ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب للنفس ٠ موجة قد تمنحنا او تحرر الطاقة الكامنة فينا ٠ تلك الطاقة النظيفة التي نحتاجها لتحمل متاعب الحياة ، او تمنحنا الرغبة والقدرة على الحفر عميقاً لِتقليب تراب حقل الفرح المُهمَل ، او البحث لِلعثور على ما سقط وضاع منا في مجرى العمر ، او استذكار ما كان منسياً وما كنا نقدر على استرجاعه لولا الخطوط والالوان المتواجدة أمامنا ٠
العمل الفني يشعرنا بالانتعاش الذهني والروحي ، بالعافية ، ويسمو بنا كبشر عشنا التوحش لِعصور ووصلنا لِمرحلة يحق لِنا فيها ان نسّمي أنفسنا إنسان !

الكرسي عنوان العمل ٠ الفنان ستار نعمة لم يحدد نوعية الكرسي ٠
يا ترى ما الذي أراد الفنان قوله لمّا رسمه ! أنواعه ؟ شاريه ؟ رمزيته ؟ فالكرسي يتواجد في اغلب الأماكن لكنه يختلف في مكان عن آخر
لعله يتقصد ويعطي حق التخمين وحزر نوعية وطبيعة الكرسي للناظر الى عمله ٠
أهو كرسي الحاكم المتشبث به ؟ كرسي محقق يتمتع برؤية أزلامه يعذبون مُعتقل سياسي ؛ كرسي الإعدام بالكهرباء ؛ كرسي تدفعه الممرضة مِن صالة الولادة الى آخر غرفة في الردهة ، حيث لا بالونات وردية او زرقاء ، فالجنين اخذوه مِن حضنها الى ثلاجة المستشفى ، ام هو كرسي خاص بالصغار في مطعم ترتاده الاسرة يوم العطل ويمنحه الإحساس بأنه فرد مهم وله حق اطعام نفسه بِنفسه ويمنح الأبوين حرية التمتع بالوجبة ؛ او لعله كرسي من كراسي كثيرة يشغلها المنصتون لكاهن يتلو الصلاة الاخيرة على روح مَن ستحرق جثته مباشرةً بعد الانتهاء من المراسيم ويُسلم رماده لأحبته لِتُنثَر في نهر أحبه الراحل ؛ وهناك كرسي للعائد من الحرب بلا ساقين ؛ كرسي أرجوحة تدفعه جليسة طفل ، أمه المُعيل الوحيد للأسرة ؛ كرسي يرمي عليه العشاق ثيابهم قبل دخول الفراش معاً ؛ كرسي محطة فارغة إلا من شخص ينتظر آخر قطار ؛ كرسي منظفة تواليت عمومي في مجمع للتسوق ؛ كرسي موظف دائرة الهجرة في بلد الاغتراب ؛ كرسي موظف حكومي يفكر بالراتب نهاية الشهر ؛ كرسي مُِراجع ينتظر تقرير المشرحة حول عدد الرصاصات التي اغتالت ابنه ؛ كرسي لكاهن يصلي – لِغفران احدهم – في غرفة الاعتراف ؛ كرسي مهندس صوت يُشرف على تسجيل الغناء خلف الزجاج الشفاف للأستوديو ؛ كرسي الموديل في غرفة رسّام ؛ كرسي يسوع والرسل حول مائدة العشاء الأخير ؛ الكرسي ضمن نص مِن نصوص كتاب مقدس للبعض ؛ كرسي يشغله رجل فاقد لِلذاكرة في دار لكبار السن ؛ كرسي حديقة مستشفى عمومي كُتب عليه اسم المتوفى وكلمات شُكر مِن اسرته للعناية الفائقة ومحاولات انقاذه ؛ كرسي معلمة تجلس بالقرب من اطفال الصف الاول الابتدائي ؛ الكرسي الذي تجلس عليه وانت تقرأ هذه الكلمات الآن ٠

اما انا ومِن اللحظة الاولى لوقوع نظري على العمل ، خطر على بالي شيء آخر تماماً !!
رأيتُ كرسي التلفريك ، المشغول بسائح ، ينتقل من نقطة ألف الى نقطة باء ، ضامناً سلامته ، في سماء مدينة جونيه اللبنانية ، جونيه المطلة على البحر ، ذات البحر الذي دُمٍّرَ مرفأه البيروتي قبل فترة ، ومعه تطايرت عيشة الآلاف من الناس الطامحين بِحياة عادية لا غير٠
الكرسي في العمل الفني رجع بي الى حيث كنتُ – قبل سنين – في المقعد الخلفي لسيارة صديق متجهين لِ منطقة ( حريصا ) ونحن نستمع لأغنية : راجع راجع يعتمر راجع لبنان ٠ كنا نصدقهم ونشاركهم فرح رجوع البناؤون لِلبنان ، ونحلم بِسماع اخبار بناء كل بلد تهدمَ وخرب وهجره بعض أهله ، وبقينا نستمع للأغاني ، ونحتفل بأعمال يساهم فيها فنانو مختلف البلدان لإعمارها ، وان لم يكن جسدياً ولكن وجدانياً ، فالوجدان ضرورة للإنسان البنّاء ٠
اما انت يا ستار نعمة ، انت ايضاً تحاول بناء عالم اجمل ، مِن خلال منحنا فرصة النظر والتفكير معك في ما تعتقده مهماً ، وهنا اخترتَ كرسي ؛ وانا أُفضِّلُ ان افكر به واعتبره كرسي الغد المُشرق ، الغد الافضل
وهل احلى مِن هذه المنحة ؟
شكراً لكَ ، لكل ما تخلقه ، وتقدمه بكل طواعية ومحبة .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صالح الطائي الطائي.. تأملات في فلسفة السرد!!

(اعلم ان كل فرد في المجتمع له رأيه الخاص ولكننا يجب ان نتفق في النهاية …

صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله –بغداد – العراق 22/10/2020

اللغة التجريديّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : كذب… بقلم : عبدالله محمد الحاضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *