فندق ” Ambassador ” ومطعم راوندوز ” حكاياتٍ لا تُنسى
عدنان أبو أندلس

للرفقة التي كُنا نحنُ عليها في تلك الرحلة ، لها طعمها الخاص الذي لا يغيب عن الأذهان ، ولا يمكن نسيانهُ البتة ، إن كان ذلك مع صُحب يحملون نفس الطبائع التي تحملها ، المكسب بأنك لا تتحسس أو تتوجس من ذلك اطلاقاً ، وبفرحٍ غامر تلقينا دعوة من لدن اتحاد أدباء العراق ” أنا والأديب فاروق والشاعر سداد والقاص موشي ” لمؤتمر السرد المزمع انعقادهُ في بغداد للفترة من 21-12 ولغاية 22 -12-2018 ، ومن مبدأ التواصل والتفاعل كتعريف لاحق بالمستجدات التي نتوق لها ، لذا لبينا الدعوة بمسرةٍ ، لذا قررنا ان يكون موعدنا للذهاب قبل يوم ، كي ننعم باستراحة تبدد عنا تعب الطريق ، وفعلاً ؛ ومن أمام منزل القاص موشي بولص في عرفة القديمة كانت محطتنا للتجمع ومن ثم الانطلاقة ، ومن طبع الشاعر ” سداد ” أن يستأجر سيارة خاصة في كل دعوة لمهرجان ما لغرض توصيلنا ثم اعادتنا في يوم متفق عليهِ .
– في ضحى خميس ذلك اليوم المشمس من بواكير الشتاء. كانت السيارة واقفة بانتظاري ، وحينما صعدت حييتهم بالتحية الصباحية ، وجلست في المقعد الخلفي ، وحين تفقدتُ ” موشي ” لم أجدهُ ، سألت عنهُ فلم القي جواباً يُذكر، سوى قهقهات مخنوقة تبدر من صاحبي ” فاروق وسداد ” أخذتُ حقيبتي ووضعتها خلفي في المكان المخصص ، ولمحتُ حقيبة ” فاروق ” الصفراء ” الكبيرة التي طافت مدن كثيرة في أوربا وغرب آسيا وشطرا من شمال إفريقيا ، والتي جلبها من إحدى العواصم حسب اعتقادي خلال جولاته المكوكية في تلك المدائن ، ومن طبع فاروق يهتم بتعدد الملابس في السفر ، يضع فيها الوفرة لكن لا يرتديها وتعود الى البيت كما هي بقالبها . وحين حدَقتُ أكثر ولمحتُ أُخرى تشبه حقيبة ” موشي ” ، ومن باب الفضول فتحتها لأتأكد ، وحين فتحتها عثرتُ على عُلب سجائره النادرة ” pine” التي تشكلُ لنا حكايات طويلة معها ، قلتُ مع نفسي جزماً من أنهُ ذاهبٌ معنا ، يستحيل أن يُثنيهِ أي شيء ما دام ” o2 ” موجوداً فهناك تبعٌ لهُ ، لكن تساءلت مع نفسي ؛ ربما عدَل عن رأيهِ بالذهاب إثر التندرات والمغالب التي يسمعها منا ،والتي نطلقها عليهِ في أكثر الأحيان .
وفي تلك الأثناء خرج الينا ” موشي ” يرضع من سلوتهِ بكل شهية ، صعد وجلس بجانبي ، سارت بنا السيارة تشق طرق مدينتنا حيثُ المقصد ” بغداد ” وبدأت الحكايات المُحببة عن السيجارة التي يدخنها ، مرةً يشاركنا الحديث ومرات يتغافل عن ذلك ويمضي في شرود وتيهان مفتعل ، وعلى هذه الحالة فإذا مدينة ” الطوز ” على مرأى العين ، مالت بنا السيارة وتوقفت أمام أحد المطاعم حسب عادة سواق الخطوط في كل المدن حيثُ وجبة الأكل مجاناً لأنهم يجلبون الزبائن لهم ، ترجلنا منها ودخلنا المطعم لأجل شرب الشاي ، لكنني شعرت بالجوع لأني لم أتناول كفايتي من الإفطار ، جلستُ وناديتُ النادل ما عندك من الإفطار وأخذ يعُد كذا ….وكذا وعندي ” قليَة ” موصلية ، تذكرت هذه الأكلة الصباحية اللذيذة التي تناولتها قبل عدة عقود حين كنتُ جنديا في مدرسة المشاة في مدينة الموصل ” وادي حجر ” ، قلتُ هاتها ، الذين معي اكتفوا بشرب الشاي وقليلاً من شوربة العدس ، بعد قليل جاءني بـ ماعون فرفوري كبير مملوءٌ حتى أذنيه بالثريد ، وعليهِ قطعاً من اللحم يكفي لـ أربعة أشخاص ” أكولين ” ، دعوتهم لمشاركتي؛ فلم يتشهوا ، أما أنا فقد وقعتُ في ورطة التبذير ، أخذتُ كفايتي وتركتها لحالها دون شهية ، لكن جاءني النادل مسرعاً ، وبتوصية من الصُحب ، قال احدهم : وضبها لهُ على طريقة المصريين ، وضعها في ماعون شفاف سفري ، عندها خرج موشي على عُجالة ” لكشك الشاي ” كي يتناول ذلك ويدخن خلسة عن أنظارنا ، نهضنا نتبعهُ وكان قد دفع الحساب والى اليوم لم أعرف ما سعر تلك الوجبة التي دفعها ، وهذا ديدنهُ في كل سفرة .
اتخذنا أماكننا وسارت بنا تلثم الطريق وتواصلت أحاديثنا ثانيةً عن العُلبة السحرية التي يأخذ منها واحدة ونشمها من بعيد ، وحين لاحظ ذلك فنح النافذة كي لا نشمها بحجة عدم ازعاجنا بالدخان ، ومن دفقات الريح التي تعوي في الخارج تتسرب الينا بعضاً منها ، صاح بهِ ” فاروق “: سد النافذة ترى قد سرت البرودة حتى الأعماق . ونحنُ على هذه السيرة الى أن وصلنا تخوم مدينة ” الخالص ” توقفت بنا وترجلنا منها حيثٌ مكان الشاي ، لكن ” فاروق ” اندفع أمامنا وولج الدكان وجلب لنا بسكويت وعصائر وعلبة سجائر وقدمها لي من النوع التي يرغبها ” موشي ” قائلاً : واحدة بواحدة ، دعهُ يتضجر ويغار منك ، ناداني بعد رشفةً من الشاي : دعني أراها ربما تختلف عن سجائري ، وحين قدمتها لهُ كي يشاهد ماركتها ، وضعها في جيبهِ قائلاً : ببرود يشي الى الضحكة ، هذه لا تلائمكم دعوها وشأنها ، وبالكاد ومع كل التوسلات والإلتماسات ناولني واحدة ثم سحبها مني بعد قليل ، قائلاً : إني أخشى عليك من تبديل سجائرك وربما تُصاب جراء ذلك بـ ” قحة ” تلازمك طويلاً لاسيما والفصل شتاء ، ضحكنا من تلك النصيحة ُ بكل اريحية للأعذار التي يمتلكها ببديهية حاضرة . سرنا وتواصل الحديث عنها ، وبين همس ونتفاً من التبريرات ولم نكن ندري بأنفسنا إلا بـ طوق” بوب الشام ” حدود بغداد ، ثم دار الحديث عن تخصيص الفندق والحجز فيهِ وعن مشاويرنا عصرية هذا اليوم و.و . وصلنا فندق السفير ” Ambassador Hote ” الذي يقع على شارع ابي نؤاس ، واجهتةُ من الطراز القديم والرصين اشبه بفنادق ” لندن ” من حيث التصميم المعماري ، أمامهُ حديقة وشجيرات غريبة ، وقد خصصت لنا غرفتين متجاورتين تشرفان على نهر دجلة ، واحدة تجمعني بـ موشي ، والأخرى تجمع فاروق وسداد . بعد أن استرحنا قليلاً واستبدلنا ملابسنا جاءني سداد وفي نيتهِ زيارة صديق لهُ في اليرموك أو الصليخ كما أعتقد ، ولكوني متعب قلت لهُ : مازال وعثاء الطريق يرهقنا ولم يتبق من النهار الا القليل ، دعنا من هذه المهمة ونؤجلها لليوم التالي ، اقتنع ونزلنا للمطعم الذي يقع خلف الفندق ويبان من قطعتهِ التعريفية بـ راوندوز ، أخذنا نصيبنا من وجبة الغداء المشكل لغاية في أنفسنا ، ثم سرنا خطوات راجلة لكننا قد حسبنا المسافة بعيدة وقد استأجرنا ” تاكسي ” لتوصلنا الى باب اتحاد الأدباء ، قابلنا أصدقاء كُثر هناك وبقينا لوقت متأخر رجعنا نتأبط اصدارات عدة من الأدباء ، وصلنا الفندق وتسامرنا لوقت متأخر بحديث منوع عن الأدب والسرد وتارة عن سيجارة موشي ، رقدنا في اسرتنا وقد بان علينا التعب ، في اليوم الثاني نزلنا للصالة التي تقدم الفطور الصباحي ، تناولناهُ على عجل بغية الذهاب واللحاق بإفتتاحية المؤتمر ، بعد فترة كُنا هناك نسمع أحاديث مختلفة عن أحاديث السجائر ، وفي الظهيرة نعود الى مطعمنا نتناول الوجبة الرئيسة فيهِ ، بعدها نعود لمكان إقامتنا نأخذ قسطاً من الراحة ثم نعود مجدَداً عصراً لجلسات المؤتمر ، وهكذا طيلة المدة التي قضيناها هُناك ، في اليوم الثاني طلبتُ رخصة من الصُحب بالسفر الى مدينة ” شهربان ” كي ازور بيت أختي ، ودعتهم لكن دون مشتهاة توأمي ” موشي” بذلك ، استأجرتُ ” تاكسي ” لكراج النهضة ، ومن هناك تقلني السيارات الى جهتي المقصودة ، بتُ ليلتي مع بيت أختي ، وفي اليوم التالي رجعتُ مع هطول الأمطار الغزيرة طول الطريق ، وصلتُ قبل الظهيرة وكان صاحبي ممتعضاً من الزيارة قائلاً : تركتني وحيداً في الغرفة الموحشة ، وفي ختامية المؤتمر كانت هُناك مداخلات عن سردية المشاركون ، جلسا موشي وسداد في المقدمة ، أما أنا وفاروق اتخذنا مكانا لنا في المقاعد الأخيرة من القاعة ، وفجأة سمعتُ أحد النُقاد وعلى ما أعتقد د. جاسم خلف الياس ، وكذلك ناقدة من النجف يذكران قصص موشي القصيرة جداً في ورقتيهما النقديتين ، استأذنت من فاروق كي اشارك في باب المداخلة ، وقد ردَ : ” يمعود دروح خلصني ” ، روح ، مكرراً ذلك بضحكة ، وفي ختام الجلسة فُتح باب المداخلة وقد أدلى ” سداد ” وهو يقعد بمكانهِ ، ببعض الملاحظات التي ركزت عليها الندوة ، ثم لحقهُ موشي وارتقى المُنصة شارحاً بعض من تجربتهِ القصصية ، وحين وصلني الدور، قال لي مقدم الجلسة : الراحل ” محمد علون جبر ” أهلاً أبي أندلس وقد همس لي ، الوقت أمامك دقيقة واحدة ، لكن سأعطيك دقيقتين ؛ لأنك من منطقة ” عرفه “حالياً ، وأنا من منطقة ” عرصة ” سابقاً لا تفصلنا سوى سكة القطار، كانت مداخلتي عن الصورة الفوتوغرافية الجامدة في قصص موشي ، وتحدثتُ بذلك وفق المدة المُحددة المعطاة لي ، وحين نزلتُ من المنصة أسمعني الإشادة بعض الجُلساء ، وكذلك القاص موشي ، غير أن فاروق أجابهُ بضحكة طويلة يا أخي ما هذه التهنئة !.. أصلاَ هو مسحك بالأرض وضحكنا معاً ، بعد انتهاء المؤتمر ومراسيم الختام والتوديع ، طرح علينا ” سداد ” بأن هُناك دعوة لمأدبة عشاء لنا من قبل د. عزالدين المحمدي ، اعتذر ” فاروق ” لأنهُ كان يشعر بالتعب أصلاً ، حقيقة لم أود الذهاب لأني أكتفي بليل بغداد في ساحة الأندلس ، ولم أود مفارقتهِ بهذه الحالة ، بل غادرا ” سداد وموشي ” وبقينا نحن الأثنين في قاعة النادي ، بعدها نهضنا نسوح في ليل بغداد وعرجنا الى ساحة الأندلس وتناولنا وجبة فاروق الشهية ، ثم رجعنا لمأوانا نجرجر أرجلنا التعبى ، وفي ساعة متأخرة عاد الينا سداد وموشي وسهرنا ليلة متأخرة كما تُسمي عند الأدباء بـ ليلة الوحشة ، كانت تلك الرحلة حافلة بالتَواد الحق ، وفي وقت الفجر قلما أصحو لأن سلطان النوم يأخذني بعيداً ، لكني هذا اليوم صحوتُ باكراً من صوت المؤذن في صوب الكرخ والذي يتهادى لمسمعي ، نهضتُ وصليتُ الفجر وتطلعتُ على وجه ” موشي ” الذي كان يغُط بنومٍ عميق وقد بانت ملامحهُ وكأنهُ طفل بريء تاركاً على المنضدة التي تفصل سريرينا عُلبة سجائره ، تناولتها ووجدتها فارغة ، همستُ مع نفسي أيا بـ…… اقتربت من الشباك أكثر لأطل على بغداد وشاطئي دجلة والتي كان يغطيهما الضباب الشفيف والأضواء تسطع وتتراقص على سطح الماء كأروع منظر لم ألفه منذ زمن بعيد .

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *