علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل معه تعاملاً موضوعياً خاصاً ورسم علاقته بالعالم والأشياء بمنظور علمي دقيق دون الخروج من كونه متداولاً ذاتياً ومتناولاً جماليا ورغبة مسكونة بالحياة وفضاءاتها الواسعة.
فمن المتعارف عليه في واقع حياتنا العامة وتعاملاتنا الإنسانية عند دراسة أي مشروع نبغي منه قيمة تعاملية نستبصر خلالها ثمرات النجاح وتوقعاته المنصفة ونقصد كل مجالات الحياة وتواصلها أو تواصلنا خلالها في دراسة أية جدوى ولكي يكون مشروعنا الجديد ناجحا بشكل أكيد فلا بد من أن تكون دراستنا له دراسة شاملة تستوعب كل احتمالاتنا وتوقعاتنا عبر الدراسة النظرية التي تلهمنا التطبيقات العملية والواقعية له إضافة إلى النظرة الثاقبة والموضوعية التي تشخص التأثير المادي والمعنوي والنقدي أو الإبداعي وردود فعل المجتمع ومدى تقبله له كإنتاج جديد . ونرى هذه من بديهيات دراسة أي مشروع جديد ….وحياتنا العامة مليئة بالمشاريع الجديدة ومكتظة بالتنوع وكل محاولات التجديد والتجاوز والتطلع للأمام والطموح المشروع بتنوع عالمنا وبتداخلات تعاملاتنا..وأمثلة دراسة الجدوى الاقتصادية كثيرة وأهميتها أكثر ولست بصدد ذكر تأثيراتها في المجالات الصناعية والتجارية أوالزراعية . وأي أنتاج يدخل في مساره منطلق المادة المطروحة في السوق والعوامل المؤثرة في إخراجه ووصوله إلى المستهلك .
وكلنا يعلم أن مثل هذه الدراسة تتطلب الأخذ بنظر الاعتبار الاحتمالات الواردة إضافة إلى توقعاتنا لحصول مشاكل واعتبارات وحسابات دقيقة نستند عليها للخروج بنتائج حقيقية واضحة قبل البدء بطرح مشروعنا الجديد . بعدها ننتظر نجاحه وتواصله بعد طرحه ونكون قد تحملنا مسؤولية إنتاجه وتسويقه .
إن مثل هذه الدراسة وبهذه الدقة والموضوعية ستؤدي حتماً إلى النجاح المؤكد حين نشاهد التفاعل الحي والمحك الذي تبرز خلاله أمكانية تقبل الآخر أي المتلقي . وجدوى الشعر لا يخرج عن جدوى الحياة بعموميتها وتداخلات عناصرها وتفاعلاتها ولا يمكن أن يكون بعيداً عنها في كل مؤدياتها ومدياتها ….فجدوى الشعر هي الاختمار الحقيقي لنجاح المعادل الموضوعي للتجربة الثقافية حين تجد صداها في ميزان التجربة الحياتية و حين تصقل الشعر في بودقة التواصل الحي مع الآخر في مقاساته الجديدة فتأخذ أبعاد ورؤى وكل ممكنات تفوق الأشكال الجديدة وتعاملها الجديد مع المضامين والحياة الجديدة وكل المعادلات التي تحقق الهدف في طرحها لمعادلها الموضوعي في كينونته الجديدة المطروحة بقوة الاندفاع .
فنحن أمام مشروع حضاري مهم وأمام مسؤولية أبداعية ونقدية بطرح التجاوز الجديد الذي يتفاعل مع روح الإنسان الخالدة في رؤيتها الإبداعية الخالصة وتواصلها مع انعتا قه في مسار الإبداع الإنساني الرائع عندما يوصله إلى عمل صافٍ خالٍ من العناصر غير الشعرية .
وإذا أردنا أن ندخل الشعر ونؤ طره في مجال مشروعه الحضاري الجديد على وفق أفكارنا المعلنة وثقافتنا المبطنة والمعجونة أو المخلوطة بدراستنا للمستورد والمحلي القديم والجديد ، فمن المؤكد اننا سندور في دوامة كل هذه الأشياء ودوامته في دائرته المبهمة . فعندما نجول عبر مصطلحا ته الجاهزة وعناوينه الرنانة والتي أخذت منا مأخذا وأبعدتنا عن جوهر الشعر وحقيقته الشفافة الرقيقة المبدعة الجذابة في روحه الوثابة الغارقة أو التي توحي بالرحيل الدائم في عوالمه الغريبة الخالية من العبثية واللامبالاة …وانتظارا ته التي يلاحقها التناغم الجميل والانتظام العجيب …أو في احتدام صارخ يوصله إلى المناطق التي يعمل بها بحرية التجربة وصدقها وعالمها المحذور والمغمور بالدهشة والحنين والحساسية الجمالية الدقيقة التي تكشف الرقي البسيط والعميق والحاد والمفاجئ .
فإذا لم يأت طبيعيا مثل هطول الأمطار أو مثل هبوب العواصف أو مثل تنوع الأشجار والثمار ولم يتخذ من العالم والأشياء وحقائقها غطاء له أو تكون هي وعيا صميميا خلاله ، ولا يفسر الأشياء بالمواصفات الجاهزة والمكررة أو يهيم في فلوات التجاوز ويدخلنا في عمق لذة التفاعل وعنفوان العناء ، فلا جدوى منه ولاحاجة لنا به .
وإذا لم يرتبط بمضمونه الواقعي والاجتماعي والحضاري والتأريخي وإذا لم تؤطره التجربة الصادقة والواقعية فلا يمكن أن بسجل أي تقدم في المجتمع والحياة والعالم حتى لو سرد في تبريره كل تنظيرا ته الجاهزة . فلا حداثة خارج جماليات الشعر العربي ومنظومته الكونية فالجماليات هي التي ترتكز عليها اللغة الشعرية الخالصة . وإن أفق التنظير يجب أن يستوعب كل هذه الممكنات كي يتجاوز مرحلته ووعيه وينبثق حقيقيا صادقا ويتميز عالميا من خلال عالمه العربي الذي يستوعب لغته الأم …لا في هواء التجاوز اللفظي .
إن القصيدة الحديثة بمعناها التطوري يجب أن تصغي إلى إيقاع الزمن الجديد وتجري تحولات في العلائق الجديدة …بين الكلمات والأشياء …والتي تبقي اللغة الجديدة لغة حية وتعيد إليها حياتها باستمرار وتطور أدواتها بما يناسب الذائقة الشعرية في مشروعها التحرري الجديد.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صالح الطائي الطائي.. تأملات في فلسفة السرد!!

(اعلم ان كل فرد في المجتمع له رأيه الخاص ولكننا يجب ان نتفق في النهاية …

صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله –بغداد – العراق 22/10/2020

اللغة التجريديّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : كذب… بقلم : عبدالله محمد الحاضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *