سلام إبراهيم: لم تكن المرأة أبداً حلمنا النهائي (رسالة إلى المبدع الراحل علي الشيباني) (ملف/108)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

(هذه الرسالة كتبتها لصديقي وحبيبي ورفيق عمري ومعلمي الشاعر المجدد علي الشباني 1946-2011 حينما كنت جنديا بجبهة الحرب العراقية الإيرانية كنت أبعثها مع الجنود من أبناء مدينتي حينما ينزلون بإجازة. عثرت عليها وأنا أنقب بأوراقه عند تدهور صحته في أخر زيارة لي للعراق 2010 قبل وفاته بعام أنشرها الآن وأضع عنونا لها من سياقها.)

الأربعاء 30-1- 1985 11 ليلا – شرق البصرة
صديقي العزيز أبا صمد
لا أدري لم انتابني شوقٌ مجنون للكتابة لك، هنالك الكثير الذي ينوءُ به حسي حباً دافقاً للأصدقاء. هل هو حالة الحصار التي أعيشها، وذلك الضيق النفسي الذي أجد نفسي لا تغادره حتى للحظات. كأطيافٍ شفافةٍ خضراء تجئ الأيام المختبئة بزوايا السنين التي لا أمسك بدايتها. الأيام التي عشناها معاً، الاحتراق، الشجن الليلي، وتسكعنا في عمق الليل بأطراف المدينة، وفي العتمة الداكنة لخلاء مظلم كنتَ تنشد لي أشعارك الجديدة. كنا لا نكف عن الحديث، نفضُّ ما بروحينا لبعضٍ، نغيب في غبار المحبة غير المرئي، نغرق، نتلاشى. أرى بملامح وجهك المتعب وجهي، وترى روحك المعذبة في وجهي. كنتُ أدرك ذلك منذ البدء، منذُ لقاءنا الأول، وأنت تبيع الثلج1 عند مدخل شارعنا بدشداشتك البيضاء، وحركة يدكَ التي تشبه من مسه تيار كهربائي صاعق، في الظهاري وابتسامتك الودود التي أراها مرتسمة على وجهك كل يوم وأنت تنظرني قرب الصندوق حال عودتي من المدرسة لنذهب إلى المقهى وسط الديوانية. لم أتركك بالرغم من فارق السن والتجربة، فقد رأيتُ بك نديماً لروحي التي لم تزل رعناء حتى هذي اللحظة. روحي ذلك المزيج وتلك الأجواء، والمحتشدة بألوان من الحنان لا توصف.

صورة نادرة لسلام إبراهيم وعلي الشياني في بيت الأخير بالفاضلية -الديوانية 1979 (من أرشيف الروائي سلام ابراهيم فشكرا له)

– أحقاً أننا عشنا كل هذا العمر؟!. أسأل نفسي مراراً. عرفتُ بكَ الحب، وكنتَ باباً لروحي، باباً أفضى بيّ إلى فضاءات عشقتها كل العشق. وها أنا أرى نفسي؛ بيَّ الشيء الكثير منكَ! الشيء الكثير الذي لا أتمكن من تحديده بالضبط، لكني أحسهُ، فأن لا أراك، أن لا أراك كل يوم في إجازتي الدورية ذلك يترك فراغاً هائلاً بروحي، وحزناً شفيفاً لا تخففه حتى “نهوده” حبيبتي. وتلك الليلة التي قضيناها حتى الفجر الذي مدَّ كفه الفضية من النافذة، نتحدث، نغضب، نبكي متعانقين وأمام الآخرين “كانوا يعتقدون أننا سكارى” لكننا لم نكن كذلك أبداً، كانت أعماق حواسنا التي نضطرب من فرطها في الصحو، ونخجل البوح بها، تتعرى مع كأس العرق العراقي الرابع، منعتك من الخروج آخر الليل من بيتي، حاولت دفعتني دون جدوى، فأنا أفتى منك وأقوى لفتتُ ذراعيّ حول ظهرك ورفعتك قليلا لأجلسك على الأريكة، كنت تنفعل غضباً، وكنت أريدك أن تبقى بكل حالاتك إلى جانبي، فمساء الغد سألتحق بوحدتي في قاطع شرق البصرة. وبقيت فهدأت نفسي قليلا، لكن الفجر اللعين جاء بعصافيره وفضته والآخرين ففرقنا. أليس أفضل لنا أن يعتقدوا بنا سكارى! أنهم لا يدركون بأننا نحن الأثنان، طفلان مجنونان، لا نخجل من البكاء على صدر إحدانا الآخر، بل تصبينا الغبطة لذلك العناق والنحيب، غبطة وبهجة ولذة ولا أي لذة أخرى.

سلام إبراهيم وعلي الشيباني في بار بالسعدون بغداد 1974

صديقي الحبيب أنهم لا يفهمون عمق ما نكتب، أنا بِشعْرِكَ أتلمس خفايا روحك الغضة وعذابها المدمر، أتلمس، أمسك، كل هدبٍ طويل، كل جنحٍ من أجنحتكَ، استرخي على ريشه وأستريح، وكثيراً ما أردد أبيات من شعرك هنا في ليل جبهة الحرب كلما خنقتني الوحشة بأكفها الهلامية: وَجْ الخضار بغصنْ عمري ولبستْ الريح متْعَني روحي نهر شال النبع طيرة كل الخضرة وريحك وعمرك وغصنك وطيورك ونبعك، وسفرك الطويل هنا في قلبي، في داخلي أتلمسه، هذه الأبيات أنشدها مع نفسي للمرة المليون كما تحسها لحظة الكتابة، وكما أنشدتها بكل كيانك في اليوم التالي لكتابتها في سهرنا اليومي وقتها. أنا مثلك أو أنا أنتَ.. أرى النبع الذي تراه، وعمرك عمري الذي أراه وريحك قميصي الذي يراني.. تماماً أتلمس سحر الكلمة وتغور بروحي إلى لحظة الرؤيا التي أتتك بالقصيدة أيا إنساني الرائع يا ريتكْ تخلصني الحزن مثل الخبزْ مثل القميص الشمس مثل الناس

سلام إبراهيم وعلي السيباني- ١٩٧٧ بغداد بار سرجون أبو نؤاس

يا أبا صمد لم تكن المرأة حلمنا النهائي أبداً، ها نحنُ مع امرأتين.. “أم صمد” حبيبتك.. و “أم كفاح” حبيبتي، لكن ذلك حباً مختلفاً، وحبنا حباً مختلفاً أيضاً. لازلنا نحتاج المزيد من الليالي، المزيد من الشجن والحديث. لازلنا كما لقاءتنا أول تعارفنا، كنا نسهر لساعة متأخرة من الليل في ساحة حي العصري المعتمة، على كوم الحصو البارد وحدنا نغوص في الحديث والقمر فوقنا ساهراً، والنجوم تنتشر حوله كسجادة من شذر الفضة، ووجهك ووجهي. أين للآخرين أن يفهموا ذلك، مالنا وللآخرين! يا عزيزي يا طيراً عذباً، دائم الاصطفاف في فضاء روحي الموحش. أتوجس خيفةً من عدم رؤياك مرةً أخرى.. هذه الفكرة فقط تحدث فاجعة في نفسي، وعندما تخطر هنا على بالي أكتئب وأنغلق على نفسي، تأكلني الهواجس فأرى روحي مطعونة بملايين الرماح.. أكاد أبكي وسط الجنود، فأذهب بعيدا وأبكي، فمن أين للجنود أن يفهموا البكاء، وهكذا بغتةً ولرجل، أعود إلى الملجأ كابياً رمادياً ألوذ بفراشي وروحي أي مرارة في فمي، وأي عذاب أذوق ألوانه الآن لبكائنا مع بعضٍ لسهرنا حتى الصباح لأيامنا الماضية.. لعمقك في كياني التعبان ولعذاباتنا الشريفة، وجنونا لأيامنا الثاوية بزوايا روحينا.. لأحبتنا.. لزوجتينا وأطفالنا لأمنياتنا.. الحلم المستحيل ألف تحية وإجلال هل أراك مرةً أخرى؟! هل نتلمس دفء بعضٍ ككل المرات وهل يشبع المُحبُ من حبيبه تحياتي لكل الأصدقاء ولأمِ صمد والأطفال جميعاً ولك حبي
سلام إبراهيم
الأربعاء 30-1- 1985 11 ليلا
– شرق البصرة

شاهد أيضاً

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

صلاح جياد.. بضربات فرشاة متقاطعة وقوية رسم ملامح هوية عراقية
إعداد- سماح عادل (ملف/4)

“صلاح جياد” فنان تشكيلي عراقي، من مواليد البصرة 1947 وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام …

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (9) (ملف/21)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *