الدكتور زهير ياسين شليبه*: ذكرياتي عن الشاعر الدنمركي الساخر بني اندرسن (ملف/3)

بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الشاعر الدنمركي بني أندرسن 2018-1929**

في السادس عشر من شهر آب رحل عنا شاعر الشعب الدنمركي وعازف البيانو بنِي أندرسن في الثمانية والثمانين من عمره،
الذي وُلد لعائلة فقيرة كان يعيلها أبوه عامل البناء من فانجِذَه عام 1929 وتعلّمَ العزفَ منذ طفولته، وأنهى بصعوبة دراسته الثانوية الفرع الأدبي القسم المسائي عام 1949 بسبب ضنك العيش وحبه للموسيقى التي تفرغ لها فيما بعد.
كانت والدته تريد أن يكون بني أندرسن روائياً يؤلف كتباً “حقيقية”، لكنه لم يحقق حلمها فأصدر روايةً واحدة “على الجسر”، وألّفَ عدة كتب للأطفال ومجاميع شعرية وقصصية وكتاباً عن حياته وآخرَ إيجابياً عن الإسلام.
يُعد الشاعر الغنائي والملحن بنِي أندرسن رمز الوطنية الدنمركية، فقد بيعت 120 ألف نسخة من مجموعته الشعرية الكاملة عام 1998 وأحتُفلَ بعيد ميلاده السبعين عام 1999 بطريقة شعبية حيث سارَ مواطنوه في شوارع كوبنهاجن حاملين مشاعلهم.
نشر بنِي أندرسن قصائده الأولى عام 1952 في مجلة هيريتيكا وفيذيكورن ثم أصدرها في مجموعتيه الأولتين: ” الأنقليز الموسيقي” 1960، و”جهاز تصوير عند مدخل المطبخ” 1962، فقد أضطر للإنتظارعدة سنوات قبل إصدارهما بسبب رفضهما من قبل دار النشر. ثم تعززت شهرته بين مختلف فئات المجتمع الدنمركي بعد إصداره مجموعته الشهيرة “داخل قبعة بولهارت” 1964 و قصته الغنائية الساخرة “أغاني سفانته” 1972
كما نرى أن بدايته كانت عسيرة لكن نهايته عظيمة فسيبقى خالدا في الأدب الدنمركي كمواطنيه الكاتبين المعروفين هانس كريستيان أندرسن وسورن كيركَجارد اللذين تاثر بهما جنباً إلى جنب مع الشاعرين فرانك يَاجِر وهَلفَدَان راسموسين ورامبو كما ذكر لي في أحد حواراتي الشخصية معه.
يصنف النقاد بني أندرسن على أنه شاعر حداثوي من المرحلة الثانية أو ما يسمى بحداثة المجابهة، وهي تسمية مستعارة من مجموعة مجايله الشاعر الدنمركي الراحل كلاوس ريفبيرج الموسوم “المجابهة” الصادرة عام 1960. والمقصود بها هنا مواجهة العالم المادي الملموس في إدراك وجودي بأن هذا العالم هو الذي يتعامل معه وليس مع أي شيء آخر، سواء الميتافيزيقي (الخارق للطبيعة) أو الديني، الذي يعطي العالم سياقه لنا.
واشتهر بني أندرسن في بداية السبعينات بكتابه الغنائي الساخر “أغاني سفانته” الذي حقق إختراقا شعبياً واصبح كاتباً محبوباً من قبل الدنمركيين لأنه عرف كيف يلامس روحهم المحبة للفكاهة الشعبية.
جُمعتْ هذه القصائد في كتاب واصبحت ملكاً للشعب تُغنى في المدارس الشعبية العليا، و لم تكن لتنتشر لولا غنائها من قبل بول ديسينج، وبالذات أغنية “يوم سفانته السعيد” حيث هي النص الإيجابي المتفائل الوحيد في الكتاب.
عُرف بنِي أندرسن بأحاسيسه ومفاهيمه اللغوية الفكاهية و الجمع بين الموسيقى والشعر والتلاعب بالمفردات الشعبية واستعاراتها وإكتشاف تعابير جديدة أو إستخدام ألفاظ خاصة به، والسخرية الإنتقادية الودية من الدنمركيين مثل إزدواجيتهم وسوء تعاملهم مع اللاجئين والوافدين فمَلَكَ قلوبَهم لأنه جعلهم يتعرفون على أنفسهم ولهذا اعتبروه شاعرهم الشعبي.
يُعد بني أندرسن بأنه دنمركي حقيقي لكن مفهوم “الدَنمَركَةِ” بدأ يضايقه، فقد تزوج عام 1981 من سيونثيا الباربيودوسية, وكتبَ عنها قصيدة “مهاجرة الى قلبي”. وانعكس موقف الدنمركيين السلبي من الأجانب في إبداعه فنشر عام 1985 قصيدته “بلاد هانس كريستيان أندرسن” في صحيفة بوليتيكِن التي إنتقد فيها بعض التصرفات تجاه الغرباء مما زاد حدة رد فعل العنصريين، وبالذات الحزب النازي الدنمركي حيث ضايقوه بالإتصالات الهاتفية ثم أرسلوا له كراستهم حيث ورد إسمه فيها ضمن قائمة الخونة، لكن هذا الأمر لم يثنه عن التضامن مع اللاجئين. وصرّحَ في عام 2009 لصحيفة إنفورماشيون أنه يخجل من كونه دنمركيا بسبب لجوء عراقيين إلى كنيسة بروسون، وانتقد قانون الحلى، الذي أصدرته وزيرة الإندماج إنجر ستوينبيرج الذي يقضي بتجريد اللاجئات من ذَهَبهّنَ الذي يتزين به.
و قال لي عن الرسوم الكاريكاتورية عن الرسول محمد بأن هذا لعب أطفال، ونشرت هذا المقال في الصحافة العراقية، واخيراً توج موقفه هذا في إصداره “هكذا يمكن أن يكون الإسلام”.
إنطباعاتي عن بني أندرسن !
قرأت لأول مرة عن بني أندرسن باللغة الروسية ولا أزال أحتفظ بهذا الكتاب، والإنجليزية ثم بالدنمركية عندما بدأنا نتعلم هذه اللغة، فكتبت عنه مقالاً صغيرا في التسعينات في صحيفة الأيام البحرينية، وترجمت بعض القصائد الدنمركية الى العربية حتى تجمعت عندي مجموعة كبيرة منها فكرت أن أنشرَ قسماً منها، وتواصلت معه عندما كان يقيم في باربيدوس.
أرسلَ لي بني أندرسن فاكساً من باربيدوس عام 2000 بعد إصداري “مختارات من الشعر الدنمركي بالعربية والدنمركية” شكرني على نشر قصائده ضمنه، وأود أن أذكر هنا أنه رآه (الفاكس) عندي بعد عدة سنين ممسوحاً، عندما زارني آخر مرّة، فأصرَّ على إعادة كتابته بخط يده رغم محاولتي إثنائه.
وكان بني أندرسن لايفوّت فرصة للسخرية، أتذكر “مختارات من الشعر الدنمركي بالدنمركية والعربية” مصمّم مثل الكتب العربية من اليمين إلى اليسار، كان الغلاف من الجهة اليمنى مليئاً بصور الشعراء الدنمركيين، أما ظهر الغلاف اي الجهة اليسرى ففيه صورتي فقط. كتب لي في الفاكس “أستطيع أن أفهم أنك حقا متواضع إذا ما تصفح المرء الكتاب بشكل صحيح!”.
ينتمي بني أندرسن إلى جيل الثلاثينات وأنا حصل لي الشرف أن أتعرف على بعض رموزه ولاحظت أنهم متشابهون في التواضع والأممية و الإنسانية الكبيرة.
حصلت لنا هنا فرصة ايضا في مدينة روسكيلده أن نلتقي به حيث كانت إبنتي فيروز تتعاون مع مقهى “جيمله” الثقافي في روسكيلده واتفقتْ مع بني أندرسن على تكريس أمسية له حيث يعزف البيانو ويلقي قصائده بالدنمركية وترك إنطباعا رائعا في البساطة.
ثم أسسنا هنا جمعية “اصدقاء من كل العالم” من الدنمركيين القدامى والجدد، وعملتُ في الإندماج من خلال الأمسيات الثقافية ولنبين بأننا جزء من المجتمع ولا تنحصر همومنا بيع “الخضروات” والإستفادة من ميزات مجتمع الرفاهية فحسب، مثل امسية ثقافية لبني اندرسن بحضور د. آلمه راسموسين وتوثقت علاقتي معها فاعانتني في اختيارعدة قصائد قررتُ نشرها في مجموعة أخرى عنوانها “أنطولوجيا الشعر الدنمركي الحديث” نشرت عام 2005 في القاهرة.
وتضم هذه المجموعة قصائد عشرين شاعراً وشاعرة من الدنمركيين من مختلف الأجيال مثل بني أندرسن وكلاوس ريفبيرج وإنجر كرِستِنسِن ودان تورَيل وإيفان مالينوفسكي وآخرين.
كان بني اندرسن رحب الصدر يجيب عن اي استفسار، متواضع حضر لحَفلَي افتتاح خاصّين بي مرتين، إحداهما مع الشاعر إرِك ستينوس وزوجته الهندية ساره ستينوس.
و إشتركنا في حفل عيد الفطر عام 2012 في قاعة ميوسيكون في روسكيلده التي ضمت أكثر من ألف شخص حيث القى بني اندرسن قصائده بالدنمركية بينما قرأتها بالعربية، وكان سهل العمل والتعاون معه.
بني أندرسن: ترجمة الشعر ليست خيانة!
يتميز بني أندرسن بتفائله وبساطته، وتقبله موضوع ترجمة الشعر، لكنه يقر بضرورة الدقة بخاصة عندما يكون النص لشاعر مثله مولع باللعب بالكلمات إذ إنه يتحمل عدة تأويلات، لأنه أحياناً يبعثرها ليكوّن صوراً غريبة في عقول القراء تدعو للتساؤل، لكن لابد من التجريب للوصول إلى أفضل النتائج. نذكر هنا مثلاً عنوان ديوانه “سمكة الأنقليز الموسيقي” ، لايمكن أن يكون موسيقيا لكنه يريد أن يشرك القارىء بهذه الصورة الخيالية بسخرية. أو عنوان مجموعته الشعرية الأخرى “جهاز تصوير عند مدخل المطبخ”. الكاتب لا يستخدم مفردة مدخل بل adgang /access “إمكانية الوصول أو حق إستخدام أو المرور، ممر، منفذ” وكلمة كامره Kamera جهاز تصوير تشبه حروفها ولفظها قليلا مفردة kammer حجرة صغيرة، و”كيوكِن” يعني مطبخ فالعنوان يصبح: “كامره عند/مع/ب إمكانية الوصول إلى المطبخ”، يتكرر حرف الكاف ويشتبك في الخيال معنى كامِر (غرفة صغيرة)، كما في إعلانات تأجير الغرف: “غرفة للإ يجار مع إمكانية الوصول للمطبخ بمعنى حق إستخدام المطبخ. وهناك من يفسره بأن المقصود هنا “جهاز تصوير بإمكانية المرور للمطبخ”، ويمكن أيضاً ترجمته: “كامره بحق المرور/الوصول إلى المطبخ” وهذا أيضاً غير ممكن من الناحية الفيزيائية لكنه يكون صورة مجازية بأن إمكانية الوصول إلى المطبخ تتحقق من خلال الكامره/جهاز التصوير لأن الشاعر أراد أن يلهم خيال القارىء. ولهذا أنا فضلت ترجمته: “جهاز تصوير عند مدخل المطبخ” حيث ينظر الغريب من خلال الكامره إلى الآخر في داخل المطبخ بفضولية وبهذا يمر إلى داخله.
إنّ ترجمة الشعر الدنمركي الساخر مهمة صعبة، وأنا أعرف ذلك لأني ترجمت أثناء دراساتي الأكاديمية نصوصاً عراقية وبالذات من اللهجة العراقية، فما يُضحِكُ المتلقين بلغتهم الأصلية ليس بالضرورة يثير نفس الشعور عند نظرائهم الأجانب عندما يقرؤونه مترجماً بسبب الخلفية الثقافية المختلفة للمفردة والقارىء نفسه. لا يقرأ عامّةُ االدنمركيين الشعر كثيراً وليس بالضرورة أنهم كلهم أو أغلبهم قرأوا بني أندرسن، لكنه معروف وتُقرأ كتبه في المدارس. إلا أنهم ليس بالضرورة أغلبهم يفهمون كلَّ معانيه بدون عدة قراءات متأنية، ومع ذلك يمكن أن يستسلموا قائلين: لا نعرف ماذا يقصد الشاعر، “المعنى في قلب الشاعر” كما نقول نحن بالعربية.
وهكذا فإني سعيد لكوني تعرفت إلى بني أندرسن الموسيقي الشاعر التروبادوري الغنائي الوطني الأممي الساخر والرائع الذي لايبحث عن عيوب الآخرين كما في قصيدتيه “الأصدقاء الأعزاء” و”الأعداء الأعزاء”، وأنا لا أدعي التخصص بأدبه ولا الكمال. وكان هدفي من ترجمة شعره تعريفُ القراء العرب به وبأدباء دنمركيين آخرين، بل بمبدعين عرب كرّستُ لهم أمسياتٍ كثيرةً.
كان بني أندرسن رحب الصدر ، زرناه أنا وصديقي الأستاذ بن حسناوي الدنمركي المغربي الأصل في بيته تلبية لدعوته المتكررة لنا وعزف لنا على البيانو وحدثنا عن حياته وأذكر أني سألته عن بطل قصته الغنائية “العبقري” سفانته السوداوي فضحك قائلاً “هو في حقيقة الأمر لم يختفِ نهائياً”. قمت بكل ذلك بصمت وهدوء متطوعاً في أوقات فراغي خارج وظيفتي في بلدية روسكيلده لأكثر من عقدين، وانا كنت ولا أزال منفتحاً على الآخرين وجّهتُ لهم دعواتٍ شخصيةً للمساهمة والتواصل والتعاون.
———
*الدكتور زهير ياسين شليبه حائز على جائزة الثقافة في مدينة روسكيلدة عام 2002


مختارت من الشعر الدنماركي بالدنماركية والعربية، دار نشر شرق/غرب 2000
أنطولوجيا الشعر الدنماركي. مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2005
أخر مقال للدكتور زهير ياسين شليبه عن لقاءاته مع الشاعر الدنمركي الراحل بني أندرسن
جريدة روسكيلده داوجبلاديت (داوبلادِت)، 24 أغسطس/آب 2018

إلى اليسار الشاعر الراحل بني اندرسن، إلى جانبه زهير ياسين شليبه 2000

يظهر في الصورة إلى اليسار بني اندرسن يمسك السماعة، إلى جانبه زهير ياسين شليبه
2000
يبدو في الصورة الشاعر الدنمركي بني أندرسن ويجلس إلى جانبه زهير ياسين شليبه
2012يبدو في الصورة الشاعر الدنمركي ويقف إلى جانبه زهير ياسين شليبه
1999زهير ياسين شليبه في يسار الصورة جنبا الى جنب مع ممثلي جمعيات المغتربين في مدينة روسكيلده الدنمركيه، إضافة إلى صورتي صحيفة الزمان العراقية
من اليمين: كارين حسناوي، فيروز زهيرياسن، بني أندرسن، وزهير ياسين شليبه عام 2000

شاهد أيضاً

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

صلاح جياد.. بضربات فرشاة متقاطعة وقوية رسم ملامح هوية عراقية
إعداد- سماح عادل (ملف/4)

“صلاح جياد” فنان تشكيلي عراقي، من مواليد البصرة 1947 وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام …

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (9) (ملف/21)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *