باسم الأنصار: المشاكس (ملف/12)

إشارة :
رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي أحبه وعشقه، وكان قضيته الوحيدة التي التزم بها بخلاف كل الإيحاءات السلوكية “العبثية” التي كوّنها عنه الكثيرون ممن عايشوه. تكريماً لذكراه ولعذاباته ومنجزه الشعري المهم، الذي لم يحظ بالمتابعة النقدية التي يستحقها تطرح أسرة الناقد العراقي هذا الملف عنه، وتدعو الأحبة الكتّأب والقراء إلى رفده بالدراسات والمقالات والصور والوثائق المتوفرة لديهم.
أسرة موقع الناقد العراقي

كان نمط الحياة اليومي لوليد البغدادي صاحب السبعين عاماً هو كالآتي: ينهض من نومه صباحاً عند الساعة العاشرة تقريباً في شقته المكوّنة من غرفة نومٍ وصالةٍ صغيرتين، ثم يذهب الى الحمام بدشداشته البيضاء وخطواته البطيئة ليستحم سريعاً، وبعد ذلك يجلس في الصالة ويدخن سيجارته الأولى شارد الذهن، كمن يتأمل سنواته الماضية بحسرة. وبعد انهائه لسيجارته، يفتح الكمبيوتر والانترنيت ليستمع الى محطة اذاعية عراقية محددة تبث الأخبار والأغاني المختلفة، ثم يذهب الى المطبخ ليسلق بيضتين، كان يأكلهما مع قدحٍ من الشاي بسرعة، ومن ثم يجلس قبالة الكمبيوتر الموجود في الصالة، ليمارس لعبة البوكر مع لاعبين مجهولين في أحد المواقع الالكترونية. وبعد أن ينهي كل شيء، كان يرتدي احدى بدلاته الأنيقة التي تناسب جسده النحيل جداً، ويمشط شعره الطويل الناعم الأشيب، ومن ثم يتوجه الى المقهى العراقية الواقعة بالقرب من شقته في كوبنهاجن مشياً أو عبر الباص، وذلك عند الساعة الثالثة بعد الظهر، ليبقى فيها لمدة خمس ساعات تقريباً، كان يقضيها بين تبادل النكات والشتائم والسخرية مع زبائن المقهى الذين يعرفون بعضهم البعض وبين ممارسة لعبة الدومينو مع ثلاثة من معارفه من كبار السن وبين تناوله وجبة الطعام الكبيرة والوحيدة التي تكون عادةً إما تشريب مع اللحم، وإما كباب مع السلاطة أو تكة مع السلاطة. وحينما كان يغضب من بعض زبائن المقهى لسببٍ ما، كان يسرد سيرة حياته باختصار، ليظهر احتقاره لهم بالقول: ”كس أخت الحياة اللي خلّتني أشوفكم يا مطايا، آني اللي تربيت في بيت عائلة بغدادية عريقة، ودرست اللغة الفرنسية في جامعة بغداد، يصير بيّ هيجي؟، يا مطايا آني هربت من العراق سنة 1980 الى سوريا كرهاً بصدام حسين، وعشت هناك 11 سنة تقريباً أناضل ضده، وبعدها طلبت لجوء الى الدنمارك، وكضيت حياتي كلها عازب وعايش لوحدي وما محتاج أحد، وتاليها كمت أجي لهاي الكهوة حتى اكضي وقتي وياكم يا تافهين يا خوات الكحبة‟ ، فكان الآخرون يجيبونه بالضحكات والتعليقات الساخرة.
وكان حينما ينهي ساعاته الخمس هناك يصيح بأعلى صوته: ”وينه هو أخ الكحبة اللي يوصلني بسيارته لشقتي؟‟ ، فكان البعض منهم يتزاحم على أخذه الى شقته بكل رحابة صدر بسبب محبتهم الكبيرة له على الرغم من إنّ الجميع لم يسلم من لسانه السليط ومن بذاءته سواء في السخرية أو في حالات الجد. وحينما يصل الى باب شقته كان يفتح باب السيارة وينزل منها صامتاً، ثم يغادر سائقها من دون أن يلقي عليه التحية أو من دون أن يهديه كلمة شكرٍ على مهمة إيصاله الى الشقة، فما يكون من صاحب السيارة سوى أن يبتسم ويتمتم مع نفسه وهو يهزّ برأسه: ”وليد‟
وحينما كان يدخل الشقة، كان يقوم بفتح الكمبيوتر ليستمع لآخر الأخبار من المحطة الاذاعية العراقية ذاتها، ومن ثم يلعب لعبة البوكر مرةً أخرى. كان لعبه المتواصل للعبة البوكر متأتٍ من ولعه الشديد في القمار منذ أيام شبابه، والذي بسببه أيضاً كان أحياناً يذهب لوحده الى مقهى دنماركي مخصص للعب القمار عن مسابقات الخيول تقع بالقرب من شقته، بدلاً من التوجه الى المقهى العراقية. كان يجلس هناك وحيداً، يراقب شاشات التلفزيون المعلّقة على جدران المقهى، لمشاهدة مباريات سباق الخيول، ويمسك القلم وورقة القمار، ثم ينهمك باللعب بشكلٍ غريب، ولا أحد يرافقه هناك سوى سجائره التي كان يشفطها شفطاً الواحدة تلو الأخرى. كنت أحياناً أقتحم خلوته مع القمار في المقهى حينما لا أجد له اثراً في المقهى العراقية، ثم أجلس على الكرسي أمامه من دون أن يشعر بوجودي بسبب انهماكه في كتابة رقم الحصان الذي يراهن على فوزه في الورقة الموجودة على الطاولة القابعة أمامه. وكان حينما يرفع رأسه عن الورقة ويراني، كان ينظر لي بنوعٍ من السرور ويقول: ”ها، أخ الكحبه، بعد شويه نروح لشقتي، بس خلّيني أخلص من الرهان الأخير اللي عندي ونروح‟ ، كنت حينها أبقى جالساً أمامه وأنظر إليه صامتاً ومبتسماً ومنتظراً إياه الى أن ينتهي من رهانه الأخير. وحينما كان ينهض بعد خسارته المعتادة كان ينظر الى الخيول المتسابقة في التلفزيون ويقول بصوتٍ عالٍ غير مكترث لرواد المقهى الدنماركيين الذين يلعبون القمار ويشربون البيرة من حوله: ”أخ الكحبه، هذا الحصان رقم عشرة ما أعرف شبيه اليوم؟ يجرّ بطيزه جر أخ الكحبه‟ ، وبعد أن يعود الى شقته، وبعد سماعه لآخر الأخبار وممارسة لعبة البوكر، كان يقوم بفتح زجاجة النبيذ الأحمر التي كان يواظب على شرائها بعد أن يعود من المقهى، وبصنع المزّة البسيطة المكوّنة من قطع الجبن المكعبة الصغيرة ومن قطع البطيخ والفراولة، ثم يتناول نبيذه وحيداً، وأحياناً مع بعض أصدقائه أو معي لأنني كنت جليساً لطيفاً على حد تعبيره بالرغم من أنه كان يكبرني بثلاثين عاماً. وما أن ينهي شرابه على إيقاع ونغمات أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ويوسف عمر، كان يتوجه الى فراشه مترنّحاً، ليغط بنومٍ عميق، أعمق من الموت.

***

لم يسلم أحدٍ من العراقيين في كوبنهاجن أو في أيّ مكانٍ آخر من لسان وليد السليط ومن شتائمه. إذ، كان مشاكساً حاداً وناقداً لاذعاً وكان أحياناً يتحدث ضد قناعاته وآرائه من أجل اغاضة من يتحدث معه وخصوصاً إذا كان هذا المتحدث معه متحمساً أو متطرفاً في آرائه. فمثلاً، حينما كان يعيش في سوريا على اعتبار أنه كان بعثيّاً سابقاً ومعارضاً لنظام صدام حسين، كاد أن يفقد حياته أو على الأقل كاد أن يسجن الى الأبد في سجون المخابرات السورية، وذلك بفعل تهجمه على حزب البعث في احدى جلسات الخمر مع مجموعة من أصدقائه العراقيين والسوريين في دمشق:
”انتميت الى حزب البعث بالصدفة لمدة عامين فقط، وذلك حينما كان عمري عشرين عاماً عن طريق أحد أقربائي الذي كان يكبرني بالعمر، ولكنني كلما أتذكر ذلك، أشعر بالندم، طز بالبعث‟ ، فعلّق أحد الجالسين بسخرية محاولاً استفزازه: ”ولكنك الآن تعيش في دمشق تحت خيمة البعث‟ ، فردّ عليه وليد بعصبية: ”أخ الكحبة، سوريا ليست بضاعة تابعة لأحد، أنا أعيش مع الشعب السوري وليس مع النظام، هذا يعني أنني أعيش تحت خيمة السوريين فقط، ثم أنني أعيش بجهودي وكتاباتي في صحف المعارضة العراقية وصحف المقاومة الفلسطينية‟ ، فسأله آخر: ”طيب، ولأي حزبٍ كنت تتمنى أن تنتمي اليه غير حزب البعث؟‟ ، شرب وليد جرعةً سريعة من كأس الخمرة، ثم قال: ”لا أحد، فأنا لا أحب الانتماء لأيّ شيء ولا لأي حزب، لأن جميع الأحزاب والأيدولوجيات خراء، ولكنني اذا خيّرت فأنني كنت أتمنى الانتماء الى أحد الأحزاب اليسارية على اعتبار انها أحزاب تنويرية وتقدمية‟ ، فردّ عليه شخصٌ آخر: ”ولكنك كنت بعثياً يسارياً ولم تكن يمينياً‟ ، فردّ عليه وليد الرد الصاعق الذي كاد أن يؤدي به الى التهلكة: ”أخ الكحبة، وشنو الفرق بين البعثي اليساري والبعثي اليميني؟ اثنينهم نازيين وفاشيين، يعني الخراء أخو البول‟ ، فراح جميع معارفه في دمشق يرددون هذه العبارة بتهكمٍ وسخريةٍ في جلسات السهر والخمر الخاصة، الى أن وصل خبرها واسم قائلها الى الوكلاء السريين للمخابرات السورية التي لم تتوان عن اعتقال وليد من شقته في احدى الليالي، وعن القائه في سجونها السرية. وهناك ضُرب بقسوة بالأيادي والعصي الى أن رأى نجوم الظهر، وأهين أشد الإهانة لمدة اسبوع، ولولا تدخل بعض البعثيين السوريين الذين كانوا يحبونه ويحترمونه لدى جهاز المخابرات لكان مصيره أما السجن المؤبد أو القتل أو الابعاد عن الأراضي السورية.
وذات مرة سافر الى بغداد في ربيع العام 2010 ، أي بعد دخول القوات الأمريكية الى العراق عام 2003، واكتشف بأنّ عائلته المكوّنة من خمس أخوات، قد أصبحت عائلةً سنيّة متطرفة على العكس تماماً مما كانت عليه قبل أن يغادر العراق. ولكثرة ما سمع من آراء دينية متزمتة من قبل أخواته وأزواجهن وأبنائهن في جلساته اليومية معهم، راح يشتمهم ويسبّهم، وراح يقول لهم كعادته من أجل استفزازهم: ”طز بابن تيمية، طز باخوان المسلمين، طز بالوهابية، وطز بالفقهاء، أولاد الكلب تركتكم ناس بسطاء ومنفتحين مع الناس، تركتكم وأنتو ما تحجون بالدين هواي، ولا تؤمنون بالآراء الدينية المتطرفة، شصار بيكم أولاد الكلب؟‟ ، فما كان من أهله سوى أن يكظموا غيظهم وغضبهم احتراماً لكبر سنه، وكذلك لمكانته الاجتماعية
التي يشهد عليها الجميع.
وفي احدى المرات من زيارته تلك لبغداد التي استمرت لمدة شهر، وبينما كان عائداً عصراً من احدى لقاءاته مع أصدقاء الشباب في سيارة نقل الركاب الى بيت أهله الواقع في احدى المناطق التي صارت سنيّة تماماً بفعل التهجير الطائفي الذي حدث في بغداد بين عامي 2006 و2008 ، سمع بعض الركاب يمتدحون الفترة التي حكم فيها صدام حسين: ”والله جنّا عايشين بأمان وسلام بزمن صدام، بس هسه لا، لأن هسه نعيش بزمن الميليشيات والحرامية‟ ، فما كان منه سوى أن يزعق بصوتٍ عالٍ أخرس الجميع بسبب غضبه وجرأته: ”طز بصدام، شلون تحبون وتترحمون على هذا الحمار؟ هذا قتل السنة والشيعة والأكراد، وما رحم أحد أبد، وصنع ثلاثة حروب وحصار اقتصادي، دمّركم بيها ودمّر مستقبلكم، شبيكم، معقولة تحبون هذا المطي‟ ، وحينما لاحظ علامات الصدمة والغضب على وجوه الحاضرين الذين لم يكلّموه لكبر سنه ولضعف بنيته التي كانت توحي لمن يراه بأنّه مصابٌ بمرضٍ مزمن، بادر بالكلام إليهم بنبرة أهدأ محاولةً منه لامتصاص غضبهم: ”اخوان، أني بعثي سابق، وتركت الحزب لأنّ صدام قتل وأعدم هواي من البعثيين الشرفاء، تتذكرون لو نسيتوا؟‟ ، حينذاك، استرخت وجوه الركّاب، وهدأت نفوسهم قليلاً، شعوراً منهم بأن الذي يتحدث إليهم هو جزءٌ منهم، سنّي وبعثي: ”نازل عمي نازل‟ ، نادى بصوتٍ عالٍ على سائق السيارة الذي توقف مبتسماً وهو ينظر إليه في المرآة الصغيرة المعلّقة أمام عينيه، وذلك لاتفاقه مع ما كان يقوله. فتح وليد الباب بارتباك، ونزل منها بسرعة، من دون أن ينظر إلى أيَّ من الركاب الذين كانوا ينظرون إليه باستغراب، ثم أغلق الباب خلفه بشيءٍ من الخوف. وحينما وطأت أقدامه الأرض، مشى بسرعة عكس اتجاه السيارة وراح لون وجهه يتقلّب أصفر، أحمر، خوفاً من أن يتبعه أحد الركاب الموالين لصدام، ويشبعه ضرباً. وبعد خطواتٍ من مسيره، توقف للحظات ثم التفت ببطء الى الخلف نحو السيارة التي مضت في سبيلها، فشعر بالارتياح، لأنه لم يجد أحداً يتبعه. حينذاك قال مع نفسه: ”خوّفتوني يا أولاد الكلب، ألعن أبوكم لابو صدام حسين‟
وذات مرة، كان في ضيافته في كوبنهاجن اثنين من أصدقائه الشيوعيين السابقين. فراح الأول يستذكر محاسن الشيوعية طوال الليلة، فما كان من وليد بعد أن صالت وجالت الخمرة في رأسه إلاَ أن يوجّه بصره إليه من خلف نظارته الواسعة العدستين، ثم قال: ”كس أختك وأخت الشيوعية، ما الذي حصدناه من تجربة المعسكر الشيوعي في أوربا غير الديكتاتوريات والقمع والسجون والقتل الجماعي والجوع‟ ، سحب نفساً قصيراً من سيجارته، ثم أكمل: ”ماركس عظيم، وأنا معجب بقراءاته العميقة لأنماط الانتاج وفائض القيمة، ومعجبٌ أيضاً بتصوراته عن مفاهيم الجدل والاغتراب والارتقاء وما إلى ذلك، ولكنني ضده حينما قام بالتنظير لديكتاتورية البروليتاريا، وأنا ضد ذلك، وضده حينما نادى بالتغيير الثوري عبر العنف، وأنا ضد العنف، وضده أيضاً حينما دعا الى تدمير الرأسمالية وأنا ضد ذلك، ولكن هذا لا يعني بأنني مع الرأسمالية تماماً ولكنني ضد أن تجعلها عدواً لك، عدواً يجب تدميره، وهذا ما دعا إليه ماركس وما دعا إليه صنّاع نظرية المؤامرة البائسة الذي تحبهم، كس أختك وأخت ماركس وأخت الشيوعية‟ ، فما كان من الضيف الآخر سوى الضحك والسخرية من صديقه الذي كان يعارضه دوماً في أرائه، ثم قال: ”أنا تخلّيت عن أفكاري الشيوعية القديمة منذ زمن بعيد وبالأخص بعد أن عشت في الدنمارك، لأنني اكتشفت بأنّ أفكارها هي مجرد أحلام وهمية لا يمكن أن تتحقق، أخبره يا وليد أكثر عن مساوئ الشيوعية، أنا أعتقد بأنّ الليبرالية المطلقة هي الحل‟ ، فما كان من وليد بعد أن ارتشف قليلاً من النبيذ من كأسه بسرعة، إلاَ أن يوجّه عينيه السكرانتين بحديّة صوبه وقال له: ”أخ الكحبة، الليبرالية المطلقة وحش مفترس، وحش يريد تحطيم كل القيود التي تريد تحديد شراهته وطمعه، لو ناديت مثلاً بالليبرالية المحافظة التي تقبل بتدخل مدروس من قبل الدولة لربما كنت قد اتفقت معك، ولكنك تريد الليبرالية المطلقة التي ستفترس البشرية من أجل مصالح قلة قليلة من البشر، كس أختك وأخت الليبرالية المطلقة يا مطي‟
وفي احدى المرات، كان حاضراً في أمسية ثقافية عن حقوق المرأة العراقية، وذلك قبل سقوط نظام صدام حسين بفترةٍ قليلة. لاحظ حماس الناشطة العراقية التي كان يعرفها منذ زمن طويل في ندوتها، ولاحظ تفاعلها الشديد في الرد على أسئلة الحاضرين، فضحك مع نفسه وقرر أن يستفزها كعادته بآرائه المزعجة. وبعد أن انهت ندوتها، سحبها بهدوء من ذراعها الى أحد أركان القاعة الفارغة وقال لها: ”أنت تتحدثين عن حقوق المرأة العراقية بحماسٍ شديد، ولكنك نسيت أن تتحدثي عن حقوق الرجل العراقي أيضاً، فهل برأيك أن الرجل العراقي يمتلك الحقوق الكاملة؟‟ ، تنهدت الناشطة ولم تجبه بأية كلمة لمعرفتها المسبقة بما سيقوله لها، وذلك لاعتيادها على تعليقاته النابية والساخرة، ثم أردف: ”أنت تعرفين جيداً بأنني أحترم المرأة كثيراً، وأؤمن بحقوقها المفقودة أيضاً، ولكن ألا تعتقدين بأنّ الرجل العراقي أيضاً ليست لديه أيّة حقوق؟ فحياته كما تعرفين مهدورة إما في حروب صدام وإما في سجونه‟ ، فسألته الناشطة بنوعٍ من الضجر: ”ماذا تريد أن تقول يا وليد؟‟ ، فأجابها بسرعة: ”ليس من المفروض أن تتحدثي عن حقوق المرأة فقط، فالأجدر بك أن تتحدثي عن حقوق الرجل أيضاً‟ ، فتساءلت الناشطة بنوعٍ من الاستياء والغضب المكبوت: ”وما هي حقوق الرجل برأيك؟‟ ، أجابها بتهكم وخبث وهو يشفط دخان سيجارته: ”ممارسة الجنس ويه المرأة في الوقت اللي يريده وبالطريقة اللي يريدها ومن المكان اللي يريده ‟ ، فانتفضت الناشطة وقالت له بصوتٍ مكتومٍ: ”وليد، ألا تتغيّر يا وليد؟‟ ، ثم انسحبت من أمامه غاضبةً.
وحينما كان يدخل المقهى العراقية في كوبنهاجن، كان أول شيء يبدر من لسانه لحظة دخوله: ”تسقط الأحزاب الشيعية العميلة لإيران‟ ، على اعتبار أنّ الغالبية العظمى من زبائن المقهى الكبيرة الحجم هم من الشيعة، على الرغم من عدم انتماء هؤلاء الزبائن لهذه الأحزاب لا من قريب ولا من بعيد. كان بعض الجالسين يردّون عليه بالضحك والتعليقات النابية الساخرة التي يحاولون من خلالها مجاراته في استفزازهم: ”أخ الكحبه، كس أختك وأخت الوهابية‟ ، فكان يردّ عليهم ضاحكاً: ”خوات الكحبة، انتوا شعليكم، انتو شيعة بسطاء حالكم حال بقية العراقيين، بس هاي الأحزاب اللي كاعد تحكم العراق من سقط صدام ولحد الآن، كلشي ما حصلتو منها غير بس الفساد والسرقات والاغتيالات والطائفية، بس انتو مطايا ما تفتهمون‟
وعلى الرغم من تقبّل الكثير من زبائن المقهى لكلامه ضد هذه الأحزاب، إلاّ أنّ اثنين من الشباب الضخام الجثة، كانوا يشعرون بالانزعاج من تعليقاته المستفزة هذه، وذلك بسبب تطرفهم الطائفي. لذا جلسوا معه في احدى المرات من دون استئذان، حينما كان جالساً على احد كراسي المقهى لوحده وهو منغمس بمشاهدة نشرة الأخبار في التلفزيون الكبير المعلق على احد الجدران، ثم هدده أحدهم بنبرةٍ خافتة قائلاً له: ”اسمع وليد، إذا حجيت مرة ثانية على الشيعة بهاي الطريقة راح نشمرك من الشباج وعلي بن ابي طالب‟ ، فما كان منه سوى الصراخ بوجوههم قائلاً: ”امشوا لكم خوات الكحبة، ألعن ابوكم لابو الأحزاب الشيعية‟ ، فنهضا من كرسيهما غاضبين، ثم خرجا من المقهى بصمتٍ، بعد أن شاهدا أنظار الزبائن المتجهة نحوهما ، وبعد أن سمعا كلامهم المتسائل: ”هاي شكو يمعودين؟ خيرك وليد؟‟ ، فردّ عليهم وليد: ”ماكو شي، ماكو شي، اثنين مطايا وكلشي ما يفتهمون‟ ، ثم سرد لهم ما حدث بتهكمٍ وسخرية.
وفي اليوم التالي، وقف الشابان في وسط المقهى، وتكلّم الأول بصوتٍ عالٍ موجهاً كلامه لوليد الذي كان منشغلاً بلعب الدومينو مع زملائه الثلاثة: ”اسمع وليد، انت رجال جبير بالعمر، ولهذا احنه نحترمك وساكتين لك على هواي أمور، بس أحذرك واكلك، هاي آخر مرة، إذا حجيت على الشيعة بهاي الطريقة الزفرة مرة ثانية، راح اكتلك والحسين، ورجاءً ما نريد أي واحد بالمكان يدّخل بالموضوع، رجاءً لأن انتو تعرفون معزتكم عدنا‟ ، شعر وليد بالخوف منهما بجدية، لأنه رأى مدى جديتهما وغضبهما، وكذلك لأنه رأى صمت الزبائن وعدم تدخلّهم بالكلام لحمايته منهما، لشعورهم بالصدمة من مدى جديتهما في تهديد وليد. غير أنّ صاحب المقهى الخمسيني عمران، اقترب منهما وقال لهما مبتسماً بأسلوبه الهادئ وبطيبته المعهودة: ”يمعودين شنو السالفة شباب، هذا وليد لو نسيتوا‟ ، فقال الثاني له: ”لا ما نسينا بس هو كلش رايح زايد، وميصير يحجي بهاي الطريقة على الشيعة، خلي يحترم مشاعرنا شويه‟ ، فردّ صاحب المقهى عليه قائلاً: ”بس وليد ما كاعد يحجي عالشيعة، هو كاعد يحجي على الأحزاب الشيعية، بس مو مشكلة، ولا يهمك حبيبي ولا يهمك، امسحها بهاي لحيتي وشيباتي وبعد ماخلي وليد يحجي على الأحزاب الشيعية مرة ثانية وإذا حجه بعد ما أدخله للكهوة‟ ، ثم التفت الى وليد مبتسماً وقال وهو يغمز بإحدى عينيه إليه لتهدئة الأمور: ”حبيبي وليد الله عليك بعد لا تتشاقه ويه الجماعة بهاي الطريقة، وأرجوك بعد لا تحجي بهاي الطريقة مرة ثانية‟ ، فقال له وليد بنبرة خائفة: ”شمسوي اني قابل، كاعد اتشاقه وانتو تعرفون طريقتي بالشقه، قابل هاي أول مرة، ثم آني ما كاعد احجي عالشيعة، آني كاعد احجي عالأحزاب الشيعية مثل ما أحجي دائماً عالأحزاب السنية والكردية؟‟ ، فقال له الشاب الأول: ”ندري هاي مو أول مرة بس نريدك تسويها آخر مرة، وبعد ما نسمح لك تحجي عالشيعة بهاي الطريقة، خوش؟‟ ، فقال له وليد محاولاً انهاء المشكلة: ”خوش يابه خوش، بعد ما احجي وياكم ولا احجي كدامكم عالأحزاب الشيعية‟ ، ثم التفت الى زملائه وراح يواصل اللعب معهم بصمت، تاركاً الشابين يخرجان من المقهى بثقةٍ وهدوء.
وفي لحظة خروجه من المقهى عند الساعة الثامنة مساءً برفقتي بعد اتصاله بي تلفونياً لإيصاله بسيارتي الى شقته، رأى وليد الشابين وهما يقفان ويدخنان السجائر معاً خارج المقهى تحت سماء الشتاء المظلمة والباردة، ثم طأطأ رأسه بسرعة خوفاً منهما بعد التفاتهما إليه، وواصل مسيره معي نحو سيارتي المركونة بالقرب من المقهى بخطواته البطيئة. وبعدما جلس في المقعد الأمامي للسيارة في اللحظة التي جلستُ فيها خلف المقود، وبعدما تحركّت السيارة قليلاً، أخرج رأسه من نافذة السيارة القريبة منه، وقال بصوتٍ عالٍ للشابين محاولاً افراغ غضبه منهما واغاضتهما: ”طز بالأحزاب الشيعية‟
ُصدِمتُ لذلك، وخصوصاً أنني رأيتُ بلمح البصر ملامح الغضب التي اعتلت وجهي الشابين حينها، لذا حاولت التخلص من المأزق الذي وضعني وليد فيه، وانطلقتُ بالسيارة بسرعةٍ أكبر، خوفاً من أن يجري الشابان نحو وليد وينزلانه من السيارة ومن ثم يضربانه، غير أنه لم يكترث لذلك على الاطلاق. إذ، أعاد ظهره الى الخلف بهدوء وأخرج سيجارة من جيبه، ومن ثم بدأ بتدخينها باسترخاء وهو يوجه أنظاره الى الأمام.
سألته مندهشاً: ”ما الذي فعلته يا وليد؟ ألا تخشى من أن يضربوك في المرة القادمة؟‟ ، فأجابني بثقة كبيرةٍ: ”لا تخف لن يفعلوا شيئاً سيئاً معي أبداً، وذلك احتراماً لعمران صاحب المقهى وللزبائن، وكذلك لأنهم يعلمون بأنني سأشتكي لدى الشرطة ضدهم إن قاموا بالاعتداء علي، وفوق هذا وذاك، سأقوم بالاتصال بعمران هذه الليلة بعد أن أصل الى الشقة، وأطلب منه بأن يتحدث معهم بطريقته الطيبة المعهودة لكي لا يقترفوا أي شيء ضدي غداً، وعمران دائماً ما يقف معي في كل مشكلة أقع فيها مع الآخرين، ودائماً ما ينجح في حمايتي منهم‟ ، التفت إليّ مبتسماً، ثم اهداني من خلف نظارته الكبيرة غمزة من عينه اليمنى، جعلتني أضحك طويلاً طوال الطريق لخبثه الجميل.

باسم الأنصار

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *