مريم لطفي: الهايكو فن التامل

“لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز،وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق”..برتراند راسل
تامل،يوكا،هايكو،زن..كل هذه المفردات النابعة من رحم الطبيعة تصب في مصب واحد وهو التركيز، سنتناوله تباعا وبشئ من الشرح الموجز.
يعتبر التامل حالة من الصفاء والتوازن التي تهدف الى تركيز الطاقة الذهنية ،كما انها تعتبر نوعا من الطب التكميلي للعقل والجسم الغاية منه الوصول الى حالة عميقة من الاسترخاء والشعور بالطمانينة وصولا الى السلام الداخلي.
ففي اثناء التامل تقوم بتركيز انتباهك الى شئ ما وتغوص في اعماق ذلك الشئ ،لتبتعد عن زحمة الحياة والتشويش الفكري والضغط النفسي وصولا الى الهدوء والسلام والتوازن الداخلي الذي ينتج عنه التوازن الخارجي ،الذي من شانه ان يقلل المشاعر السلبية ويؤدي الى زيادة التخيل والابداع..
ووفقا لما قاله “مايكل بيم” في اساسيات الطب التكميلي والبديل فان التامل يسمح للشخص بتجربة المشاعر الشديدة تماما دون فقدان رباطة جأشه وان نتيجة التوازن العاطفي الذي هو عبارة عن رؤية اكثر ثراءا فيما يتعلق بافكار الفرد ومشاعره وافكاره،وييسر التامل احساسا بالهدوء والتعاطف وقبول الاخر،ويعتبر علاجا تكميليا للحالات المرتبطة بالتوتر،كاضطرابات الهلع والقلق العام والادمان والاكتئاب وغيرها من الامراض،وقد اثبت تاثير التامل وخصوصا”اليوغا”على كثير من الحالات المتعلقة بالاثار السلبية للاجهاد.
وبما ان الهايكو يعتمد اعتمادا مباشرا على تامل الاشياء وخصوصا الطبيعية والابحار في مكنوناتها الخارجية والداخلية للانتقال من العام وهي الطبيعة الى الخاص وهي البصمة التي تركها مشهد معين في النفس ..
ويقول روبرت ابستاين الكاتب والعالم النفساني الشهير في جامعة هارفارد”الهايكو الجيد يتساءل عن الروح المنهكة”،وان هذا النوع من الكتابة مفيد جدا في علاج الادمان والاكتئاب من خلال العودة الى الطبيعة وتامل مفرداتها والانغماس بمواسمها وطقوسها .
وقد ارتبط الهايكو ب”الزن”وهي ممارسة قديمة جدا وتعني استغراق التفكير او التامل وممارسها يجب ان يكون متقبلا لهذا العالم الحسي لالتقاط اللحظة وبدوره يدرك عالمه الداخلي،فهي اداة رائعة يمكن من خلالها تعلم التامل وتوليد مشاعر الهدوء والسلام والرحمة،ويعتبر”باشو” الشاعر الاكثر شهرة في “ايدو”/اليابان واحد الاشخاص الاكثر شعبية في استخدام الهايكو،والقصيدة الجيدة هي قصيدة قادرة على التقاط جوهر اللحظة،لحظة من الوقت بين الروح والطبيعة،فنجد الحيوانات او النباتات او معالم الطقس الموجودة في البيئة الغنية دلالة على المواسم الاربع والحالات النفسية والسياقات الاجتماعية والثقافية التابعة لتلك المواقف كل هذا يلخص في صورة ذهنية مركزة ومبسطة في اطار تجربة فردية لتلك اللحظة.
وقد دخلت تجربة الهايكو الى العربية عن طريق الترجمة للنصوص الاصلية لكن سرعان ماانتشر هذا الفن الادبي الرفيع في بلادنا العربية حملته الطيور المهاجرة والرياح الحاملة لرائحة الطلع واريج المطر والورود واخذ نصيبه كفرع من فروع الادب له شعراء ومتذوقين .
واذا اردنا ان نبدا هذا الفن العلاجي سندرك التاثير الكبير الذي يتركه مشهد ساحر من مشاهد الطبيعة الذي يجعل المرء ياخذ نفسا عميقا ويزفره بعمق اكبر كنوع من الانتشاء والاندهاش،هذا الشهيق العميق الذي اخذه هو المفتاح الذي ياخذه الى عالم التامل ،فما ان يتنفس بعمق حتى يشعر بان كما هائلا من التعب يزاح مع الزفير،وان ثقلا كان جاثما على الصدر بدا يتلاشى،ويشعر بتدفق الدم في جميع اجزاء الجسم واحساسا بالراحة ليس له مثيل ،هذه الراحة تتمثل بفتح “الشاكرات السبعة”والتي تمثل نقاط الطاقة الكامنة في الجسم وكل نقطة مسؤولة عن عمل معين وان اي خلل او انسداد نتيجة الاهمال او العادات غير الصحية في الحياة ،والانهماك بالعمل وعدم الخروج الى الطبيعة لاخذ قسط وافر من الراحة واستنشاق الاوكسجين النقي والمشي بشكل يومي،وممارسة الرياضة، وسنتعرف من خلال الفقرات التالية على معنى الشاكرات السبعة واهميتها في جسم الانسان:
تعرف الشاكرات على انها مراكز الطاقة السبعة في جسم الانسان-حسب الثقافة الهندية- والكلمة اصلها من اللغة السنسكريتية وتعني العجلة او الدوران ،ووفقا للطب الهندي يطلق على الشاكرات مراكز القوة اوجدلات الطاقة وتعتبر هذه الدوامات بؤر استقبال الطاقة وقد وصفت بانها شبه محطة لتخزين وانتاج الطاقة وتصبح هذه الدوامات اكثر قوة عند سحبها طاقة الكون فالانهار الرئيسة(ايدا وبنغالا وسوشومنا),هي الاجهزة العصبية (الودي واللاودي والمركزي) تسير داخل العمود الفقري في مسار منحني ويتقاطعون مع بعض عدة مرات وتشكل نقاط التقاطع هذه مراكز قوية تسمى الشاكرات،وهناك ثلاثة انواع من مراكز الطاقة في جسم الانسان ،ويعتقد ان الشاكرا هي مركزلنشاط طاقة بيولوجية منبثقة عن العقد العصبية الرئيسية ،حيث تبدا من قاعدة العمود الفقري متجهة صعودا الى اعلى الجمجمة وتعتبر الشاكرات نقطة التقاء الفيزياء الحيوية او” البرانا” لجسم الانسان والتي تتحكم في حالته النفسية والجسمانية،وهي المسؤولة عن امداد الجسم بالطاقة الايجابية المتزنة،مما يضمن اسلوب حياة صحي وتقسم الشاكرات الى قسمين فردية وزوجية،فالفردية تهتم بالطاقة الخارجة من الجسم للعالم المحيط وهي خصال ذكورية مثل اظهار القدرات،الرغبات،التحكمات النابعة من الفرد لكل ماحوله،اما الزوجية فهي تهتم بالطاقة الكامنة والداخلة للانسان من البيئة المحيطة وهي خصال انثوية مثل الشعور بالطمانينة،الهدوء،التفتح،الحكمة،وللتعرف على ماهية شاكرات الانسان وتاثيرها في جسم الانسان ساوجزها بالاتي:
-شاكراالجذر اوالقاعدة:
ورمزها الاحمر وتقع نهاية العمود الفقري وهي تمثل اساس الانسان والمسؤولة عن الموروث والانتماء والمعتقدات والارتباط العائلي.
-شاكرا العجز:
ويرمز لها باللون البرتقالي وتقع اسفل السرة،وهي مسؤولة عن الوظائف العاطفية والرغبات الجنسية.
-شاكرا الظفيرة الشمسية : ورمزها الاصفر
وتقع في منطقة المعدة اعلى البطن وهي مسؤولة عن الشعور بالثقة والقدرة على التحكم بالحواس .
-شاكرا القلب وتقع فوق القلب مباشرة ورمزها الاخضروتمثل نقطة التقاء الشاكرات الثلاث السفلية(عالم الحاسة) والعلوية(عالم العقل)
-شاكرا الحنجرة ويرمز لها باللون السماوي التركواز وتقع عند الحنجرة وهي المسؤولة عن التواصل.
-شاكرا الحاجب اوالعين الثالثة ورمزها الازرق وتوجد في منتصف الجبهة بين العينين وهي مسؤولة عن التركيز،التخيل،الحكمة،التفكير،القدرة على اتخاذ القرارات
-شاكرا التاج ورمزها البنفسجي وتقع في اعلى الراس وهي المسؤولة عن الجمال الداخلي والخارجي،ومن الجدير بالذكر ان المسلم حين يسجد فانه يضع جبينه وخصوصا بين العينين(الغدة الصنوبرية) على الارض لاكتساب الطاقة الايجابية تارة وتفريغ الطاقة السلبية اخرى-سبحان الله-
اذا تاملنا الوان هذه الشاكرات لوجدناها تمثل الوان الطيف الشمسي وتلك الالوان موجودة اصلا بتفاصيل متفرقة بالطبيعة بكل مفرداتها وكائناتها ومخلوقاتها وان اهمال هذه الشاكرات وانسدادها يؤدي الى مشاكل صحية كثيرة ساشرحها لاحقا في موضوع مستقل.
كل هذه الامور تدخل تحت بند التامل الذي اذا مورس بشكل صحيح يعطي شعورا رائعا بالاسترخاء ويجعل المرء يتصل بنفسه الطبيعية ثم التفكير بشكل انضج وعلى نحو ابداعي يتجه الى خلق كل ماهو جديد ومبدع في الحياة،هذا الشعور الذي يتركه مشهد جميل معين في الطبيعة او لوحة تمثل الطبيعة بفرشاة رسام ماهر تجعل المرء اجبارا يتامل مفرداتها،وهو نفس التاثير الذي تتركه مقاطع الهايكو التي تشرح نفس اللوحة بمفردات قليلة دلالتها كبيرة مكتنزة بالمشاهد بعيدة عن التكليف والمحسنات اللفظية،بسيطة كماء رقراق ،مشرقة كشروق الشمس،ساطعة كالبدر،عابقة برائحة المطر واريج الورود تجعل الانسان ينتشي بكل حواسه فهو يشم رائحة الورد والطلع والمطر ويطرب لزقزقة العصافير وخرير الماء وحفيف الشجر، ويستشعر حركة الريح ووقع حبات المطر على النافذة،من خلال مقاطع ساحرة احضرت الطبيعة بما تحوي الى غرفته اوشرفته او اي مكان يختلي بنفسه ليحتسي فنجانا من الصفاء مع مفردات الطبيعة الساحرة،لذا فان الطبيعة تنعم على شاعر الهايكو بخاماتها الرائعة الذي يقوم بدوره بنقل الصورة الحية كماهي مضيفا اليها من روحه التي يقدمها الى القارئ بطبق من ذهب ،ذاكرا كل ماتقع عيناه عليه وهو جالس يتامل سحر الطبيعة ومخلوقات الله،فمثلا ممكن ان تجذب انتباهه نملة تحمل حبة قمح اكبر من حجمها اضعافا واجتهادها ودابها لتعزز عنده فكرة العمل،او تلك النحلة التي تنتقل من زهرة لاخرى وتلك الخلية الدقيقة الابعاد بهندستها الرائعة وذلك العسل الذي يخرج من بطونها بحلاوته وقدرته على الشفاء،ذلك المعسكر الرائع الذي ياخذ الانسان من حالته المرتبكة الى حالة اكثر اتزانا تجعله يقول سبحان الله،تفتح ازهار الناز صباحا تحية للشمس واغماضتها عند الزوال،زهرة الشمس التي تتجه دوما باتجاه الشمس،تسابيح الطيور فجرا،حركة الرياح حاملة رائحة الطلع،حفيف الشجر وغيرها من المشاهد الساحرة التي يشترك بها الشاعر والقارئ في ان واحد.
هذه النشوة التي يتركها مقطع الهايكو الذي يجعلك تشعر بوخز البرد ،بشروق الشمس،بسطوع القمر،برائحة الارض،بتمايل السنابل،باقتراب الفجر،بحلول الربيع،بهطول المطر، بزقزقة الطيور،بامتداد الخضار في المروج،بسقوط البَرد،بتلون السماء،بالغسق ،الشفق،بالغروب،تترك في النفس نشوة واندهاش وراحة تتمثل بالجمال والسكينة والامتنان لله.
من كل هذا نخلص الى القول ان الهايكو بطبيعته هو فن التامل الذي يتخذ مادته الدسمة من الطبيعة بصورة مباشرة ليعكسها بصورته الغير مباشرة على الورق راسما لوحاته لمتذوقيها الذين يشعرون بنشوة مشاهده التي تحلق بهم فضاءاته بعيدا الى عالم ساحر تجعله يستنشق اكبر قدر من الهواء النقي مالئ رئتيه وعقله وروحه بالدهشة،تلك التفاصيل البسيطة التي يكون وقعها بالنفس كبيرا تؤدي الى الاسترخاء والسلام الداخلي مع خلق حالة من التوازن والصفاء بين الوعي واللاوعي وتلك حالة صحية سليمة لحياة اكثر هدوءا وسلاما وانتعاشا وراحة للروح والبدن.

مريم لطفي

شاهد أيضاً

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *