قناعة
بقلم رنا جعفر محمد

لقد تناولت جرعةً كبيرةً من كأس الخيال ، حتى سكرت وبت أرى كل شيء بعينٍ ثانيةٍ . أصبح الكل يمشي و يتحرك، بل و يناقش أيضا مسائل الحياة المهمة.
قبل عدة أيام بينما كنت أعد البيتزا ، صاح الفلفل الذي انهيت تقطيعه للتو و بدأت بوضعه فوق طبقة من الجبن والعجين: ” سأنهي مهمتي التي كلفني بها الرب.. و ها أنا الآن في آخر خطوة نحو الأبدية ” و رفع يديه النحيفتين فرحا متمتماً ” نعمممم!”
– أجابه صوت انطلق من تحته، و كان صوتاً غليظاً خشناً، مثل حاكم قد خسر معركته للتو: ” ما بك أيها الأبله ، و ما هذا الذي تقوله؟ أتعرف الى أي هلاك نحن ذاهبون، و ما الذي سيصيبنا ؟!”
– نظر اليه الفلفل باستغراب واتسعت عيناه ، لكنه لم يتفوه بكلمة ! مصغيا لما سيقوله!
– “سندخل إلى هذا الصندوق الأسود ، حيث الحرارة على أشدها و سنبقى هناك حتى نذوب وننصهر وتتغير ملامحنا. سأصبح عجينةً لزجةً التصق بكل ما حولي” . اعتلى الصمت و الذهول المكان برهة من الوقت . نظرت الخضراوات و المكونات الأخرى الى بعضها بعضاً بريبةٍ و خوفٍ لما سيحدث لها.
– “لا أظن أن هذا صحيح.. صاح الفلفل. و حتى إن كان كذلك, فيكفيني أنني قد أديت المهمة التي جئت بها الى هذا العالم على ـكمل وجه “.
” هه ” قال الجُبن مستهزئا “هل حقاً هذا ما تظنه!؟”-
– “أنا متأكد . لكنها يا صديقي مسألة رؤيا مختلفة، فكل منا يرى الأمور من زاويةٍ معينةٍ، و قد قضى حياته على هذا النحو. كما انني لا اعتقد انني سأتألم لما سيحدث لي بعدها ، فكل يلاقي ما يؤمن به. فإن كان الخوف و العذاب هو ما قضيت حياتك مؤمنا أنك ملاقيه فذلك ما سيحدث. و إن آمنت أن المحبة و الرحمة هي نهاية نفق الحياة ، فستصل اليها بالتأكيد” .
” أوه ” تأوهت بعض المكونات ارتياحا عند سماعها ما تفوه به الفلفل.
كنت قد اكملت حينها وضع باقي المكونات من الطماطم و الزيتون و اللحم وبالطبع الفلفل و الجبن و رفعت الصينية لوضعها في الفرن . فصرخ الجبن ” لااااا لاااااا ” خوفا مما سيلقاه.
و صاح الفلفل ” نعمممم نعمممم ” مرحبا بك أيتها الأبدية.
أما أنا فذهبت لأغسل وجهي ، لعلي أستفيق من سكر الخيال الذي داهمني مؤخرا .

شاهد أيضاً

بن يونس ماجن: ويل للمطبعين

عرب اليوم لا يشعرون بالعار وليس لهم احساس الغضب عبثا يلعبون بالروليت الروسية ويتوسدون نشارة …

عصمت شاهين دوسكي: حرق علم أم ثروة موتى ..؟

كثرت المنابر ،كثرت الكراسي ،كثر الموتى للركود سبيلا ،السراب حقيقة .. كثر الجهلة اجتمع الجهلة …

يونس علي الحمداني: عندما كنا صغارا

عِندما كُنا صِغارا كانت لنا قلوبٌ كِبار كانتْ تصغر .. تصغرْ كلما كُنا نَكبر.. عِندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *