فاروق مصطفى: شقاء البحث عن (حياة) في الجانب الثاني من كركوك

راقني الذهاب الى الصوب الكبير , اكتشفت ثمة ايام طويلة وانا لم اذهب الى منطقتي الحبيبة من كركوك . في الايام المواضي كنت ادمن الذهاب اليها وخاصة في ساعات العصارى الكركوكية حيث السوق الكبير كان ينقلب الى كرنفال من الازياء النسوية الانيقة فكنت ترى السيدات الكركوكيات قدمن الى هذه السوق للتبضع بما يحتجن اليها من ضروب الاقمشة وقطع الاكسسوار وانواع الزينة ووسائل التزيين , الهدوء يخيم على المكان والنظافة تحاذي الارصفة وثقافة السير تأخذ مكانها فلا دفع ولا تدافع , لا ضجيج ولا صياح بعكس الحالة التي تجد السوق عليها الان لقد انقلب ظهرالمجن واختلط الحابل بالنابل وزحفت الدكاكين على الارصفة والباعة الجوالون افترشوا كل بقعة , فلهذا انقطعت من الارتياض هناك وافتقدت هارمونية المكان ولذاذات عتاقة ابنيته التراثية .
اتعبني البحث عن ( حياة ) ذهبت الى ابعد المناطق في كركوك وحتى بحثت عنها في اطرافها وضواحيها المتفرقة وسألت هذا وذاك وقرأت الوجوه وتمسحت بالبيوت وشممت الطرقات وانا امني النفس بالعثور على شيء يعينني في ايجاد اي اثر لها يقربني من عنوانها و مقامها واحمَل قلبي التعب وجسدي المضنى الكثير ولكن لا غَناء من وراء ذلك سوى حصاد الاخفاق والعودة الى داري وجيوبي ملأى باظلال الاسى التي حصدتها .
انا من جديد في الصوب الكبير قلت : لابحث لي عن ركن هادئ استنيم اليه واهدَىء دوار رأسي واتناول قدحآ او قدحين من الشاي , وبالفعل وجدت مقهى صغيرآ يشف داخله عن اظلام خافت وصاحبه يملك وجهآ يشجع المرء على مجاملته ومنادمته , وقد اكون محظوظآ حيث يفد الى المقهى صوفي , درويش وربما بهلول يمنحني احدهم دفقآ من كراماته ترفع عني سقف الهم وتكشف عني شيئآ من الغم وتنير دربي الى حيث خطى ( حياة ) فليس من المعقول ان الارض انشقت وابتلعتها فلا بد انها تركت اثرآ استرشد به ويدلني الى حيث مقطنها . اعجبني جو المقهى وراق لي استرخائي على مقعدي , احسست شيئآ فشيئآ جسمي يتنمل ويتراخى وفي نفس الوقت فكري يستعيد قصة قصيرة ل ( نجيب محفوظ ) عنوانها ( الشيخ زعبلاوي ) بطل القصة يصاب بداء يستعصي على الاطباء شفاؤه فعند ذاك يُخبر بأن دواءه عند ( الشيخ زعبلاوي ) وهو رجل كشف ورؤى وكرامات فيبدأ البحث عنه متنقلآ من حارة الى حارة ومن مقهى الى ثانٍ واخيرآ يدلونه على المكان الذي يستطيع العثور على شيخه وهو مقهى يجلس فيه وينتظر فيه مراده ولما كان تعبآ تأخذه سِنة من النوم وعندما يفتح عينيه يسأل صاحب المقهى الم يأتِ الشيخ زعبلاوي ؟ يجيبه القهوجي : بلى , اتى وكان جالسآ الى طاولتك كيف لم تشعر به ؟ ومع استعادة هذا الشريط القصصي غصت في تهويمات من النوم ولما كان المقهى جوار احد الخانات الكركوكية القديمة فتحت عيني واذا بزحام شديد امام الخان , خلق كثير , ودواب وعربات واغراض وسلع مكومة على بعضها البعض ومنادٍ ينادي على الناس هيا القافلة على وشك الخروج واجدهم اكتسوا بثياب غير ثياب هذه الايام وهي تعود الى ازياء مطلع القرن العشرين . سألت احد الاشخاص الى اين هي وجهة القافلة ؟ اجاب : الى بغداد . تحسست جيبي وجدت فيه خطابآ يحمل عنوان احد اقاربنا في مدينة بغداد , هل انا ذاهب الى هناك ؟ ولكن كيف ادبر لي راحلة تخفف عني وعثاء السفر واعلم ان الطريق الى مدينة السلام طويل وزادي قليل وهل في قدرة جسدي الحزين تحمل هذه المشاق ؟ .
شرع الخلق يستعدون ويهيئون رواحلهم والصخب يزيد والضجيج يعلو والباعة يروجون لبضائعهم والسقاؤون يرفعون عقيرتهم بعرض الماء الصافي والكل في هرج ومرج واذا من لمسني وهو يمر من جانبي فاستيقظت من سرحاني ووجدت صاحب المقهى في مناقشة حادة مع احد زبائنه . قمت ودفعت له حق مشاريبي وتوجهت صوب سوق القيصرية ومن هناك صعدآ الى منطقة الحلوجية ثم رجعت صوب محلة ( بريادي ) وانا اشم تناجيات البيوت التي تنضح بقدامتها وعمرها الطويل قلت ربما اختارت ( حياة ) السكنى في هذا الجانب من كركوك لانها كثيرآ ما قصت علي هواها لهذا الصوب من المدينة حيث الجوامع والخانات والاسواق والبيوت والازقة التراثية وهي تجسد تاريخ كركوك بامتياز , ولعل وجهآ , صديقآ , عارفآ يدلني الى بيتها الحبيب . زاد ثقل مشيي الا انني ضغطت على نفسي اعلنت لأضرب خبط عشواء في هذه الازقة والدرابين وما الذي بقي من حياتي كي اخسره ؟ ولم ارد العودة الى البيت , اشباح من الندامات الدبقة تسبقني اليه سامشي وربما اغتنم شيئآ من العزاء وانا اذوق اصابع المساء الهابط على هذه البيوت الاليفة الوديعة واسمع الظلام يدب خافتآ كأنه يتوجس من قدوم شيء ما وهو يحتضن كل هذه الطرقات التي لا تنتهي .

شاهد أيضاً

من أدب المهجر ابحث عن وطن
بدل رفو
غراتس \ النمسا

عندما تتسكع في عيني حبيبتك.. ينبعث من نبض قلبك قوس قزح .. مع ابتهالات النسائم …

عدنان الصائغ: تمثال

صرخَ الحجرُ المتألّمُ في وجهِ النحاتْ – يؤلمني إزميلُكَ! ماذا تبغي أنْ تصنعَ مني! مكتبةً..؟ …

لبنى ياسين: أنت

طريقتُكَ في تعريةِ خوفكَ وجعُكَ الموشومُ على جبينكَ الدهشةُ الهاربةُ عنْ ملامحِ صوتك طريقتُكَ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *