د. عبد الله إبراهيم : المشروع النقدي الجديد في العراق (شهادة ذاتية)

بان قصور الفكر النقدي التقليدي في العراق نحو مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، ولم يقتصر ذلك على العراق وحده إنما هجست الثقافة العربية بضرورة إعادة النظر في الموروث النقدي، ومراجعته، ولم يجر ذلك في معزل عن حركة النقد الجديد في العالم الذي تكرس وضعه خلال القرن الماضي، ووصلت أصداؤه إلى الثقافة العربية في تلك الفترة، وبالمقابل بدأت الشكوك تحوم حول كفاءة النقد القديم الذي استقام بصورة تحليلات مدرسية وصفية أو انطباعات شخصية سريعة. وكنت نشأتُ وسط هذه المؤثرات، والتحولات، وشأني شأن الآخرين شرعت في إثارة الأسئلة مع نفسي ومع الآخرين، حول كل ذلك، وبما أن هذه الشهادة تعنى مباشرة بـ”المشروع النقدي الجديد في العراق” فمن اللازم اعتماد صيغة السرد الذاتي في تقديم وصف عن كل ذلك من وجهة نظري التي لا افترض أن يوافقني الآخرون عليها بصورة كاملة بحكم رؤيتهم وعلاقتهم بالمشروع وتصورهم له، فلهم الحق في عرض أفكارهم حول الموضوع كما يرونه. وقد اعتمدت، في استدعاء كل الوقائع التي سيرد ذكرها، على يومياتي الشخصية التي وجدت فيها وصفا غزيرا للمشروع بمراحله كلها، فضلا عن المقالات التي نشرت عن المشروع، وكلها محفوظة في أرشيفي الخاص.
بدأتُ أفكر في تكوين جماعة نقدية تبلور تصوّرا جديدا لوظيفة النقد في مطلع عام 1987، واقترحت أن تكون باسم “حلقة بغداد للنقد الأدبي”. لم تكن التسمية بعيدة عمّا قرأته عن “حلقة موسكو” التي انبثق عنها الشكلانيون الروس في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، ولا حلقة براغ في الثلاثينيات التي طوّرت الدراسات الخاصة باللغة الشعرية. في الأسبوع الأخير من حزيران 1987 أخبرتُ عواد علي بالأمر، فأبدى ارتياحه، ولم يكن آنذاك قد التحق بدراسته العليا في أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، ثم حدثت عددا من النقاد بالأمر، ومنهم: سعيد الغانمي، وفاضل ثامر، وحاتم الصكر، وآخرين، لكنني لم ألمس تفاعلا مع الأفكار التي كنت مشغولا بها إلى الدرجة التي يمكن أن تبلور جماعة نقدية جديدة، ولهذا تأخر الإعلان عن ذلك، فظهرت الجماعة باسم “جماعة النقد الجديد في العراق” في ربيع عام 1988 بعد أن كتبت البيان الخاص بها، ونشرته, وألقيت بحثا مفصلا عن ضرورة اقتران الرؤية بالمنهج في المؤتمر الذي خصص لاتجاهات النقد الحديث في العراق عقدته جامعة الموصل، وقد نشر البحث مدخلا لكتابي “المتخيل السردي”عام1990.
لكن الأصل الناضج لفكرة تشكيل الجماعة النقدية يعود إلى بداية صيف 1987حيث انخرطت في حوارات ثنائية طويلة مع بعض النقاد العراقيين. ولم يؤازرني سوى سعيد الغانمي، وعواد علي، ثم محمد صابر عبيد، بعد ذلك، فقمت بنشر بيان نقدي بتاريخ 3/4/1988 في جريدة الثورة العراقية بعنوان “المشروع النقدي الجديد في العراق” بينت فيه الحاجة إلى نقد جديد يقوم على الركائز الآتية:
1- استقراء الخطاب الإبداعي بسائر أجناسه، وتحديد شعريات خاصة بكل جنس.
2- تنظيم رؤية نقدية نابعة من الخطاب الأدبي، وتستفيد من المعارف الإنسانية المعاصرة.
3- تحديد أطر منهجية تحكم تلك الرؤية، وتمكّن من الاقتراب إلى الخطاب الأدبي.
4- وضع منظومة متكاملة من المفاهيم النقدية يستعان بها لاستكشاف المستويات الدلالية، والأسلوبية، والتركيبية، للخطاب الأدبي.
وانتهى البيان بالتأكيد على أن هذا “المشروع يهدف إلى الارتقاء بالحال النقدية في العراق، ولن يقيض له تحقيق هدفه الأساسي إلا بتضافر الجهود الجادة، وبخاصة تلك التي تتحمل عبء المشاركة في الأفكار الجديدة، والانخراط في تجديد الفكر النقدي. ولعل في مقدمة ذلك ضرورة فتح حوار فكري- نقدي جاد حول هذه الركائز”. لكن معظم النقاد العراقيين عزفوا عن أي تفاعل مع المشروع، سوى الشك بقيمته المعرفية والمنهجية، وهي شكوك تظهر على السطح في مجالسنا الخاصة، وما أثار فضولهم، ولم تلح بوادر الاهتمام به إلا بعد أكثر من سنة من نشر فكرته الأساسية. ومن المحتمل أن كثيرا من هذه الوعود الجديدة كان ينظر إليها نظرة اختزالية تتصل بشخصيتي الطالعة لتوها في مجال النقد، فاحتقانات الوسط الثقافي العراقي، وتباغضاته، وسوء تفسيراته، كانت تحيل كل شيء تقريبا إلى أمزجة، ومصالح شخصية، تتعلق بأدوار وليس بأهداف حقيقية.
كانت الأفكار المتنامية بخصوص التحديث المنهجي الذي تطلّعتُ إليه قد شملتني منذ سنوات وأنا أعد أطروحتي للماجستير. وبدأ الحس العام بالتجديد يفرض حضوره في الوسط الجامعي وفي خارجه، لكن التناقضات الشخصية بين النقاد العراقيين، وصراع الأجيال المحتدم فيما بينهم، وحالة الحرب مع إيران التي شلّت الوعي العام، ثم الوظيفة الأيدلوجية للأدب وقد جرى تكريسها في وقت سابق، واطّر تأثيرها بمضي الأيام، حال دون بلورة رؤية نقدية واضحة تكشف عن المرامي الكاملة للمشروع، وقد أثمرتْ حواراتي مع مجايلي عن اتفاق عام حول طرح الفكرة. وأيدني عواد علي منذ البداية، ثم محمد صابر عبيد، وكان تأييدا انفعاليا، ما أخذته مأخذ الجد، فيما ظل سعيد الغانمي يثير الشكوك والتردّد، فوجدتُ أن تردّده الكابح أفضل من تعجيل الآخرين.
كنت تعرّفتُ إلى سعيد الغانمي نحو عام 1985 حينما التحق بالجلسة الأسبوعية في نادي اتحاد الأدباء التي تكاد تقتصر على جماعة من النقاد الذين يوصمون بالجدية المفرطة فلا يروق للأدباء مجالستهم لما كانوا يرونه فيهم من وقار لا يليق برواد النادي، وقد عرف عن الغانمي، في أول أمره، انصرافه إلى اللغويات والترجمة، ولم ينخرط في الهموم النقدية إلا فيما بعد، وربما أسهمت تلك الجلسات بذلك. وهو مثقف ذكي، ولامع، ومتبصّر، وعارف بخارطة الأدبين العربي والأجنبي، وذواقة، ولغته متينة، لكنه منطو على نفسه، ولا يفصح عن موقفه، ويريد أن يضع بصمته الشخصية على الأفكار حتى لو كانت عامة، وجذبتني إليه جديّته الكاملة، ومعارفه الموسوعية، وقد أثمرت علاقتنا الثقافية فكرة كتابنا المشترك، مع عواد علي، “معرفة الآخر” الذي طبع في عام 1990، وأعيد إصداره في بيروت أكثر من مرة، وهو كتاب مزجته أنا من كتيب لي بعنوان “التفكيك: الأصول والمقولات” كان رُفض نشره في بغداد من قبل، فجعلت مدخله مقدمة للكتاب الجديد، ومتنه الفصل الأخير منه، ثم مقالة طويلة عن البنيوية نشرها الغانمي في مجلة الأقلام، وقد شذّبتها، وحذفت منها صفحات عدة لتندرج في سياق الكتاب، ثم الفصل التمهيدي من أطروحة الماجستير المخطوطة لعواد عن “التحليل السيميائي للعرض المسرحي”.
شقّ الغانمي طريقه ببراعة ناقدا ومترجما، وحينما انتهى بي الأمر أستاذا في إحدى الجامعات الليبية في مطلع التسعينيات سارعت إلى إبرام عقد عمل له في أحد المعاهد التعليمية وإرساله إليه وهو في العراق -وكذلك لفاضل ثامر في إحدى الثانويات- فجاورني لسنوات في مدينة زوارة قرب الحدود التونسية منصرفا للعمل الثقافي، ترجمة وتأليفا، قبل أن انتقل إلى جامعة قطر في عام 1999، فتقطّعت بيننا السبل. أما محمد صابر عبيد فتعرفت إليه في إحدى ندوات جامعة الموصل في النصف الثاني من الثمانينيات، وكان يقيم في بيتي طوال تلك السنوات حينما يزور بغداد، وقد توثقت علاقتنا الشخصية بسرعة وقوة، ولكنها سرعان ما خبت، وتعثرت، وفترت، ولازمتها هشاشة غامضة منذ أول التسعينيات، على أن معرفتي بعواد علي تعود إلى أول السبعينيات في كركوك، فقد جمعتنا معا الدراسة المتوسطة والثانوية، فضلا عن نشأتنا المشتركة ضمن جماعة كركوك الثانية، ولم تنقطع صلتنا منذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف على الرغم من اختلاف الموارد المعرفية فيما بيننا. وعلى هذا تشكّل أفق عام ضمّنا نحن الأربعة، وحيثما كان يشار إلى “مشروع النقد الجديد في العراق” في الصحافة الثقافية العراقية، على سبيل الإزراء أو الاحتفاء، فقد كان يقصد به هذه الجماعة التي سميت باسمه، دون سواها، ولم يدرج، على الإطلاق، أحد من النقاد العراقيين تحت هذه التسمية المحدّدة، إنما أسهم كثير منهم في تجديد الفكر النقدي خارج هذا الإطار.
بعد كتابتي البيان الخاص بـ”المشروع النقدي الجديد في العراق” ونشره، كتب سعيد الغانمي مقالة بعنوان “وحدة الإشكالية في المشروع النقدي الجديد في العراق” نشرها في جريدة الثورة بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير1989 ناقش الأفكار التي طرحتها في البيان، وأصبحت جزءا من حوارات شفوية خلافية بيننا وبين النقاد الآخرين استمرت طوال ما تبقى من تلك السنة. ذهب الغانمي إلى أن المقالة-البيان التي نشرت في العام السابق جاءت “بمثابة إعلان عن ميلاد نقدي جديد في الأدب العراقي”. وأكد أن”ما يؤلّف بين قلوب نقاد المشروع النقدي الجديد ليس وحدة المنهج، ففي الساحة النقدية العراقية مناهج متعددة…وليس وحدة الرؤية، فالرؤية وليدة المنهج إذا فهمناها بمعنى الخلفية التي تسند الناقد في تعامله مع الوجود النقدي…إنما هم مختلفون ومتفقون في وقت واحد، مختلفون في المنهج والرؤية، ومتفقون في الإشكالية”. والإشكالية التي قصدها الغانمي هي تداخل المشكلات الخاصة بكل من الرؤية والمنهج، وعدم القدرة على أية معالجة أي منهما.
ثم كتب محمد صابر عبيد مقالة في الجريدة نفسها يوم 24 شباط/فبراير1989 بعنوان “المشروع النقدي الجديد في العراق: قراءة في مقترح البيان” دعا فيها نقاد المشروع إلى أن يقدّم “كل واحد منهم منهجه ورؤيته الخاصة، ضمن أفق الإشكالية العامة التي يتّحدون فيها، وباجتماع هذه المناهج والرؤى المختلفة، يتأسس بيانهم النقدي الجديد، الذي شكل نواة نظريتهم النقدية”. ومضى إلى القول بأن المشروع المطروح “ليس مغلقا، أو حكرا على أحد، إنه مفتوح على جميع الطاقات المبدعة، فكل ناقد عراقي جديد، هو بالضرورة جزء لا يتجزأ من هذا المشروع، لأن القضية أكبر من أن تحدّد في أطر ثابتة وقوانين وقواعد رسمية انتمائية، فشرط الانتماء هو الدخول في وحدة الإشكالية، وتقديم الجديد النقدي الذي نطمح أن يفلح نقاد المشروع، من خلال عطائهم وإبداعهم المعزز بالوعي والعلمية، إلى تأسيس مدرسة عراقية جديدة في النقد الأدبي”. وختم بضرورة أن تفتح المؤسسة الثقافية والأدبية في العراق صدرها لهذا المشروع، والتعامل مع أصحابه كجماعة لا كأفراد، وتوفير أفضل الظروف لإنعاش هذا المشروع، وتكريس منطلقاته ودعمه كي يحقق بفضل نقاده الجدد ما عجز الآخرون عن تحقيقه”.
وسرعان ما تفجر الجدل حول المشروع شارك فيه عدد من النقاد العراقيين، ومن بين مَنْ أسهموا في ذلك الناقد عبد الجبار البصري، الذي كتب مقالة في جريدة الجمهورية يوم 8/3/1989 بعنوان “النصية والمشروع النقدي الجديد” انطلق فيها من أن “النصية” تحيل على الفهم العقائدي المغلق للنصوص، وبما أن النقاد الجدد يدعون النصية، فهم سيقومون بعزل النص عن سياقاته الثقافية. واستعرض أراء نقاد عالميين يؤكدون الصلة بين النص والمؤثرات الخارجية، وبما أن الجميع، بالنسبة له أقروا تلك العلاقة، فالقول بالنصية “خرافة” لأن كل شيء مرتبط بأشياء كثيرة أخرى، ويستنتج في ضوء ذلك أن مشروع النقد الجديد، بدعوته النصية، مآله الفشل. فقد وصم نقاد المشروع بانغلاقهم على جماليات النص الأدبي، وعزوفهم عن تقدير القيمة الفكرية للأدب، وهي تهمة شاعت من قبل حول رولان بارت، حينما بلور الملامح البنيوية في مجال النقد الأدبي، ومن الطبيعي أن تستعاد تلك الذكرى مع أية محاولة للتجديد.
إثر عودتي إلى بغداد من ندوة جامعة الموصل التي عقدت بين 18-20/3/1989 بعنوان” اتجاهات النقد الأدبي الحديث في العراق” والتي ألقيت فيها بحثا بعنوان “إشكالية الرؤية والمنهج في النقد القصصي الحديث في العراق” نشرت مقالة طويلة في جريدة “الثورة” في الثاني من نيسان/أبريل 1989 بعنوان “النقد الجديد ومواجهة إشكالية والمنهج” بعد مرور سنة على نشر البيان الأول الذي طرحت فيه فكرة المشروع. كتبت المقالة الجديدة في ضوء الجدل الذي اندلع حول المشروع في الصحافة الثقافية، وأروقة اتحاد الأدباء، والمجالس الأدبية، وفي ضوء ما عرضتُ من أفكار حوله في ندوة جامعة الموصل التي خصصت للتيارات النقدية الجديدة، وما واجهت من ردود سلبية، وبخاصة من طرف الدكتور علي جواد الطاهر الذي عارض معظم ما ورد فيها، وجاراه في ذلك كثيرون مجاراة التابعين للمتبوع.
في تلك المقالة أشرت إلى أنني أود أن استأنف الحديث مما انتهيت إليه في المقالة-البيان، وأوردت الركائز الأساسية التي طرحتُها من قبل، وما أثير من نقاشات حولها خلال الأشهر الماضية، وشدّدتُ على قضيتين تتصلان بإشكالية الرؤية والمنهج، فموضوع تلك الإشكالية هو آلية مقاربة النقد للأدب لا موضوعات تلك المقاربة، ونظرة متفحصة إلى تلك الآلية تكشف عدم اقتران الرؤية النقدية بالمنهج النقدي، وبعبارة أخرى وجود مستويين اثنين، أولهما: إضفاء رؤى خارجية مستمدّة من نُظم مرئية أو مجردة عقليا على كينونة مختلفة بالألفاظ، وهذا أدى إلى عملية انزياح كاملة لمكونات الواقع إلى عالم الأدب حسب تصور النقد التقليدي، ولقد أطّرت هذه الرؤية بطرائق تكشف ذلك. وثانيهما: إسقاط نظم منهجية تفتقر إلى الرؤية الأصلية التي نشأت في سياقاتها على الخطابات الإبداعية، مما قاد إلى الاشتغال على المنهج النقدي بدل الخطاب الإبداعي، ففي الوقت الذي توفرت فيه رؤية خارجية لا علاقة لها بالخطاب إنما بالواقع، غابت طرائق التعبير عنها، فآل النقدُ إلى حديث غير منظّم عن عالم سابق للعالم الذي تبنى مكوناته المخيلة.
وفي وقت توفرت فيه منهجية عمل تنطوي على إمكانيات جيدة لمقاربة الخطاب الإبداعي من الداخل غابت الرؤية الأصلية التي نهضت عليها هياكل التحليل وآلياته، فوجد الخطاب نفسه منفيا وسط آلة غريبة عنه. هذه هي الإشكالية التي أراها في مظاهر مختلفة تبدأ من الاختيار، ومستويات الخطاب، ونوع المقاربة، ووظيفة العملية النقدية، وتنتهي بالمشكلات المنهجية التي يواجهها الناقد فضلا عن مشكلات المصطلح، وطرائق التحليل، والتصنيف، وقضية الأجناس الأدبية، وصولاً إلى نظرية الأدب العربي التي لم تتوفر جهود لبيان خصوصياتها.
بعد هذه التوطئة طرحت السؤال الآتي: ما الرؤية إذن؟ وهل ثمة إمكانية لأن تتعدّد الرؤى النقدية ؟ وجاءت الإجابة: الرؤية النقدية هي خلاصة الفهم الشامل للفعالية الإبداعية في نواحي نسجها، وبنيتها، ودلالتها، وتأويلها، فعناصر الرؤية تستجمع من الإبداع ، وليس من عالم آخر. عالم الخطاب يتشكل في ذهن المتلقي بمتابعة تركيب الألفاظ على نحو يؤدي إلى خلق عالم متخيل نصطلح عليه عالم الخطاب، ولا يختلف هذا العالم عن العالم الواقعي في صورته فقط، إنما يختلف عنه بمكوناته وعناصره، وقد يحيل على العالم الواقعي حينما يتوهم المتلقّي وجود مطابقة بين العالمين، لكن هذه المطابقة هي وهم؛ لأن العالمين مختلفان في العناصر، والبنية، والغاية، على أن هذا لا يعني أن العالم المتخيل خلو من الأفكار، والشخصيات، والخلفيات الزمنية والمكانية، والوقائع، والأحداث، إنه على العكس، فهو يتضمن كل ذلك، لكنها مختلفة عن نظيراتها في العالم الواقعي، وعلى الناقد أن يستمد رؤيته من هذا العالم الجديد، فيدرس أساليبه، وأبنيته، ودلالاته، ثم يمكن له أن يقوم بتأويله بعد ذلك، فعملية التأويل هي قراءة فردية لربط النص بمرجعياته.
هذه المستويات الخاصة بأسلوب الخطاب، وتركيبه، ودلالاته، وتأويله، وكل ما يتعلق بجمالياته هي موضوع النقد الذي نريده، وما سوى ذلك يتعلق بظروف إنتاج الخطاب تاريخيا واجتماعيا ونفسيا، وهي مهمة جدا، لكنها ليست من شأن الناقد، إنما من شأن المؤرخ، وعالم الاجتماع، وعالم النفس. ما تتميز به رؤية الناقد هو أنها مترشحة عن عالم الأدب، والمجتمع الأدبي، وهي تتنوع بتنوع الآداب، وعصورها، وقدرة الناقد على صوغها، وبلورتها. ولاستخلاص تلك الرؤية لابد من خطوات إجرائية يقوم بها الناقد لمقاربة النص، مثل تحديد الموضوع، وتنظيم عناصره، وتشخيص الثوابت والمتغيرات فيه، وبلورة ملامحه، ثم إعادة تركيب عناصره، ووصفها، وكشف أبنيتها، ودلالاتها، ثم تأويلها، وهي خطوات مترابطة ومتداخلة لا يمكن فصلها عن بعض، وسوف أصطلح على مجمل هذه العملية بمنهج “الاستقراء الفني”.
لا يمكن أن تنهض عملية نقدية من دون اقتران الرؤية بالمنهج، فلا قيمة نقدية لرؤية لا تستند إلى منهج، ولا قيمة نقدية لمنهج منفصل عن الرؤية. وبعبارة أخرى أن تقترن الرؤية بالمنهج أمر لا بد منه لكن هذا لا يحول دون تعدد الرؤى والمناهج، فتعددها لا يجعلها تتعارض إنما تتفاعل. يتيح اقتران الرؤية بالمنهج في المشروع النقدي الجديد في العراق الاقتراب إلى الظواهر الإبداعية، إذ تتضح حدود عمله، وأهدافه، وموضوعه. يظهر أمامه الخطاب عالما مركبا من عناصر كثيرة، ومستويات متعددة، يمكّنه من إجراء نوع من الوصف والتحليل للنص، وختمت بالقول الآتي “إذا استحضرنا تاريخ النقد، ودرسناه بدقة، سنتوصل إلى توتر واحتقان كبيرين في العلاقة بين الرؤية والمنهج إذ يحظى طرف ويغيب الآخر، وأحيانا يغيبان معا، فتتحول الممارسة النقدية إلى إنشاء مجاني لا قيمة له، ولا بد أن يقف النقد الجديد على الكيفية التي يحضر فيها كل من الرؤية والمنهج في العملية النقدية، وبذلك تتأسس معرفة نقدية رصينة وقادرة على الشروع بظهور نقد جديد يفي بوعوده الكبرى في دراسة النص” ذلك هو مضمون الرؤية المنهجية التي أردتها لمشروع النقد الجديد في العراق.
قوبلت هذه الجدّية باستهجان منقطع النظير من عدد من النقاد، فقد كتب الناقد باسم عبد الحميد حمودي في جريدة الثورة يوم 12/4 /1989 مناقشة تفصيلية لمقالتي بعنوان “مشروع نقد الغرفة ومسرحية البنيوية الصلعاء” ذهب فيها إلى أن مشروع النقد الجديد “يدور تحت خيمة النقد الصامت، أي ذلك النمط من الكلام الذي لا يساجل سوى ذاته، ولا يتعدى الحوار بين ثلاثة من الشبان، وربما أربعة، حول مشروعهم الخاص بالنقد دون أن يتعدّاه إلى الآخرين، فهو نقد محايث، لا يتعدّى ذاته إلى غيره، وهو حوار يجري داخل غرفة دافئة زمن الشتاء، مبردة زمن الصيف، بين مثقفين يعزفون موسيقى واحدة، تترشح عنها الأحاسيس التي يفترضها الموسيقي لتصل إلى حالة من التجريد شبه الكامل”. ومضى متهكما وهو يفصّل الموقف المعروف بين الأدب والمؤثرات الخارجية، كما فعل من قبل البصري، وانتهى إلى أن المشروع النقدي الجديد في العراق هو “بنيوية صلعاء” تظهر لتؤدي لحنا فاتته البنيوية، ومقالة عبدالله إبراهيم “موسيقى حوارية تجريدية تجري في غرفة بين ثلاثة شبان تُعرض أمامهم فصول من مسرحية المغنية الصلعاء”.
استثير عواد علي فورا فكتب مقالة ظهرت في جريدة الثورة بتاريخ 13/5 بعنوان لا يقل سخرية عن عنوان مقالة حمودي “المشروع النقدي الجديد ومأزق المغالطة الصلعاء” بدأها بالتذكير بأن كل جديد لابد أن يقابل بردود أفعال متباينة، والشواهد كثيرة على رفض الاعتراف بحركة الشعر الحديث، وبقصيدة النثر، وهو ما يتكرر الآن مع مشروع النقد الجديد. وأعاد استعراض الركائز التي وردت في المشروع كما عرضها كل المناقشين بحذافيرها من قبل، ثم أبدى أسفه بأن كثيرا من المناقشين لم يتلقّوا الفكرة بحسن نية، وإنما بنوع من سوء النية والمغالطة “التي لا تخلو من نية مبيتة ضد المشروع”.
وبدأ عواد علي يفكّك مقالة حمودي كاشفا عن تناقضات كثيرة، وفهم خاطئ لكل ما ورد في المشروع النقدي المطروح، واستعرض مقالات الغانمي وعبيد للتأكيد على الانسجام العام في الأفكار والتصورات، وكشف سقطات كثيرة في مقالة حمودي، وفنّدها فقرة فقرة، وختم مقالته الطويلة مستخفّاً بالقول “إن المرأة الصلعاء التي يضرب بها الناقد جدار المشروع النقدي الجديد ترتد إليه، وتستقر بين يديه لعله يتفحصها من جديد، ويخترق بنظره الثاقب، سطحها المرئي المضلل، ليقع على أسرارها الدفينة، فمسرحية “المغنية الصلعاء” التي يقرأها بتلك الطريقة الساذجة ليتهكم بها على نقاد المشروع تترشح عنها سخرية مروعة من عقلية شريحة أغلقت عليها التقاليد كل سبيل إلى التجديد أو الابتكار، فأنحصر تفكيرها داخل إطار الآراء والأطروحات المطروقة والمبتذلة، واقتصرت لغتها على الشعارات المألوفة الخالية من معرفة أو معنى، ولهذا السبب حرص يونسكو على أن يجعل شخصياته تنطلق في الحوار خبط عشواء، وليس ثمة منهج يربطها بما يسبقها أو بما يليها. وخلص إلى أن مسرحية يونسكو موجهة لنقد الجيل القديم وليس الجيل الجديد.
انفلت زمام الأمر بعد أن صبّ عواد الماء على الزيت الملتهب، ففي الجريدة نفسها، وبتاريخ 8/6 ردّ حمودي بمقالة فيها درجة واضحة من الازدراء والاستصغار تحمل عنوان “مأزق الشباب الناقد وجدل شتراوس مع البنيويين الصغار” شنّ فيها هجوما على عواد، إذ اتهمه بالتطفّل على الموضوع، فقد كان هو يناقش الأسس التي طُرحتْ في مقالاتي، فجاء عواد عرضا، وأنخرط في المناقشة، وفنّد تفنيدات عواد لمقالته. تقمّص حمودي، كما يَشِي عنوان المقالة، دور “شتراوس” الذي وصف جماعة مجلة “تل كل” وهم غاتاري، ودريدا، وديلوز- وكانوا يلتفّون حول رولان بارت، الذي كأن قطبهم الروحي- بأنهم “بنيويون صغار” فجماعة المشروع النقدي الجديد جماعة مارقة شأنها شأن الجماعة الفرنسية التي خرجت لتوها من عباءة البنيوية، وبدأت في تشكيل فلسفة الاختلاف.
لبس حمودي معطف الأنثربولوجي الفرنسي، فيما أضفى على جماعة المشروع النقدي الجديد صفة البنيويين الرضّع الخارجين على الصف، ولم يكتف بتبخيس قيمة أصحاب المشروع، والإخفاق في معرفة موقع الجماعة الفرنسية المنشقة، إنما ختم المقالة قائلا “إذا كان هذا رأي شتراوس في تلامذته وزملائه، فلماذا يستكثر الشبابُ علينا مناقشتهم وفق المنطق الذي نؤمن به باستخدام “نظمنا” و”أنساقنا” اللغوية والمعرفية، دون أن نحيل نص القصيدة إلى “متن” والموضوع النقدي إلى “مقاربة” أو”نص على نص” ونجعل من النص النقدي نصا محايثا لا يتعدى جدله إلى غيره؟”.
لم يكتف حمودي برغبته في تقمّص دور شتراوس، إنما ساير لهجة الاستعداء التي نشطتْ ضد الجماعة الجديدة في الوسط الثقافي المشحون بالمكائد والإسقاطات، فاستعان بمقالة كتبها عبد الوهاب المسيري المتخصص في الفكر اليهودي ذهب فيها إلى أن مصطلح “لذة النص” الذي اقترحه بارت في نسيج قراءته للنص الأدبي، يقصد به”لذة قبالية تتعلق بالتوراة” وهي مستعارة من التأويلات السرية اليهودية للكتاب المقدس، كما طورتها الفرقة اليهودية القبالية، فنحن إذن جماعة مشتطة كتلك الفرقة التي اعتمدت مبدأ التأويل اليهودي. وختم حمودي غامزا “لن أزيد أكثر”. النهاية التي ختم بها حمودي مقالته تشير إلى أننا متأثرون بمفاهيم مضللة تسربت من الفكر اليهودي إلى الثقافة الفرنسية، وأخذناها دون أن نعي خطورتها، وهذا يعني وصمنا بخيانة فكرية، ومروق عن الطريق القويم، فإدخال الفكر اليهودي إلى الثقافة القومية في العراق، في ظل نظام سياسي بدأت تتضخم أوهامه، ويرى في كل جديد خطرا يهدده أمر خطير ينبغي التنبيه إليه، فانتدب حمودي نفسه بالتلميح لهذه المهمة. ولكن لماذا يلجأ النقاد إلى استعداء ضمني أو صريح للدولة على بعضهم؟.
لم يقتصر الأمر على حمودي، بل إن شيخ النقاد العراقيين علي جواد الطاهر كتب مقالة مطولة في جريدة العراق “عرض فيها أدلة على أن “البنيوية” هي من نتاج الاستعمار الفرنسي، وأن من يأخذ بها إنما يطالب بعودة الاستعمار، وكأن الطاهر نفسه لم يدرس في فرنسا الاستعمارية مطلع الخمسينيات، وكان يفتخر بذلك، ولم يقابله أحد بشكّ، على العكس قُبل مجدّدا للفكر النقدي في العراق منذ منتصف القرن العشرين، فلماذا ينقلب، ويصطف مع التقليديين ضد فكر ما زال النقاد العراقيون في مرحلة مخاض في علاقتهم به؟.وتعقّد الأمر حينما اندلع نقاش في الصحافة حول الميول الفكرية للنقاد الجدّد، وبدأ التنقيب في مرجعياتهم الفكرية، وأوضاعهم الشخصية.
ولم تتداع الأمور بما يلحق ضررا مباشرا بالجماعة، ولكن الغانمي سرّني بأنه متخوف جدا من النتيجة، وقد فسرت ذلك على أنه جزء من توجساته الشخصية، لكن النفحة القوية التي تقدّم بها الطاهر، لوصم الجميع بالعار، لابد أن تكون أُخذت مأخذ الجد، فهذه شهادة شاهد من أهلها، لكنّ وصم الجماعة النقدية الجديدة بالعدمية، واللامسؤولية الفكرية، والتأثر بالفكر الغربي واليهودي- الذي كنت أنا بدأت في إعداد نفسي لنقده، كما ظهر في كتاب المركزية الغربية- كانت تلاحقنا حيثما حللنا ورحلنا، وباستثناء التحمّس المفرط الذي أظهره مالك المطلبي للبنيوية- وهو من خارج الجماعة- في سلسلة من المقالات التي عرض فيها كتابا لصلاح فضل حول الموضوع، فلم يتبن أحد منا البنيوية مذهبا أو منهجا، وتوصّلات الآخرين تنم على سوء قراءة لأفكارنا التي لم تكن واضحة بما فيه الكفاية، وتنقصها الدقة. ارتسم في الأفق ضرر يتعدّى حدود الأدب، ليصل إلى مشارف الفكر، ولا يمكن اظهار تسامح مع جماعة تشيع فكرا مغايرا لما هو قائم.
واستمر السجال النقدي في الصحافة الثقافية، والمجالس الأدبية، حول “المشروع النقدي الجديد في العراق” إلى نهاية عام 1989 والأشهر الأولى من العام التالي، وفي مايس/مايو من عام 1990 تلقيت دعوة للمشاركة في مهرجان المسرح الكردي في السليمانية، وكان عواد علي مدعوا بوصفه ناقدا مسرحيا، وجرى تدبير دعوة محمد صابر عبيد من الموصل، أما سعيد الغانمي فقد جاء لإتمام أمر تسريحه من الجيش في المنطقة الشمالية، فالتأم شملنا في السليمانية، وانعقد اللقاء الجماعي الأول والأخير لما كان يعرف بـ”جماعة المشروع النقدي الجديد”. لم نلتق لمناقشة أمر المشروع، من قبل، بصورة جماعية، إنما كنت أتبادل الآراء معهم، وندر أن اجتمع ثلاثة منا معا، عواد علي يسكن في كركوك، وعبيد في الموصل، وأنا والغانمي في بغداد، ونلتقي أسبوعيا تقريبا في اتحاد الأدباء، ونتبادل الزيارات بصورة دائمة. كما كان عواد يزورني كثيرا، وبين وقت وآخر يزورني عبيد، لكن لم تتوفر لنا فرصة لقاءات جماعية كاملة أبدا مع أننا كنا نشترك في كثير من الندوات والمؤتمرات الأدبية في الجامعات وسواها. فالتقينا في الغرفة رقم 308 من فندق “السلام” وسط السليمانية، في الساعة الثالثة من عصر يوم الأحد6/5/1990، لمناقشة أمر المشروع. كنا حريصين على تقويم أمرنا، وقدراتنا النقدية.
أصبح اللقاء الجماعي أمرا لابد منه، فكثير من الوعود لم تتحّقق بعد سنتين من اطلاق المشروع، وليس من المبالغة القول إنني بذلت جهدا كبيرا لكي نتواجه في لقاء مكاشفة صريح، نضع فيه معالمَ ما نريد، ونوقف الجمود الذي راح يتهدّد الوعود الكبيرة التي قدّمناها من قبل، وخضنا جدلا طويلا حولها. من ناحيتي كان إحساسي بتقويم تجربتنا النقدية المتواضعة يفوق أي هدف آخر، ثم الحاجة الماسّة لنقد مباشر ومتبادل للجهود النقدية لكل منا، ولم تكن ثمة حساسية بيننا تجاه الآراء التي نريد طرحها. كنت بلورت فكرة تقديم ملف كامل عن الجماعة في مجلة “الطليعة الأدبية” واحتمال إصدار بيان جماعي عن رؤيتها ومنهجها يكون وافيا، وكان الغانمي يعرف بذلك، لكن الأخيرين لا يعلمان بسبب بعدهما عنا. فوجودنا في بغداد جعلنا الأكثر حضورا في الجماعة، فنحن جزء من الجدل النقدي الدائر في العاصمة، ندعى إلى الندوات، والمؤتمرات الأدبية، ونكتب مقالات أسبوعية في الصحافة منذ سنوات، وكثيرا ما نخوض نقاشات مباشرة حول المشروع مع النقاد الآخرين، وكنت انخرطت في صلب الدراسات السردية، وأكاد انتهي من دراسة الدكتوراه في موضوع “السردية العربية”.
اقترحتُ، لأسباب تنظيمية، أن يقوم أحدنا بإدارة اللقاء، وتدوين المقترحات، وتنظيم شؤون الجلسة، بما يتيح لكل متحدّث أن يتقدّم بكل ما يريد دون أية مقاطعة من الآخرين، فعهدوا لي بذلك فورا. وجدت أن إدارة الجلسة قد تحول دون التعبير عمّا أريد قوله، ولدي الكثير، فقد يتصور الآخرون أنني أفضي بكل شيء لأنني رئيس الجلسة، ولكن لم يُستجب لما رغبت فيه، فبدأت بتدوين رؤوس نقطً للمقترحات والأفكار التي يمكن أن تطرح، لكي نتناولها بالترتيب، دون تداخل مع مقترحات أخرى. أول ما دونته هو تقويم التجربة النقدية لنا من خلال ما أنجزناه، ومن خلال ما كتب كل منا على انفراد، ثم فكرة البيان النقدي الجماعي، وبدأنا المناقشة. كان الغانمي أول المتحدثين فأكد أن المشروع لم ينجز فكرا نقديا محددا، سوى البحوث التي أنجزها كل منا بنفسه، وعليه فلا معنى لتقويم التجربة النقدية للمشروع، فلم ننجز بعد شيئا يمثل الجماعة، وكتبنا قليلة، لكن بحوثنا النقدية كانت تظهر في كبريات المجلات المتخصصة، وعبيد لم يصدر كتابا بعد، لكن هذا لا يحول دون الوقوف على القاسم المشترك بيننا، وعلى تقويم صريح لجهد كل منا، وهذه نقطة تستحق أن نقف عليها، ولهذا طلب إليّ أن أبدأ أنا أولا.
بدأتُ بالحديث عن عواد علي الذي وجدته يكتب بلغة نقدية جيدة، لكنه عاجز عن تمثيل أهمية المنهج فيما يكتب، كما أنه يتكئ كثيرا على جهود الآخرين، فلا أجد انسجاما فيما يكتب، وهو يحتاج إلى إعادة إنتاج واعية لما يقرأ بدل أن يتأثر سلبا بالآخرين، ومن المهم أن يعمق رؤيته النقدية، أما عبيد فأوصلني إلى اليأس، فهو يكتب كل شيء من الخاطرة، إلى القصيدة، إلى المقال غير الأدبي، إلى البحث عن الشعر إلى الكتابة عن السرد، فلم يتضح مجال اهتمامه، ويستسهل الأمور على نحو لا يمكن قبوله، وأظنه لم يقرأ في العلوم الإنسانية، وبخاصة الكشوفات المنهجية الجديدة، فتفاعله معها محدود جدا، ولم يعد من الممكن قبول أمره بعيدا عما يعد جزءا أساسيا من تكوين الجماعة الثقافي، أما الغانمي، فعلى الرغم من عدم اتضاح اتجاهه النهائي بين الترجمة واللسانيات والنقد، فما يكتبه في غاية من الأهمية، وهو مبتكر أحيانا، وموظِّف بارع للمناهج والأفكار فيما يكتب أحيانا أخرى، ولهذا فبحوثه القليلة مهمة جدا.
استغرق حديثي نحوا من نصف ساعة دونما مقاطعة، وختمت بالتوضيح بأنني كنت غاية في الصراحة فيما أفكر فيه، وأنتظر أن يقدرها الآخرون في مثل هذه الجلسة التقويمية. وطلبت إليهم، وقد دشنت أمر الصراحة، أن يتحرروا من أي حرج في طرح أفكارهم. بدأ عواد بأن وافقني فيما قلته بخصوص الغانمي وعبيد، لكنه أشار إلى أنني أنا أيضاً ما زلت أعيش في الجو المنهجي للأفكار التي طرحتها منذ سنوات في أطروحتي للماجستير، ومن المهم أن أجدّد أفكاري حول السرد والبنية السردية، كما ينبغي توسيع اهتماماتي إلى جانب السرد الأدبي، أما عبيد فأكد بأن لغتي منطقية وصفية لا إيحاء فيها، وهي ليست أدبية، وينفر القارئ منها، ويعزف عنها، وربما لا يتجاوب معها، أما الغانمي فقد التقط الكلام مما وصل إليه الأخير فقال إنها فضلا عن ذلك ليست دقيقة في التعبير عما أريد قوله، وضرب مثلا على ذلك بقضية دوستويفسكي التي أثيرت ضدي قبل أشهر من ذلك- كنتُ صرحت للصحافة حول ضعف البنية السردية لرواية الجريمة والعقاب، فقوبلت بهجوم استمر طوال أشهر في الصحافة العراقية، ونشر أكثر من خمسة عشر ردّاً ضدّ ذلك التصريح الذي لم يزد على أربعة أسطر- فالعبارة التي أوردتها عن دوستويفسكي حول كون روايته “الجريمة والعقاب” مقارنة بالسرديات الحديثة تثير الشفقة لأن الروائي لا يدري ماذا يريد أن يقول فيها، تعني- حسب الغانمي- أن دوستويفسكي لا يثير الشفقة، بل ما أقصده أنه على درجة كبيرة من الحيرة وهو يكتب، وهذا من قصوري في التعبير اللغوي. ورحنا نتبادل الآراء بشفافية دونما اعتراض، ولا امتعاض، وأتضح لنا جميعا أن محمد صابر عبيد قد تعرّض لتقويم صارم من قبلنا جميعا، وأنه يحتاج إلى التفكير بأمر ما يكتب، والتقط هو الحديث، وأقر بالملاحظات، وقال إنه يكتب غالبا تحت إحساس بالحاجة المادية، وإنه قريبا سيتخلص من كل هذه العوائق.
والفكرة الأخرى التي كنت ألح عليها هي تطوير الرؤية النقدية وبلورتها، وكيف لنا أن نقدم رؤية جديدة حول الأدب ووظيفته؟. كان جواب الغانمي أن ذلك أمر صعب، فكيف يمكن الوصول إلى رؤية نعبر عنها منهجيا، ونحن في تطور دائم، فكان جوابي أن الرؤية التي أقصدها تنبثق عن موقف معرفي تجاه النص الأدبي، وهي غير مقيدة، ففي الوقت الذي نفلح فيه بتكوين رؤية عامة ندعمها منهجيا، ونقوم كلما تطلب الأمر بتطوير متزامن للرؤية والنهج، كي لا نقع في الثبات، والسكون، فطرح الغانمي تساؤلا على غاية من الأهمية، وهو: هل نحن قادرون على القيام بهذا الهدف المعرفي العظيم؟ فسألت أنا بدوري: ما الذي يبقى من المشروع النقدي الجديد لو تخلّينا عن هذا الأساس المعرفي؟. صمت الجميع بما فيهم أنا، فقد وضعنا أمام المعضلة الحقيقية التي أريد الوصول إليها منذ سنوات. واتفقنا على أن يكون هذا هو هدفنا في المستقبل، وعليه ينبغي أن يتركز اهتمامنا، وبخاصة أن هذا الموضوع كان المحور الأساسي للمقالات والبحوث التي كتبتها، ولكل ما دار من جدل حول المشروع.
انتقلنا إلى موضوع خاص بالتهم التي كانت توجّه إلينا، وكيفية حماية أنفسنا من الوقوع في الأخطاء التي تثير حفيظة الآخرين علينا، أنا والغانمي لم تثر حولنا شبهات على الإطلاق، لكن عبيدا كان معروفا أنه يستسهل النشر في كل مكان وحول أي موضوع دون أن ينصرف لبحوث جادة، أما عواد فأشيع عنه الاقتباس عن المصادر دون توثيق، وكانت مناقشة مالك المطلبي التنقيبية، التي سادتها عدوانية لا تخفى، لأطروحته عن التحليل السيميائي للعرض المسرحي، قد وصمته بعدم الدقة والأمانة، والتذلل أمام المصادر، فقد تمحّل المطلبي في ضبطه متلبّسا في الاتكاء على جهود الآخرين دون إسناد محكم، فأُخذ عواد على حين غِرّه، وارتبك، وصمت، وعُدّ ذلك دليل اعتراف.
وعند هذه النقطة أوضحت أنه لابد أن نلتزم بكامل شروط الأمانة في البحث، فالآخرون ينقبون بلا هوادة فيما نكتب، وبعضهم يتمادى في ذلك، وقد ينفخون في أخطائنا، فمن السهل أن تُطيح بشخص من مكان لا يعرف أنه الأضعف فيه. وحينما بلغنا فكرة البيان، اتفقنا أن لا ضرورة له، وبدل ذلك اقترحتُ أن نكتب بحثا موسعا حول رؤيتنا النقدية، والإجراءات المنهجية المعبرة عنها، وأن نعمل معا، ونديم التواصل، ونبادل الأفكار بما يجعل ذلك بحثا معبرا عما نريده فعلا. وحينما أنفضّ جمعنا في السابعة مساء كنت أشعر بنقاء خاص، ولذّة جوانية، فقد تبادلتُ بصراحة، مع زملاء رهنت وضعي النقدي بهم، كل الآراء التي كانت تشغلني.
لكن الأحداث لم تمهلنا أبدا، فذابت وعودنا التي أُقرّتْ في السليمانية كثلوج جبالها وقت الربيع، إذ سرعان ما اندلعت أزمة الكويت، وتأزم الوضع العام، وارتبك الجو الاجتماعي، ومنه الثقافي. كنت أستاذا في الجامعة المستنصرية حينما غادرت العراق في تموز 1993، ثم غادر عواد علي، فالغانمي، وجميعنا نعيش في خارج العراق منذ ذلك الوقت سوى عبيد الذي واصل عمله أستاذا في جامعة تكريت. ولم أعد قادرا على الحكم فيما إذا كانت أفكارنا النقدية اللاحقة قد تمّت في الأفق المشترك الذي كنا ننسج أطره بكثير من الآمال في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، فقد ظهر لي نحو خمسة عشر كتابا، ومثلها تقريبا للغانمي. وأصدر كل من عواد وعبيد أكثر من عشرة كتب لكل منهما، وتباينت اهتماماتنا، فقد انخرطت أنا كليا في السرديات ونقد المركزيات الثقافية، وعبيد في الشعريات، وعواد في الدراسات المسرحية، فيما مضى الغانمي في مساره مزاوجا بين الترجمة والكتابة النقدية، وباعدت بيننا المسافات من كندا إلى أستراليا، وأضحى اللقاء بيننا أعدم من الكبريت الأحمر منذ أكثر من عقد ونصف.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أسامة غانم : الرمز الأسطوري بديلاً عن الواقع .

    استلهم  القاص محمود جنداري في قصة ” زو – العصفور الصاعقة ” *، …

| شكيب كاظم : آراء يجمعها غبط المكانة – الجواهري متنبي زماننا الذي انتظرناه عشرة قرون .

في كتابه النقدي(الجواهري كلاسيكي  ضد  الكلاسيكية) ألذي نشرت(طبعة  بغداد) منه دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.