محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (الحلقة الثانية)

– 3 –
لم يتوصل أبوعلي الغالب الى مصالحة لا مــع نفسه ولا مع الآخرين ، فأختفاء تلك
اللجان في رأيه مثل خروج آدم من الجنة . ظل حتــــــى بعد ثلاثة أشهر مـن القرار
المريرللمدير العام يحلم في اليقظة والمنام ، أن الأمر برمته ليس سوى كابوس أنبعث منه هو لكي يجلد به روحه . شك العديـــد مـــن موظفي تلك الدائرة العملاقة بسلامة
عقله ، ولم يفكر أحد منهم أنهم ربما جنحوا الى المبالغة في تقدير حالته ، أو في الأقل
قــد دفعتهم الشماتة به الى ذلك الشك . كاد يتحدث مع نفسه فـــي العلن في كثير مـــن
الأحيان، فهـــو قــد وجد عن قناعة غير مبررة، أي أنها لا تستند علـــى أي وقائع أو
حيثيات، أن أولئك الرفاق الذين رفعوا التقارير عـــن سرقات المديرين، لــــم تكن ألا
وشاية غير منصفة وغير حقيقية ، وأنه هو من كان مقصودا بها وليس أولئك المدراء.
هــو الذي يمقته الحزبيون القدامى والجدد بسبب مواقفه القديمة ، ثم أنه مـــا عاد يفهم
أو يتقبل عقله هذا الموقف العنيد للحزب في رفضه أعتذاره والأصرار علــــــى عدم
عودته الـــى صفوف الحزب في الوقت الذي قبل أعتذارات العديد من الرفاق القدامى
الذين أنهاروا مثله .
تأكد لديه من خلال تعنت المدير العام في قراره عمـا يخص اللجان ، أن كل الحزبيين
العاملين في هذه الدائرة العملاقة وليس المدير العام وحده ، هـم من يريدون كبسه فـي
في مكتبه البائس في تلك الغرفة الكائنة في الطابق الرابع . رأى وهو فــي عمق بؤسه
أن الكل يتسلق بسرعة لا نظير لها الوظائف المرموقة . كان يبكي في داخله ، يعني أن
دموعه كانت تسقط في قلبه ، لا بسبب حسده بـل لأن معظم ذلك الكل لا يمتلك أرجحية
عليه سوى أنتمائه الى الحزب .قرر فـــــي لحظة أعتقد أنها هــي الأخيرة المتبقية لــه على وقوفه على حافة الأنهيار ، أن يواجه المدير العام ، أن يرمي في وجهه كل آلامه
وأحزانه وأساه ، وليحدث ما يحدث . تجاوز السكرتيرة التـــي فوحئت بأندفاعه نحـــو
باب المدير العام ، وحين قفزت من كرسيها كان هو في منتصف الغرفة وأمام منضدة رجــل الدائرة الأول . حاولت أن تسحبه من الخلف لكنــــه نتر يدها ، عندئذ أشار لها
المديرالعام أن تخرج من الغرفة وأن تغلق الباب وراءها .

– ما الأمر ؟
قال المدير العام بلهجة آمرة .. رد عليه أبو علي الغالب بشجاعة :
– أنا لا أقبل بهذه الحالة لنفسي .
– أي حالة ؟
– رميتني في آخر الدرجات ؟
– لم أفهم .
صرخ أبو علي الغالب بصوت عال :
– كنت ساعدك الأيمن الذي لم يخذلك أبدا .. خدمتك الى أقصى مــا بوسعي مـن خلال
لجان طورت العمل في دائرتك ، لكنك رميتني في القمامة .
– لا تصرخ وألا سأرميك في الشارع . لجانك التي تتحدث عنها لــــم تطور العمل في
هذه الدائرة ، بل خدمتك لتكون مسؤولا كبيرا يربح الكثير من المال مـــن دون حق .
ماذا كانت وظيفتك قبل ترؤوسك لجان السرقات ؟
بهت أبو علي الغالب جراء ما سمعه من المدير العام .. كرر المدير العام سؤاله :
– ماذا كانت وظيفتك ؟
أجاب بصوت متخاذل :
– هي الوظيفة التي أشغلها الآن ؟
– فأين القمامة التي رميتك فيها ؟
لم يجب أبو علي الغالب ، عندئذ قال المدير العام :
– لست من ذوي الشهادات العليا ، ولست مـن ذوي الكفاءات ، وأنا لم أعينك فــــــي
وظيفتك وحين جئت الـــى هذه الدائرة وجدتك فيهـــا .. أن كفاءتك الوحيدة هـــــي براعتك فـــي النفاق وتسطير الأكاذيب عن الآخرين .
حين توقف المدير العام عن الكلام كان وجه أبي علي الغالب قــد علاه الأصفرار. عاد المدير العام يقول :
– هذه الدائرة ليست بحاجة الـــــى منافقين أنما هــــي بحاجة الـــى ذوي الكفاءات ، أنتظر أمر نقلك الى دائرة الآثار.. أخرج .
مطرودا خرج من مكتب المدير العام ومجللا بالخزي الذي لم يتخيل أنه سيتعرض
له من قبل هذاالرجل. أستقبلته السكرتيرة بعينيـــــن تتقدان بالغضب، أسرع خارج
خارج مكتبها لكي لا يترك لها الوقت لتهاجمه . أدرك ربما للمرة الأولى منذ عمـل في هذه الدائرة أنه لا قيمة له حين يبدأ المتنفذون في تقييم الموظفين لمعرفة وزنهم
الحقيقي التـي لا يجب الخطأ فيها ، فهذا المدير العام الــذي أيقن فـــي يـــوم مضى أنه خاتم في أصبعه ، وسوط يجلد به مــــن يمقته ، قـــد تحول الـــــــى مـــا يشابه
دكتاتور لا يمكن معارضته ، أو رفض رغباته . فــــي هذه اللحظات أو قبلها بقليل حين قرر أن يواجه المدير العام بشجاعة نمر جريح مرددا فــي نفسه علي وعلــى
أعدائي ، أكتشف تحـــت وطأة الأنكار الصافي الــــذي لـــم تلحقه أي شائبة لكل ما
يملكه مـــن مهارات سوى براعته بالنفاق والأكاذيب المؤذيـــــة المدمرة للآخرين
الأبرياء الذين قدر لهم أن يلتقوه في طريقه .
ما الذي سيفعله في دائرة الآثار ؟ .. هذا المدير العام سيضعه في القبروهو مايزال
حيا .الآن ، فقط ، وعى أنه فـــي عالم تتحكم فيـــه الدرجات الحزبية التـــي تؤهل
أصحابها لوظائف لا تشترط عليهـم المهارة اللازمة لأدائها ، فهناك دائما من يقوم
بالعمل نيابة عنهم . ماذا ترك له هذا المدير العام ؟ .. لقد مزق كل البراقع الي كان
يموه بها وجهه ليبدو أكثر قبولا عند الأخرين ، فما العمل ؟ .. فـــي مكتبه الصغير
والكئيب جلس وحيدا أعزل من كل شىء ، يعني أنه الآن في مواجهة عالـم يمتلك كل الوسائل التــــــي يمكن أن تمحقه مــن دون رحمة ، تماما مثلما سيطوح بــــه
المدير العام بعيدا عن هذه الدائرة التي يمكن أن تحقق له الطموح الذي يحلم بـــه.
. فكــر بيأس : هـــل يتوسل بالمدير العام لكي لا يرميه بعيدا عن عرينه هذا؟.ماذا
ا سيقول له ؟ .نام تلك الليلة علــى وجهه مثل نوم الشياطين ، كما يقول أبوه السيد .
نام بهــــذه الوضعية لا من أجل الأستنجاد بعون الشياطين ، بل لأنه مطحون مـن دون رحمة مــن قبل قوة لا يمكن له أن يواجهها أو يقاومها. لماذا واجهــه وعراه
ذلك المدير العام بما كان يفعله مــن أجله لكي لا يغدر بـــه الغادرون؟. هـــل كان
يستحق مسح الأرض هذا الذي فعله به هذا الرجل ؟. فـي غمرة الأسى التي غطت
روحه وقلبه ، توصل الى أنـه حتى الكلاب السائبة تنتقم ممن يؤذيها وأن عليه فعل
ذلك . أستمع الى دقات قلبه المتسارعة وتساءل بجزع هل جاءه ملاك الموت بهذه
السرعة ، فهو لم يتعود فيما مضى الى مثل هذا الأستماع ، أنمـا يحس بهذه الدقات
في صدغيه حين تصيبه نائبة . غير أنـه عاد بسرعة الى أجترار آلامه .أدرك خلال
ماكان منطرحا على وجهه في نومة الشياطين أن جبنه وعجزه في مواجهة الآخرين
قد أورثه كل المصائب في حياته ، لكنه تذكر ما قاله له أبوه السيد في أحد الأيام :
– أذا أردت أن تكون شجاعا في مواجهة الآخرين فعليك أن تضع حياتك على كفك يا
أباعلي الغالب .. أترك الشجاعة لمن لا يحب الحياة ، وأستعض عنها بالأنتقام بهدوء
وأبو علي الغالب نفسه يرغب بهذه الأسلوب الــذي يجد فيه هوى ولذة ، منذ أكتشف
مبكرا خوفه وجبنه من العراك مع الأطفال . هكذا عثر له أبوه السيد على ما عوضه عـن تلك الصفة التي تفاخر بها الحمقى مــن الرجال طوال القرون السالفة . أعتقاده
هذا لم ينبثق من داخله ، أنما زرعه فيه أبوه السيد . كان أبو علي الغالب يرى وهــو
نائم نوم الشياطين كل أولئك المحيطين بالمدير العام قد نبتت لهم أسنان معقوفة الــى
الداخل مثل أسنان الأفاعي ، رءآهم يزحفون وراءه بسرعة ، فجأة تحولوا الـى أفاع
ضخمة تفح من دون أنقطاع ، لـــــــم تنهشه ، الكثير منها حاذاه ، ثـــم تجاوزه مــن
دون أن يلتفت اليه ، أخيرا غابوا عن نظره تاركين أيــــــاه يركض وحيدا ولاهثا ، ولسانه متدليا خارج فمه مثل الكلاب .
في الصباح نسى ما رءآه في المنام ، لا لأنه لايؤمن بالأحلام وأنمـــا لخوفه الـــــذي
حدود له من الأفاعي . غير أنه خلال تناوله الفطور تذكره ، فسأل زوجته :
– ماذا تعني الأفعى في الحلم ؟
– ماذا كان لونها ؟
نظر اليها مبهوتا فهو لم يميز لذلك العدد الكبير مــــــن الأفاعي أي لون . أضطر أن
يروي لها ما حدث في الحلم ، فقالت متسائلة :
– الأفاعي تسابقت معك وغلبتك ؟ .. لا أعرف تفسير هذا الحلم .
في الضحى دخل مكتبه الصغير مدير الأدارة الجديد بوجه تضيئه أبتسامة . غاص
أبو علي الغالب في كرسيه ، توقع أن هذا الرجل جاء ليسلمه أمر نقله . جلس على الكرسي المجاورللمنضدة ، ثم قال :
– هل سمعت بالخبر يا أبا علي الغالب ؟
أجابه بتوجس :
– أي خبر ؟
– خبر المدير العام .
نظر أبو علي الغالب اليه متفرسا في وجهه ليعرف أن كان ما يقوله صحيحا أم أنه
يتصنع ذلك .. سأله :
– أي خبر ؟
– نقله الى وزارة الخارجية .
أنحنى أبو علي الغالب على منضدته لكي يقترب مــــــــن مدير الأدارة ، سأله راسما علامة دهشة مصطنعة على وجهه :
– وزارة الخارجية ؟
– نعم . أختاروه ليكون سفيرا في أحدى دول أمريكا اللاتينية .
عاد يسأله :
– هل أنت متأكد مما تقول ؟
أجابه مدير الأدارة مستغربا من سؤاله :
– كيف لا أكون متأكدا من ذلك وقبل قليل أصدرت أمر أنفكاكه من دائرتنا ؟
وأنفلت سؤال بشكل غير أرادي منه :
– وأنا ؟
نظر مدير الأدارة اليه مندهشا :
– أنت ؟.. هل كنت ستنقل معه الى الخارجية ؟
تنبه أبو علي الغالب الى فلتة لسانه فقال ضاحكا :
– قلت ربما هناك شىء يخصني .
لم يتركه مدير الأدارة فسأله :
– ماذا تعني ؟
– أعني ألم يترك لي المدير العام شيئا يخصني ؟
– لا .. لم يترك لك ولا لأي موظف آخر شيئا .. لقــــد حمل كل أوراقه وهرول نحو
وزارة الخارجية .
تمددت جدران غرفة أبي علي الغالب كثيرا فـــي كل أتجاه ، وهبط قرص الشمس
ليلتصق بزجاج أحدى نوافذها ، وأخترقت ريح رخية لتبدد الهواء الراكد فيهـا منذ زمن طويل جدا، وكبر قلبه حتى كاد يفلق صدره . أهذا هـــو الحظ الحسن الـــذي
يتحدثون عنـــه ؟.. قرر نقله الـــــــى دائرة الآثار، فقامت الأرواح الخيرة بنقلــــه
الى وزارة الخارجية ، هذا ما دار في خاطره ، نهض مدير الأدارة وقبل أن يتوجه
نحــو باب الغرفة ، خاطب أبا علي الغالب قائلا :
– أمر نقلك الى مديرية الآثار قد الغي .
صعق أبو علي الغالب . نظر الى مدير الأدارة وسأله :
– هل كان هناك أمر نقل يخصني ؟
– نعم ، فأول عمل قام به المدير العام هذا الصبـاح هـــو أن أمـر بنقلك الى مديرية
الآثار .
– وكيف ألغي ؟
– حين تسلمت بريد الوزارة الذي من ضمنه أمــــــر نقل المدير العام الى الخارجية
أخذته بنفسي مع أمر نقلك ليوقعه .. أستقبل أمر نقله بكثير من الفرح ، فقلت له هل
توقع أمر نقل أبي علي الغالب .. نظر الي ضاحكا وقال مزقه .
الآن تدفق الهواء قويا ونقيا في رئتي أبي علي الغالب ، عندئذ سأل مدير الأدارة :
– أذن ، لماذا أستغربت حين سألتك أن كان هناك شىء يخصني ؟
– ظننت أن سؤالك ينصب على الذهاب مع المدير العام ؟
– هل تعتقد أن أحدا يفكر في نقلي الى وزارة الخارجية ؟
– لا أستغرب أذا ما حدث مثل هذا الأمر ، فالحزب يمكن أن يفعل أي شىء .
– ليس معي ..
– هل كنت في حزب معاد لحزبنا ؟
– لا ..
– أذن ، لماذا ؟
تنبه الى أن فلتات لسانه قد أزدادت ، سأله ليبعده عن الموضوع :
– لماذا ماذا ؟
– لماذا تؤمن بعدم حصولك على منصب أعلى ؟
– سوء الحظ .
– فقط ؟
– نعم .
أجتاحت الدائرة الحكومية العملاقة الروايات والشائعات مثل العواصف الترابيةالتي
غالبا ما تجتاح بغداد في مواسم الصيف . دارت تلك الشائعات فـي جميع الطوابـــق
حول أسم المدير العام الجديد ، وهل هو من بين موظفي الدائرة ؟، أم هو قادم مــن
الوزارة أو الوزارات الأخرى مثلما حدث مع المدير العام الــذي نقل ؟. كانت أكثـر تداولا للروايات والشائعات ، هي سكرتيرة المدير العام ، حتى تحول مكتبها الـــى
مركزيستقبل ويبث هــــذه الأقاويل غيـــر المؤكدة . كانت خائفــــة مـن أن تفقـــد هــــذا المكتب وتعود الى العمل في قسمها القديم . لم يمر وقت طويل حتى رن فــي
أذنها أسم المدير العام الجديد ، أخبرها به عبر الهاتف موظف فـــي قسم الأدارة في
الوزارة . لم تكن تعرف من هو صاحب الأسم ، لأنها موظفة جديدة في هذه الدائرة
العملاقة . دخلت مكتب مدير الأدارة مثلما تفعل عاصفة ، سألته :
– من هو سامر سعيد ؟
– أنه شاعر مشهور .. ولكن لماذا؟
– أنه مديرنا العام الجديد؟.. هل تعرفه ؟
– لا .. أعتقد أن أبا علي الغالب يعرفه ؟
– كيف عرفت أنه يعرفه ؟
– أبو علي الغالب أقدم موظف في هذه الدائرة ، فأذا كان المدير العام قــد عمل سابقا في هذه الدائرة ، فمن دون أدنى شك أن أبا علي الغالب يعرفه .
خرجت من مكتب مدير الأدارة لتعود الى دخوله كعاصفة ثانية ، فسألها :
– ماذا هذه المرة ؟
فقالت لاهثة :
– يقولون أن أبا علي الغالب صديقه .
– صديق من ؟
– صديق المدير العام الجديد .
– من هم الذين قالوا لك ذلك ؟
– ثلاثة من موظفي الدائرة القدامى .
وذكرت أسماءهم ، ثم خرجت مثلما دخلت كعاصفة .أنتشرت هذه الشائعة فــي أروقة
الدائرة العملاقة ، أسرع من تفشي وباء الطاعون أو الكوليرا ، تقاطــر الموظفـــــون
على مكتب أبي علي الغالب ، الى حد لم يبق فيـه مكان شبر ليقف فيه شخص . كانت
شائعة أخرى قد عصفت بالطوابق الأربعة ، شائعة من نوع غريب لــــم يألفه موظفو
هذه الدائرة ، أذ دارت حول سلوك وصفات المدير العام الجديد . يقولون أنه قاس جدا
وأنه لا يغفر عن خطأ أبدا ، وهل صحيح أنه بخيل وشحيح حين يتعلق الأمر بصرف
مخصصات العمل الأضافي ؟ .. تلك لم تكن أسئلة ، أنمـــا مخاوف دارت فـــي عقول
وقلوب الموظفين . على أبي علي الغالب أن يبصرنا بهذا الأمــر ، لكنــه تركهم فـــي دوامات حيرتهم حيــــن رد عليهم بأجوبــة لا تشفي الغليل ، لأنه هــو مــن أطلق تلك
الشائعة المبلبلة للأفكار .
لكن أحدى الموظفات خاطبته بقليل من الحدة :
– قل لنا كلاما فيه تحديد لا عموميات تصدع الرأس .
– ماذا تعنين ؟
– أعني هل هو قاس فعلا ؟
أجابها أبو علي ضاحكا :
– أذا قمت بواجباتك بشكل صحيح فلماذا تخافين قسوته ؟
– البشر يقع في أخطاء ، وقد سمعنا أنه لا يغفر ..أصحيح هذا ؟
– لا أعرف .. لم أكن صديقه المقرب بل موظف يعمل بأمرته .
قال موظف آخر :
– هل صحيح ما قيل عنه بشأن مخصصات العمل الأضافي ؟
– ماذا قيل ؟
– قيل عنه أنه شحيح في هذا الشأن وربما سيلغيها .
هز أبو علي الغالب رأسه قائلا :
– أنتم تسألونني أسئلة أجهل الأجابة عنها . لقد عملت مع سامر سعيد قبل ثماني سنين
ولم يكن في ذلك الوقت ما يسمى بمخصصات العمل الأضافي .
تبادل الموظفون نظرات شك ويأس من أبي علي الغالب . كاد قلبه ينفلق مـــــن فرط
السرور لنجاحه في تأليب موظفي هذه الدائرة العملاقة ضد مديرها العام الجديد الذي
لم يضع رجله على عتبتها بعد . الآن يتوجب عليه العمــل ويصطاد الكلمات والأراء
التي يتفوه بها هؤلاء المغفلين في الغرف والممرات . هيأ مجساته للألتقاط مـن أجل
أن يكون لديه ما يكفي من الأقاويل التي ترصن موقعه عند سامر سعيد . كان يعرف
هذا الرجل جيدا ،أذ عمل معه عندما كان رئيس القسم الثاني في هذه الدائرة . فـــــي
ذلك الوقت الذي كان يمر بتثاقل وصعوبة عليه ، جاء سامر سعيد مــن أحد المكاتب
غير ذات الأهمية في الوزارة ، ليشغل رئاسة القسم الثاني فــي هذه الدائرة العملاقة .
يعني أن الرجل قد بدأ تسلق سلم الوظائف المهمة ، يعني أن الحزب قد غفرله ماضيه
الذي يشابه ماضيه هو أبو علي الغالب . لم تكن تربطه علاقة وثيقة أو غير وثيقة مع
سامر سعيد فيما مضى ، لكنه سمع عنه أنـــه أحــد الشعراء الكبار وأنــه تخلى عــن الحزب بعد الأنتكاسة ، وأنه عمل مع الأمن . ها هــو شبيهه يقدم عليه . ألا أن أمورا
كثيرة وغريبة وغاية في التعقيد قد وقعت لتجعل منهما صديقين فـي الظاهر وعدوين
في الخفاء .
عندما يتذكر سامر سعيد ينتصب أمامه رجل شديد المراس ، عنيد فـي تمسكه بآرائه
وأنتمائه الحزبي ، بخيل الى حد يجعل الآخرين يعتقدون أنه هـو مالك خزينة الدولة .
تلك كانت أيام غاية في القسوة عليه حين أدرك أنه من المحال اللعب على هــذا الذي
غدر بالحزب يوما . لكنه لم يتوقف عن وضع العراقيل والمشاكل فـي طريق عمله ،
قاصدا بذلك ترويضه وجعله يصبح خاتما في أصبعه . في تلك الفترة أستعاد كل مــا
قاله أبوه السيد له فيما مضى بصدد ترويض الآخرين الذين يقفون فـــي الطريق بينه
وبين رغباته المشروعة وغير المشروعة . ألا أنه فوجىء بصلابة سامر سعيد الذي
كان شرس الطبع ، ولا يتهيب من تبادل اللكمات مع الآخرين ، أذا أقتضى الأمر.هل
يخدمه الحظ يوما فيجعل هذا الشاعر الشرس يسدد له اللكمات ؟. هــذا الهاجس كثيرا
ما خطر في باله ، غير أنه لم يرد المجازفة بآخر الحظوظ الحسنة لديه . ثــم أكتشف
أن هذا الرجل لا يخلو من دهاء فأحتاط منه ولكن بعد فوات الأوان ، حيث قام بنقلــه
هو وخمسة من الموظفين الـــى مكان بعيد عن الدائرة ، مكان تابع للدائرة ولكنه بعيد
عنها ، وجعل من أحد هؤلاء الخمسة رئيسا لهم . أستوعب أبو علي الغالب هذا الأمر
بسرعة ، لا لأبعاده عن رئيس القسم فهـو قادر على تسميم الجو من حوله حتــى وأن كان بعيدا عنه ، وأنما لذلك الأمر الأداري الذي نصب هذا الشخص رئيسا مباشرا له
وللثلاثة الآخرين المعروفين في الدائرة بمشاكساتهم .
لم يقدر أبو علي الغالب أن ذلك الشاعر قـــد رماه مــع هؤلاء الأربعة المشاغبين فـي حلبة بعيدة عنه ، بل أيقن أن ذلك الرجل كان خائفا منه ومن دسائسه التي ربمـا تطيح
أحداها به . ولكي يشعر سامر سعيد أنه ليس بالبعيد عنه كثيرا ، أخذ يزور الدائرة في
أوقات متفرقة ، متذرعا بأسباب لها وجاهة من الناحية الرسمية . لكن تلك الأشعارات
لم توصل أي رسالة ذات أهمية لرئيس القسم الثاني . تكاثفت غيوم التعاسة فـــي قلبه
جراء الأخفاقات التي تلقاها في ذلك الصيف ، أذ آمل ان يتولى مسؤولية الشعبة التي
يعمل فيها ، ألا أن رياح الحظ المعاكسة رمت على شعبته أحد الرفاق الحزبيين قادما
من دائرة أخرى . منحه رئيس القسم السابق وعدا بأنه لــــن يتركه كوكبا يدور وحده
في الفراغ ، وأنه سيجد له منصبا يرضى عنـــه . لكن الرياح المعاكسة عادت لتقذف
رئيس القسم بعيدا عن الدائرة ، وتأتي بسامر سعيد بدلا عنه .
هو الآخر طوح به بعيدا عن الدائرة التي كان يأمل أن ينسج فيها خيوط مؤآمرات لا
عد لها لرئيس قسمه . كان علـــى دراية أن أعمال القسم الثانــي مرتبطــــــــة بوثاق لا يمكن فصمه مع أعمال القسم السابع الذي يمكنه أثارة الأضطراب والبلبلة وعرقلة
أعمال القسم الثاني . لذلك راهن وهو مطمئن القلب على أثارة المشاكل بين القسمين.
ألا أنه الآن بات عاجزا عن فعل أي شىء وهو بهذا البعد عن الدائرة . هل تنبأ هـــذا
الرئيس بما كنت أنوي فعله ؟.. تردد هذا السؤال فــــي خاطره طوال الأسبوع الأول
الذي تلا نقله الى ذلك المكان . ما عاد أبو علي الغالب يندب أو يلوم حظا غاية فــــي
البؤس ، أذ أن الأيام أخذت تمر من دون أن تعده بشىء ، وهــذا ما كان يجعله يتقلب
على فراش من الجمر الملتهب ، فهو يرى الرفاق الصغار فـــــي الحزب ، ربما أقل
درجة من الأنصار ، يتسلمون مسؤوليات وظيفية تشكل أحلاما كبيرة له . كان يسأل
نفسه علــى الدوام : أي أختلاف بينه وبين سامر سعيد ؟ .. هما الأثنان أنسلخا عـــن
الحزب وتبرءا منه وعملا مع دائرة الأمن .. لمـاذا يغفر الحزب لذلك الرجل ويعيده
الى صفوفه ويسند اليه المناصب المهمة ، بينما يطرده هو أبو علي الغالب من تحت
جناحيه ، معتبرا أياه من الأبناء العاقين الذين لا يمكن منحهم الغفران .
لم يمنحه أحد ما يعزيه عن الأحباط المتكرر كل يوم . كان يرى الدنيا تتغير بسرعة
كل يوم ، في السنوات الأولى لدولة الحزب ، وكان هــو المحبط الوحيد بين الرجال
الذين يعملون تحت راية الدولة . تلك الأحباطات جعلته يعود الـــى أيمـــان طفولتـه
وصباه المبكــر بكرامات الأئمة الصالحين في النجف وكربلاء ، فنذر النذور الــــى
علي بن أبي طالب وولديه الحسين والعباس .لكــــن أؤلئك الرجال الصالحين خذلوه
أيضا . حين علم أبوه السيد بذلك سخر منه ووبخه :
– الأئمة يحققون لك آمالك ؟.. هل فقدت عقلك يا أبا علي الغالب ؟..أذا أردت منصبا
فأعمل وكافح من أجل نيله ..تذكر دائما أن النذور وسيلة العاجز .
كان يعرف ذلك قبل أن يقوله له أبوه السيد ، ألا أن شعوره بمرارة اليأس هـــي التي
جعلته يلجأ الى فعل ذلك . سمع أبوه السيد يخاطبه من جديد :
– أذا أردت منصبا ، فأبحث عن رفيق ذي نفوذ في الحزب .
قال بحزن :
– أعتذر الكثير ممن أعرفهم حتى من رؤيتي ، والذين قابلوني أستمعوا الـــي علـــى
مضض ، وصرفوني من دون أي وعد بشىء .
الآن هــو مرمي فــي مبنى قديم وصغير في ظهر مطبعة حكومية ..ما الذي يفعله مع
أربعة من المشاكسين الذين لن يتورعوا حتى عن ضربه أذا ما حاول الأحتكاك بهـــم
بخشونة . كان قد عقد صداقة مع مسؤوله الجديد الذي أكتشف أنــه رفيق في الحزب،
كما أكتشف أن هذا الرفيق يعرف كل شىء عنه . عمل علـــى توطيد صداقته الجديدة
مع الرفيق سميع المحمود ، آملا أن تنفعه هذه الصداقة في يوم آخر، أضافة الى أتقاء
شر تقاريره التي ينبغي عليه أن يرفعها كل أسبوع عن العاملين معه .
ثم جاء اليوم الذي أعتبره أبوعلي الغالب الأكثر بؤسا وتعاسة فـي حياته ، حيث جعله
ذلك اليوم حكاية مريعة ترويها الفتيات الموظفات في مكاتب الطوابق الأربعة،وينقلها
الرجال الموظفين من مكاتبهم عبر الهواتف الى كل الدوائر التابعة الى الوزارة .فـــي
ذلك اليوم روى موظف بدالة الدائرة العملاقة ، أنه لم يشهد في كل سنوات عمله فــي
هذا المكان مثيلا للنشاط المحموم للهواتف ، حتى ظن أن مؤآمرة كشفها الحزب أو أن
أنقلابا لم ينجح ضد الحكومة قد حدث .
قالت موظفة شابة راوية لمجموعة مــــن الموظفات فـي قسم الحسابات، نقلا عن أحد
الموظفين الثلاثة المشاكسين :
– سخر أبو علي الغالب مــن سميع المحمود ، وسميع المحمود العملاق الــذي يساوي
طوله مرتين لطول أبي علي الغالب ، نظر الى أبي علي الغالب وطلب منه أن يكف
عن السخرية منه ، لكن أبا علي تمادى في سخريته منه ..فماذ حدث ؟ ..هيا أسألنني
ماذا حدث ؟
سألنها :
– ماذا حدث ؟
– نهض سميع المحمود من كرسيه وتقدم نحـــو منضدة أبي علي الغالب ، مـــــد يديه
وأمسك أبا علي الغالب مــن عروتي جاكيته وسحبه مــن الكرسي الجالس عليه فمر
من فوق المنضدة ، ثم رفعه الى الأعلى ثم أنزله ليقف على قدميه . ثم طوى ذراعه
الأيسر حول رقبته وبيده اليمنى نزع أحدى فردتي حذائه ، وبدأ يضرب رأس أبــي
علي الغالب بها ..قيل أنه ضربه أكثر من مائة ضربة حذاء .
سألتها أحدى الموظفات :
– وماذا فعل الموظفون الآخرون في الغرفة ؟
– لم يفعلوا شيئا .. تركوا سميع المحمود يطرق رأس أبي علي الغالب .
سألت أخرى :
– كيف أنتهى الأمر ؟
– يقول الموظفون الآخرون أن سميع المحمود تعب من ذلك الضرب بالحذاء والذي
لم يستطع أبو علي الغالب أن يتفاداه ، عندئذ تركه ليسقط على الأرض .
لم يسبق أن جرى مثل هذا في الدائرة العملاقة ، كان الموظفون يتبادلون التهانـــــي
كما لو أنهم يعيشون أفراح ومباهج أحد الأعياد . هــذا لم يكن خافيا على أبي علـــي الغالب ،أذ تبرع العديد مـــن أولئك الفرحين بأخباره ما يجري في الدائرة بسبب ذلك
الشجـــار الذي وصلت أنباؤه الى أطراف المعمورة .ذلك كان أول شجار لأبي علي الغالب فــــــــي الدائرة العملاقة. لم يكن ذلك الفرح وليد كراهية أبا علي الغالب أنما بسبب ذلك الحذاء الــــــذي أستخدم في ذلك الشجار ، وكان قـــد شجع ودفع أحــــــد
الموظفين الفكهين الى أختلاق ما يشابه حكاية ساخرة ، وهي أن أبا علي الغالب قـــــد
أصيب بالحول في أحدى عينيه ، جراء الضرب بالحذاء علــــى الجهة التــي تقع فيها
تلك العين .تناقل الموظفون والمستخدمون والفراشون والحراس هــذه الحكاية بسرعة
قل نظيرها ، وتقبلوها كحقيقة من غير الممكن عدم تصديقها . لكن هـــذا غير صحيح
كما أثبته الكثير من الذين يعرفون أبا علي الغالب منذ سنوات ، وأكدوا أن الحول فــي
عينه قد جاء معه مــن بطن أمه ، ولكي يدعموا قولهم هذا أشاروا الــــى أن أباه السيد أحول أيضا ، وختموا أحاديثهم بأن الوقائع هي التي يجب أن تسود الدائرة العملاقة ، لذلك أثار أهتياج الموظفات والموظفين لا لأنهـم يمقتونه ويحتقرونه.
أقترح عليه مدير قسمه أن يتمتع بأجازة طويلة حتى تهدأ الأوضاع وينسى مـــن فـــي هذه الدائرة ذلك الشجار . عاد الى قريته ليجد أن أخبار الحادثة التي جرت لــه مــــع
سميع المحمود قد سبقته ، وأن أهل القرية تناقلوها كما لو كانت خبر تتويج ملك . ظل
ثلاثة أيام لا يخرج من البيت ، يعني أنه تفادى رؤية ناس قريته المشهورين بالشماتـة
والسخرية . في مساء اليوم الثالث سأله أبوه السيد :
– كم من الوقت ستبقى سجينا في البيت ؟
– هل أخرج لأرى الشماتة وأسمع السخرية ؟
– أذن هم سيأتون اليك ويقتحمون سجنك .
– لن أفتح لهم الباب .
– أذا فعلت ذلك فهذا يعني أنك أحمق .
نظر الى أبيه مندهشا ، وسأله :
– لماذا أحمق ؟
– لأنك ستمنحهـــم الفرصة لأختلاق الحكايات والقصص الساخرة التــي ستنـــدد بــك
وتنتقص منك .
قال أبو علي الغالب بيأس :
– ماذا علي أن أفعل ؟
– أخرج وواجههم ، أنهم لن يسخروا منك علانية في وجهك ، وأنمـــا سيغلفون تلـــك
بأغطية من الكلمات غير المباشرة .
– هذه ستكون أقسى .
– هذه هي طريقتنا في الشماتة والسخرية ، ولا ذنب لنا فــي ذلك ، فقــد ورثناها مــن آبائناوأجدادنا. وحتى أنت كثيرا ما تستخدمها ضد الآخرين .
أضاف أبوه السيد بلهجة آمرة :
– أخرج من البيت غدا . تماسك أمامهم ولا تفقد أتزانك وكياستك مهما كانت سخريتهم
لاذعة .
لاحظ أبوه السيد فــي صباح اليوم الثاني أن أبنه مازال فــي ملابس البيت ، فهم أن أبا
علي الغالب مازال متهيبا من الخروج . سحبه من ذراعه الى غرفة أستقبال الضيوف
وأجلسه الى جانبه على أحدى الأرائك الخشبية الطويلة . سأله :
– أما زلت خائفا ؟
– أنهم سيجرحونني .
– أذا كنت تخاف من تجريح الآخرين لك فلماذا تجرح أنت الآخرين ؟
لم يرد فأضاف أبوه السيد :
– أنت لست شجاعا في مقاتلة الآخرين لكنك شجاع فــي تجريحهم .. لماذا تجرحهم ؟
بسبب غيرتك وحسدك ؟.. أنا لا ألومك لأنني لو كنت في مكانك لفعلت الشىء ذاتــه
ولكن بطريقة أخرى ، يعني لا أسخرمن أحد أمام الآخرين فأثير حفيظتــه وأدفعه لكـي يضربني .
سأله أبو علي الغالب بلهفة :
– ماذا كنت ستفعل ؟
– سأتسلل اليه من نقاط ضعفه وأسأله أسئلة تحرجه أمام الآخرين .
– وكيف أعرف نقاط ضعفه ؟
– عندما تحارب شخصا عليك معرفة كل شىء عنه . والآن كفى كلاما .. استبدل هذه
الملابس وأخرج ، وأياك أن تدخل في نزاع أو شجار مــــع الآخرين ، فهم يتحينون
الفرص لفعل ذلك .
تعمد أبو علي الغالب أن يسير في الشوارع الخالية من المارة فــي هذا الضحى ، غير
أن الشوارع لم تكن كثيرة في قريته . وجد نفسه على مقربة من السوق الذي تنتشرفيه
المقاهي . مر على مكتبة القرية ، فرحب صاحبها به وأجبره على الجلوس على مقعد
صغير قربه . تبادل معــــه التحيات وسأله كثيرا عما يجري فــي بغداد . فجأة أنطلق صوت أمام المكتبة ، صوت عال لرجل يسأل بائع حلوى متجول :
– متى تترك هذه العربة المتهالكة وتستقر في دكان لتبيع الأحذية ؟
أول مسمار ساخن حد الأحمرار أحس به أبو علي الغالب يغرز في قلبه ، تظاهر أنه
لـم يسمع ولـم يفهـم . خلال دقائــق قليلة تجمهـر العديـد مـــن الرجال أمــام المنضدة الزجاجية للمكتبة . سلموا بحرارة مصافحين أبا علي الغالب الذي كان ينظر اليهم من
وراء الزجاج الأسود لنظارته الشمسية ، تلك النظارة التي لم تكن لــه حاجة لوضعها
على عينيه ، فهو في داخل مكتبة في سوق مظلل. تماسك أبو علـي الغالب خلال تلك
الأحاديث التي دارت في واجهة المكتبة . كل الذين تحدثوا معه لم تخل أحاديثهم مــن
الأحذية . كانوا يحشرونها بمناسبة أو بغير مناسبة ، وكان أبو علــي الغالب يتظاهـــر
بعدم سماعها أو بعدم فهمها .
في الظهيرة عاد الى البيت مدمى الفؤاد جراء الأهانات التـي برع فـــي توجيهها لــه
أهل مدينته الصغيرة . ظل غارقا في أحزانه وقهره من دون أن يشكو ذلك لأبيه السيد
الذي كان قريبا جدا منه . كما ظل يسترجع ذلك الشجار ، ذلك العار الذي لحق به من
استخدام سميع المحمود ذلك الحذاء . يسترجعه لا لأنه يستمتع به كنوع مـــن المرض
الذي يشعر به البعض ، ولا لأنه يوطن النفس على الأنتقام من خلال عدم النسيان ،بل
لأن الهجوم عليه وضربه يحدث أول مرة ، يعني هذه هي أول أهانة صريحة وهـــــو
تحت علم الحكومة . هذا الشجار رفع الأستار عن جميع المحيطين به في الدائرة ،عن
جميع الذين هم خارج الدائرة . هذا الشجار أجبر عينيه أن تنفتحا على ما يضمره لـــه
الآخرون مــن عدم رضا وكراهية . تراءى لــه أن قلوعه التـــي نشرها لتدفعها رياح
الحظ الحسن نحو تحقيق أمالــه فــي المنصب المهم والمال الكثير، قــــد مزقتها رياح
هوجاء قدمت من مكان يكتظ بالشؤم والحظوظ النحسة . أيقــــن أن أولئك الآخرين لا
يتعدون عن الرفاق ، فهل يعني أن الحزب قرر تمزيقه وتدميره ؟.. لم يتوصل الى ما
يريح قلبه المهتاج والملىء بالحزن وبالقهر وبالأسى ، لم يتوصل الى نعم ولا الى لا.
كانت قناعاته تتغير في كل يوم ، بل في كل ساعة ، رامية به في عالم لا حـــد لوسعه
من القلق والبلبلة .
عاد الى بغداد بهموم أكثر مما كان يحملها عند مغادرته لها . تلك الهموم التـــــي ربما
ستدفعه يوما الى فقدان عقله أو ربما الى السجن ، هــو لا يريد أكثر مما حصل عليــه
الآخرون ، بعبارة أكثر صراحة ووضوحا أنه يريد منصبا مهما يدر عليه مالا . هــذا
الطموح أنقلب الى هم يرزح تحت عبئه ، منذ نقل مدير قسمه السابق الذي تعلق حظه
به مثلما يتعلق الطفل برقبة أمه . تعين عليه أن يقطع رحلة جديدة فــي بحثه عن أماله
التي فقدها في أول الطريق ، لكن الذي حيره وشتت فكره هـو مـــن أين يبدأ بخطواته
الأولى لبدء هذه الرحلة . حين فشل في التوصل الى معرفة خطواته الأولى تركها كما
يفعل دائما عندما يقف أمام ورطة أو مشكلة ، معتمدا علـــى الزمن أو المصادفة فـــي
حلها . غير أن أبا علي الغالب في أعتماده علــــــــى الزمن أو المصادفة لم ينس ولا
للحظة واحدة حظه السيىء الذي جــر عليه الكثير مــن المصائب والخسارات . ذلــك الحظ الذي ولد معه من بطن أمه كما أكد له ذلك أبوه السيد ، وليس مثل حظوظ معظم
الناس الذين سقطت عليهم من تحت ظلال نجوم السماء البعيدة . منذ ذلك اليوم ناء أبو
علي الغالب بثقل حظه السيىء الذي أورثه الكثير من المصائب ، وقاده الى العديد من
الحماقات التي يجب دفع ثمنها ، وهكذا أستعاظ عن أعتماده علــى الحظ الحسن بدأبـه
على العمل في الظلام ، يعني التآمر على الآخرين والأساءة لهم مـــن أجل أنتزاع ما
بأيديهم . كان يقينه تاما لا نقص فيه بأنه يمتلك ذكاء لا يمتلكه أحد مـــن البشر ، لذلك
كان يشق عليه أن يرى غيره يتمتع بالذي هو أبو علي الغالب يصبو اليه .
لم تكن عودته الى العمل لتشكل له أحراجا أمام موظفي الدائرة العملاقة الذين ملوامن
الحديث عن تلك المعركة وعن ذلك الحذاء . ألا أن ظهوره المفاجىء بينهم أربكهم في
الوهلة الأولى ، لا لأنهم شعروا بالأثم أو الندم جراء الأحاديث التي تداولوهاوالأقاويل
التي أختلقوها ، وأنمــا لبطلان أعتقادهم أن أبا علي الغالب لــن يعود أو يظهر أبدا في
هذه الدائرة ، لأن الضرب بحذاء ليس من الأمور المشرفة . غير أنه لم يذهب فــي ما
ذهبوا اليه تفكير، أذ أنه أختط لحياته مسارا يرتكز على الأيمان بمـا تأتي به الأقدارأيا
كان وقعه على حياته ، فلم يأخذ الضرب بالحذاء على أنــــــه عار شنيع يوجب أراقة
الدم لكي يستعاد الشرف المستباح ، لا ليس بهذا علل مــا جرى ، أنمـا أقنع نفسه بـأن
ذلك قدر له وخط على جبينه منذ أن كان جنينا فــي رحم أمــه . لقد أبتكر هــذا القياس
القدري ليريح نفسه من العذابات التي تهاجمه بين فترة وأخرى ، أو هي فــــي الحقيقة
تعيش في دمه وقلبه وعقله .
عاد ليتصالح مع سميع المحمود ويوطد صداقته به لكي يكون الدرع الذي يحتمي بـــه من الأقوياء الآخرين . تصالحه هذا لم يكن وليد عودته الـــى العمل ، أنما أستمده مـن
قول أبيه له حين سأله ماذا يفعل بهذا الذي أستخدم الحذاء فـــي ضربــه ، أجابــه أبوه
السيد :
– اليد التي تعجز عن ليها صافحها .
دهش أبو علي الغالب لهذا الكلام الذي يكاد يكون حكمة . عاد يسأل أباه السيد :
– تعني أصادقه ؟
– أهو مهم ؟.. أعني يشغل منصبا مهما في الحزب أو في الحكومة ؟
– أنه عضو في الحزب .
– أستفد منه وأجعل منه درعا يحميك وسيفا تقطع به أعناق الآخرين ، وأحذر من أن
تكون له حمارا يمتطيك . أمــا أنتقامك منه فأياك أن تنساه ، وحــاول أن تسبب لــه
المشاكل كلما سنحت لك الفرصة ، من دون أن تجعله يعرف أنك مـــن صنع له كل
المشاكل التي تعرض لها ، لأنه رجل بوسعه حتى قتلك .
وهكذا جعل الآخرين ، جميع الآخرين من دون أستثناء يتجنبون الأحتكاك بـه ، ليس
خوفا منه هو أبو علي الغالب وأنما تفاديا لمواجهات عنيفة مع حليفه القوي والشرس
الذي يتمتع أساسا بقوة الحزب . في ظل هذا الحلف أكتشف ان حليفه يمتلك الكثيرمن
صفاته هو مثل الغدر بالآخرين وتوريطهم في مشاكل ومتاعب قــد تقذف بهـــم على قارعة الطريق خارج الدائرة العملاقة ، أو ربما في السجون . تسلل الــى داخل عقل
سميع المحمود بعد أن عرف نقاط ضعفه ، تسلل بهدوء من دون أن يثير شكـــه ، ثم
بدأ في تعبئته بالكراهية لسامر سعيد . تعاون الأثنان في وضع العراقيل والمتاعب في
طريق الرجل الذي بدأ يضيق بهــــا ويضج منها . كان أبو علي الغالب قد جعل سميع
المحمود يقتنع بقوله :
– يجب أن نجعل منه خاتما في أصبعينا ، وعلى الأخص أنت ، فهو بماذا يختلف عنك
أنتما تحملان الدرجة الحزبية نفسها ، لماذا هو مدير قسم وأنت موظف تحت أمرته،
أذا لم يمنحك الحزب صلاحية ما فعليك أنت أن تحصل عليها .
شكلا جدارا منيعا تحطمت عليه كــل محاولات سامر سعيد فــي التنكيل بهما أو النيل منهما .كان أبو علي الغالب يهيء المتاعب بمهارة مــن دون أن يترك ثغــرة يمكــــن لمدير القسم أن ينفذ منها ويبطش بهما . ثــم جاءه الفرج حيــن صدر أمر نقله ليكــون
مديرا لدائرة مهمة جدا .

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.