عن الآداب العربية في شبه القارة الهندية
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

من المفارقات التي ترادف صدور الكتب وأخذها مواضع من المكتبات الخاصة للأدباء في بيوتهم وللذين حسبهم منها تظاهراً بالثقافة والاطلاع على نتاجات العقول والإفهام ، أن المتأخر منها في سنة طبعه يحد من جدة السابق عليه في الظهور ، ويسلكه في عداد المقتنيات القديمة ، فإذا تدبرنا ظاهرة ضيق الوقت وكثرة الشواغل وتعقد الحياة وجري الناس وراء متطلباتها ، صار من المتعذر على الأديب الدارس المعني بزيادة فهمه ومصاقبة تيارات الفكر واتجاهاته ، أن ينتهي من كل ما اقتنى من كتب ودوريات قراءة وتمحيصاً ، ويتفاقم الأمر صعوبة حين يلزم الأديب ذاته بالإنتاج ونشر ما ينتج من شعر ونثر في الصحف والمجلات ، على سبيل التدليل أولاً على انخراطه في قافلة الأدباء المثابرين ، ولأن ما تنطوي عليه نفسه من رؤى وأفكار لا مندوحة من التعبير عنه وإظهاره للناس ، ولا يخفى أن من سمات الأدب الزاخر القوي في تصويره وتعبيره ، أن يتجه صاحبه لتسطيره وتحبيره ، مندفعاً بوحي أقوى الدوافع والبواعث حتى لا يستطيع لها مقاومة أو امتناعاً ، هذا مع انا في هذا الرصد والتسجيل لم نومِئ إلى حافز جديد صار من أبين حوافز الكتابة والنشر في الآونة الأخيرة ، نعني به تقاضي الكاتب المنتج قبضه من لدن وسائل النشر الأجور أو المكافآت المناسبة لقاء ثمرات جهده ، مما قاد إلى اصطناع الأسباب واختلاق الدواعي في غاية الحمل على النفس حين لا تتوافر الأسباب والدواعي الحقيقية للاسترسال في الكتابة.

أحتفظ منذ عشرة أعوام بكتاب عن الآداب العربية في شبه القارة الهندية كتبه بالانجليزية دارس هندي نال به درجة الدكتوراه من جامعة لندن سنة 1929 وترجمه إلى العربية الدكتور عبد المقصود محمد شلقامي ، الذي سبق له أن انتدب من بلاده مصر للعمل في جامعة البنجاب بلاهور ، ولقي قبولاً من لدن وزارة الثقافة والإعلام في بلادنا فتكفلت بطبعه ونشره ، وإذ نذكر بلاد الهند نذكر تلك الزحوف المظفرة التي قادها محمد بن القاسم الثقفي في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك مبتغاه منها نشر الإسلام مع ترك الخيار للناس هناك ، بين الدخول في طاعته أو الاحتفاظ بما هم عليه من شعائر وعبادات ، حتى إذا دب الضعف والوهن في دولة بني العباس في نهايات القرن الرابع الهجري ، صار هذا الحيز المترامي الأطراف من شبه القارة الهندية الذي اعتنق معظم سكانه الإسلام ، تحت سيطرة عدة دول إسلامية غير عربية أولها الدولة الغزنوية التي اجترأ مؤسسها محمود الغزنوي على الانفراد بالسلطة في هذه الربوع الشرقية ، مستفيداً من ضعف الخلافة المركزية ببغداد نتيجة استحواذ البويهيين فالسلاجقة على مرافق الديارات وإطلاق نفوذهم في جميع المعايش ، ثم قامت دولة المماليك بهمة المدعو قطب الدين أيبك ، وتظهر في بداية القرن السادس عشر الميلادي الدولة المغولية على يد ظهير الدين بابر عين الوقت الذي دال فيه الأتراك العثمانيون من الحكم المملوكي في مصر والشام ، ليمتد من بعد تسلطهم إلى المشرق والمغرب ، فيشمل العالم العربي بأسره على وجه التقريب ، وتدخل الهند بأقاليمها وأنحائها جميعاً بعد منتصف القرن التاسع عشر بقليل تحت رحمة الاستعمار البريطاني الذي مهد لنفوذه على يد شركة الهند الشرقية واسقط الدولة المغولية القائمة في الجهات الشمالية العربية من شبه القارة الوسيعة الجنبات والمناحي ، وقاوم ثورات السكان المسلمين بما وسعه من العنف والتنكيل ، ومن العجيب المؤلم أن الأستاذ زبيد أحمد مؤلف هذا المصنف المفيد لا يكتم إعجابه بالانجليز وأنظمتهم ، ويمتدح أو يسوغ هيمنتهم على شؤون الهند ، ويصف ثورة مواطنيه بوجههم بالعصيان والتمرد ، على ما يؤاخذه مترجم الكتاب الذي يبدو أنه اطلع على غير مبحث أو دورية ضمنهما زبيد احمد انطباعاته وتخريجاته الخاطئة.

وقد يعرف معظم القراء أو بعضهم ، وهذا ما غفل عنه المؤلف ولم يتطرق إليه في نبذته عن حال البلاد عقيب سقوط الدولة المغولية في السند سنة 1857م وتصفية ثورات الأهالي نهائياً في غضون القرن الفائت ، أن بعض المتنورين والغيارى في تلك الربوع لجأوا إلى محاربة الاستعمار البريطاني بسلاح العلم ، وكذا ظهرت للوجود كلية صغيرة في مدينة عليكرة تضطلع بتدريس العلوم الإسلامية وبعض العلوم الحديثة. وقد قيض لهذه النواة أن تنتعش وتزدهر وتتحول إلى جامعة كبيرة ، لم تنتقل من رقعتها الأولى التي تأسست فيها بعدما طرأ على حياة شبه القارة من انقسامها أولاً إلى شطرين جمهورية الهند وجمهورية الباكستان ، وصارت مقاطعة براديش التي تقع ضمنها مدينة عليكرة من حصة الهند ، (قصة الأزهر ك2 ، 973 م كتاب الهلال).

كتاب الأستاذ زبيد احمد مكرس لتقويم الآثار المكتوبة بالعربية ، من لدن رجال ولدوا ونشأوا في الأراضي الهندية ، أو مكثوا في ربوعها زائرين بعض الوقت ، أو أنهم من مواطنيهم أصلاً وغادروها في سنوات نضجهم وشبيبتهم إلى غير حاضرة عربية ، وقد اشتغل أولاء الجهابذة في مختلف صنوف العلم والثقافة وأولوها من العناية ما تستحقه استنباطاً وتأليفاً ، فعنوا بالتفسير والحديث واللغة والكلام والفلسفة والمنطق والتصوف والتاريخ والرياضيات والفلك ، وعهدت عنهم آثار ومصنفات يعتد بها أسوة بما شاع عن أخدانهم في الديارات العربية.

كتاب الأستاذ زبيد احمد ينظر إذن إلى جهد العلامة بروكلمان في تاريخ الأدب العربي أن لم يعتده الدارسون متتماً له أو استدراكاً عليه وان لم ينف مؤلفه استفادته من صنوه المستشرق الفهامة الذي لم يحط بصورة كافية بمسار الآداب والعلوم في شبه القارة الهندية غداة نشوء الدولة المغولية في مستهل القرن السادس عشر الميلادي.

انه كتاب في الببلوجرافيا مقرونة بالتفصيل والإسهاب في محتويات الكتب وحياة المؤلفين ، وجلهم يمتون إلى شعوب وأجناس أخرى لا صلة لها بموطن العرب الأصلي.

وفي هذا تتجلى عبرة الدهر بوضوح ، كما أجملها المستشرق كراجكوفسكي في مقالة عن الأدب العربي ترجمها لمجلة المورد قبل سنوات أحد مترجمينا ، يقول: ” بعد القرن الخامس عشر تشق اللغة العربية طريقها إلى الهند والملايو وأفريقيا الوسطى واسيا الصغرى والبلقان ، وفي هذه الآونة بالذات يحتضر استقلال الأقطار العربية ، فلنتذكر انه في عام 1492م يدخل الأسبان إلى غرناطة ، وفي 1517م يخضع الأتراك مصر ، ولكن في هذا الوقت نفسه كانت اللغة العربية تخضع باستمرار أقاليم جديدة وتحيي الإبداع المحلي في كل مكان.

واقعة طريفة نقلها المؤلف عن مؤرخ عاش في الهند واليمن ، هو محيي الدين عبد القادر العبدروسي الأحمد آبادي ، قصد والده بلاد الهند من اليمن سنة 1551م وسكن مدينة أحمد آباد ، وتزوج من أمة هندية أنجبت له ولده محيي الدين هذا سنة 1570 م وتلقى من بعد تعلمه على يد علماء بارزين في كل من اليمن والهند ، فانتظم في عداد الصوفيين والعلماء وعرف بغزارة الإنتاج في ميدان التأليف والكتابة. ومن أشهر كتبه (النور السافر في أخبار القرن العاشر) ترجم فيه لعدد من الباحثين منهم (احمد بن القسطلاني) مؤلف دائرة المعارف العظيمة في سيرة الرسول (ص) ، وعليه مدار الواقعة الطريفة التي يسوقها صاحب النور السافر ، كان ثمة خلاف بين السيوطي والقسطلاني. فقد اشتكى الأول أن صنوه استعمل نصاً من أحد كتبه دون أن يشير إلى اسمه ، وبينما كان السيوطي على فراش الموت ذهب القسطلاني يريد أن يراه ، وقد جاء حافي القدمين ، حاسر الرأس ، لعله يرضى عنه ، فأجاب السيوطي وكان يجود بأنفاسه بأنه رضي عنه ، لكن لم يفتح له الباب.

والحكاية تمثل سابقة في اعتزاز السلف الطيب بالنتاج العقلي ، وحرصهم على الأمانة والموضوعية وتقنين قواعد الكتابة وأصول التأليف ، ومعرفتهم بالمنهج ومراعاتهم للمصادر والمراجع ولو بشكل أولي بسيط ، المهم أنهم لا يتساهلون في الإغارة على إبداعات الآخرين وادعائها والتعمية على أصحابها الحقيقيين.

استطردت إلى هاته الشجون والشؤون ، وقد قرأت في صحفنا قبل شهور خبراً عن إلقاء احد الجامعيين عندنا محاضرة عن تراثنا هل هو عبء (علينا) أم قوة دافعة ؟ وهذا العنوان هو عين عنوان مقالة للراحل صلاح عبد الصبور في كتابه المنسي: حتى نقهر الموت.

شاهد أيضاً

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

هلال العطية: قراءة في نص مونودراما (القُبلة الأخيرة) للكاتبة منتهى عمران

نص مسرحي من جنس (المونودراما) يسلط الضوء على حياة أمرآه تعاني من الإضطهاد والتعسف ضمن …

قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *