إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي
يمثل المكان في الرواية الحديثة محطة لا يمكن تجاوزها بل ينبغي الوقوف عندها لأنها المستقر الحياتي للإنسان بعد تركه لرحم الأم ،وينظر إلى هذا المستقر من خلال البيت الذي يرى فيه جاستون باشلار انه ” من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية. ومبدأ هذا الدمج وأساسه هو أحلام اليقظة ، ويمنح الماضي والحاضر والمستقبل البيت ديناميات مختلفة، كثيراً ما تتداخل ، أو تتعارض ، وفي أحيان تنشط بعضها . وفي حياة الإنسان ينحى البيت عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية ، ولهذا فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً (ينظر جماليات المكان/44) ولذا تراه يعتبر المكان ” كل شيء حيث يعجز الزمن عن تسريع الذاكرة ، هذه الذاكرة التي لا تسجل إ استمرارية واقعية، لأننا عاجزون عن معايشة الاستمرارية التي تحطمت . نستطيع ان نفكر فيها فقط بمستوى تجريدي خال من الكثافة . إن أجود عينات الاستمرارية الناتجة عن البقاء الطويل في المكان توجد في وعبر المكان . مقصورات اللا وعي ، الذكريات ساكنة ، وكلما كان ارتباطها بالمكان أكثر تأكيداً ، كلما أصبحت اوضح (م .ن/47) فإذا حاول كتاب الرواية أن يجسدوا المكان في قصصهم، فإن ” المكانية في الأدب هي الصورة الفنية التي تذكرنا أو تبغث فينا ذكريات بيت الطفولة”( ن/7) والسؤال الذي يُِطرحه هنا ونحن نقرأ رواية” الإرسي” لسلام إبراهيم هو كيف صوِر لنا القاص روايته ؟ ومن ثم كيف وظفه وهو يسرد أحداثها؟ لقد وزع القاص روايته جغرافياً إلى مكانين ( الديوانية/الجديدة) وشمال العراق (جبال كردستان)حيث أنطلق في الأول من بيت عمته ملجأ .. يختفي فيه بطل القصة من ملاحقة السلطة . وفي الثاني كهوف تلك الجبال وتضاريسها الخطرة مقاتلاً ضمن فرق الأنصار الكردية وهي تحارب السلطة ذاتها . فسمى الأول “في برزخ الإرسي” والثاني ب” في برزخ الجبل” . والمْسميان كانا مقصوري الدلالة . فالإرسي ــ كما عَرفه في هامش الصفحة(7) بقولة :” غرفة عُلية تبنى فوق المطبخ والحمام وأظنه السقف ، تستخدم كمخزن في البيوت العراقية القديمة ولها سلم مستقل من الباحة الداخلية وسلم قصير يصلها بالسطح” وقد وَهَمَ في هذا التعريف فهي ” حجرة أو غرفة في صدرها أو في جانبها الذي يلي فناء الدار شباك كبير أو حاجز كبير من الخشب المخرم مزيناً بالزجاج الملون “ ينظر المساعد 1/185 وله نماذج في محلة الجديدة باقية . أما البرزخ فلم يُعرَف به وهو ” الحاجز بين الشيئين وهو أيضا مابين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل البرزخ ” ينظر مختار الصحاح/ ص48 وهناك مكان ثالث : البصرة التي يقطع سرد روايته وهو يعرج على الحرب العراقية الإيرانية (1980ــ 1988) حيث تذكره بأيام الجبهة وهروبه إلى الديوانية متخفياً . وقد بنى روايته على حكاية البطل السارد خلال ثمانينات القرن الماضي الذب يرى في الحرب محرقة أشعلها النظام السياسي خدمة لأغراضه وتصفية لمعارضيه، حيث يتمكن في إحدى المعارك من الهروب من الجبهة في البصرة تحت مظلة المفقود فيلجأ إلى بيت عمته الأرملة التي قتل النظام ذاته زوجها ، ولم يلجأ إلى دار أهله أو زوجته التي هربت هي الأخرى الى شمال العراق لتلتحق بفرق الأنصار باعتبار أن تلك المناطق الجبلية آمنة ، وهي الشيوعية الني تلاحقها السلطة. يعيش البطل (سلام) حاله من الخوف والرعب لأن افتضاح أمره سيعدم بالرصاص وعمته أيضاً باعتبارها متخفية علية . ويتمكن من يخلص نفسه بالوصول إلى برزخ الجبل ليجد الأمن من بطش السلطة ولكن الجبل لا يحميه من المواد الكيمياوية التي أنزلتها طائرات هذه السلطة على المقاتلين ويكون هو من الذين تسمموا بهذه الغازات حيث تدفع به زوجته بعيداً عن الجبل خارج العراق للمعالجة مرافقة له دون موافقة رفاقه.ولما كنا ننظر إلى المكان من خلال تقسيم القاص لروايته فإنّ القسم الأول منها يندرج تحت المكان المعادي الذي لم يطمئن فيه بطل الرواية إليه لشعوره بالخوف طوال وجوده منزوياً في عُلية البيت من أي قادم لعمته فتراه ممنوعاً من أية حركة أو سعال أو عُطاس ليس أمامه من وسيلة لتزجية الوقت إلا التلصص على داخل البيت أو ما يحيطه،حذراً من الآخر حتى أقربائه،ناهيك عن الرعب في يقظته أو منامه من أي طارق قد يكون غير ُمرحَبٍ به في ساعات الليل.أما القسم الثاني حيث يمثل ضداً للأول،أي المكان المألوف لبطل الرواية الذي يرى فيه أمناً يفقده في مكانه الأول (الديوانية) لكن هذه الألفة لا تعني الاطمئنان التام وإنما صاحبها قلق آخر من الصعب أن يجد له أجوبة عن أسئلة لها وجود قد يناقض ما يؤمن به من أيديولوجية فتراه يردد” التبست عليّ نفسي واستبهمت:- ما معنى وجودي الممحوق؟ أين كنت.. والى أين أريد؟! من أنا؟ أي كائن؟” ص195 ،وتراه يرفض القتل عندما يطلب منه أحد رفاقه أن يطلق الرصاص عليه لأنه أُصيب أثناء المواجهة رحمةً به وخوفاً من أن يقع بيد الأعداء فيقول: “صوبت نحوه في لحظة خاطفة متذكراً تفاصيل سرده المرعوب ،لكن إصبعي تيبست.. لم تقوَ الضغط على الزناد..”ص22 ولسان حاله يردد:” لو كُتبت لي الحياة ونجيت من هذه المحنة فسوف أجهر بحقيقة حواسي في التجربة دون أيّ رادع فكري أو أخلاقي أو اجتماعي أو قيمي”ص190 لأن الحرب هي الحرب مهما كانت مسمياتها وسيلتها القتل ولا خيار لمن ينخرط في صفوف الثائرين ،فإنْ لم تقتله فإنّه لا محالةَ قاتلك .ولذا تراه في تداعياته في هذا الوجود الذي يصفه بالغموض يصرخ “- تباً للإنسان ! يتابع طرف سبابته اليمنى وهي تلج طرية في دائرة الزناد الضيقة..”ص43 فهو جمع القناعة الذاتية في رفض الحرب والإيمان عندما يتوجه بالدعاء الى ربه” ( ص241 ) والفلسفي حين يتساءل عن غاية الحياة . لقد خيمت الواقعية المبنية على التجربة الذاتية التي عاشها القاص بكل تفاصيلها وهو يسرد أحداث القصة بلسان بطل الرواية الذي نعرف أن اسمه سلام( ص/188) وأن زوجته (ناهدة) ص231 ،وله اُبن صغير (كفاح) ولا يخفي اسم جده إبراهيم /ص260 نعرف ذلك من الإهداء والسيرة الذاتية للقاص سلام عبد إبراهيم الذي عاش واقعياً في جُلّ ما كتبه من هذه الأوراق،أو ما سبقتها في مجموعته القصصية(سرير الرمل) حيث نجد أنه ضَمَّ بعضاً مما عاشه في مدينته الديوانية وبالجديدة تحديداً إلى هذه الرواية التي سجلت الواقع بكل همومه.هذه الواقعية التصويرية نأت كثيراً عن الواقعية الاشتراكية لأنها امتلكت صدقاً في الحدث ولم تُغمض عينها عن الواقع أو تُبشّر بغدٍ قد لا يأتي وبالمقابل فإن ما يؤاخَذ عليه القصاصون العراقيون في الخارج أن تجاربهم الذاتية هي مدار قصصهم أو رواياتهم وفاتهم أن القاص كلما بَعُد عما يُكتب نجح في خلق عمل أدبي يحمل من الروعة الشيء الكثير ،ناهيك عن ذلك أن التجربة الذاتية إن دخلت في العمل الروائي حولته إلى ما نسميه بالسّيرة. ومرد هذا الصنيع قلة الإطلاع على الأعمال الأدبية العالمية التي يفترض أنها قريبة منهم إذا قيس ذلك بداخل العراق فضلاً عن ذلك شحة الخيال الذي يصنع الأحداث الروائية لأن هذه الأحداث هي حياة الآخرين التي يجد فيها القارئ جديداً عند القراءة، لكن هذا لا يعني أن نحرم على القاص ذكر تجاربه الذاتية بلقطات قصيرة،وإذا تجاوزنا الواقعية الى المنطلقات التي بنى عليها أحداث روايته فإنّ ما نبّه عليه سيجموند فرويد (1856-1938) في تحليله للوافع الذاتية للإنسان وأرجعها الى غريزة الجنس والموت هما ما نتلمس أثرهما في تراكم الأحداث في الرواية. وربما كان الجنس وتداعياته هو المهيمن على السرد والإسهاب في وصفه خلال قسمي الرواية .وربما يرجع ذلك الى شيوع الكتابة عن الجنس عند الغربيين في رواياتهم أو قصصهم من جهة، وكون هذا الطرح يخفف على القارئ الخوف الذي عاشه بطل الرواية الذي قد يقربه في أية لحظة نحو الهاوية(الموت) من جهة ثانية.
ونلاحظ ذلك في كتابات جان بول سارتر في ثلاثيته – الغثيان بشكل خاص – أو البرتومورافيا في روايته الشك..الخوف من الموت فإن بطل الرواية منذ صغره فتراه يقول:” ومن خضم ذلك العالم الذي اقتحمني ملتُ برأسي لأسأل أمي : يعني ما أكَدر أشوفك يوم القيامة؟ وجعلت أبكي مردداً: ما أريد أموت يمه..ما أريد أموت!”ص/239. وما يحدث في الجبهة عندما يقتل الناس بشراسة أو المواجهات في الجبل فقد تأتي طلقة لأحدهم يعجز رفاقه عن إنقاذه فيُترك لقدره “ومما زاد قلقي سقوط السائر أمامي..ورغم إخبار قائد القافلة فقد أمر بعدم التوقف لخطورة المكان،وعندما ألححت في السؤال عن مصيره، التفت نحوي هامساً ببرودة أعصاب:- إنه جوار ربه الآن!”ص/14 ويبقى السرد الذي اعتمده القاص مُسنداً إياه إلى بطل الرواية متحدثاً عما وقع له أو عاش أيامه القاسية فتراه مسهباً في الوصف ومثالنا إلى ذلك الفصل الذي كتبه تحت عنوان”أخيلة الرغبة”ص56-68 و”رؤيا المدينة “ص69-89 حيث يصور في الأولى معاناته الجنسية وفي الثانية رعبه من السلطة وأمله في الخلاص وهذا الإسهاب ربما يعود إلى قراءات القاص في تجارب كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية أمثال ماركيز أو جورج أمادو أو غيرهما . مما يساهم في شدّ القارئ إلى أعمالهم والإسهاب نفسه يصاحب تداعيات البطل الذي يعيش حالة من العزلة المفروضة عليه في القسم الأول وحالة الغربة في القسم الثاني فتراه يُعيد من هذه التداعيات التي أُسهب في ذكرها في القسم الأول،ليكررها في القسم الثاني في فصل”جحيم في غروبٍ رائق”ص170-226. وتنطلق تداعياته مكانياً من البيت الذي اختبأ بين جدرانه التي تمثل حمايةً له بالرغم من الخوف الذي يشدّه من قدميه حتى رأسه، يقطع هذا السرد بالحوار الذي تغْلب عليه اللهجة العامية عندما يكون السرد قد بلغ طولاً يُشعر القارئ بالملل فيخفف عنه ذلك ثم يُزاوج بين الفصحى والعامية.(ص/19، 82) يبدأ السرد في بداية الرواية بلسان المؤلف وهو يتحدث عما حدث للغائب (هو ) وهو يتلصص على الآخرين في البيت أو الشارع فتراه يقول:” تتعبه النافذة القديمة الارتكاز على أطراف أصابع قدميه والميلان المحسوب كي لا يُلحظ من الخارج ..الخ” ص/10 لكنه يتحول الى السرد بلسان المتكلم بعد صفحتين ليقول:” أتتبع روح الفتات الهابط من سماء سقفي المنخور ..”لكنه في الفصل الثالث (العمة الجميلة)يعود الى الغائب “يظاهر الجدار اأصم وساقاه ترتكز أصابعهما على حافة الجدار المقابل ..”ص/28 وهذا يعكس القلق النفسي عندما يواجه القاص نقل التجربة من التصور الى الورقة ومن أجل أن لا يدخل الملل على القارئ يقطع سرده بالوصف وكأنّ الوصف لون محايد يفرق بين (هو/ أنا) بلغة لا تتحمل استعارات قد تتعب القارئ تأويلاً وبدلاً من هذا يعتمد تناصاً من الموروث الشعبي عند الحزن ” ردتك/ ماردت دنيه ولا مال ” ص/31 ويلجأ إلى الجنس أداة لهذا التقطيع ليكمله من بعد ذلك بالحوار (ص/34) أما المرأة في هذه الرواية فهي الحلم الذي يلتذ الرجل بالحديث عنه (ص19/20) دون أن أجد لها بين أحداث الرواية وجوداً فاعلاً يغيرّ نظرة الرجل الشرقي لها بالرغم من أنها تشاركه الموقف في الجبل حياة وموتاً . وإذا قلت انه يقطع سرده بالحوار العامي فهو لا ينأى من إستعمال الألفاظ العامية في هذا السرد كقوله” ” خففت قليلاً من صورتي المخربطة” ص/ 19 ولو قال المشّوه لكان أفصح أو يدخل لفظة(درفة) الأعجميةكقوله” أشخص إلى درفتي الباب” ص/75 غير مستعملة إلا في اللغة الأسبانية وهي تصحيف( دفة أحد مصراعي الباب او الطاقة) ( تكملة المعاجم العربية 4/333). وما ذكرته لا يقلل من الجهد الرائع الذي قدّمه الروائي سلام إبراهيم .
________________________________________
في ربيع 2009 أقيم في البيت الثقافي في الديوانية جلسة نقدية حول رواية – الإرسي – التي صدرت عن دار الدار المصرية في القاهرة 2008