فاروق مصطفى: موشي بولص و عدنان ابو اندلس / من يضيء موشور غرائبياتهما؟

ملتقى الزمن للثقافة و الفنون مكتبة تتعاطى بيع الكتب الجديدة ، و في نفس الوقت تتعامل مع الكتب القديمة و تعود ملكيتها للاستاذ (محمد خضر) رئيس اتحاد ادباء و كتاب كركوك و تقع في راس زقاق يربط ما خلف دار العدالة مع شارع سينما الحمراء و هي تحتل دارا قديمة من ذات الغرف المقببة و ربما يعود بناؤها الى اربعينيات القرن المنفرط بالاضافة الى الكتب و المجلات التي تمتلئ بها رفوف المكتبة ثمة على الجدران لوحات و تحفيات و اقنعة وجوه و اكسسوارات مسرح و منحوتة صممت من اوراق الجرائد تمثل قارئا يمعن في تلقي كتاب . في هذا الملتقى تعودنا ان نلتقي ايام السبت و الثلاثاء ، يجيء القاص (موشي بولص) مصحوبا بشايه و فطائره ، ثم ابصر الناقد عدنان ابا اندلس في باب الملتقى تتقدمه مسراته بملاقاة صحبه و بمجرد ما يقتعد مكانه حتى يمد يده الى عبه و يخرج علبة سجائر صنف (اه ياتمارا) و يقدمها الي صديقه موشي ثم يبتدره قائلا : اعطني سيجارة . هذا المشهد يتكرر في كل لقاء ، علبة الادخنة من نفس الصنف ثم طلبه للسيجارة . صدقا لم استطع حل هذا اللغز الذي غدا يحيرني و يربكني و يصعد نسغ الفضول الى اوردتي .قلت للصديق عدنان اما هناك حل لهذا اللغز و مقابل ذاك سأحل لك لغز كتاب (امبرتو ايكو) : اسم الوردة و لماذا اطلق هذا العنوان على روايته تلك . لم يقتنع و لم يسعفني بربع جواب . قلت لالجأ الى صديقي الاديب ( فهد عنتر دوخي) فهو المتعايش مع غرائبيات ( ابي اندلس) و مقتنص لاعذاره المشتجرة التي كان يتذرع بها متغيبا من لقاءاتنا الاسبوعية ، افادني بانه على استعداد على رفع سقف هذه الحيرة عني بمجرد اسعافي له و حل لغز العصافير التي تهوى (موشي بولص) و هي تستقبله في بوابة مقر عمله و اعني شركة نفط الشمال التي كانت تتعرفه مجرد اقترابه من الباب تزقزق له و تصفق باجنحتها و تملأ الجو فرحا و غبطة و كأن الربيع حل على كوكبنا الحزين بينما زملاؤه الاخرون يلقون الحب و الفتات لها فلا تلتفت ولا تستانس بهم . و نقع في احدى قصص (موشي) على بلبل عجيب مطلق السراح في البيت يلعب مع اصحابه و اخبرني الكاتب بانه بنى حبكة القصة على طائر حقيقي رباه و احبه و تحابب الاثنان على مودة عجيبة فكلما كان يدق جرس الباب يحس البلبل و يهوم و يغرد مستقبلا اياه و مالئا المكان ضجة بتغاريده التي لا تنقطع و الاغرب من هذا في احدى سفراتنا الى مدينة السليمانية حللنا في فندق و معنا صديقنا موشي صدف ان وجدنا في استراحة الفندق ببغاءا مهذارا ينثر حوله الشتائم و السباب و لم اجد كائنا يجيد الهذر و يقلد الذم مثله و موشي الوحيد الذي استطاع ان يوقفه عند حده بلغة كان يرطنها و لا يفهمها الا الجان .

الأديبان موشي بولص وعدنان أبو أندلس

انتقل الكاتب (موشي) من قسم الكهرباء الى قسم الاعلام في شركة النفط ، و عندما سمع ابو اندلس بقدوم هذا الوافد الجديد و كان يعرفه عن طريق نشره لقصصه القصيرة جدا في جرائد و مجلات كركوكية . استقبله قائلا : انا ابو اندلس و ظن موشي بان هذا الذي رحب به قادم من بلاد الاندلس او منحدر من مدينة قرطبة او ينتسب الى مدينة اشبيلية الا انه عرف في ما بعد بان هذا اسمه الادبي الذي يوقع به قصائده و نقداته و من ذالك اليوم الذي التقيا فيه ارتبط قلباهما بوشائج قوية من الود و الوفاء و مما سقى انهار هذه الصداقة و افاضها عمراهما المتقارب حيث ولد عدنان في 1956 بينما ولد (موشي) 1957 و كلاهما يهوى الادب الاول استهام و غرق في شهقة الحرير و الثاني هام و طاف في اشجانه المحلقة ، و احب الاثنان كاتبا كركوكيا فقيرا مغمورا يطارد ايامه المنهزمة وهو الاخر بادلهما حبا و مودة و موشي المولع بعالم الابراج و الافلاك ينظر في حظوظ صديقه فيقرب منه الكواكب و النجوم لجلب السعد و الفأل الطيب الى حياته فلهذا عندما يقفل راجعا الى الدار يحس بان عطارد يمشي الى يمينه و فينوس تظلل يساره و يصطدم بكويكبات سعيدات اخريات فلهذا ترفع شفتاه اغنيات يترنمها من كتابه الموسوم (ترنيمة الغائب) . و مع قدوم ساعة اذان المغرب لابد من مغادرة المكتبة ، اعلم انني ساحتطب الكثير من اشجار حيرتي مدخرا لعشاء الليل و هدأته العاتمة فلغز علبة السجائر محكم الاغلاق و مازلت انتظر صديقي (فهد) ان يحله ، ننهض تاركين امكنتنا لاشباح العزلة و سقائف الصمت و الفراق مؤلم و ترك الصحاب عذاب و كل ما يفرق الانسان من اخيه الانسان حسب قول الشاعر (احمد عبد المعطي حجازي) في مجموعته المبكرة (مدينة بلا قلب) .

شاهد أيضاً

مصطلحات : الرواية القوطية Gothic Novel

فرع من الرواية الرومانتيكية المبكرة يتميز بأجواء الرعب والغموض التي تسوده وبعنصر التشويق الذي يهيمن …

الخوف والقلق في العالم العربي
ميشيل ج. نعمة
ترجمة د. صالح الرزوق

الخوف، في العالم العربي، جزء من الحياة، وينبع من مصادر متنوعة. وهو فرديّ بمعنى أنه …

إبن جني وجاك دريدا: يجران مراكبهما *
كتابة: مرزاق بقطاش
ترجمة: سامي عادل البدري

*نشرت المقالة الاصلية باللغة الفرنسية في جريدة الوطن الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية بتاريخ ١٩ سبتمبر …

تعليق واحد

  1. للغرائبيات نكهة بطعم لغزها ، أما أن تسوح مقتصدأ كي تحلها ، وإما أن تصمت فهذا خيار وسطي للحل ، لقد اسعدتنا بهذا المقال الحميمي حين جمعتني بتوأمي الروحي ” السيامي ” في سياق مشهدي مألوف منذُ أن جمعتنا الصحافة والإعلام في ردهة الأخبار، لهُ مبعث منشود من قيمة صداقوية حقة ،بوركت أستاذ فاروق لهذا الإسترسال القيم رغم أشجانهِ المُلذة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *