قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” التي قامت أسرة الموقع بإرسالها إلى المئات من القراء والنقاد داخل العراق وخارجه. ويهمها أن تؤكد على أن راعي مشروع قصيدة وطن ومنجزه الأصيل ومَنْ قدح شرارته في الوجدانات والضمائر هو المبدع الأستاذ صالح الطائي. وما قام به الناقد حسين سرمك حسن هو توصيل المشروع إلى أكبر عدد من القراء والنقاد. كما ستقوم أسرة الموقع بنشر كتاب القصيدة على حلقات. ندعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغناء الملف بمساهماتهم.
أسرة موقع الناقد العراقي

تستوجب كتابة التاريخ الملحمي لأي مرحلة إجراء طقوس تمهد للفكرة، أما كتابة تاريخ حقبة معاصرة بكل تعقيداتها الفكرية والأيديولوجية والسياسية فتستوجب أن تكون هناك طرقا فنية مبتكرة وغير تقليدية تتماهى مع انبثاق روح الثورة في النفوس، والاندفاع الجاد من أجل التغيير، وصولا إلى التمرد على كثير من الموروث، واللجوء في بعض الأحيان إلى اتخاذ مواقف غير مسبوقة مع المقدس التاريخي، ولكن حتى مع ضغوطات أكثر العصور تطورا، عصرنا الحاضر الذي يبدو أنه ألقى حبلها على غاربها ونشر الانفلات بين الجد والفوضى أملا في الوصول إلى نهايات لم يصل إليها أحد من قبل؛ لابد لنا أن نناكف الموروث، نشاكسه، نتجرأ عليه، ونقتنص ونقتبس منه وهجا أو قبسا نرفعه بين أيدينا في مقدمة انبعاث الجماهير لينير دهاليز النفق المظلم الذي حُشرنا فيه عنوة، والذي نشعر أنه يقيدنا ويشل حراكنا، ولن يتعارض ذلك بالمرة مع تدفق القوى السالبة والموجبة للعصر، فالعصر بحيويته ونضجه وجنونه وفوضويته ودهشته وروعته ورقته وقسوته وغرابته وتشدده وانفلاته؛ استوعب وشل كل التواريخ، ولم يغص فيه أبدا، طالما أنه يمثل خلاصة كل ما مر على الإنسانية منذ وجودها الأول، ولكن العبث معه لا يخلو من مجازفة فيها الكثير من الخطورة.
من هنا، من هذه الحافة الناتئة الجارحة ولد تحدي مشروع “قصيدة وطن” في يوم 31/1/2020، وكانت ولادته نتيجة صراع الفكر مع تداعيات الأحداث التي أفرزتها منظومة معقدة من المشاكسات المتراكمة التي تسببت بكل ما تتعرض له الأمة اليوم بشكل عام والعراق الجريح المبتلى بشكل خاص؛ على يد بعضٍ من أبنائها، وبعضٍ المحسوبين عليها ممن تولوا قسرا أمرها، وعلى يد أعدائها ولاسيما القوى العظمى، وعلى يد بعض جيرانها الذين طمَّعهم خور الحكام وطيشهم بها، فحاولوا مصادرتها وافتراسها.

 

وبشكل عام ارى ان ما تعرضنا له كأمة على مدى السنين الماضية لم تتعرض له أمة من قبل، ففي مجتمع مثل المجتمع العربي الذي أصيب على مدى القرن الماضي بخيبات مريرة لم تكن اتفاقية سايكس/ بيكو أولها، ولن تكون داعش المدعومة دوليا ولا صفقة القرن آخرها، هذا المجتمع المعقد الموغل في التناقض، الموحد ـ المتناحر، المتحاب ـ المتباغض، المتقارب ـ المتباعد، المُجَمَّع ـ المفرق، الملموم ـ المشتت؛ صاحب الرأي الواحد ـ مُخْتلِف الرؤى والعقائد، المستقر ـ القلق إلى حد النزق، والثائر ـ الهادئ إلى حد السكون… هذا المجتمع الذي يشكو ضعف القوة وقوة الضعف، والدكتاتورية المطلقة، والانفلات المطلق، وندرة وجود القيادة الأمينة الناصحة الإنسانية الوطنية التي تأخذ بيده نحو شاطئ الأمان. في مثل هذا المجتمع الغريب في تكوينه يكاد يكون الحديث عن أمر جمعي مشترك مهما كان بسيطا، حتى ولو كان على مستوى نظم قصيدة مشتركة أمرا شائكا وفي غاية الصعوبة، بل مجرد أضغاث مجنونة ونزق غير موزون، محكوم عليه بالخيبة والفشل والخسران.
ولكن كيف للفكرة المجنونة المشحونة بالتحدي الكبير والعناد إلى حد النزق والانفعال أن تهدأ أو تهادن أو لا تتمرد؟ وأنى لها أن تنجح وأن تكون مميزة وبمستوى الطموح في عالم مجنون إذا لم تكن بكل هذا الجنون المنبعث من القلوب الحزينة التي آلمها ما آل إليه أمر الأمة، فالجنون يكون أحيانا أعلى مراحل الوعي، وكم توهجت إشراقات الحكمة من دنيا المجانين، فلم لا تشرق من هذه الدنيا قصيدة تحيي موات قرن من الزمان، وتعيد للأمة وهج العمر الذي مضى، والذي ترك في قلبها أعظم الحسرات، التي ليس من اليسير إزالتها أو إيقاف تدميرها.
ولدت فكرة مشروع قصيدة وطن بداية وبشكل مبسط من مقارنة دارت في بالي وأرقتني؛ بين حجم حبي للعراق وللعروبة؛ الذي يمثل إحدى دعائم التقديس المطلق في حياتي، وبين تضحيات الشباب العربي المعاصر، فأنا عشت عمري كله أفخر بما قدمت، ولاسيما وأني قدمت الكثير منذ بدايات وعيي الأولى، يوم رفعت راية المعارضة، فاعتقلت مرتين، وعذبت بوحشية وتنمر، ومن ثم اشتركت في حرب تشرين ضد العدو الصهيوني على الجبهة السورية وعدت سالما، واعتقلت بعدها مرة أخرى، ووصلت إلى الإعدام، ثم تلطفت بي السماء، ومن ثم اشتركت على مدى سبعة أعوام وستة أشهر وواحد وعشرين يوما في حرب مجنونة، سرقت زهرة شبابنا ولم تفلح بصنع نجاح بسيط واحد، ولا زالت تداعيات خرابها قائمة إلى الآن. وأخيرا وليس آخرا تعرضت بعد التغيير في العراق عام 2003 إلى الاختطاف والتهجير القسري، وبين هذه وتلك قدمت للعراق والأمة العربية ما قدرت عليه وتمكنت من القيام به؛ وأوله ذلك الحب الدفين.
ولكن مع كل ذلك التاريخ الشخصي المشحون بالحركة والتراجيديا والعنف والعذاب والوجع والتهجير والغربة داخل حدود الوطن، كنت أشعر حينما أرى إصرار الشباب التشريني في ساحات الثورة العراقية الداعية إلى الإصلاح والتغيير وإقصاء الفاسدين، وأنظر إلى التضحيات الكبيرة التي يقدمونها؛ وكأنني لم أقدم شيئا، في الأقل في هذه المرحلة بالذات، وأن الشباب يكادون يبزوني خلفهم بأشواط، وهم انفسهم بدأوا يصرحون بذلك كنوع من العتب الجميل، وفي هذا بعض الاجحاف، ولاسيما وأن إشارات صدرت من هنا وهناك تحاول توهين دورنا العظيم ـ نحن الآباء ـ وتقديم ما يقوم به الشباب في سوح التظاهر على أدوار حياتنا التي مهدت لكل هذا الحراك، فنحن الأس الذي قامت عليه حركات التغيير. ومع أن الحضور إلى الساحات ما كان وقفا على فئة ولا مقصورا على جنس، إلا أن وضعي الصحي وتقدمي في العمر لا يعيناني على المشاركة في المظاهرات، بما يبدو وكأني ـ والكثير من أقراني ـ قد تأخرنا عن نصرة العراق أو تقاعسنا عن خدمته، وفي حكم تبدو صورته مشوهة بهذا الشكل اجحاف كبير وغمط للحقوق، فللتغيير آلاف السبل.
ولكي أثبت ان للتغيير سبلا أخرى غير التظاهر لا تقل عنه أهمية، وأن نجاح التغيير لا يقتصر على التظاهر وحده، وما التظاهر إلا جزء من منظومة الدعوة إلى التغيير ـ لأجل ذلك ـ بدأت أبحث عن مشروع ما، لكي أؤكد لأجيالنا العزيزة ـ في جزء مما أسعى إليه ـ أن روح الثورة لا زالت تعتمل داخلنا، وأننا لا يمكن أن نتنازل عن مبادئ واعتقادات نراها مقدسة.
من أجواء هذا الصراع، طرأت على بالي فكرة أن أكتب بيت شعر ومن ثم أتوجه إلى الشعراء العراقيين ليكتبوا على منواله ما تجود به قرائحهم، بما يبدو وكأنه تواصل أدبي مع الحراك، فبدأتْ مشاركات الشعراء العراقيين تصلني تباعا، وكنت أجمعها على أمل أن أنشرها في مدونتي وفي المواقع الالكترونية، لكن مشاركة وفدت إليَّ من إحدى شاعرات سوريا كانت عبارة عن بيتين أهدتهما للعراق وللشباب الثائر، أوحت لي بفكرة جديدة قد يراها البعض مغامرة غير محسوبة النتائج، أو مجرد عبث مآله الفشل الذريع، وهو أن اتقدم إلى الشعراء في الوطن العربي الكبير كله برجاء المشاركة ببيتين أو ثلاثة أبيات لتتحول القصيدة العراقية المشتركة إلى قصيدة عربية مشتركة تترجم مشاعر الأمة كل الأمة، وأطلقت على المشروع اسم “قصيدة وطن”، وجعلت بيت الشعر الذي قلته مطلعا لها، مع أنه ليس مُصَرّعا، والتصريع في الشعر: مُحسِّنٌ لفظيٌّ يقصد به اتفاق قافية الصدر مع قافية العجز في البيت الأول للقصيدة، وإذا أورده الشاعر في غير البيت الأول يسمى تقفية داخلية، ولا يشترط الالتزام بالتصريع في كل الأحوال، فهناك قصائد لفحول الشعراء مثل المتنبي غير مصرَّعة، والبيت الذي تقدمت به كان من وزن الوافر، وقلت فيه:
حذار من الهدوء إذا تفشى فعند الفجر قارعة تثور
أما ندائي إلى أدباء وشعراء الأمة، فقلت فيه: أيها الأدباء والشعراء العرب تعالوا لنتحدى قوى الفيزياء والزمان والمكان والأيديولوجيات كلها، تعالوا لنتحدى القوى الداخلية والخارجية التي تريد أن تتحكم بمسارات حياتنا، وتقودنا قطيعيا إلى مستقبل مظلم، تعالوا لنشترك سوية بصنع قصيدة تتغنى بالعراق الواحد وثورة شبابه من حيث الخصوص، وتتغنى بأمتنا وشعوبنا العربية كلها من حيث العموم؛ وذلك من خلال إضافة بيت أو بيتين وحتى ثلاثة إلى مطلع القصيدة، وحينما تكتمل نشاركها جميعنا في صفحاتنا، وننشرها بأسمائنا جميعا، لتبدو وكأن كل واحد منا هو قائلها وصاحبها الشرعي وناظمها الأوحد، ولتتحول إلى إرث مجتمعي وشخصي تاريخي يفخر به الجميع بما يتيح الفرصة لأبنائنا وأحفادنا أن يقول قائلهم فخرا: “يكفيني عزاً أن لأبي أو لجدي مشاركة في قصيدة وطن”.
أما وصفي للمشروع بأنه مجازفة غير محسوبة النتائج فذلك لأن ما تمر به أمتنا اليوم من نكسات متلاحقة منذ فورات “الربيع العربي” إلى “صفقة القرن” إلى انخفاض أسعار البترول بسبب جائحة كورونا، جعل منها ظاهرا مجرد مقاطعات متنافرة لا رابط بينها، تعيش كل منها معاناتها لوحدها دون ان يمد لها أحدٌ من إخوتها يد العون، هذا إذا لم يكن هو المتسبب في عذابها ولوعتها. وهذا ما جعل من المشروع مجازفة فيها الكثير من التحدي، لكن مع كل التحديات المتوقعة، والفشل المحتمل، والرفض المتوقع واحتمال عدم الاستجابة أو عدم التجاوب بشكل جاد؛ لم يصبني يأس، فجازفت، وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أرى حجم المشاركات الكثيرة التي بدأت تنهال عليَّ من أغلب أقطار الأمة العربية، ولاسيما بعد أن استجاب لندائي بطلب المساعدة بعض الإخوة الأجلاء من الأدباء الذين أخذوا على عاتقهم الترويج للمشروع بين أصدقائهم الشعراء في الوطن العربي، أو الترويج له عبر المواقع والمنتديات التي يديرونها؛ وحث أعضاء منتدياتهم على المشاركة في المشروع، أو مفاتحة الشعراء في البلدان التي لم اتوقع وصول ندائي إليها، لأني لا أملك أصدقاء فيها، مثل السودان وموريتانيا وليبيا.
ولكي تكتمل الصورة بأبعادها البهية، ويكتمل مشهد الألفة والتعاون بين العرب، ولأن مشروع القصيدة أحيا ذكريات العرب عن نخوتنا القديمة التي عز وجودها اليوم، تطوع وتبرع الشاعر العراقي المغترب الأستاذ ضياء تريكو صكر للإشراف على المشروع، والعمل على إعادة تدقيق وتنقيح ما وصلنا من مشاركات، وتصحيح ما يحتاج منها إلى التصحيح أو التقويم، ومن ثم ربط المشاركات ببعضها عن طريق الأبيات التي سيضيفها.
وحينما تجوهرت فكرة المشروع، وبعد إعلاني عن رغبتي بإصدار القصيدة بكتاب على نفقتي الخاصة، اتقدت روح الاعتزاز بالأمة لدى الأخ والصديق الفاضل الصحفي والأديب المغربي الأستاذ عبد النبي الشراط ليعلن أن مشاركته في هذا المشروع الوحدوي ستكون من خلال تبنيه طباعة ونشر الكتاب على نفقته الخاصة في دار الوطن للطباعة والنشر التي يملكها ويديرها ويشرف عليها، فضلا عن ذلك قام أيضا بالاتصال بشعراء من المغرب والسودان وموريتانيا يحثهم على الاشتراك بالقصيدة، ونشر إعلانات تنوه للمشروع.
وهكذا تعاضدت أقلام وجهود ونوايا وقرائح المبدعين العرب لتدعم هذا المشروع البنائي الوطني الكبير الذي انتهت المشاريع المشابهة له منذ زمن طويل، حتى ما عاد أحد يذكرها إلا ما ندر، والتي لا يعرف جيل الشباب عنها إلا النزر اليسير، ولتعلن هذه الألفة والحميمية والتعاون الأدبي المثمر للعالم كله أن ما يبدو وكأنه انهيار واسع في منظومة العلاقات الخاصة والعامة بين اقطار العرب، ما هو إلا زوبعة في فنجان، وزبد من نتاج نزق وطمع وفساد بعض الحكام المدعومين من قوى الظلام، وسوف تذروه رياح الثورة، وأن الشعوب العربية ليست صاحبة القرار في هذا التباعد والتباغض المفروض عليها، وأنها لا زالت كما العهد بها كريمة عند الشدائد، واحدة موحدة عند النوائب، متماسكة عندما تدلهم الخطوب، مُصرَّة على التضحية التي تستطيع تقديمها ولو كانت بيتا من الشعر قد تترتب عليه مسائلة قانونية على يد حكام الجور، فالكرم هو شعار وجودنا، والبخل ليس من عاداتنا، ولا من طباعنا.
وهكذا بجهود كل هؤلاء العظماء الكرماء الكبار، تحول بيت شعر يتيم، ولد في مخيلتي في أحدى صباحات بلادي، إلى رائية للعرب وقصيدة للوطن لا تحدها حدود قطرية أو جغرافية أو عقدية أو فكرية أو سلوكية، وتحولت القصيدة بدورها الى نشيد وطني يهتف باسم الوطن كل الوطن من البحر الى البحر؛ والأمة كل الأمة بكل اطيافها.
ما أرغب التنويه عنه حول اشتراك شعراء الأمة في كتابة قصيدة وطن ان المشاريع المشتركة مثلما هي قصيدة وطن تعتبر في أبسط حالاتها شكلا من أشكال الاستثمار الراقي لكونها أحد انواع التشكيل الجمالي الذي يقلل أهمية الاستحواذ الشخصي، ويشيع روح التعاون المثمر البنّاء الذي تذكيه النزعة التنافسية التي تستحوذ على المشاركين عادة، ليثبت كل متنافس منهم أنه جدير بهذه المشاركة، أو انه أجدر من غيره ليكون وسط هذا السجال ويحرز قصب السبق.
إن الإسهام في بناء نص أدبي مشترك من قبل عدد كبير من الشعراء يؤسس بحد ذاته إلى نوع جديد من المفهوم العام للأنثولوجيا؛ التي تعتمد في حدودها الطبيعية على فكرة اختيار مجموعة مقتطفات أدبية منتقاة من مجمل الأعمال الأدبية لكاتب ما وتحويلها إلى وحدة موضوع، لكون المقتطفات التي تم اختيارها تشترك فيما بينها بميزة ما، وهي عادة ما تكون مجموعة من مجمل ما كتبه المستهدف من قصائد، قصص قصيرة، مسرحيات، أغاني، وحتى المقطوعات الموسيقية. والجديد في قصيدة وطن في حدود مصطلح الأنثولوجيا أن هذا المشروع المبتكر أتاح للشعراء أنفسهم أن يختاروا أجمل ما لديهم ليسهموا به في رفد زخم المشروع بقوة يحسب لها الآخرون ألف حساب، ولربما تجعلهم يعيدون حساباتهم ويدققون بها كثيرا.
ومع المشاريع التي تحمل مثل هذه التوجهات الوحدوية، لابد وان ترتفع الأصوات المعارضة والمعترضة، كان يقول قائلهم: إذا ما فشلت كل الأحزاب والجمعيات والمنظمات التي تدعو إلى الوحدة عبر التاريخ ولاسيما في التاريخ الحديث في لم شمل قطرين عربيين لا أكثر، هل تملك قصيدة وطن فرصة النجاح بذلك؟
ولهؤلاء ولكل من يعترض أقول: أنا واقعا ليس في نيتي ولا ضمن مشاريعي ولا أبغي من وراء هذا المشروع العمل على إعادة توحيد الأمة العربية مرة أخرى، ولا على حثهم ليتوحدوا، فالتوحد بمفهومه التقليدي القديم يبدو في هذا العصر أحد المستحيلات الكبرى، وإنما أريد من العرب أن يشعروا بأن في داخلهم هناك رغبة جامحة للوحدة ممكن أن تعيد تجميعهم إذا ما وظفوها بشكل حسن بقناعتهم ليتقاربوا ويشعر كل منهم أنه جزء من كيان كبير له هوية كبرى، وتربطه به عشرات الروابط، وهذا الكيان هو عائلته الكبرى التي تلتقي بأب وأم من الأسلاف، وهي غاية ليست بعيدة المنال بدليل أن الذين سمعوني انتخوا لنصرة العراق حينما احتاج إليهم، فارتفعت أصواتهم وأنتجت قصيدة وطن! وذلك ليس غريبا ولا بعيدا على أمة تملك هذا الزخم الكبير من التجارب ومن المشاريع الوحدوية، فالعرب لا يحتاجون اليوم أكثر من محركات موضوعية تستصرخ فيهم هذه الرغبة الإنسانية، وتحصنها بعقل مدرك نبيه لا يراهن على طيبة إنسانيته من أجل محاور عقدية وسياسية لم يحصد منها سوى مزيد من الخسران، حتى تحولت الوحدة إلى مستحيل رابع، بينما هناك في العالم شعوبا عاشت معاناتنا نفسها ومرت بتجاربنا وخيباتنا نفسها ولكنها نجحت في النهاية بإيجاد تقنين خاص يقوم بتجميع الشتات وفق أسس منطقية، فأمريكا بعظمتها وعظيم قدراتها ليست أمة واحدة بل مجرد خليط بشري من أغلب الأعراق والإثنيات المعروفة، ولكن القانون نجح في صهرها بكيان واحد ونجح. وبالرغم من أن الوحدة اليابانية التي تحققت عام 1603 لم تتحقق إلا بعد معاناة كبيرة سببتها المعارك الدموية الشرسة بين جيوش الأقاليم اليابانية المختلفة، وبالرغم من أن اليابانيين كانوا ولا زالوا يتعبدون بديانتين رئيسيتين هما البوذية والشنتونية، فضلا عن أديان متعددة أخرى، إلا أنهم منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم لم ينجحوا في الحفاظ على هذه الوحدة وهذا التوازن الديني الإنساني الرائع فحسب، بل نجحوا كذلك بالحفاظ على هويتهم الفريدة، وتحولوا إلى أمة تتربع على قمة هي الأعلى بين القمم. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي سقط جدار برلين وتوحدت الأمة الألمانية.
هذا يعني أن الإنسان متى ما أدرك الحقيقة مجردة دون رتوش؛ سيصل إلى رتبة الخلاص والتحرر. ولا يصل الإنسان إلى رتبة الخلاص والتحرر إلا إذا ما كان متفردا، متجردا، محايدا، منصفا، عاقلا، آدميا، إنسانيا، إذ ليس ثمة شك أن من يسعى خلف الحقيقة عليه أن يملك قلب مؤمن، وعقل عالم، وقوة مصارع، وتطلعات فارس، وأحلام عاشق، وحنان والدة، وعطف صوفي، وطيبة عصفور، وأخلاق رسول ومهجة إنسان وشهوات ملاك.! ونحن بالتأكيد بحاجة ماسة لأن نفهم، والوصول لهذا الفهم قد يستغرق سنين طوال، ومع ذلك قد لا يتحقق الهدف فمشارب الناس تختلف ورؤاهم وعقائدهم وسلوكياتهم تختلف أيضا، وذلك ليس بغريب، فحتى الفلاسفة اختلفوا في مركز أصل المعرفة الذي يتسبب بالخلاف عادة، إذ تختلف الفلسفتان “المثالية”؛ التي ترى أن العقل دون الحواس هو أصل المعرفة، و”التجريبية” التي ترى أن الحواس هي الأصل والعقل حصيلة المحسوس، تختلفان في أصول مصدر المعرفة، ولكنهما تتفقان أن هنالك أصل قائم هو المرجع الذي يتم اللجوء إليه لمعرفة الصحيح من الخطأ، ومن ثم القبول أو الرفض. هذا الأصل هو فكرة في الرأس عند المثاليين، وواقعة خارجية تدركها الحواس عند التجريبيين.
ومن منطلق المثالية يتوجب علينا الاعتراف أن قبالة جميع الذين اندفعوا بحميمية لتأييد المشروع هناك من تأخر عن ركب القصيدة تعندا وتعنتا او كسلا وخمولا أو نرجسية ووقوعاً تحت سطوة داء العظمة وحب الذات والرضوخ للأنا المتضخمة أو غرورا وتيها وتكبرا، ومع احترامنا لهم أرى أنهم واهمون جدا، وسيندمون على تغيبهم لأن خسارتهم ستكون كبيرة!
وحينما تكدست لدينا مئات المشاركات الجميلة والرائعة بناءً ومضموناً وسباكة ً وفكرة، اقترح عليَّ الأستاذ ضياء تريكو أن تكون خاتمة القصيدة ليَّ أيضا، مثلما كانت بدايتها لنقفل القصيدة ببيت شعر يتوافق مع مطلعها، فقلت:
ألاَ فاحْذَرْ هدوءً قد تفشّى غداةَ الفجْرِ قارعةٌ تثورُ
ولأن مشروع قصيدة وطن برمته ليس مألوفاً، ولا شبيه له في دنيا الشعر والأدب العربي عبر التاريخ، بل في دنيا العرب القدماء والمعاصرين، وربما في العالم كله، باستثناء محاولة مشروع “ملحمة حلب” الذي أجهض قبل اكتماله، والغيت فكرته، فقد لقيت فكرة مشروع قصيدة وطن إشادة كبيرة ومدحا عريضا من قبل الكثير من الأشخاص ـ متخصصين وأكاديميين وآخرين ـ بسبب تفردها وابتكارها وعدم وجود شبيه أو سابقة لها، وقد أعلن هؤلاء الكرام عن آرائهم صراحة، فاخترت مواضيع بعضهم لأضمنها للكتاب تحت عنوان “فكرتي ورؤاهم” عرفانا بجميلهم.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “حياة ثقيلة” لسلام إبراهيم
اللغة والسرد بين الواقع والخيال*
كاظم الزيدي (ملف/126)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (30) (ملف/125)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

قراءة ثانية في حياة ثقيلة
عدنان يوسف (ملف/124)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *