“الإرسي” لسلام ابراهيم: الرواية والكناية عن التجربة العامة
أحمد سعداوي (ملف/105)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

هذه هي المرة الاولى التي اطلع فيها على عمل للروائي سلام ابراهيم، ولم تكن المصادفات وحدها هي التي جعلتني أقرأ رواية “الإرسي”، وانما حرص المؤلف مشكوراً على إيصال نسخة من روايته لي، وانتقلت النسخة بين الاصدقاء حتى وصلت الى يدي قبل ايام معدودة.
ولكن، من خلال المصادفات، ومن خلال سعي الروائيين ـ وانا منهم ـ الى توزيع النسخ المحدودة من رواياتهم، ندعي إننا نحصل غالباً على تصور عام عن المشهد الروائي العراقي الآن، وهذه حالة تستدعي ملاحظة سأوردها لاحقاً.
ولأن الحديث هنا عن “الإرسي” الرواية الصادرة حديثاً لسلام ابراهيم، ولأن الحديث ضمناً هو عن سلام ابراهيم ايضاً، أجد نفسي، بدايةً، أمام ضرورة النظر الى علاقة الرواية بكاتبها، خصوصاً مع العديد من الاشارات النقدية والمتابعات الصحفية التي نشرت عقب صدور الرواية، عربياً في الغالب، التي وضعت الرواية في مواجهة كاتبها، بكونها، ليست عملاً مختلقاً، وانما منقولاً عن التجربة.
وضمن حدود الرواية كنص، سنجد ما يعزز هذا التصور، فالكاتب يهدي عمله الى جملة من الاسماء (ناهدة، همسة، كفاح، صلاح) ونخمن انها اسماء لأفراد من العائلة، ونرى لاحقاً انه يستخدم بعض هذه الاسماء بالاشارة الى ابناء البطل. كما ان جزءاً من احداث الرواية يجري في الديوانية، مدينة الروائي، بالاضافة الى ان المسار العام للاحداث، ابتداءً من الديوانية نفسها، وحتى معاقل الانصار الشيوعيين في جبال كردستان، هي مسارات للتجربة الخاصة بسلام ابراهيم نفسه.
والرواية بذلك تعلن تداخلها مع التاريخ الشخصي للمؤلف، وتعالقها مع التاريخ العام، لتجربة لم تكن محصورة بالمؤلف فقط، وانما شملت شريحة واسعة من العراقيين، مازالت تجربتهم للإن غير مكرسة في متن الذاكرة الحياتية والثقافية العامة.
ولربما لهذا السبب الاخير، يغدو هذا التعالق والتداخل الشديد لرواية الإرسي مع التاريخ أمراً مهماً وحيوياً، لجهة الأرشفة والتوثيق، ليس لمجرد الحوادث والتجارب المروية، وإنما للنسغ الانساني الذي تخللها، والطبيعة الداخلية للتجربة الانسانية التي أنتجت في مرحلة تاريخية محددة إبتدأت مع حرب الثمانينيات وتفرقت نهاياتها لاحقاً.
ومن الطريف بالنسبة لي، انني كنت اقرأ في وقت متقارب رواية أخرى، لروائي عراقي آخر مر بنفس التجربة، هو كريم كطافة، الذي تتشابه محطات السيرة لديه مع سلام ابراهيم كثيراً، ولكن كريم كطافة، في روايته “حمار وثلاث جمهوريات” أختار الفنطازيا، مع اشارات شحيحة الى تجربة الانصار في كردستان، ظلت ترقد في العمق من عمله المشغول بلغة ساخرة، بينما كان سلام ابراهيم مشغولاً بمعمار قائم على التفاصيل الصغيرة، والى استغوار تجارب صغيرة ايضاً ضمن المشهد العام للتجربة الكلية للبطل، فيبدأ من تساقط نتف الجص من سقف غرفة الارسي ووقعها على الارض، ولا ينتهي بتأمل ماسورة البندقية او المسدس ومحاولة الكشف عن حجم الشجاعة التي لديه والتي تمكنه من اطلاق النار على نفسه في الحظة الحاسمة، التي قد تكون الوقوع في أيدي اجهزة النظام السابق القمعية.
غير ان قيمة الرواية لا تكمن في ارشفتها او سردها السيري فحسب، وانما في براعة البناء وثراء اللغة المحبوكة بمهارة عالية، وبالقصديات الفنية التي سعى المؤلف الى إبرازها ومنها دلالة الإرسي نفسها، هذه المفردة التي تشير الى مكان العزلة الخانقة، حيث لا فرصة للعطاس او السعال، فتغدو غرفة الارسي داخل الرواية، ليست مجرد غرفة لم توجد اصلاً للأستخدام الشخصي من قبل سكان البيت، بقدر ما هي مخزن للمؤن والمهملات في البيت، تغدو هذه الغرفة رمزاً لجوانيات البطل، المحجوز والمأسور بوضع عام يطارده ويحوطه من كل اتجاه، حيث الحرب المشتعلة على الجبهة الشرقية والتي تحصد ارواح الشباب المجندين دون ارادتهم، وحيث القمع السياسي، الذي لم يترك احداً من المعارضين او المخالفين خارج اقبية السجون او منصات الاعدام، فيغدو الهرب، أو الارتداد الى عزلة قسرية هو المتاح من حلول امام انسان يسعى للحفاظ على حريته.
والرواية كانت حريصة على تصوير هذه الثنائية، حيث الهرب او العزلة داخل البلد، يحملان نفس الدلالة في نهاية المطاف، فكلاهما نوع من الاقامة في الإرسي. فالبطل الهائم بين وديان وجبال كردستان محجوز بأنغلاق الافق، حيث لا أمل واضح لبقائه كمجند معارض في عصبة تقاوم النظام الديكتاتوري، مع وقوع العديد من زملائه قتلى لاطلاقات تأتي بها المواجهات مع جيش النظام، او قتلى خطأ اعتباطي ليس إلا، كالانزلاق من حافة الجبل والسقوط في الوادي دون ان يصدر عن الساقط صوت، ودون ان يستحق هذا السقوط أي وقفة تعاطف مفرط من قبل السائرين الى المجهول، فهذه الوقفة قد تكلفهم حياتهم ربما.
وهناك طبقة من العزلة أكثر قسوة، حيث الحنين الى الزوجة والعائلة، والحنين الى الحياة المدنية والى التجوال في الاسواق، تلك التي يطل عليها بطل الرواية من غرفة الارسي في بيت عمته، فيرى حركة الناس في سوق قريب، ولا يستطيع القيام بأكثر من هذا. ويحضر الاشتياق الى الحياة، في غرفة الارسي ببيت العمة، او في عزلة الجبال بكردستان، على شكل اطياف جنسية، تمثل، بصورة بالغة الدلالة، اعمق ما في الأنسان من شهوة للحياة.
هذا الاشتياق والرغبة بالحياة يغلفان الرواية بنوع من النوستالجيا المريرة، تلخص جانباً من الفقدانات التي عانى منها الانسان العراقي، كما انها تغطي الرواية بنفس غنائي، يتصاعد في بعض المقاطع على شكل ابتهالات وشكوى، أو يتسرب الى اللغة السردية فيقربها من اللغة الشعرية. ويعزز ذلك الاحكام في ضبط اللغة، بما يشي بكتابة متأنية غير متعجلة، كتابة مجلوة ومشغولة بصبر ومراجعة قد لا يصبر عليها الكثير من كتاب الرواية اليوم.
رواية الإرسي لا يمكن ان تقرأ بعجالة، ونفاذها الى مخيلة القارئ وعقله يأتي من خلال القراءة المتأنية والمنصتة الى جوانيات التجربة المسرودة، فهي، بعيداً عن الخشية من تهمة السيرية، ترقى في نهاي المطاف الى مستوى الكناية الاجتماعية العامة، وهي من القيم الاساسية التي تسعى اليها أي رواية تكتب اليوم.
وبالعودة الى الملاحظة التي أرجأتها في بداية هذه الورقة، أقول، أن الرواية العراقية الأن، التي يكتبها روائيون عراقيون كثر، تشبه، وبصورة مثيرة للتأمل، الذاكرة العراقية التي ينطلقون منها، فنحن على مستوى التجربة العامة، نعاني من ثغرات وقطوعات، وتشويه في ذاكرتنا الوطنية، والرواية العراقية ايضاً متفرقة ومشتتة، على مستوى المتن العام، حيث ما زلنا، رغم مرور ست سنوات على زوال الديكتاتورية، نعاني من أدب عراقي يصدر في الخارج ولا يصل الى بالمصادفات الى الداخل، وادب في الداخل لا يكاد يصل الى الخارج إلا بجهود شخصية وبالمصادفات ايضاً، مازلنا، رغم كل الكلام الذي قيل خلال السنوات الماضية، نعاني من ثنائية وجود متنين للأدب العراقي، ينطلقان من حاضنة اجتماعية وتاريخية واحدة، ولكنهما لا يتواصلان بسهولة. وبما أننا نتحدث هنا عن الرواية، وعن رواية محددة، نرى بان الرواية اليوم، ونحن نشهد هذا التدفق المتصاعد للمشغل الروائي العراقي، هي الاقدر على سد ثغرات الذاكرة، وعلى ارشفة التجربة العراقية المحتدمة والمتنوعة والضاجة بالتفاصيل والحكايات والمواقف الأنسانية، فرغم كل ما نقرأه من تدوينات عن تجربة الشباب الشيوعيين الهاربين من سطوة النظام المستبد الى جبال كردستان خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تبقى الرواية، ونحن نتحدث هنا عن مثال واحد هو رواية الإرسي، هي الصوت الاكثر التصاقاً بابدان وارواح وعقول هؤلاء الشباب، وهي التي تحفظ تجربتهم من الزوال او الاعتباطية في الاحكام، او الاختزال، ليس لغاية تقديس ونمذجة، وانما لجعلها حاضرة في الذاكرة، وقابلة للتأمل ضمن اطار التجربة التاريخية العامة للمجتمع.
بودي هنا، وانا انهي هذه الورقة، ان اتقدم بطلب ورجاء لدار الشؤون الثقافية العامة، بأن تتصدى لمشروع لم الشتات الثقافي العراقي، من خلال اصدار سلسلة خاصة تعيد طباعة كل مؤلفات المثقفين العراقيين المنفيين التي كتبت وصدرت في الخارج خلال العقدين الماضيين على الاقل، من رواية وقصة وشعر وفكر ونقد، لأعادة توحيد المتن الثقافي العراقي إزاء القارئ العام والقارئ المتخصص، لكي نخفف من شقاء المثقف العراقي وشقاء ثقافته الممزقة.
• القيت في ندوة بأتحاد الأدباء بغداد في 3-2009

شاهد أيضاً

ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (9) (ملف/21)

إشارة: ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع …

عدنان المبارك: رسائل متبادلة مع الناقد “عادل كامل” (ملف/14)

هذه رسائل من الصديق عادل كامل ورسائلي اليه. لكن ليست الرسائل كلها ، فهناك الكثير …

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *