلب موضوعنا فيقول:

«ليس لنا أن ننتقد المسلمين على عقيدتهم هذه، فهم يعتقدون بأن ما يجري في أيام المهدي إنما يتم بقدرة الله والله قادر على كل شيء، ومعنى ذلك أن الله قادر أن يغير طبيعة الإنسان متى شاء. أما الماركسيون فهم يختلفون عن المسلمين في هذا الشأن، إذ هم يعتقدون بأن الله غير موجود وأن الإنسان ابن القرد، ولست أدري كيف يمكن أن يتحول ابن القرد في مرحلة الشيوعية إلى إنسان من نوع جديد».(4)

عودة إلى خراب الإنسان:
لكن الإنسان، وليس كما تروّج الفلسفة المادية الغربية، والغريب أن الماركسية تلتقي معها في هذا، عن أنه جزء من الطبيعة، هو ثغرة في النظام الطبيعي. هو هذا الكائن المعجون من الله والشيطان، لغز الألغاز وسرّ الأسرار، خصوصا حين يتهدد بقاءه .. ويحاصره المثكل من كل ناحية .. وهذا من أعظم “عطايا” الحرب .. إنها الفرصة التاريخية التي لا تعوّض والتي تكشف حقيقة أن الإنسان لا تنفع معه أي يوتوبيا، وأنه يتخيّل مدنه الفاضلة كـ “تشكيل ضدّي – reaction formation” يقهر عبر هذه الأوالية النفسية الدفاعية نوازع العدوان والدمار المتأصلة في بنيته اللاشعورية. وقد صُدم “سلام” المسالم الذي لا يؤمن أصلا بالثورة والسلاح (ص 16) بهذه الحقائق عندما قدّمها له الشيخ (عطا الطالباني) المجرّب الذي عركت بصيرته التجارب الدامية. «سترى العجب من أقرب الناس. ستطل على البشر وتتعرف عليهم بعمق. ستذهل مرارا، ورفيقك يضم قطعة خبز في ظرف عصيب، أو يجبن في لحظة حاسمة، أو يزاحمك في الأكل واللبس والشراب. دعْ عنك أحلام الثورة النقية وشرف مقاتليها فهم ليسوا أنبياء – ص 16».

ومع مواجهة المشكل تبدأ أحلام اليوتوبيا بالتبخّر .. وسوف تتلاشى تلك النظرة التقديسية عن هذا الذي نصفه بأنه “بناء الله” .. فالإنسان ساقط يتذكر السماوات كم قال “لامارتين” .. والأدق هو أنه “ذاك الحيوان الغريب .. إنه قريب من الشيطان أو الوحش .. ولكنه في الآن نفسه غير بعيد لأن يكون إلهاً” .. لكنه في الحرب، وحتى عندما يظهر أقصى آيات نبله وذلك بالدفاع عن وطنه حتى الاستشهاد، فإنه يقطع ذاته ولابد أن يقتل “آخر” يقوم بالدور نفسه على ضفة الجحيم المضادة. ولكن بعد أن ألقي “سلام” في أتون جحيم الحرب، تأكدت لديه صحة أفكار ذاك الشيخ. بل تعدى تشظّي القناعات الحدود ليصل إلى الأفكار الماركسية التي آمن بها طويلا .. وها هو يخاطب زوجته: «ملكتِ كياني، وضمرتْ دونك كل المعاني. صرتُ أحلم بك فقط. أحلم متجردا من كل ما عداك. فمنذ الأيام الأولى تبخرت كل أحلام الثورة وكتب اليسار الماركسي، من الدولة والثورة إلى تاريخ الثورة، مرورا بمذكرات جيفارا. لم يظل شاخصا في ذاكرتي سوى وجه الشيخ عطا – ص 24».

الجنس ينهض في مواجهة المشكل:
إن من الظواهر المتناقضة التي تدوّخ مسلماتنا هو نهضة الغريزة الجنسية – خصوصا المحرّمة – في ظل الحرب عموما، وفي مواقف القلق خصوصا. بعض الطلبة يحصل لديهم انتصاب وانتعاض في قاعة الامتحانات .. وعرفنا حالات في المعارك لجنود يحصل لديهم قذف مع اشتداد القصف والمخاطر. يبدو أن انتفاضة غريزة الحب والبقاء (erose)، ما هي إلا اختلاجة احتجاج في وجه الفناء العزوم. وهذه الظاهرة رصدها الروائي – والروائيون رصدوا أدق صراعات النفس البشرية قبل المحللين النفسيين بقرون – على مستويين مهمين: مستوى بطله الشخصي في تجربته الفردية من ناحية، ومستوى “الآخرين” من رفاقه الذين كانوا يقاتلون معه وهم يعلنون أنهم إنما يدافعون عن قضيّة ومبدأ يفنون أنفسهم في سبيلهما من ناحية ثانية مكملة. فبالنسبة لسلام، كان أوار ألسنة نيران العشق يستعر كلّما اشتعلت نيران قلقه .. وحاصره الموت ملوّحا بمنجله الناشط الذي لا يرحم .. فمع الثوار .. وفي شقاء ما خلف التلال يتذكر جسد حبيبته/ زوجته، وحضنها الحاني: «شفّني وجدك وحوّلني إلى كائن دنف لا يروم من الدنيا سوى لقائك. وفي غمرة التجوال والقتال أصبحت ِ مبتغاي .. أن أراك وأحضنك ذلك ما كنت أدفع عمري من أجله – ص 25».

وهو يزاوج باقتدار بين قلق الموت كضاغط يمحق الوجود الفردي ويجتثه .. وبين ملجأ الخلاص .. وهو الجسد الأنثوي .. الأنثى هي الإله المنقذ، وليس “دموزي” البكّاء .. فمع الإحساس الصاعق بالحقيقة المؤكدة لقابلية الفرد على الإنجراح، تلك الحقيقة التي يرفضها لا شعورنا بحكم مبدأ “التناقض الأولي – primary paradox” الذي اكتشفه معلم فيينا، الذي يقر الإنسان وفقه بفناء الآخرين، ولا يقر بفنائه هو ذاته، والإنسان لا يعتبر رغم رؤيته لآلاف القتلى في ميادين المعارك، لا يجد غير العودة المباركة – بالرغم من أنها متخيّلة في الكثير من الأحوال – إلى الرحم الأمومي في الدلالة العميقة واللاشعورية المستترة، ممثلة بجسد الحبيبة أو الزوجة. وزوجة “سلام” هي حبيبته: «جسدي الحميم الذي أذاقك الشهد صافيا .. أتتصورينه ذلك الذي يطيب لك أن تلامسيه بأناملك الناعمة كل ليلة، وتبحثين عنه وأنت في عزّ النوم .. أتتصورينه مُنخّلا بالرصاص، غارقا في بركة من الدماء، متروكا في العراء .. أغفو من تعب ووحشة .. لأراك جنبي في مدن بعيدة لا يعرفنا فيها أحد … أحس بجسدك الساخن لصقي متأججا مثل تنور، فأمعن في شدة التصاقي، وبغتة يضج الصمت بلغط، فأستيقظ على ترديد طقوس صلاة الفجر لأجد نفسي في حومة غبار الفجر والأدعية وسط أجساد المقاتلين المتناثرة في ظلال زوايا المسجد- ص 23 و24».

الإنسان ليس كائنا منطقيا، إنه كائن تبريري:
إن من الوقائع الغريبة التي تربك مسلماتنا أيضا، هو بعض السلوكيات التي تتمظهر في صورة أفعال “منطقية” ذات طابع مفعم بالتضحية والإيمان بالمبادئ لكنه ينطوي على تناقضات عميقة مستترة قد لا تلتقطها النظرة السريعة أو المنبهرة أو المعبّأة مسبقا بانحيازات نظرية وعقائدية. من هذه الوقائع قيام زوجة “سلام”، الماركسية حدّ النخاع، بالالتحاق به في جبال الشمال بين المقاتلين، تؤدي خدماتها لرفاقها الجرحى خصوصا ممن تعرضوا للأسلحة الكيماوية التي تعرضت لها هي نفسها وكادت تفقد بصرها بسببها. من المؤكد أن أغلب القراء والنقاد قد أعجبوا بهذا الفعل الجسور وأكبروه، فهو يعبر عن إيمان راسخ بالعقيدة التي انضوت تحت لوائها، ووقفتها الصلبة ضد الطغيان، خصوصا وأن الروائي كان قد عرض علينا الكثير من تضحياتها من توزيع منشورات إلى نقل تعليمات وتنظيم وغيرها. لقد باعت سلسلة ابنهما الوحيد لتشتري له مسدساً! ولكن هذه المسيرة قد تضع غشاوة على بصيرتنا النقدية، فلا نتساءل مثلا عن طفلها الوحيد، وأين تركته، وما هي أولويات مسؤولية الأمومة. وبطبيعة الحال سنجد الكثير من التبريرات التي تندفع إلى الواجهة، وهي مثقلة بالمبررات “المنطقية”. وهذا الموقف يحيلنا إلى حقيقة خطيرة من الحقائق التي فجّرها التحليل النفسي والتي ترى أن الإنسان ليس كائنا منطقيا ولكنه كائن تبريري – not rational but rationalized human being، فهو يفعل الفعل ويحقق رغبته ثم يجد لها مبررا “منطقيا”. ينطبق هذا على تصرفاتنا الشخصية البسيطة مثلما ينطبق على الثورات والفلسفات الكبرى. وقد عاش أرسطو (يسمى المعلم الأول!) ومات وهو مقتنع بأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل!! ولم يكلف نفسه بفتح فم إحدى زوجتيه ليحسب عدد أسنانها. كان علي بن أبي طالب يقول: لو كان الدين يؤخذ بالمنطق، لكان مسح باطن القدم أوجب من مسح ظاهرها. وقد تحدث العلامة الراحل “علي الوردي” عن المرأة التي دهمها الطوفان فوضعت طفلها الرضيع على رأسها لتحميه من الغرق .. وعندما وصل ماء الطوفان إلى أنفها، وضعت طفلها تحت قدميها، وصعدت على جسمه الترف لتنقذ نفسها !!

ومن تلك السلوكيات أيضا والتي لم يلتفت إليها القراء والنقّاد هو استنجادات سلام المتكررة والملتهبة بالذات الإلهية، شيوعي يستنجد بالله .. استنجادات يطلقها كلّما اشتدت ضائقته الفاجعة .. كلما روّعته وحشية أخيه الإنسان .. وكلما تأكد لديه أنه كإنسان كائن هشّ وعاجز يمكن أن تهيره قوة أخيه الإنسان الغاشمة وتسلّطه. هذه الاستغاثات الجريحة تتكرر عشرات المرات: يا خالق الأكوان كيف الخلاص؟ .. ما جنيته من ذنب يا ربي؟ .. إلهي .. إلهي خذ بيدي أنا عبدك المسكين .. إلهي ذرني ولا تحجرني .. وغيرها الكثير .. الكثير. وقد يقول قارئ نابه إن “سلام” كان قد أعلن لزوجته أنه ليس ملحدا مثلها، ونقول أن الماركسي المؤمن أخدوعة وتنسف المنهج الجدلي المادي التاريخي من أساسه. من ألعاب اللا شعور الماكرة أن يؤمن رجل دين معمّم بماركس أو لينين. يجوز في حالة واحدة عندما يرفع الأذان في الكرملين! وهو نفسه يقرّ بهذا التناقض في خطابه إلى حبيبته الماركسية الملحدة كما يسمّيها، خصوصا بعد عجزه الفاضح أمام رفاقه عن إطلاق رصاصة الرحمة على الرفيق الذي كان يستنجد به، فعاش مرعوبا يتهجس بالقاتل الرحيم الذي من المؤكد أنه كان يأكل ويشرب معه:

«هل يُسمّى هذا فزعا يا حبيبتي؟ أم أن الأمر قُدر علينا من قوى علوية، تخلت عن البشر؛ قوى عاقلة أصابها اليأس من شرّ الإنسان، فتركته يعمل ما يشاء بأبناء جنسه؟ وجدت نفسي تزداد ضعفا أكتمه في سرّي … أبوح به نائدا مردّدا ديمومته الراسخة في الأعلى، ناشجاً بصمت. قد تضحكين عليّ يا زهرتي الملحدة، المتوقدة المدلهة بحلم ماركس، الذي دفعك صبية يافعة إلى أحضاني. اضحكي كما تشائين – ص 22». وقد قال “محمد حسنين هيكل” ذات مرة إن الاتحاد السوفيتي بدأ بالانهيار منذ أن أصيب ستالين بجلطة دماغية، وأصدر الكرملين بيانا يدعوا فيه الروس إلى الابتهال إلى الله ليشفيه!! وبصراحة أنا أجد أطروحة ماركس حول المصادفة التي خلقت الكون متهافتة، فـ«إن خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين وليس حقيقة علمية.» ومن الاعتراضات المعروفة على هذا الرأي أن تكوين كائن كالإنسان من تلك الذرات بالمصادفة أكثر بعداً من احتمال قرد يخبط على آلة كاتبة فيخرج لنا بالمصادفة قصيدة رائعة. ولكي نصدّق نظرية الخلق بالمصادفة لابد أن نؤمن باحتمال أن يلقي إنسان (أو قرد) بالنرد ويحالفه الحظ ويأتي 6/6 ليس مرة واحدة ولا ألف مرة وإنما 44 ألف مرة متتالية.(5)

الاستخدام الموفق للغة العامية:
لقد حاول الكثير من الروائيين العراقيين والعرب استخدام اللغة العامية في نصوصهم السردية مشفوعين بدوافع فنّية وجمالية ونفسية تعبيرية. لكن الكثير منهم فشلوا في توظيف المفردة العامية. كانت المحاولة الأكثر فشلا تلك التي قام بها الروائي “يوسف القعيد” حينما كتب رواية كاملة باللغة العامية. فحين يلجأ السارد إلى استخدام المفردات العامية ينبغي أن تكون هناك ضرورة ووظيفة تعجز عنها مفردات اللغة الفصحى. لكن في هذه الرواية، تأتي المفردة العامية متلألئة متألقة وضاجة بالشحنات التعبيرية:
-«وجدت نفسي تزداد ضعفا أكتمه في سرّي، وأفضي به في أغباش بيوت الله المبعثرة .. أبوح به نائدا مرددا ديمومته الراسخة في الأعلى – ص 22».
وقد كان “سلام” موفقا جدا في اختيار الحوارات والتعبيرات العامية المناسبة لمستويات شخصياته التعليمية والثقافية. فمن غير المعقول أن تضع تعبيرات عالية الشعرية بالعربية الفصحى على ألسنة أناس بسطاء وخصوصا في لحظات الاحتدام العاطفي. خذ مثلا الموقف الذي يأتي فيه “سلام” إلى بيت عمّته بعد خمس سنوات من الفراق المحزن والانتظار المرير الممزوج باليأس، فتنتفض العمة المحبّة من سكونها الموحش:
( .. راحت تتلمس جسده بأصابعها قطعة .. قطعة وكأنها تريد الوثوق من حضوره الساخن، ناحبة مرددة:
– عمّه .. إنت حي عمّه .. إنت حي .. قالوا إنت مفقود يا عمّة .. يا بعد روحي يا عمّة – ص 36).
ولو استخدم سلام مفردة (عَدِل) المرادفة لصفة (الحي) في اللغة العامية العراقية لكان تقطيع القلب أكثر دقة. ومن المستحيل على أي متلقي يقرأ رواية – سلام ابراهيم – بهدوء ودقة ومشاركة انفعالية مبرّر، خصوصا من القراء العراقيين أولا، وممن مزقت أرواحهم ويلات الحرب – ولا أعلم، كيف يموت المؤلف والقارئ حسب الأطروحة البنيوية المعروفة – ثانياً، أن لا يتوقف عند زعقات الاستغاثة التي كان يطلقها المقاتلون الذين أصابتهم الأسلحة الكيماوية. هذه استغاثات مازالت تدوّي في الوجدان والروح والذاكرة، سمعناها ونحن في خنادق الحرب في مجنون، وهم – رفاق سلام الضحايا في الشمال – فانرعبنا وصرنا نتوسل بالحمامة البيضاء العزلاء الصغيرة أن تكتشف بوادر الضربة الكيماوية قبل وقوعها! أما سلام إبراهيم – والحكاية حكايته – فقد “ذاقها”، وكان ضحيّتها:

– يمّه تعالي ابنك عمه «يمكن أن تكون لفظة “يمّه” العراقية هي أعظم نداء أمومي في التاريخ فهي تندفق من قعر سويداء القلب، في حين تخرج لفظة “ماما” من طرف الشفتين الجاف!! هل هذه عنصرية؟!»

– يمّه راح أموت وما أشوفك

– بويه وينك بويه تعال

– يا بويه عيوني

– يا ياب احترقت .. ولك ياب طفّيني

– أنعل أبو اللي ورطني بالكفاح المسلّح

– ولكم الهوه .. يا ألله الهوه !!

أو وهو يستذكر لحظة ارتياده المبغى لأول مرة حين كان طالبا في سنته الجامعية الأولى ببغداد. تعود واحدة [بغي] وتسحبه من ذراعه المستسلمة. ستقول له جملة لم يدرك معناها:

– إذا تريد أعطيك من وره بربع دينار – ص 142).

وأتذكر أن الموسيقار اللبناني “إلياس رحباني” قال لإحدى المتسابقات في أحد البرامج الغنائية:

(عندك جمال بيوجع) أمّا – سلام إبراهيم – فقد نقل لنا عبارة عامية عراقية أكثر بلاغة وستسير مثلا موجزا بين المتلقين؛ عبارة يعجز عنها حتى الشعر، وذلك حين وصفت زوجته جمال بنت عمته الوحشي بالقول:

«هيـﭼـي جمال ما ينراد!!»

إن أفعالا وأسماء عامية أو أنها تُعد عامية بفعل استخدامها السوقي وضياع أصلها الفصيح مثل: أتبرغث .. انهضمت .. تخرط .. تلبد .. تشرد .. طبّة .. العافطة .. ردفين مدملجين .. إلخ. جاءت في مواقعها الدقيقة والمعبرة.

بين لغة الشعر ولغة الحكاية:
هذه الملاحظة تحيلنا إلى قضية خطيرة تتمثل في الموازنة بين لغة القص ولغة الشعر. فمن وجهة نظر بعض النقاد وأنا منهم، يجب أن تكون للحكاية لغتها الخاصة، مثلما للقصيدة لغتها الخاصة بها أيضا، وعندما تتداخل اللغتان، ينبغي أن يكون هذا التداخل محسوبا بدقة لأن الإفاضة المفرطة فيه سوف ينتج عنها جنس هجين لا هو بالحكاية ولا هو بالقصة .. مرّروه أمام أنظارنا تحت شعار “تداخل الأجناس”، وحال هذا المصطلح كحال مصطلح “التناص”، فهما من نتائج الفلسفة المادية الغربية التي بدأت حداثتها بإعلان موت الله على لسان نيتشه، وانتهت فيما بعد حداثتها بإعلان موت الإنسان على لسان فوكو ثم تفكيكه على يدي دريدا! وفي رواية – سلام إبراهيم – هناك لحظات محتدمة ومواقف عارمة لا يمكن التعبير عنها إلا بالشعر. وقد ذكرنا عنها أمثلة كثيرة في سياقات الاقتباسات السابقة. لكن هناك إفاضة تجعل اللغة الشعرية عبئا على النص وتشوّش إدراكات المستقبل، مثل ”سماء الثقب – يقصد ثقب الباب –، و”النتوء العنيد الرامح، خارق الحيطان والظلال والتائق إلى التماهي” ويقصد قضيبه، وغيرها الكثير. والمصيبة أن مدّ الواقعية السحرية الذي أغرقنا به الأخوة الساردون من أميركا اللاتينية جعل حتى المومس الأمّية تحكي شعرا أبلغ من اشعار السيّاب ونيرودا، حتى أصبحت ملاحظة القاص محمد خضير عن أن أدب ماركيز يفتقد البرهانية صحيحة ودقيقة.

الحجر والتحجّر:
وارتباطا بالاستخدام اللغوي المقتدر، فهناك ما أسميته بـ “اللازمات اللغوية”. فحين تقرأ نصا قصصيا يتكرر فيه الفعل “جعل” – جعل يركض .. جعل يشهق .. – فهو على الأكثر لفرج ياسين .. وعندما تقرأ رواية يتكرر فيها، ولعشرات المرات – وصف “صدرها العالي .. أو نهداها العاليان” .. فهي لفؤاد التكرلي على الأغلب. أما القسم الأول من رواية سلام إبراهيم “في برزخ الإرسي” فلازمته المميزة هي مفردة “تحجر” وما يشتق منها. هذه المفردة تتكرر عشرات المرّات (في الصفحة 99 تكررت سبع مرات). ويأتي اختيار اللازمات اللغوية محكوما بقصدية لا شعورية من جانب، وبوعي تسوقه الأجواء الانفعالية المحتدمة التي تثيرها الثيمة المركزية في نفس الروائي من جانب ثان مكمل. فالشخصية المحورية “سلام” في مخبأه السرّي كان في الواقع “يتحجر” مشاعرا وأفكارا وسلوكا. هذا ثمن العزلة الباهظ .. تبليد المشاعر بمرور الزمن بعد تأججها .. وقولبة السلوك في النوم والجلوس- stereotypy .. وتخافت احترام الذات وتضاؤل الاعتزاز بها من خلال عملية الهروب ذاتها .. والتصرفات العادية والتافهة التي تأخذ طابعا مهينا الآن .. فهو يتبرّز في أكياس النايلون .. ويبول في قناني بلاستيكية .. وبسبب الحرمان الحسّي الذي اشرنا إليه والذي بإمكانه تحويل الإنسان إلى “آلة” صغيرة تؤدي أفعالها بميكانيكية مغثية – من شاهد منكم فيلم “الفراشة”؟ – وكان هو نفسه يرصد تدهور حاله المؤسف هذا، وانحدار شخصيته نحو هاوية “التحجر”:

«يظاهر الجدار الأصم وساقاه ترتكز أصابعهما على حافة الجدار المقابل بفتحاته الأربع. يحملق بمخاريط الضوء الساقطة جواره وحوله وعلى جسده الخامد. ينصت لتخافت بقايا ضجيج ماكينة الخياطة التي هدأت منذ هنيهة، سبقها انقطاع لغط النسوة اللواتي تخافت خطوهن المصحوب بخفق عباءاتهن السود، في سكونه المتحجر .. في معناه الجديد شديد البدائية حيث استحال وجوده إلى مجرد غزال مذعور في غابة .. ضاق معنى الحياة إلى مجرد رغبة في البقاء وعبّ الهواء. اكتشف أن العديد من طباعه قد تغيرت. أكسبه طول المكوث في الحلكة والصمت طباع حجر الجدار المنخور. سكون وعطن .. خواء وتآكل .. تأرجح على حافة الانهيار .. وعدم الرغبة في التحرك حتى أنه عاد لساعات طوال يتحجر تحجر آجر مفخور. يحملق بيده الملقاة جواره، بثنية ساقيه، بفتات الجص المتراكم على قميصه، وكأنها تفاصيل تعود لتمثال قديم في معبد مدفون. يتخافت خطوها الذي يعرف إيقاعه البطيء الخفيف كأنه حفيف أجنحة. إنها تتجه نحو المدخل. كفّت منذ أسابيع عن إخباره حينما تغادر. كانت تفعل ذلك في الأيام الأولى. كأنها نسيته في دوي السكون .. في تحجّره – ص 28».

الإنتقالات بين الأصوات الساردة:
لقد برع الروائي في الانتقالات بين الأصوات الساردة، فكان يتحدث عن بطله متنقلا بين ضميري المتكلم والغائب في حركات محكمة ومبررة سرديا من الناحية الفنية والنفسية. ففي المواضع التي لا يمكن أن يستكشف أعماق البطل الدفينة وانفعالاته وأفكاره الخاصة إلا هو نفسه يتسيّد السرد بضمير المتكلم، ولكن حين تبدأ عين الكاميرا السردية برصد حركة البطل من “الخارج” يتسيّد الخطاب ضمير الغائب – ولا أعلم كيف يُسمّى غائبا وهو حاضر أمام عينيك؟! –. إن اللعب على أوتار الضمائر الساردة ينبغي أن يكون مدروسا ومخططا له وبقصدية واضحة، لا أن يكون لعبا سرديا مجردا كما حصل لدى روائيين معروفين، فصارت هذه التقنية عبئا على النص لا امتيازا ومصدر إثراء وغنى. في موقف ملتهب وممزق يناجي “سلام” ذاته في حوار داخلي يعاتب فيه عمته الوحيدة مثله لابتعادها عنه وعدم تحدثها معه:

«تأخذني التباريح والوجد إلى حافة النحيب:
– لماذا يا عمّة؟ أنت مثلي قانطة وحيدة في هذه المساءات الحزينة. لماذا لا نطرد وحشتنا ولو إلى حين بحديث ما، أي حديث يخلصنا من فداحة الصمت والرعب. نادني يا عمّة. نادي ولو مرة واحدة ودعيني أنزل إلى جوارك. حدّثيني عنك، عن أبي، عن حزنك الدامي، عن ابنك الغائب – ص 44». وبعد هذا النشيج الذاتي الذي يكشف حاجاته الذاتية للتواصل هربا من الوحشة الخانقة، ينتقل الروائي باقتدار إلى تصوير حالة بطله في ضجعته في جوف ظلمة الإرسي: «تشحب الاضواء، تهمد الكائنات الدقيقة وأرواح الظلال. يستلقي على الفراش. يتمدد في الحلكة عائدا إلى لعبة الإنصات وتخمين مواقع سقوط فتات الجص والآجر. سيفرزه الليل نحو بوابة كوابيسه. وأرق سهره القادم من أصوات بواطنه المبهمة. سيوتره صوت محرك سيارة يخفت، صفقة باب، خطى أقدام… – ص 45».

وهذا المشهد الروائي الباهر:
في دراسة نقدية عن (رواية الأحمر) والأسود لستندال قال الناقد الفرنسي “روجيه نيميه” وهو يتحدث عن إحدى صور “ستندال” الفنية التي حفلت بها الرواية الشهيرة والتي ملكت عليه لبه: (هنا .. يجب على المخرج أن يضرب رأس الممثل بقطعة من الديكور). وفي بعض الروايات مشاهد فذة تعلق بذاكرة القارئ إلى الأبد. هي مشاهد متخمة بالدلالات الإنسانية المصاغة فنيّا بصورة لا يمكن نسيانها أو مقارنتها بغيرها من المشاهد. إنها لحظات فنية تتجاوز الواقع وتخرقه. هنا تبدأ الحياة بمحاكاة الفن لا العكس. من تلك المشاهد وقفة مدام بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة وهي تحاول الانتحار ثم تشاهد المغني الأعمى فيصعد إليها الرصيف وتحجم .. ومنها المشهد الذي ينحصر فيه بطل رواية “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” لريمارك مع الجندي العدو الذي يلفظ أنفاسه .. ومنها مشهد أحد شخوص أحلام مستغانمي في روايتها “عابر سرير” وهو يرتعد أمام محاولة المتطرفين تحطيم الباب لقتله .. ومنها محاولة “منيرة” بطلة رواية “فؤاد التكرلي” “الرجع البعيد” الانتحار ومنعها من قبل شقيق زوجها وحديثها الباكي الساحق حزنا ونقمة على الحياة وظلم الناس. وفي رواية (سلام إبراهيم) هذه، هناك مشهد لا نعرف بأية قطعة من الديكور نضرب رأس الممثل بها. إنها قطعة فنية ستكون من كلاسيكيات السرد العراقي. فقد اتفقت العمة معه على أن لا يخبر زوجته بمكان اختفائه في الإرسي. هكذا تمر سنوات لا يرى فيها زوجته وطفله الوحيد. وفي وحشة العزلة وظلمتها يناجي زوجته الحبيبة في مونولوج جارح عن حزنه وافتقاده لها ولأصدقائه وصخب الحياة اليومية:

«صرتُ مثل روح يا حبيبتي؛ روح غير مرئية غادرت الجسد الفاني، روح هائمة، تدور في العتمات والأمكنة، روح تتحاشى التجسّد للأحياء كي لا تثير فزعهم .. تتأملهم من الزوايا والأركان المنسية .. – ص 52 و53». ووسط هذه التداعيات يسمع صوت زوجته آتيا إليه من الشارع .. تصوّروا ردة فعله وهو يراها حاملة ابنه في الشارع من فتحة الإرسي الصغيرة .. لا هي تدري به .. ولا هو يستطيع مخاطبتها .. ولا يفصل بينهما سوى مسافة بقدر سُمك زجاجة الشباك:

«وبغتة اخترقني صوتك. اضطربتُ. توترتُ. تشنجتْ أصابعي الممسكة بإطار الشباك الخشبي. أمد بصري .. أدوّره .. من أين يأتي؟ من الشارع أم من أوهام ذاكرتي؟! أتكونين خلف النافذة؟ .. و .. و .. أسمع نبرتك الفريدة، واضحة قريبة هذه المرة .. وأنت تنادين وتمازحين بنتا جميلة تقف ضاحكة بمواجهة موضعي. أطفر إلى الجهة الأخرى. أرمي بصري من الزاوية المقابلة. لا أرى شيئا. ثمة غشاوة انسدلت على عينيّ، مضافة إلى غشاوة الأتربة المتراكمة على مشبك السيم الصدئ. أصبح من العسير تحديد ملامح الوجوه في ضوء الغروب. أفرك عيني متخلصا من الغشاوة البيضاء. أعاود الحملقة. أقتحمني صوتك هذه المرة قويا .. قريبا، مباشرة خلف النافذة. أشب على أصابع قدمي. أميل مجازفا بالاقتراب من زجاج النافذة. باغتتني قسماتك دانية، لا يفصل بيننا سوى سُمك الزجاج. بخطوك المتأني ووجهك الباسم تدخلين مسافة نافذتي، يباغتني وجه ابننا المدور الجميل، يحدق نحوي ضاحكا وكأنه يراني. أشبّ. أتلظى بناري وأنت تستكملين احتلال فضاء النافذة. تستديرين بقامتك الرامحة نحو البنت الواقفة على عتبة بيت مقابل تبادلينها الكلام .. استديري نحوي يا حلوتي .. أريد أن أراك من هذه المسافة. أريد التحقق من ملامحك التي ضببتها الأحلام والأخيلة والرغائب والذاكرة. أردتك أن تتلفتي كما صغيرنا مرة واحدة. ها أنت تشرعين بالخروج من فضاء نافذتي، ودون وعي وجدتني أضرب عارضة النافذة بقبضة مضمومة مما جعلك تجفلين متلفتة صوب عتمة الشباك، ناظرة بعينين فزعتين .. أتشرب ملامحك المضببة بأغبرة المشبك، والزجاج المغبش بأنفاسي المتلاحقة… تبتعدين. ألاحقك. ستمرين أمام باب البيت. أركض مثل مجنون نحو المدخل. ألصق عيني بثقب المفتاح. يجيء حفيف العباءة أولا .. و .. تقتحمني رائحتك العذبة الظالمة المُعذبة … أستجمع وشل شجاعتي الغاربة كي أستطيع سحب درفة الباب .. يملؤني خيال عناقك .. ضم جسد ابننا .. سأشبع بكاء .. سأبلل رقبتك التلعاء .. سأ .. سأ .. سس .. سس .. أزحزح كفي القابضة أكرة الباب باغيا سحبها .. تعصى متمنعة والسواد يشغل سماء الثقب، ويغيب. تنحل أصابعي وتموت فوق الأكرة، وجسدك المحتشد النابض يتلاشى في شحوب المساء. فأسقط متكوما على بلاط المدخل حاضنا الستارة القديمة. أنتحب نحيب مذبوح، وأحدق عبر غلالة الدمع الفائر المنسكب بالمساء الذي احتل الباحة المهجورة بلون ظلامه الشفيف – ص 53-55».

الفن ليس للفن فقط .. الروائي يؤرخ:
وعندما أقول أن الفن ليس للفن فقط – وهذه الأطروحة بدأت مع صيحة “شارل فلوبير”: “مدام بوفاري هي أنا”، التي أطلقها في قاعة المحكمة، عندما حوكم عن روايته “مدام بوفاري” فصارت شعارا أوغلت الفلسفة الغربية المادية في توظيفه بصورة مؤذية خصوصا على أيدي الأخوين بارت ودريدا – عندما أقول ذلك، فلكي نحفظ للعقل البشري مهابته وتماسكه، فأي فن للفن هذا الذي لا يقف – وطويلا، وبفجاعة – على القدم الأخرى المفقودة للمقاتل الممزق بفعل القذيفة المعادية؟ – هل ستحسب أمّه أشلاءه؟ هل ستطلق نداءها التاريخي مثل العمة المفجوعة باغتيال زوجها وهي تقص ظفيرتها الذهبية وتضعها على جسده في التابوت:

– ليش .. ربّي .. ليش؟

ومن هذا المنطلق الذي يرى أن الفن هو ابن الحياة، ثم يتحول بالخلاقية الفريدة إلى أبٍ لها، أجد أن لا خلل كبيرا في إشارته الصارخة إلى الأسماء والتواريخ والحوادث .. وأود التأكيد على حقيقة أن التأريخ الحقيقي يُكتب بمداد الرواية، وبمداد أرواح المبدعين، وليس بأقلام السياسيين عليهم لعنة الله. المبدعون هم الذين فضحوا الطغاة وسفالة الحروب وعذابات الأمهات. يثير “سلام” الكثير من الإشكالات: هل يُسمى رفيقه المقطّع صاحب القدم المفقودة شهيداً أم لا؟ تلخّص أم ألمانية بسيطة جدا خلاصة النقاش السخيف والمدوّخ الذي دار بعد سقوط هتلر، وهل الحرب عادلة أم غير عادلة، بالقول: ” كل حرب ٍ يُقتل فيها ابني هي حرب عادلة ”. الرواية الآن تُجرّد من قضايا الإنسان المركزية وفي مقدمتها النضال ضد القهر. هي – مع الشعر – “ديوان العرب” الذي ينبغي أن يحافظ أولا على ذاكرة متداوليه. حسب ميلان كونديرا فإن “صراع الفرد ضد السلطة، هو صراع الذاكرة ضد النسيان”..

وعليه، وحينما يشير “سلام إبراهيم” الروائي ملتحما بسلام الشخصية إلى مناضل زاهد هو “ثابت حبيب العاني” الذي تتلمذ على كتاباته، بالقول “من شخصيات اليسار المعروفة وكان صاحب امتياز صحيفة “طريق الشعب” العلنية في السبعينيات .. هذا المناضل أصيب- وهو أصلا مريض بالقلب- بالسلاح الكيمياوي .. فإن هذا توثيق وتأصيل وحفاظ على الذاكرة الممزقة .. الآن يطلع علينا “مناضلون” بيّاعو عتيق سياسي .. ويخدعون الناس لأن لا أحد يفضحهم. بعد الاحتلال بأشهر خرج على شاشة التلفاز شاعر معروف قال أمام الملايين كنت أكسر رجلي وأجبسها كي لا أقرأ أمام الطاغية !!وكل العراقيين شاهدوه واقفا في القصر الجمهوري يمدح صدام حسين ويستلم المقسوم..

في مديح العمّة الجميلة:
كانت المرة الأولى التي يواجه فيها “سلام” الموت كأخّاذ ارواح لا يرحم هو يوم مات زوج عمته؛ تاجر الحبوب والنشط في الحزب الوطني الديمقراطي العراقي قُتل برصاص الحرس القومي صبيحة الثامن من شباط 1963، وهو في طريقه إلى محلّه (ص 32). من المعروف علميا أن الطفل يدرك الموت “مادّيا” بعد السادسة من عمره، فهو يشخصنه ويعده قوة مادية أو بشرية خاطفة. لكن طقس العمة في الأسى على زوجها كان مؤثرا جدا في نفسه .. فقد مزّقت ثوبها .. وقصت ضفيرتها ووضعتها في التابوت .. ومن تلك اللحظة ستتعزز في شخصيته السمة التبصّصية «التي بذرت بذورها الأولى الغرفة المشتركة .. ثم اختبائه بين أغراض محل أبيه النجار) .. ففي وسط العويل والصراخ والنواح المدوّي، أتيحت له فرصة لـ “رؤية” العمة (وهي شبه عارية تغرز أظفارها الحادة بالنهدين البيضاوين الصلبين – ص 31». لقد فقدت العمّة ابنها الوحيد الطالب في كلية التربية الرياضية في ظروف غامضة عام 1978، وقد جال مع العمة طويلا وبعناء مرهق بحثا عن أي أثر له، ولكن بلا جدوى .. لكنه سمع من بعض الطلبة “أنهم” خطفوه من باب الكلّية (ص 35). بعدها تزوجت ابنتها الوحيدة لتبقى وحيدة صابرة في بيتها «قاومت بصمت حصار أخوتها الاربعة المرعوبين من فكرة ترمّلها وهي بنت التاسعة عشر- ص 33». لقد قاومت سيل الخاطبين بضراوة، وسخرت وجودها لأبنائها ولإكمال دراستها، فاندفنت بين هذه الجدران. الصمت ذاك الصمت القديم. أدمنته في وحدتها الطويلة.

إن اللاشعور ماكر ومسموم الدوافع، فهو يتلمظ ويتمطق وهو يحشّد رغباته التي تتحرك متدرعة بأستار الوصف السردي المحايد والدقة الوصفية. هذا ما يمكن أن نسمّيه “مصائد اللاشعور الماكرة” حيث تُمرّر الحفزات المحارمية تحت الأغطية السردية المعقلنة والباهرة. هل كان هروبه من الخدمة العسكرية، وتركه كل ما يفرضه إيمانه العقائدي، ولجوءه إلى “الإرسي” الخانق الصامت هو مداورة شديدة الخطورة والتعقيد صمّمها لاشعوره الماكر بغرائزه التي لا تعرف التأجيل، ولا تقر بمانع أو رادع، وتقفز فوق حواجز الزمان والمكان، وذلك لغرض العودة إلى الحضن المحارمي الأصل وهو العمة الجميلة كما يصفها في عنوان أحد أقسام حكايته، كبديل عن موضوع الحب الأول والأخير: الأم؟:

«-عمّه .. روح من غير مطرود .. أمّك تنتظرك على نار .. يرن في أنحائه صدى كلماتها القديمة، الفائحة محنة وسلاماً، يشمّ في خلوته الموحشة عبقها القديم المُسكر، وهي تعتنقه في المدخل قبل أن يخطو عابرا العتبة إلى ضجيج الغروب. سريرها مرتّب فارغ. أي لوعة فركت روحها طول أكثر من عشرين عاما، وهي تستعيد حرارة جسد الرجل الذي مرّ مثل طيف؟ لا يزال يتذكر عريها القديم، نضارة وسطوع بشرتها البيضاء، رقصها المذبوح في إيقاعه الشرس. كم تلظّت تلك التضاريس الرشيقة في أتون الشهوات التي تموت بحدود السرير البارد؟ وأي ليال مضنية تقلّب فيها الجسد الناعم على جمر الرغبات المكبوتة؟ – ص 33 و34». لقد كان يستعيد أيضا معاناته ولواعجه المسننة التي تمزق روحه بفعل افتقاده سخونة ونبض شريكته الحميم .. حتى أنه غامر في ليلة متسللا إلى بيت أهلها القريب حيث تقيم منذ التحاقه بثوار الجبل، لكنه لم يجرأ على قرع الباب، بسبب ادعائها كونه مفقودا في الجبهة (ص 34).

………. يتبع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *