ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على التقدم. وهنا أقدم مسيرة حياة لامرأة ناضلت وتحدت المستحيل ووصلت الى أرقى مستوى علمي لتكن أول امرأة عربية تحصل على لقب بروفسور.
كلثوم عودة هي ابنة لعائلة معروفة من الناصرة (هي بالصفة أيضا عائلتي) ولدت في 2 نيسان عام 1892 في دار “نصر عودة” في حارة الروم، كانت البنت الخامسة لوالدها نصر عوده الذي كان يأمل بولد يخلد اسمه وفوق كل ذلك لم تكن البنت جميلة.
كتبت كلثوم عودة سيرة حياتها نفسها بقولها: “لقد استقبل ظهوري في هذا العالم بالدموع. والكل يعلم كيف تُستَقبَل ولادة البنت عندنا نحن العرب، خصوصا إذا كانت هذه التعسة خامسة اخواتها، وفي عائلة لم يرزقها الله صبيا. وهذه الكراهة رافقتني منذ صغري. فلم أذكر أن والديَّ عطفا مرة عليَّ وزاد في كراهة والدتي لي زعمها أني قبيحة الصورة. فنشأت قليلة الكلام كتوما أتجنبُ الناس، ولا همَّ لي سوى التعلم، ولا أذكر أن أحدا في بيتنا دعاني في صغري سوى “يا ستي سكوت” أو “يا سلولة”، وانكبابي على العلم في بادئ الامر نشأ من كثرة ما كنت أسمع من والدتي “مين ياخدك يا سودة. بتبقي طول عمرك عند امرأة أخيك خدَّامة”. وكان ثمة شبحٌ مهولٌ لهذا التهديد، إن عمتي لم تتزوج، وكانت عندنا في البيت بمثابة خادم. فهال عقلي الصغير هذا الأمر، وصرت أفكر كيف أتخلص من هذا المستقبل التعس، لم أر بابا إلاّ بالعلم ولم يكن سوى مهنة التعليم في ذلك الوقت تُباح للمرأة. وقد كانت العادة قبل الحرب أن من يكون أول تلميذ في المدارس الروسية الابتدائية يتعلم في القسم الداخلي مجانا وبعدها يحصل على رتبة معلم. فعكفت على العمل وبلغت مُرادي. والفضل في هذا لوالدي، إذ إن والدتي المرحومة قاومت بكل ما لديها من وسائل دخولي المدرسة. فهل كنت سعيدة في حياتي؟ نعم. إني وجدت في نفسي خُصلتين هما من أهم العوامل في هناء عيشي: الإقدام على العمل مع الثبات فيه، والمحبة، محبة كل شيء، الناس والطبيعة والعمل. هذه الخصلة الثانية هي التي تساعدني دائما في أحرج مواقف حياتي. إن تذليل المصاعب لبلوغ المراد هو أكبر عوامل السعادة. فإذا اقترنت هذه بسعادة من يحيط بنا أيضا، فهناك هناء العيش حقا. قضيت خمس سنوات بين أولئك البنات اللواتي كنت أعلمهن. وقد أحببتهن حبا ساعدني على أن أعيش مع كل واحدة منهن بعيشتها الصغيرة، وأن أساعدهن على قدر طاقتي. وقد قابلنني بالمثل، فكنت دائما أرى وجوها باسمة ضاحكة وكن يرافقنني في كثير من نزهاتي. وأذكر أني زرت مرَّة إحدى صديقاتي وكانت ابنتها تتعلم عندي ولها اثنتا عشرة سنة من العمر. ووجدت صديقتي في الفراش. فأخبرتني في أثناء الحديث بأنها غضبت أمس على ابنتها إذ قالت لأبيها: إذا ماتت أمي فتزوج معلمتي، فهي تكون لي أما… شعرت بسعادة لم أشعر بمثلها من قبل ملأت قلبي، إذ إن أولئك الصغيرات يحببنني كما أحبهن. وفي وقت فراغي كنت أزور أطراف المدينة، حيث يعيش الفلاحون، وأتفقد أطفالهم الصغار المهملين وقت الحصاد، وكان قلبي يتقطع ألما عندما أرى تلك العيون الملتهبة بالرمد، فأغسلها بمحلول حامض البوريك، وبعد تنظيفها أنقط محلول الزنك عليها. أظن أن بعض الأطباء الذين لم يجعلهم الزمن آلهة بل ظلَّوا بشرا، يدركون تلك السعادة التي كنت أشعر بها. عندما كنت أرى بعد أيام تلك العيون سليمة صافية، وتلك الأيدي الصغيرة تطوق عنقي. هذا الشعور كثيرا ما كان ينسيني تعبي، عندما كنت في ساحة الحرب في البلقان وفي روسيا. ألم أكن سعيدة لتعافي كل جندي، أو لتخفيف آلامه!
ألم يرقص قلبي طربا عندما كنت أزور المريض وأراه متجها إلى الصحة، وأرى عائلته سعيدة لشفائه؟ بلى إني كنت أحب الجميع فأتألم لآلام كل فرد وأفرح لفرحه، ولهذا لم تشعر نفسي أنها غريبة، مع أن لي مدة طويلة في الغربة. والأمر الثاني، وأهميته لا تقل عن الأول وهو حسباني أن كل عمل شريفا، فلست أخجل من أي عمل كان، ما دام غير ماسِّ بشرفي ولا بشرف غيري. ولا أذكر من قال من الروسيين: ينبوع الحياة في داخلنا. فيا لها من حكمة بالغة. نعم، إن ينبوع الحياة فينا، فإذا قدرنا أن نروي جميع مظاهر حياتنا به، صارت حياتنا وردة زاهرة تتغلب برائحتها العطرة وجمالها على الأشواك التي هي كثيرة جدا في طريقنا. فلا تؤلمنا هذه الأشواك كما لو كانت وحدها. ومن لا يرتوي لا بُدَّ له من أن يقف كالعطشان فتجف حياته وتصير صحراء، والسعادة كالسراب فيها يركض وراءه فلا يصل إليه ولو كانت لديه الملايين. تعلمت أن أجد الجمال في كل ما يحيط بي، طبيعيا كان أو من صنع البشر، فجمال الطبيعة كان دائما يسَكِّن اضطراب نفسي، لأنه رمز الخلود، وأما صنع البشر فإنه كان يجدد قواي ويكسبني إعجابا بعقل الإنسان، فأنكب على العمل كالنملة. فأنا، ولا مبالغة، كنت في جميع أطوار حياتي سعيدة أشتغل راغبة لا مُلزَمَة”.
أنهت كلثوم عودة المدرسة الابتدائية ثم انتقلت إلى “السمينار الروسي” في قرية (اليوم مدينة) بيت جالا في الضفة الغربية وكانت داراً للمعلمات، ومن أساتذتها المرحوم خليل السكاكيني أحد أعلام الأدب العربي الفلسطيني الذي أثر في توجيهها.
كانت في السادسة عشرة من عمرها حين أنهت دراستها، وعادت إلى الناصرة لتبدأ التدريس في مدارس الجمعية الروسية في الناصرة (المسكوبية) وكان يزور مدارس الجمعية في ذلك الوقت مفتشون مبعوثون من قبل الجمعية الروسية. التقت أثناء عملها بالتعليم المستشرق الروسي المشهور كراتشكوفسكي الذي زار فلسطين بين أعوام (1908-1910) وذكر ذلك في كتابه “مع المخطوطات العربية”، حيث كتب: قابلت كلثوم عودة في الناصرة ذاتها، وكانت آنذاك معلمة ناشئة إلى جانب عملها في المجلات العربية. أما فيرا كراتشوفسكايا عقيلة المستشرق، فقد كتبت عن زيارة زوجها إلى الناصرة بأنه تعرف على معلمتين من مدارس الجمعية الفلسطينية أنهتا تعليمهما في مدرسة السيمنار في بيت جالا، وقد شاركتا في جولاته في ضواحي الناصرة وأحداهما هي كلثوم عودة والتي تزوجت عام 1913 من الطبيب الروسي الذي عمل في مستشفى الجمعية في الناصرة ايفان فاسيليف”.
تعرفت كلثوم عودة أثناء عملها بالتعليم على الطبيب الروسي ايفان فاسيليف وأحبا بعضهما واتفقا على الزواج، عارضت العائلة مشروع الزواج بشدة. وروت كلثوم عودة للشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) عندما التقى بها في موسكو سنة 1957، بأن بعض أفراد أسرتها العتاة طلب من أحد الشبان أن يدفعها من أعلى سطح البيت لتستريح العائلة منها ومن عارها، وفقط بفضل ابن عم والدها نجيب عوده الذي وقف إلى جانبها، وذهب هو وإياها والدكتور ايفان فاسيليف إلى القدس، حيث تزوجا في الكنيسة الروسية في مسكوبية القدس، وعاد بها وبزوجها إلى الناصرة واضعا والدها وأسرتها أمام الأمر الواقع.
سافرت كلتوم مع زوجها الروسي إلى روسيا، وبعد ثورة أكتوبر ونشوب الحرب الأهلية في روسيا السوفياتية، تطوع الدكتور ايفان، زوج كلثوم عودة، كطبيب مع الجيش الأحمر وأصيب عام 1919 بمرض التيفوئيد ومات تاركًا زوجته وثلاث بنات صغار. فعملت كلثوم بفلاحة الأرض من أجل إعالتهم، وواصلت دراستها الأكاديمية بمساعدة لفيف من المستشرقين الروس وعلى رأسهم كراتشكوفسكي الذي تعرف عليها في فلسطين.
كلثوم لم تستسلم، بل واصلت دراستها وعملها، وأصبحت محاضرة للغة العربية في جامعة لينينغراد (بطرسبورغ اليوم)، ثم أسست معهداً للهجات العربية في جامعة موسكو، وكانت أول امرأة عربية تحصل على لقب بروفيسور.
كلثوم عودة كانت جريئة في الدفاع عن شعبها، وعندما اعترف الاتحاد السوفياتي عام 1948 بدولة اسرائيل أرسلت رسالة حادة اللهجة للرفيق ستالين الذي رد عليها بسجنها. كان السجن في فترة ستالين بابا لإرسال المغضوب عليهم بتهم بائسة ومحاكمات صورية الى المنفي السيبيري الرهيب المشهور باسم “الغولاك” حيث من القلائل يبقون احياءا في ظروف السجن والبرد القارص والطعام السيئ.
تدخل أصدقائها من المستشرقين الروس وعلى رأسهم المستشرق المشهور كراتشكوفسكي، لإطلاق سراحها مبررين رسالتها بكونها ابنة للشعب الفلسطيني الذي تشرد وخسر وطنه. وحسب معلومات تعرفها العائلة، اعتقلت كلثوم مرة أخرى على الأقل في زمن ستالين، هناك ومعلومات تتحدث عن اعتقال ثالث لكنها غير مؤكدة.
كلثوم عودة معروفة في الأوساط الأكاديمية في روسيا ولها عدة كتب لتعليم العربية، وقامت بترجمات عدة من اللغة العربية الى الروسية ونشرت سلسلة مقالات في مجلات عربية أبرزها مجلة الهلال المصرية.
أسست بروفسور كلثوم عودة في موسكو معهدا خاصا للهجات العربية، كان من طلابه الموفدين السوفييت للعمل في السفارات السوفيتية في العالم العربي. ولم يحالفني الحظ لألتقي بحفيدها خريج نفس المعهد الذي عمل في دمشق، وجلب لي هدايا من عم لي يعيش في دمشق وارسلت له هدايا من موسكو، فكان يصل الي عبر شاب روسي يعلمني انه موفد من حفيد كلثوم عودة ليوصل لي الهدية من دمشق او لتسليمه الهدية لعمي في دمشق. وعبثا رجوته ان يخبر حفيدها أني مشتاق جدا للقائه والتعرف عليه وعلى من بقي من عائلتها إذا أمكن، لكن اللقاء لم يحدث، واترك التفسيرات لأنها لم تعد تفيد.
في أوائل سنوات الاربعينات زارت كلثوم عودة فلسطين لتطمئن على أهلها وزارها كبار الشخصيات الفلسطينية في وقته، وعلى رأسهم المرحوم الحاج أمين الحسيني الذي أرادها أن تبقى وتعمل في وزارة المعارف الفلسطينية. وسألته كلثوم ما الضمانة إذا بقيت بأن يقبل بي الانتداب البريطاني المرعوب من مجرد زيارتي ويلاحقني كأنني جاسوسة؟؟
فأجابها الحاج أمين الحسيني وهو يضع يده على ذقنه: “يا ابنتي لا ضمان معهم حتى على هذه الذقن”. فقفلت عائدة الى روسيا.
لم يسعفني الحظ بلقاء كلثوم عودة أثناء تواجدي للدراسة في موسكو، إذ وصلت بعد وفاتها بسنتين، وقد زرت ضريحها في مقبرة مشهورة للشخصيات الهامة في موسكو. ولكني التقيت مع عدد من طلابها، وأحدهم المحاضر الاقتصادي مولود عطالوف، قدم لي بشكل شخصي بصفتي طالبا وحيدا في الصف، سلسلة من المحاضرات حول دراسة قام بها عن اقتصاديات الدول العربية (المتحررة)، كان كتابه يحمل عنوانا هو “سير الدول العربية للاستقلال الاقتصادي بعد الاستقلال السياسي”، بالطيع حتى سياسيا كما تبين ، بقي العالم العربي تحت الهيمنة الاستعمارية الا في فترة عبد الناصر القصيرة. بالطبع التقيت مع العديد من المترجمين الروس، الذين تخرجوا من معهدها.
الدكتور عمر محاميد الحاصل على درجة بروفيسور من جامعة ليبتسك في روسيا. يستعرض في كتابه “كلثوم عودة من الناصرة إلى سانت بطرسبورغ” سيرة حياة هذه المرأة البطلة التي واجهت مصيرًا صعبًا، وصمدت حتى وصلت إلى أعلى المرتبات العلمية.
يعد كتابه توثيقًا هامًا لحياتها وأعمالها، وقد علق على الكتاب عدد من الكتاب والباحثين المعروفين.
يقول الدكتور لطفي منصور مدير كلية إعداد المعلمين في بيت بيرل، عن هذا الكتاب: إن من يطالع كتاب الدكتور عمر يلمس بنفسه الجدية في البحث والجهد الكبير الذي بذله المؤلف في التنقيب عن وثائق كانت لا تزال مجهولة للسواد الأعظم من المثقفين العرب، الذين لهم عناية بأدب الاستشراق وتاريخه وأصوله الذي انبثق منها منذ عهد روسيا القيصرية وحتى أيامنا هذه.
كتب الدكتور نبيه القاسم، الكاتب والناقد الأدبي: لم يكتف الدكتور عمر بالتاريخ لحياة كلثوم عودة ولا بالمعلومات الموثوقة الذي استقاها من أقرب الناس إلى كلثوم عودة إنما راح ليفتش ويبحث ويدقق في الأرشيفات الموثقة، ومن ثم في المقارنة والتأكيد بعد التنقيب الدقيق بين الوثائق والأوراق التي ألحقها بالدراسة، والتي تؤكد على جدية البحث واهتمام الباحث بكشف المعلومات التي يملكها ليستفيد منها القارئ العادي، كما يستفيد منها الباحث الجدي.
وكتب الشاعر والصحفي والمفكر سالم جبران: إن سيرة حياة كلثوم عودة هي سيرة حياة إنسانة عظيمة موهوبة، مجتهدة وهبت عمرها كله لبحث الثقافة العربية الكلاسيكية، وبناء جسر اللقاء الحضاري بين روسيا والعالم العربي.
قرأت كتاب الدكتور عمر محاميد، بشوق واهتمام شديدين، أولاً لكون كلثوم عودة ابنة الناصرة، وابنة عم والدي، والتي كانت تذكر في جميع مناسباتنا العائلية، وقد كانت على علاقة دائمة مع عم لي في دمشق حيث كنا نتلقى أخبارها، والسبب الرئيسي للعلاقات “المتجمدة” معنا أن أبناء أخيها، بعضهم هاجر للولايات المتحدة وبعضهم الآخر يستعد للهجرة، تعني أي علاقة مع شخصية سوفياتية في ذلك الوقت رفض دخولهم للولايات المتحدة. وثانياً لاطلاع بروفسور عمر محاميد الجيد والعميق على نشاط كلثوم عودة المتشعب، ومعرفته الشخصية بها، مما جعله يدرك عظمة هذه الانسانة من زاوية رؤية روسية ايضًا.
قضت كلثوم أياماً صعبة في زمن الحرب العالمية الأولى، ثم الثورة الروسية، وانتقلت مع زوجها قبل وفاته إلى ليننغراد (بطرسبورغ) وهناك اجتمعت بالمستشرق الكبير كراتشوفسكي ثانية، وأصبحت مساعدة له في عمله. وقد نقل محاميد عن المستشرق قوله “أما مصير مساعدتي الثانية فقد كان جد معقد. فهي عربية من الناصرة أنهت مدرسة المعلمات في بيت جالا قرب بيت لحم. وكنت قد قابلتها في الناصرة ذاتها، وكانت آنذاك معلمة ناشئة إلى جانب عملها في بعض المجلات العربية. وانتهزت العطلة الصيفية سنة 1914 فسافرت الى روسيا، ثم نشبت الحرب الأولى وحالت دون عودتها فبقيت عندنا في روسيا طول الحياة. وصارت تعلم في ذلك المعهد منذ العقد الثالث من هذا القرن أي القرن العشرين”.
انتهى الأمر بكلثوم عودة فاسيليفا إلى الحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه، وعينت بروفسورة في جامعة ليننغراد، وكانت خدمتها للاستشراق الروسي كبيرة من حيث تعريف المستشرقين بالأدب العربي الحديث، إذ أن كتابها “نصوص في الأدب العربي الحديث” سرعان ما أصبح مرجعاً للطلاب المحاضرين. وينقل محاميد عن كراتشوفسكي قوله: “إن تعليم اللغة العربية في معهد الاستشراق يعتمد عليها وأن كتابها الدراسي في الأدب العربي الحديث كان عاملاً محفزاً لدراسة الأدب العربي في أوروبا”.
ويؤكد محاميد أهمية الدور الذي قامت به “لدرجة أن الحكومة السوفياتية وأثناء الهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية تقرر أن تكون كلثوم بين الذين تم إجلاؤهم إلى المؤخرة حفظاً على حياتهم، ومن ثم منحها وسام الشرف في عيد ميلادها السبعين” – اعتقد في فترة خروتشوف.
اعتمد عمر محاميد، في سبر سيرة كلثوم عودة على أرشيف أكاديمية العلوم الروسية، والأرشيف الشخصي لكلثوم نفسها المحفوظ عند ابنتها، ولقاء مع ابنة كلثوم ومع الكاتب نبيل عودة من الناصرة (أي معي شخصيا) وقريب لكلثوم.
* * *
ذكرت زوجة كراتشكوفسكي أن كلثوم قد أنشدت عند وداع زوجها أغنية تقول كلماتها:
أحبابنا قد وقفنا كي نودعكم
وقلبنا بلهيب الحزن يشتعل
حان الفراق فها أنا أودعكم
تذكروني حتى لفظت بخاطركم
وزودوني أيا عيني برؤيتكم
هيهات عيني بعد الآن تنظركم
خذوا فؤادي يذوب لوعة معكم
وغادروا قلبا يشكو من فرقتكم
فهل أودّع روحي أم أودّعكم
فسيروا بأمن فإن الرب يحفظكم
عملت كلثوم كممرضة في الصليب الأحمر خلال الحرب العالمية الأولى، وبعد وفاة زوجها عملت في فلاحة الأرض كما واصلت مسيرتها الأكاديمية، وحصلت على شهادة الدكتوراه في عام 1928، وكانت أطروحتها عن اللهجات العربية، وتعتبر كلثوم عودة أول امرأة عربية تنال لقب بروفسور من الاتحاد السوفيتي.
وقد عملت في مجال الترجمة من اللغة الروسية للعربية وبالعكس، فترجمت رواية “الأرض واليد والماء” للكاتب العراقي ذو النون أيوب إلى اللغة الروسية، كما ترجمت كتاب “محمد عياد الطنطاوي” للمستشرق كراتشكوفسكي إلى اللغة العربية.
كما تعتبر كلثوم عودة أول امرأة عربية شغلت مركز عضو في جمعية العلاقات الثقافية السوفيتية مع البلدان العربية، وقد نالت وسام الشرف عام 1962 بمناسبة عيد ميلادها السبعين، وأحرزت الميدالية الذهبية مرتين تقديراً لجهودها العلمية.
وقد تم منحها الوسام السوفييتي “الصداقة بين الشعوب” تقديراً لدورها الثقافي والسياسي في روسيا، كما منح اسمها وسام القدس للثقافة والفنون عام 1990.
فازت بجائزة مسابقة مجلة الهلال المصرية سنة 1947 والتي كانت بعنوان “كيف يعيش المرء هنيئاً”.
كما قامت بكتابة بعض المقالات ونشرها في مجلات عدة مثل “النفائس العصرية” في حيفا و”الهلال” في القاهرة و”الحسناء” في بيروت.
قالت عنها المؤرخة السوفييتية د. نتاليا سيرجيفنا لوتسكايا: “لقد علمتنا كلثوم عوده الكثير الكثير فقد غرست في قلوبنا حب الشرق وحب فلسطين، لقد غرست في قلوبنا محبة شعبكم الذي ناضل وما زال يناضل من أجل حريته واستقلاله، لقد تعلمنا الكثير من كلثوم التي كنت ترى دوماً في عينيها الشوق والحنين للوطن الأم فلسطين، وكانت كثيرا ما تتذكر الأيام الصعبة التي مرت بها عند انتقالها مع زوجها للعيش في روسيا، وأصبحت كلثوم مثالاً لجميع من عرفها”.
وكتب الشاعر توفيق زياد عنها: “إن اسم كلثوم عودة معروف على أوسع نطاق في الأوساط السوفيتية ذات الصلة بالاستعراب والعمل الدبلوماسي والأدب العربي والبلاد العربية عموماً، إن أعداداً كبيرة من المستعربين قد درسوا اللغة العربية جيلاً بعد جيل على يديها”.
على الرغم من ابتعاد كلثوم عن فلسطين إلا أنها كانت تحمل دائماً في قلبها حبها لبلدها وفخرها بكونها عربية فلسطينية، فقد زارت فلسطين عام 1928 وشبهت مدينة يافا بمدينة باريس، وقابلت العديد من أدباء ومثقفي فلسطين، كما قابلت الحاج أمين الحسيني الذي أبدى لها رغبته في بقائها في البلاد ولكنها رفضت بسبب الضغوطات التي تعرضت لها، وفضلت العودة إلى روسيا وذكرت ذلك في مذكراتها: “إن روسيا لم تعد غريبة عني وقد أحببتها وأحببت الشعب الروسي ووجدت مكاني أن أحيا في هذه البلاد في الثورة التي أحسستها في تلك الأعوام بقلبي أكثر مما فهمتها بعقلي”.
كان لها الفضل في تعريف الروس على الثقافة العربية وبناء جسر حضاري بين الاتحاد السوفيتي والعالم العربي حيث ساهمت في تأسيس مدرسة الاستعراب الروسية.
من أعمالها:
– حضارة العرب في الأندلس (ترجمة).
– دراسات في تاريخ الأدب العربي (ترجمة).
– اللغة العربية للروس.
– المنتخبات العصرية لدراسة الآداب العربية.
– الأدب العربي الحديث.
– تصوير حياة المرأة العربية المعاصرة في القصة.
– اللغة المسرحية في الأدب العربي الحديث.
– حول تاريخ تطور اللغة في البلدان العربية.
وقد توفيت في الاتحاد السوفيتي في 24/11/1965، ودفنت في مقابر العظماء في موسكو.
nabiloudeh@gmail.com

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *