نجاح الجبيلي: ثلاث أقاصيص (ملف/42)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.
أسرة موقع الناقد العراقي

1- آركيولوجي
إلى روح الرحالة (ك)
في آخر سنة من عملي كمساعد خبير آثار في أحد المتاحف، ثمة حادث وقع أمامي ومرّ دون ضجّة، فأثناء إحدى جولاتي في بيت تراثي قديم عثرت على جرّة فيها مخطوطة؛ قمت بعرضها على خبير الآثار فتمعن مليّا في محتوياتها وأخبرني بأنها تتعلق بنسب رجل مهم، وأما ما يدّعيه من نسب الآن يهدمه نص المخطوطة.
اختلى بي في أحد الأيام وأسرّ لي بأنه تجرأ على نشرها في إحدى الدوريات الصادرة في بلد مجاور، وأن هناك ألسنة بدأت تلهج بذكر الرجل وتوصمه بقلب حقيقة تاريخية ثابتة، وبينما كان يحدثني بهمس وحذر كان وجهه يومض بوجل.
في صباح خريفي أرسلني إلى أحد المواقع للتحرّي فيها، وعندما رجعت إلى المتحف متأبطاً تقرير الرحلة لأعرضه عليه، فتحت باب غرفته فارتعبت لمرأى جثته الهامدة على الأرضية وعينيه الجامدتين ووجه ذي الكدمات الدموية، بينما تبعثرت الكتب من حوله بعناوين براقة وكأنها تصرخ… قصة الحضارة… حفريات المعرفة.. طبائع الاست…. بدآآآآآآ… د .

2- المسـبحة
يجلس الشيخ في غرفته، مسبحته السوداء جامدة في أصابعه الهزيلة المرتعشة، ينعم النظر في صورة إبنه الوحيد بوجهه اليافع وعينيه السوداوين مثل ظلمة كهف. يغمغم مع نفسه:
– إن كان حياً فعمره الآن ثلاث وثلاثون سنة.
تشرع ذاكرته الواهنة باسترجاع محطات الابن مع الإيقاع الخافت لخرزات المسبحة وهو يفرزها ببطء من أولها:
* خرزة-1: كان طفلاً وديعاً يملأ البيت بصخبه الجميل.
* خرزة-6: يتأبط حقيبته المدرسية مع الأطفال الآخرين.
* خرزة-18: ينجح بتفوق/يدخل الجامعة.
* خرزة-22: يتخرج /يتزوج/تقوم الحرب.
* خرزة-26: يذهب إلى الجبهة ولم يعد..
* خرزة-27،28،29،30: انتظار..انتظار..انتظار.
* خرزة-32: يعتبر مفقوداً في حكم الشرع، تطلب زوجته الطلاق.
* خرزة-33: تموت أمه حزناً وكمداً…
بعد أن تنزلق أصابع الشيخ الشاحبة على الخرزة الأخيرة تتجمد، ترتخي باردة، تهوي المسبحة السوداء على الأرض الصلبة، تنفرط خرزاتها وتنتثر بعيداً إلاّ “الشاهولين”، فقد لبثا يدوّمان متلاصفين عند قدمي الشيخ:
شاهد أول: بعيني هاتين اللتين سيأكلهما الدود يوماً رأيته يهرول هارباً نحو الحدود الجليدية.
شاهد ثان: لقد رأيتهم يطلقون عليه النار ويتركونه جثة هامدة تسفي عليها الريح الثلجية.

3- نفــايـــات
آه.. منذ ساعات عدة وأنا أقبع في سلة المهملات بين قطع “شاش” جفّ عليها الدم و”سرنجات” وقناني أدوية وندف مصفّرة من القطن.
أراهُ غافياً على السرير بصدغين مشدودين؛ ما برح مفعول”البنج” سارياً فيه؛ ما أشد شحوب وجهه وقد غارت عيناه في نصف اغماضة!
(يحّرك رأسهُ قليلاً، يفتح عينيه، تزوغان في أرجاء الردهة، يعي نفسه ويتحسّس بأنامله الراجفة الأثر المقطوع في جانب رأسه، لم يبق سوى حفرة دامية مغطاة بالقطن و”الشاش”. تترقرق عيناه بدمع ساخن يسحُّ على وجنتيه الذابلتين).
الآن أصغي إلى وقع قدمين تطآن أرضية الردهة، تمتد يد موشومة مشعرة، تلتقط السلة التي قذفت فيها، تغادر القدمان، تسيران في ممر طويل مثقل برائحة “الديتول” وزفرة الدم المتيبس، تتردد أصداء بكاء، ثم يتحول إلى نحيب، وبالقرب من الباب المفضي إلى حديقة جرداء يتحول النحيب إلى عويل.
ترميني اليد في برميل مملوء إلى منتصفه بالنفايات. ضمادات، أوراق، أوعية فارغة وأخوات لي رحن يرحبن بي ثم أكملن حديثهنّ.
قالت إحداهنّ بهمس:
-صاحبي أرسل إلى حبيبته رسالة يقول فيها:”حبيبتي.. لا أجرؤ على اللقاء بك بأذن وحيدة..
وقالت أذن كبيرة أخرى وابتسمت:
-صاحبي كان يتضايق كثيراً من طولي حتى أنه كانوا يلقبونه “ماركوني”
وغمغمت أخرى:
-صاحبي أصبح مجنوناً، وفي أحدى نوباته الجنونية بتر أذنه الأخرى وألقمها إلى كلب أجرب.
وقالت أخرى بزهو:
-صاحبي طلب أن يحتفظ بي، كان يأمل أن يبقيني في البيت، ويتأملني كأي قطعة ديكور.
بقينا نتراسل الأحاديث وأدركنا الصباح فلم نسكت عن الكلام المباح إلى أن جاءت اليد الموشومة وأفرغت علينا قطرات من النفط ثم أشعلت القمامة. صرخنا سوية غير أن هسيس النار الضارية علا على أصوات استغاثاتنا اليائسة.

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *