د.صالح هويدي: قصيدة النثر.. بين الذائقة الفنية والرؤية الأيديولوجية

**إشارة** :
بهذه المقالة الخاصة التي لم تنشر من قبل  تتشرف إدارة موقع الناقد العراقي بمساهمة من قامة إبداعية نقدية هائلة تتمثل بالأستاذ المبدع والمربي الدكتور ” صالح هويدي ” .. وإدارة الموقع إذ تعلن عن سرورها بوصول هذه المساهمة الكريمة تتمنى لأستاذنا الصحة الدائمة والإبداع المتجدد..

تقديم:

تسعى هذه الورقة إلى مقاربة موضوعها من خلال حوار داخلي مع النفس وآخر خارجي تأمل في أن تنسجه معكم، بهدف إثارة أسئلة تجاه موضوعها وامتحان قناعات صاحبها، أكثر من تقديم إجابات واثقة عن الموضوعة التي تخوض فيها.

ولا أكتمكم أيها الحضور الكريم شعوري بأن قليلاً جداً من حواراتنا التي تملأ مشهدنا الثقافي اليوم حرية بأن نحفل بها وأن نعدها علامة صحية، ذلك أن كثيراً منها، إنما ينتسب إلى الزبد الذي لا نفع فيه.

وبعد، فهل ثمة جديد يمكن أن نضيفه ونحن نتناول موضوعة قصيدة النثر في مقاربة كهذه، بعد كل هذه الخصومات ومظاهر الغبار التي باتت تخنق أنفاسنا اليوم، وبعد كمية الحبر المراق في هذه القضية الجديدة- القديمة، من دون أن يبدو لنا أننا نتقدم خطوات على طريق فهم هذه الحالة الشعرية؟

من الهامش إلى المتن:

إن أول ما يُلحظ على تلك الحوارات أنها اتخذت شكل مرافعات وطعون ودفوع، تعبيراً عن محاكمات أيديولوجية، وقليلاً ما توقفت عند جوهر الموضوعة.

لقد انشغل الخائضون في قصيدة النثر في ما هو هامشي، من دون أن يحظى المتن بإضاءة كافية منهم.

لقد اتَهمت كثير من المناقشات التي دارت ولا تزال أصحاب قصيدة النثر بخطل تسميتهم هذا الشكل الشعري ب (قصيدة النثر) ولم تمنحه شهادة اعتراف به، على الرغم من اكتهاله*

……………………….

لم أستخدم لفظة شيخوخته، كونها قد تحمل شحنة دلالية تنطوي على حكم قيمة على هذه القصيدة أكثر من دلالتها على البعد الزمني.

ومرور ما يزيد على نصف قرن عليه، وتمثيل أصحابه الجزء الأكبر من الشعر العربي

المعاصر في المحافل الدولية، وفوز كثير من ممثليه بجوائز كبرى محلية وعربية ودولية! فهل تستحق عدم الدقة في استخدام مصطلح أو تسميةٍ كل هذا العناء، وكل ما أريق من حبر وسوّد من صفحات؟ وأي تسمية للشعر كانت دقيقة يا ترى؟ هل تسمية الشعر الحر الذائعة التي أطلقت وصفاً للنسق الشعري القائم على وحدة التفعيلة بدلاً من وحدة البيت الشعري كانت دقيقة من قبل؟ بل هل مصطلح القصيدة العمودية الذي أريد به وصف قصيدة الشطرين العربية كان دقيقاً؟ بل إننا لا نرى حتى في البديل الذي يدعو إليه آخرون وصفاً لقصيدة الشطرين، وأقصد به مصطلح القصيدة التراثية أمراً دقيقاً. فأن نخص قصيدة الشطرين بتسمية القصيدة التراثية تمييزاً لها من سواها، من شأنه أن يوقعنا في إرباك جديد، لأنه ببساطة يخرج أشكالاً وفنوناً شعرية أخرى من دائرة القصيدة التراثية وفضائها، كشعر البند والموشحات والمربعات والمخمسات وسواها من ضروب التراث الشعري.

ثم أليس في تسمية شعراء قصيدة النثر لها بهذا الاسم دلالة على وعي أصحابها بأنها نمط يمضي نحو الإقامة في المنطقة المحايثة لكلا الضربين الفنيين اللذين انتهى إليهما تقسيم الأقدمين، وأنه عندهم ليس سوى ضرب من اجتماع معطياتهما معاً(الشعر والنثر)، فهو ليس نسقاً شعرياً كالذي عهدناه، وليس نمطاً نثرياً كذلك الذي نعرفه.

الثورة على النمذجة وكسر الحاجز النفسي:

ولا ريب في أنه حين يمضي على ولادة شكل شعري آماد طويلة، ويستمر وحده ماسكاً بأعنة الشعر ونظام بنائه وأغراضه وبحوره مدة تزيد على أربعة عشر قرناً، حينذاك يصبح من العسير على كثير ممن شهد سقوط ذلك النموذج الذي ارتبط به وألفه التسليمُ بالتغير الحادث والقبولُ بمتغيرات النموذج الشعري البديل. فليس سهلاً على الجيل الذي ألف النموذج القديم ذاكرة وصوراً وإيقاعاً وذكريات ولغة وما يرتبط بهذه المكونات من تداعيات وارتباطات سيكولوجية ووجدانية وتاريخية؛ تصل إلى مستوى المحسوس والمشموم والمنظور، أقول ليس سهلاً على تلك الأجيال أن تسلم بسقوط ما صار جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتها وثقافتها ووجدانها وبنيتها الفكرية والسيكولوجية جميعاً. وهذا هو ما يجعلنا نعذر تلك الكثرة ممن وقفت في وجه ذلك التحول الدراماتيكي للقصيدة التقليدية وإنهاء هيمنة سلطتها الأوحد على أيدي رواد قصيدة التفعيلة في النصف الأول من القرن العشرين، سواء كنا مع قصيدة النثر أو ضدها.

ولعل ما يؤكد ما نذهب إليه أن الثورة على النموذج الشعري التقليدي قد اتخذت شكل اجتراء أدى إلى كسر الحاجز النفسي لدى المتلقي العربي، ليصبح أكثر قدرة على تقبل منطق الثورة على النموذج، بعد أن امتلأ أفق توقعه بخبرة لم يكن له عهد بها طوال قرون طويلة من الشعر الذي ملأ عليه نفسه وذهنه وروحه.

لم يعد للشكل الشعري الجديد بعد تلك الثورة التي أطاحت بتراث أكبر تجربة شعرية عرفها العرب تلك القداسة أو النمذجة أو الألفة التي نشأت عليها أجيال متعاقبة، إذ سرعان ما وجدنا نموذج قصيدة التفعيلة وهو يشهد ما يدعو إلى الإطاحة به واستبدال ما عرف بقصيدة النثر به، وهو في عز فتوته، إذ لم يمض على هذا النموذج أكثر من عقد زمني.

وها هو نصف قرن يمضي على ظهور قصيدة النثر ودوي الخلاف وصخب المعارضة لا يزال يستحكم بحواراتنا الأدبية، حتى يكاد يطبع مشهدنا الثقافي بسيمائه التي لا سبيل إلى الفكاك منها.

وإذا كان صحيحاً أن الرافضين لقصيدة النثر يتوزعون اليوم على مساحة أجيال مختلفة، فإن من المؤكد أن حجم المعارضة بالأمس كانت أشدَّ مما هي عليه اليوم، وأن جل المعارضين إنما ينتمون إلى الجيل نفسه الذي رفض الثورة الأولى على قصيدة الشطرين من قبل.

واسمحوا لي أيها الحضور الكريم أن أعبر لكم عما خامرني طويلاً من إحساس أود أن أفضي به اليوم إليكم، ومفاده أن إيثار نموذج شعري دون آخر والتعاطفَ مع لون فني دون سواه، إنما يدخل في باب المزاج الفردي والميل الشخصي الذي لا يعدو كونه محصلة لعوامل مختلفة ومعقدة، لا ينفع معها الدخولُ في جدل ومناظرات، وإن لم تخل تلك الوسائل من فائدة على المدى البعيد. إنها أشبه بمن يهوى ارتداء البنطال ومن يهوى ارتداء العقال والكوفية.

وإذا كان الانحياز إلى فن شعري أو شكل من أشكاله خصيصة فردية على هذا النحو، فلا أقل من أن نتفهم تلك الخصيصة أو نمتلك حكمة التعامل معها بوصفها رؤية فردية تحتم على كل منا احترامها لدى الآخر، والكفَّ عن أية محاولة لنقلها من إطارها المشدود إلى الهوى والمزاج إلى حقل القناعات الأيديولوجية التي تراهن على مصادرة الآخر ورفضه والإصرارِ على الإقامة في ثنائية البياض والسواد والخطأ والصواب.

ورب أحد يسأل لمَ لم تنتقل عدوى الاجتراء لتمتدَ الثورة على قصيدة النثر إذاً، على الرغم من مرور ما يقرب من نصف قرن من الزمان على ظهور قصيدة النثر، في وقت أفضت روح الاجترار تلك إلى الإطاحة بنموذج قصيدة التفعيلة بعد ما يقرب من عقد من الزمان؟

وعندي أن الجواب بسيط، فثورة قصيدة النثر كانت ثورة نوعية أحدثت في بنية القصيدة العربية ما لم يُحدثه التحولُ الذي أتت به قصيدة التفعيلة، فقد كان الأخير أقربَ إلى التجديد في النسق الشعري التقليدي منه إلى الثورة. لقد استطاعت قصيدة النثر أن تقْسم المشهد الثقافي العربي إلى قسمين؛ أحدهما: يرى أن قصيدة النثر ضرب من الشعر جديد، وثانيهما: يرى أنها ضرب من النثر الذي لا صلة له بالشعر البتة. وفي كلتا الحالتين فقد وصل النسق الشعري العربي مع قصيدة النثر إلى الحافات القصية لهذا الفن الذي لن نجد بعد عبوره أو تخطّيه تحولاً شعرياً آخر ينتظرنا. وهذا هو ما يفسر ما أفضت إليه تجارب شعراء قصيدة النثر التي لا تعدو كونها تنويعات على النسق الذي انتهت إليه القصيدة عندهم وإن اتخذت مسميات، من مثل النص والنص المفتوح والنص العابر وسواها من التسميات. لكن هذا لا يقلل من مساعي الشعراء المشروعة ومحاولاتهم في إكساب كل منهم تجربته خصوصية، من واقع ما يختطه من تقنيات وأساليب تجريبية، ويعمد إليه من أنساق ولغة وصور وأجواء ومفارقات. فنص عبد العزيز جاسم هو غير نص خيري منصور أو صلاح حسن أو جمانة حداد، وروح قصيدة سركون بولص لا تشبه روح قصيدة هاشم شفيق أو فاطمة ناعوت أو قاسم حداد، وأجواء قصيدة حبيب الصايغ مختلفة عن أجواء قصائد على جعفر العلاق أو أدونيس أو سهام جبار، على سبيل المثال لا الحصر.

أفق الأقدمين وثنائية الأيديولوجيا:

ولا أشك في أن للثقافة دوراً في امتلاك المرء موقفاً صائباً ليس من الشعر وحده، بل من الشعر والحياة والفن بعامة. لكني لا أقصد بالثقافة المعنى الشائع العام للمتعلم أو الأديب، وإنما أريد بها المعنى الذي يتوفر فيه المرء على الوعي الذي يمكِّنه من فهم قوانين التاريخ وسيرورته وعلاقته بالعالم وفهمه والسيطرة عليه. إنها امتلاك حكمة التاريخ وتغيرِ الحال وتبدل المآل، وإدراك ما أدركه حكماء السلف من حقيقة أن ما من نموذج بشري سرمدي، وأن من يتلونا من أجيال لن ينتموا لنا بقدر انتمائهم لزمان آخر قادم خلقوا له. وبدون هذه الحكمة وذلك الوعي الثقافي الحق لن تكون النتائج سوى مزيد من ضيق الأفق والتعصب والانغلاق والاعتقاد بامتلاك الذات وحدها ناصية الصواب، في مقابل انطواء الآخرين على الخطأ والضلال. فلا أحسب أن من اللازم علينا حصر أنفسنا في إطار الثنائية الفكرية لإصدار حكم بالسواد أو البياض في ميدان الشعر، بل علينا أن نخرج من الولاء المطلق للنمط الشعري والتقاتل وفرض هيمنة الرؤية الواحدية(1)، إلى مفهوم الشعرية الذي اهتدى إليه قبل قرون طويلة رهط من أسلافنا بنظر ثاقب وبصيرة تستحق الإعجاب. ألم يلحظ الزمخشري بنظره الثاقب أن أوزان الخليل لا يمكن أن تكون سقفاً نهائياً لمفهوم الشعر حين قال: “والنظم على وزن مخترع خارج على أوزان الخليل لا يقدَّم في كونه شعراً ولا يخرجه عن كونه شعراً”.”2″؟ وهل كان الحاتمي بعيداً عن الصواب حين وجد في بعض النثر ما يكاد يضارع الشعر؟: “إن المنثور مطلق من عقال القوافي فإذا صفا جوهره وطاب عنصره ولطفت استعارته ورشقت عبارته كاد يساوي المنظوم”. “3”

وها هو أبو حيان التوحيدي يرى أن الأفضلية لا تنعقد عنده لشعر أو نثر وإنما لما توسطهما، متجاوزاً بذلك مفاهيم عصره: “أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم”. “4”، هذا إذا تجاوزنا آراء بعض الفلاسفة المسلمين وشراحَ أرسطو الذين قالوا بالكلام المخيّل وبالأقوال المخيلة، أمثال ابنِ سينا والفارابي وابن رشد وحازم القرطاجني والسجلماسي. حتى إذا جئنا إلى المغرب في القرن السابع الهجري وجدنا ابنَ البناء المراكشي العددي(ت721 هجرية) يقيم نظريته للشعر في كتابه “الروض المريع في صناعة البديع” على مفهوم التخييل الذي يراه معطى أساسياً للفصل بين الشعر والنثر وليس الوزن أو القافية. فهو يقسم القول خلافاً لما هو مستقر إلى نظم ونثر وشعر. فالمنظوم عنده هو “القول الموزون المقفى”، أما حد الشعر عنده، فهو” القول المخيّل أو القول الذي يبنى على التخييل”، ليصبح مفهوم المنثور عنده هو القول غير المخيّل أو هو كل قول خلا من التخييل. “5”

إن بالإمكان الدعوةَ إلى تعايش ضروب الشعر المختلفة ضمن شعرية ترى مفهوم الشعر قابلاً للتحقق في مفاهيم عدة لا مفهوماً سرمدياً واحداً. ولعل من الحق التسليمَ بحق أهل كل عصر في التعبير عن رؤيتهم المتميزة للفنون الأدبية، وامتلاك مفهومهم الخاص لها، ما دام من غير المنطقي فرضُ أو تعميم جيل في أمة ما رؤيته بوصفها ضرباً من المسلمات غير القابلة للمراجعة أو النقاش. فليس الشعر (هيولى) أو مفهوماً تجريدياً بقدر ما هو ظاهرة فنية ذات علاقة جدلية بالواقع الاجتماعي وبالشروط التاريخية المتحكمة به، أكثر منه بنية متعالية، وأن الارتهان إلى نموذج شعري متأبّد أمر يتنافى ومفهوم الشعر ووظيفة الشاعر بل المبدع الذي لا يختلف نقاد الفن والشعر على أن من أوضح أدواره وأكثرها جوهرية، سعيَه إلى خلخلة وعي المتلقي وإقلاقه، عن طريق الغوص على كل ما هو مفارق غامض مدهش ذي دلالة.

وليست هذه هرطقة معاصرة أو فذلكة حداثية، بقدر ما هي نزوع أصيل في سلوك الفنان، فقد جاء في بردية مصرية تعود في تاريخها إلى ألفي عام قبل الميلاد كلمات لفنان مصري، تقول: “ليتني أملك عبارات ليست معروفة، غريبة، ولغة جديدة لم تستعمل، خالية من التكرار، ليست كلاماً عاطلاً مما جاء على لسان القدامى”.”6″ فهل ثمة ملامسةٌ لجوهر الإبداع ومعانقةٌ للجديد الأصيل كهذه الكلمات الضاربة في تاريخ الإبداع!

وليس بعيداً عن هذا المعنى ما رآى لورنس أن الفنان موكل بالقيام به، لينماز من الناس العاديين، حين قال:” الناس لا ينفكون عن صنع مظلة تحميهم، يرسمون تحتها قبة سماوية، ويكتبون مصطلحاتهم وآرائهم. ولكن الشاعر بل الفنان، يحدث شِقاً في المظلة، حتى إنه يمزق السماء ليمرر قليلاً من السديم الحر والمنطلق(..) بعد ذلك يتبع هؤلاء جمهورَ المقلدين الذين يرممون المظلة، ويرقعونها برقعة تماثل رؤيتهم تقريباً.”7″ .

ولعل ما يدعم دعوتَنا أن المشهد الشعري العربي اليوم يتسع لضروب التنوع في هذه الأشكال الشعرية، فلم يلغ ظهور قصيدة النثر قصيدة التفعيلة أو يحد من حماسة محبيها، ولم يحل تصاعد نجم قصيدة التفعيلة دون استمرار النماذجِ الجيدةِ من قصيدة الشطرين وإعجاب متذوقيها بها. فالحياة تتسع لضروب التنوع، والمشهد لا يضيق بتعدد الفنون، وامتياز الشاعر وإبداعه لا يؤخذ بجريرة الشكل الذي يكتب تحته، بقدر ما يؤخذ بمدى نجاحه في إقناع القارئ وترك بصمة مميزة دالة على فرادة خاصة، بأي شكل جاء ذلك، تراثياً أو حداثياً، واقعياً أو تجريبياً. وفي النهاية فإن الأمر غيرُ مرهون بصدور قرار بقبول ضرب من الشعر وحجب آخر، إذ “إن بقاء نمط شعري أو نوع أدبي من عدمه أمر لا تقرره أهواؤنا الذاتية ومواقفنا الوجدانية، بقدر ما تقرره الظروف الموضوعية ومسيرة التاريخ وعوامل الصمود والنكوص، بما صار يعرف لدينا بقانون البقاء للأصلح.”8” فالتنوع الشعري أفضلُ للشعر والإبداع بعامة من تنصيب وثن إبداعي أوحد في المشهد الشعري العربي.

إشكالية الشعر أم إشكالية الشعراء؟

وللإجابة عن سؤال المحور الشعري في هذا الملتقى والذي يدور حول مستقبل قصيدة النثر وفيما إذا كانت قد وصلت إلى سقفها الأعلى بعد مضي نصف قرن أم أن ثمة تحولاً تضمره هذه القصيدة في أحشائها، أقول: إن قصيدة النثر اختارت الإقامة في التخوم القصية لشعرية القصيدة العربية، وإن تخطي هذه التخوم من شأنه أن يفضي بنا إلى منطقة النثر. وهنا يكمن مأزق قصيدة النثر الذي يتلخص في صعوبة الرهان على إمكانات اجتراح تحولات بنيوية جديدة، يمكن أن تنبئ بها أو تتمخض عنها.

إن إشكالية قصيدة النثر لا تكمن في ظني في شكلها المفارق أو نسقها الإيقاعي الذي اجترحته، ما دمنا نبحث عن مفهوم الشعرية الدينامي الرحب، كما أنه لا يكمن في نموذجها الذي قدمه روادها الأوائل وعدد من شعرائها المهمين الذي كتبوها ويكتبونها اليوم، والذين لا يشكلون في ظني نسبة كبيرة بين جموع الشعراء الذين يملئون أفق مشهدنا الشعري اليوم. لكن إشكالية هذه القصيدة تكمن في ما انتهت إليه، بعد أن أصبحت مطية ذلولا ًلكل من رغب في حمل اسم الشاعر، ولكل من سولت له نفسه رصفَ كلمات أو التعبيرَ عن نزق قاهر أو محاكاةَ نصوص القصيدة محاكاة باهتة. فقصيدة النثر ضرب من الكتابة عصي على التقليد. فإذا كان البحر الشعري مما يعين الشاعر والشويعر على ركوبه، بمجرد اعتلاء قارب الوزن، وكان قارب الوزن نفسه مما يعين على الركوب في قصيدة التفعيلة، برغم تنويعها وتخليها عن شرط القافية. فإن فقدان الوزن والقافية عند من يتصدى لكتابة قصيدة النثر إنما يمثل فقداناً لقارب النجاة في هذا الإبحار المحفوف بالمخاطر، حيث لا يبقى بين يدي هؤلاء الشعراء سوى مواهبهم التي ستكون البديل الذي يعولون عليه أو يلوذون به في مغامرة الإبحار، تعويضاً عما فقدوه من عدة سابقة وإمكانات جاهزة في الأنساق الشعرية السابقة على قصيدة النثر. فمن المعروف أن قصيدة النثر قد اجترحت مفهوماً للشعرية جديداً وإشكالياً، بات فيه الخط الفاصل بين الشعر والنثر الفني شفافاً هلامياً إلى حد يبدو معه وكأنه خط وهمي في كثير من الأحيان.

ولا ريب في أن رقة الخط الهلامي تصعّب من المهمة الملقاة على عاتق الشاعر الجديد، إذ لا يمكن إلا لمن امتلك ملكة خاصة وثقافة حقيقية وموازنة دقيقة أن ينجح في تمثيلها، وهو ما يفسر فشلَ أفواج الشعراء التي استسهلت التوجّه لكتابة هذا النمط الشعري.

لقد أغرى فقدان قصيدة النثر أو تنازلُها عن متكآتها الجاهزة – إن شئنا الدقة- في الأنساق السابقة عليها، أغرى الأجيالَ الشعرية بالحرث في أرضها والدخولِ إلى عالمها من غير موهبة حقيقية أو أدوات فنية أو عدة سابقة. وقد شجعهم في ذلك وزاد من تفاقم المشهد الشعري انسحابُ الحركة النقدية عن ممارسة دورها الجاد واستخذاؤها أمام سطوة هذا التيار الجارف، حتى بتنا محاصرين بطوفان من الغثاء المجاني المحسوب على قصيدة النثر، لا نحظى فيه بنماذج تذكرنا بانتسابها الحقيقي لما اجترحه رواد القصيدة الجديدة إلا بعد لأي وتنقيب.

وفي الوقت الذي أساء هذا الواقع الذي تعيشه قصيدة النثر اليوم إليها، فإن في هذا الواقع الإشكالي ما يؤكد تأبّي هذا النسق الشعري على التقليد والمحاكاة، وتوكيده لحقيقة أنه نمط شعري فردي أكثر منه نمطاً جماهيرياً. بمعنى أن من ينجح في هذا النسق الشعري من الشعراء هم قلة قليلة، خلافاً للأنساق الشعرية الأخرى.

إن الرهان على قصيدة النثر ومستقبلها يقتضي من كتابها ونقادها تحمّل مسؤولياتهم وممارسة حالة نقدية تعيد الأمور إلى نصابها وتتيح للمشهد الثقافي فرصة الفرز لإعادة الثقة بجدوى التحولات في مفاهيم الشعرية العربية، وبمغامرة التجريب الواعية في الفن، بوصفه ضرورة فنية وإجابة لأسئلة وحلاً لإشكالات وليس ضرباً من ضروب النزق أو النزوات العابرة.

الإحالات:

(1). للمزيد من التفصيل في هذا الباب، تنظر الورقة المقدمة من الباحث بعنوان لملتقى الشارقة الشعري الأول الذي أقامه بيت الشعر في الشارقة عام 2007م، الذي يصدر عن دائرة ثقافة الشارقة ضمن أعمال الملتقى في كتاب قريباً.

(2). أحمد سليمان الأحمد(د.): الشعر الحديث بين التقليد والتجديد، الدار العربية للكتاب، 1983، 268.

(3). محمد بن الحسن الحاتمي: حلية المحاضرة، نقلاً عن تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إحسان عباس، ط2، عمان، دار الشروق، 1993، ص242.

(4). أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، تح أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، نقلاً عن الإيقاع والزمان، جودت فخر الدين، دار المناهل، بيروت، 1995، ص62.

(5). ينظر سعاد بنت عبد العزيز المانع: البديع وثنائية الشعر وغير الشعر في المنظوم عند ابن البناء العددي، (مستلة بحث)، مجلة جذور، فصلية تعنى بالتراث وقضاياه، النادي الثقافي بجدة، ج 16، مج 8، السنة السابعة، محرم 1425هجرية- مارس 2004.

(6). عبد الرحمن القعود(د.): الإبهام في شعر الحداثة؛ العوامل والمظاهر وآليات التأويل، سلسلة عالم المعرفة(279)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مارس 2002، ص127-128.

(7). عبد العزيز بوم سهولي: جدل الشعر والنقد، مج علامات في النقد، المجلد الثامن، ج 32، النادي الأدبي الثقافي، المملكة العربية السعودية، مايو 1999.

(8). تنظر، ورقة “من الواحدية الدوغمائية إلى التعددية الإبداعية”، مصدر سابق.

شاهد أيضاً

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال – د. ميسون حنا) القصصية
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ …

عزاء الوسائد للشاعرة العراقية “منى سبع درباش”
التقطات صورية للبحث عن المعرفة الفكرية في عالم يثير الرثاء والغضب معا
قاسم ماضي -ديترويت

يقال وفي نظر الكثيرين من النقاد الذين لهم باع طويل في مشغلهم الفكري والإنساني ، …

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *