محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (2)

قرار

بمحاولة منه متأخرة، حيث مل الصبر يجازف ليستعيد هيبة البيت، بقي يترقب المشهد عبر نافذة الغرفة، الكرسي المتروك وحده منذ زمن بعيد تتناوب عليه الشمس والأمطار دون أن يسقط فيردد بتمتمة “ما دها هذا البيت ضاع اسمه والكرسي باق لم يتأثر” منذ سنوات ولم يحركه احد ولم يجلس عليه احد.. حاول ان يرمم ذاكرته ليستعيد ما قالته أمه له.
“الحكاية تبدأ منذ أن نبتَّ في رحمي أو قبل ذلك بدهر قصير، إن البيت تحول إلى منتجع للعشاق غب أن سكنه الحارس وحده، وطال غيابنا بعد ان انهينا شهر العسل قررنا أن رحلتنا ستطول ربما لسنوات. كان القصر يقبع بمكان قصي عن المدينة لا يصله احد.ما”
ظل الحارس يقطن البيت لوحده ثم حول غرفة العروسين إلى غرفة حارس وسط هذا البيت الكبير. بعدها استغل المكان كله لمتعه ورغباته وشهواته الجامحة.. حفلات، سهرات، مكان يؤجره الحارس لقضاء ليلة حمراء لشاب يأتي بصديقته حتى تحول اسمه إلى بيت الدعارة..
نأى عن النافذةِ فاحصاً ببصره، جائلا في البيت وكأن عينيه تلتقطان صورا لمحتويات البيت.. فاغرا فمه.. هبط السلم قاصدا باحة المنزل.. تراكم غبار السنين على الكرسي، تذكر وصية أمه “إياك أن تجلس على الكرسي أو تلمسه ففيه الشيطان يتنفس، إياك أن تأكل من شجرة النبق فهي مسكونة” رأى ثمار النبق يملأ الأرض وهو في موسمه لونه حني رائع، “هذه الشجرة سقاها الحارس بالخمر فأحال ثمارها إلى هذا الحجم” قول أمه الأخير يثير السخرية والضحك، وهو يحاول تذكر كل الوصايا.. لا تفتح الباب المؤدي إلى السرداب ثمة عفاريت ستقلبك إلى أنثى…. لا تغلق باب الكذا….”
يقطع سيل التذكر مجيبا على سؤاله:
– لماذا رجعت؟
محاولة منه أن يستعيد مجد أبيه واسمه فوق البيت المتحول وسط حي برمته إلى حي الدعارة.
قبل مجيئه، كان قد اقترح عليه صديقه، أن يغيره. يقلبه إلى دار للأيتام أو يعيد بناءه ويحوله إلى جامع، لكنه استدرك ماذا لو بقيت سمعته وهو جامع.. صعب جدا أن يخطو بهذا فعل. إذ سيقتل من أشخاص لا يصلون، ولا يدخلون الجوامع يسمعون من الآخرين وتثيرهم العاطفة.. ترك كل شيء ورحل..

تحت نصب الحرية

حيث المشهد الذي يولد غفلة بدون سابق إنذار. شوارع بغداد غارقة، نصب الحرية مبلل بمطر الحرب. ثمة رجال ملثمون استغلوا المشهد. صوبوا أسلحتهم نحو النصب. جواد سليم جاء يركض حافيا يجر وراءه كفنه الذي يغطي نصف جسده، راقب ما يدور في ذلك المكان الصامت. اختبأ وراء جدار بعيد عن جداريته، عيناه تسيلان دمعاً يداه تلوحان، قدماه هزيلتان، جسده متعب ويرتعش ظنا أنهم سيطيحون بجداريته، نوبات بكاء لا يصدر عنه صوت، الحمائم تغادر النصب….

صورة سجن:
السلاسل التي تكبل السجن المعلق على الجدارية فُكت أقفالها هرب احدهم بينما رصاصة طائشة أردته قتيلا في مكانة دون ان يسقط على الأرض. يقترب جواد سليم من المشهد أكثر.. أكثر. احد الملثمين يصوب سلاحه نحو الجدارية. جواد، يردد تعويذة من آيات معشوقته المصبوبة فتذوب الرصاصة داخل السلاح وتحرق حاملها ويسقط.
الشمس تشرق بذبول وتحجبها عن النصب طائرات الاحتلال التي تقتل بلا رحمة تعصف قلوب الأمهات. فجأة يتوقف المصور. صرخة صادرة بحشرجة من بلعوم المخرج ” ما يزال المشهد حامي الوطيس…”. لكن جواد سليم يتلاشى ويبقى صوته صادحا ” لا حرية تحت نصب الحرية “..
بغداد
27 – 11 – 2013

وضاع الحلم

عاد إلى غرفته بعد أن فشل من إقناع أبيه بـدراسة الموسيقى اعتم غرفته واستلقى على الكنبة. تصدح أنغام العود المعلّق على الحائط. دمعته التي تجمدت على حافة جفنه تسمع الأوتار تترنم عتابا:
الوتر الأول:
تمتد النار على طولي في عز الصقيع حتى اصرخ ” كفى!! ” والنار تأكلني. أحاول الهروب لكن لا جدوى.. مدن تقصرني وأخرى تطيلني!!!. أتحمل المواجع والدهاليز المعتمة والخشب المضغوط الذي أُربط عليه عنوة. تطاردني الأصابع بلا رحمة لتوقظ السكارى بصرخاتي “ويلي/آه” وتهتز الرؤوس الفارغة إلا من الخمر المغشوش في دهاليز سوداء مظلمة…. عن أي ضيم وألم أحكي لك أيها المطروح على فراشك عرضا؟
الوتر الثاني:
أيها النائم على وجهك وتركتني مربوطة بحبك لان أباك فلاح وأنا ابنة مدينة…
أنا حبيبتك السومرية.. اعزف الألحان على(دو ري مي فاصول لا سي) حبا..
أنا صلاتك في محراب وحدتك…
أنا..أنا كل شيء في جوفك لا تتركني للموت ارتمي…
الوتر الثالث:
الحب، أغنية أبدية ترنحت منذ ثلاثين عاما على جسدي المضمخ برائحة البارود.. وصدى صوتي أنفاس الجرحى.. وصورتى ممددة.. الشهيد المسحوق على جسر الأئمة. أنا أغنية في كل حرب أحضر فيلعب الحمقى بإيقاعاتي مثلما يشتهيها ذاك الأرعن. أنا الصراخ في ساعة الصمت..
لم يتحمل أكثر من الأوتار الأخرى تحضر أمام صمته لتصفعه بعاره نهض من كبوته. سحب العود المعلق من على الحائط، حاول العزف. أبت الأوتار أن تنصاع له. خرج من بيته كالمجنون يركض/يجوب الطرقات.. تعب.. جلس قرب كوم نفايات شاهد قطعة معدنية مربوطة إلى بطارية صغيرة تفحصها بعينيه أمسكها بيده حتى انفجرت وتقطعت أصابعه وضاع حلمه…..

ما تجلى في العتمة

بصيص ضوء أرى من خلاله تلك الخيوط المنسوجة في الزاوية العليا المقابلة لباب الغرفة، ثمة أصوات صراصير، أصوات متقطعة، تنخر أذني، يدب خوف فيَّ، حركة سريعة لم ألحظ رؤية ما تحرك.. قد يكون ثعبانا؟، قد يكون فارا؟. قد أتصور الحركة. دب الخوف في صدري. ألزم الصمت. خوفي أن اصدر صوتا وتلسعني السياط مثلما طلبت أن اذهب إلى المرافق فتندمت عقب طلبي. ثمة سؤال أخشى أن اسأله لنفسي، ربما وضعوا جهازا يخزن هذياني. عندما توقفت السيارة واركبوني أمام مرأى الناس كانوا يرتدون زيا عسكريا، ما أن أدخلوني إلى هنا، حتى تحرروا من ملابسهم وجميعهم يرتدون بيجامة قصيرة وفانيلا ملونة. عقبها، حدث ضجيج، أشبه بالعراك…
اثنان، فتحا باب الغرفة، قيدا يدي وقدمي، واقتاداني لغرفة فارغة، معلقا على حائطها منشفة والبدلة العسكرية، وتوجد منضدة بلاستك وكرسيان احدهما يقف على ثلاثة أرجل جلس شاب معصوب الرأس وطلب مني أن أجلس على الكرسي ذي الأرجل الثلاث، فسقطت، ضحك جميع من دخلوا الغرفة أدرت رأسي باتجاههم لم أستطع عدهم، أكثر من عشرين شابا. طلب الشاب الجالس أمامي الرتبة العسكرية ،التي ما تزال في البدلة المعلقة، جلبوها له ألصقها على كتفه. سألني :
– ماذا رأيت في الغرفة؟
برك الجميع على الأرض بدأوا يدونون ما أقوله بتردد وبإضافات قليلة. وسألته عن هذا المكان لكنه لم ينبس بحرف…
سألني ثانية..
– هل تعرضت للضرب؟
قلت في سري “أي سؤال سخيف هذا…!. هذا اختبار لي؟” كان قد ضربني بيده وسألني.. أيدي تلوح ورؤوس تهتز، بعضهم يقول نعم وآخر يحذر. احدهم اخرج سكينا.
ممر ضيق ذو سقف واطئ، ومظلم، مكبل اليدين والقدمين، أعادوني إلى الغرفة ذاتها، فوجئت بأن جدرانها مزينة بلوحات كبيرة، دققت النظر خشيت الاختبار حفظت تفاصيلها الدقيقة، الأرض قد رفعوا عنها فراشها، ارض رطبة ذات رائحة نتنة، تنبعث من الشقوق الموزعة في الحواشي والجدران المغطاة بلوحات، تخفي العيوب، وثمة ضوء احمر خافت معلق في السقف ،الصراصير مستمرة تعزف ألحانها دون توقف، وفي أعلى الباب لاقطة صوت، لا افهم ما يريدونه مني..
مضت ساعة ثم دخل شابان يحملان سياطاً وعصياً وحبلاً وثاقباً، فكا قيدي، علقاني بالسقف دخل شاب ثالث يحمل كاميرا واخذ يصور من جهة واحدة، بدءا بضربي حتى ارتجف جسدي ومن شدة الضرب كدت أموت، برد شديد التَهَمَ جسدي الموجوع، دخل اثنان آخران يحملان الكرسي المكسور وأنزلاني، لم أستطع الوقوف فسقطت على الكرسي وسقط بي أرضا لم أنبس بحرف حتى لا يضربوني ثانية.. سرعان ما يلجأون إلى أوراقهم يدونون فيها معلوماتهم، لو إني رأيت حروفهم وعرفت لأرحت رأسي المتقد بالأسئلة. بعد ساعة نقلوني إلى سرير في غرفة أخرى، عالجوا الجروح ومسحوا الدم عن وجهي. وبعد برهة سكون لفت نظري المكان، تقاطروا ملتفين حولي كل واحد منهم ممسك برزمة أوراق. جلسوا على الأرض جميعا، ووجهوا لي أسئلة حسبتها سخيفة..
– هل تعرضت للضرب؟
سرعان ما غالبتني نوبة ضحك، ألفت لهم حكاية “إن الكابوس قد طال وحاولت الهروب، لكن قوة خفية مزقتني، ثمة شريط مصور للكابوس الذي باغتني طيلة الساعات الماضية، أشباح بلا لون اندفعت من جدران الغرفة بمخالب تشبه السيوف وسياط تسحبها من سيقانها وتضربني. الجدران ملونة بألوان باهتة وتصرخ ثم يمتد الصراخ الذي يشبه القهقهة، لا اصرخ أبدا، لكن أصواتا تتعالى من مسامات جلدي. أنا في جهنم؟”..
دونوا/ملأوا أوراقا كثيرة. فوجئت بأن شجارا حصل بينهم فهمت أنهم يعرفونني جيدا وكشفوا كذبي، أنا كاذب محترف وإنهم بطور كتابة مسرحيات كمشروع تخرج لطلاب في كلية الفنون المسرحية كانوا يبحثون عن الجانب النفسي وكسب الأقوال عقب التعذيب، كتبوا مسرحيات وأنا أتألم.. اعتذروا!!!..

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (19)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (12)

هشام القيسي / الشاعر في وجه الأيام الجهمة فاروق مصطفى مايميز صديقي الشاعر ( هشام …

( إشراقة الأمل )
محمد جودة العميدي

شاء القدر أن لا تلد أمي غيري ، لا ولد ولا بنت ، فنشأت طفلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *