الذباب والزمرد
رواية القاص عبد الكريم العبيدى
رؤية نقدية: عبد الهادى الزعر

هل يمكننا استنطاق النص ومحاولة تفسيره ؟

فالعنونة أحيانا تكون العتبة الاولى لولوج متاهة القص سميت ( ثريا النص ) على رأى استاذنا البصرى محمود عبد الوهاب فى كتابه ( قليل الصفحات ثرى المعنى ) فالسرود مهما كانت أحداثها متشظية وسبلها شائكة ؛ لا بد للمتلقى من مسك خيط السرد –

لقد انحسر زمن السرديات الكبرى التى عشقناها بشغف طاغٍ فى مقتبل حياتنا
قلّّ بريقها الان !! بعدما شاهدنا اهوالاً ومصائباً فاقت الوصف قبل سقوط الصنم وبعده فلم تعد :

البؤساء — الاخوة كرامزوف — الصخب والعنف — الساعة الخامسة والعشرون — كوخ العم توم — ذهب ولم يعد — الغريب — الشيخ والبحر — مدام بوفارى — زوربا – الابله – – انها جميعاً ترف فكرى كان له وقع –

الروايه العربية تحولت تحويلاً جذريا بعد نكسة 1967 فلم تعد الرومانسيات وغنج سهرات الحب والغرام الترفه هى السائدة بل جاست بفعل الحدث الدامى مرافىء لم تطئها قدم من ذى قبل ولنا فى روايات :
– ثرثرة فوق النيل – موسم الهجرة نحو الشمال — طواحين بيروت — الاشجار واعتيال مرزوق عبرة وعضه –

فالروائى العراقى ( الحاذق ) تفتقت ذهنيته على سردٍ من نوع خاص بعدما ازاح الاسطوانة المشروخة الحبلى بالخسارات و الحروب والفقد جانباً و راح يحث الخطى من خلال لوامسه وحفرياته الذكية على سردٍ متوارٍ غير شاخص فوجده بين عتبات ماضٍ قريب (غير مدون ) وقبل ان يندرس ويتلاشى بعثه مرةً اخرى وبث فيه حياة –

( فى هذه الدراسة الموجزة اتوسع فى جزئية ضمتها الرواية وهى اثر اليهود العراقيين فى تراثنا الغنائى )
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

اتحدث هنا عن موسيقى الحزن البصرى الكامن فى النفوس منذ مستهل عشرينيات القرن المنصرم ابطالها وعازفوها — مواطنون يهود — سكنوا هذه المدينة التاريخية منذ أزمان سحيقة عاشوا سعداء مطمئنين لا فرق بين مسلم ومسيحى ويهودى ومندائى — الكل يستظل بفيء النخل الوارف والجميع يرتوى من شط العرب

فالنخل البصرى لا فرق بفيأه : : الحلاوى والخضراوى واصابع العروس والساير والمكتوم والبريم كل الثمار مشبعة بالحب والوئام وترحب بالاّكلين

– ظلت تلك الانغام تهدر ليلا ونهارا تنبعث من مقبرة اليهود ( بالسعدونيه)

أنغامها تشبه أنين العظام والجماجم حين يضغطها الاديم فتتلوى بشجن مبحوح فالاجداث والرموس لها موسيقاها ايضا ولكن لاتدركها اّذاننا –

الم يقل فيلسوف الشعراء المعرى :

( خفف الوطأ ما أظن اديم الارض — إلا من هذه الاجساد

رب لحدٍ قد صار لحداً مرارا – – ضاحكٍ من تزاحم الاضداد )

فالثقافة : مصطلح يعنى بجميع انماط الحياة الاجتماعية مهما بلغت رقياً أو انحطاطاً ولا يوجد شعب فى الكون بلا ثقافة حتى بعض قبائل غابات الامزون وسكان اقصى الصحراء لهم ماليس لغيرهم فكيف بالعراق وهو بلد الحضارات –

هكذا كان يهود العراق مثلهم مثل غيرهم متساوون كأسنان المشط لم يوشموا ولن يميزوا عن سواهم طيلة قرون فأستحبوا الحياة على اديمه مستبشرين فرحين ؛ لذلك نبغ منهم السياسى والمصرفى والموسيقى والفنان –

لم يغير نلك الدعة ونزعة الرضا إلا الساسة — قاتلهم الله — فى مقتبل العقد الخمسينى ومن يومها توالت علينا النكسات والكبوات تباعاً –

لا احد سجل تلك النغمات الموسيقية بأسمه فهم جميعاً لحنوها وصاغوا موسيقاها على اكمل وجه ثم اطلقوها مباحة للمحبين والعشاق لتكون لهم عوناً وذكرى فأمست تراثاً خالداً يشنف الاسماع ويثير المواجع ؛ ولهذا شاعت مقولة ( اللحن قديم ) نسمعها بين الفينة والفينة –
خدرى الجاى خدريه — جي مالى والى — ام العباية — على شواطى دجله مر — عمى يبياع الورد — ليلتنا حلوه — ميحانه ميحانه — نخل السماوه يكول — دشداشه صبغ النيل — نومى فزعلى — وعشرات غيرهن

هكذا كانوا اوفياء لبلدهم العراق حتى بعد رحيلهم لارض – الميعاد – حملوا حبهم بين اضلاعهم سراً ، كلما سنحت فرصة لهم تغنوا ببغداد وميسان والبصرة مستذكرين بفرحٍ طفولى غامر مودة احبابهم وجيرانهم القدامى –

كان عزفهم جماعيا ( كورس) وكانت الشلة تتألف من :

خيون كوهين وفلفل خوفجى وسليم زملى وعزرا هارون وصالح طفو وشليمو حنه وعازف الرق الياهو عزره كل واحد منهم يمسك اّلته ويعزف عليها بثقةٍ عاليةٍ لم يعرفوا الحزن وطعم الفراق إلا بعد ان هجرتهم الدولة قسراً –

وحين ينطلق نسيم مراد ويشرع بقراءة المقامات والبستات التى حفظها عن ظهر قلب غايته — حث — موشى شماس ويوسف زعرور على الغناء و كلما تسلطنّ المغنون تذكروا الاخوين صالح الكويتى واخيه داود

( عمودا الالحان العراقية الخالدة ومنبعها الثر )
حتى ان كوكب الشرق ام كلثوم اشادت بالفنان صالح يوم حلت ببغداد ضيفةً فى اربعينيات القرن الماضى اراد بحنكته المتفردة ان يحفضها لحن ( كلبك صخر جلمود ماحّن علىّ ) وكانت معجبة بها ايما اعجاب –

هم عازفون مهرة اساتذة بالفطرة ، ربما تحرك كوامنهم تلك الانغام الصادحة حين تنساب مع حفيف موجات الخورة وروجات ميناء ابو فلوس وطبكة التنومة وبهاء المعقل وهدوءه ( الحى السكنى والمرفأ ) وقد تتحرك المشاعر وتجيش فيظهر تومان ( الاسمر ) ليعزف الناى بأنفه –

فالغناء يزيح كدر النفوس المتعبة ويجدد نشاطها –

ألم تكن الموسيقى حافزا ل (هوارد كارترعالم المصريات ) حين قام بحفر نفق فى وادى الملوك بمصر مأخوذا بسحر الموسيقى الشرقية وتأثيرها الطاغى عليه ! وحين أحدث ثقبا فى جدارمقبرة توت عنخ اّمون مقربا شمعته التى تضيىء له الدرب ؛ ذهل تماما لما رأى جسد هذا الملك الفرعونى لازال متماسكا واضح المعالم رغم اّلاف السنين التى مرت عليه –

ولا يفوتنا ان نصيخ السمع للقصب السومرى المنتصب والمتمايل كالقدود الحلبية الاّسرة ، قكلما تنثال عليه زخة هادئة من نسيم اّتٍ من اعماق الهور تأوه وبكى متذكراً ذلك الحب الابدى بين جلجامش وصديقه الراحل انكيدو فالحزن والم الفراق لا زال باقيا ولايمكن التغاضى عنه بل هو متجدد مادام الدهر حياً –

فى مقبرة السعدونيه ( البصريه ) الامر مختلف تماما فحين يجن الليل تتحول المقبرة الى بار مفتوح يضم القاصى والدانى جُلّهم من شريحة القاع المهمشين ورب سائل يقول من هم ؟

الهاربون من خدمة العلم والكارهون لبقاء النظام واستمراره ثم تأتى البقية المكونة من صغار النشالين الطامحين (لربع العرق الاسود ) والقليل من المزة وذوى العاهات المستديمة والمدّعين العوق والمتهمون بجرم مشهود والفارين من جحيم المجتمع المحافظ والشاذين سلوكيا والعشاق المغرمون بلا امل ، والمفلسون الدائميون والمطلوبون عشائريا والشعراء المبتدئون ومرددوا اغانى داخل حسن وجبار ونيسه وفرج وهاب وحضيرى ومحبى الهيوه والهجع واصدقاء الخشابة حين تلتئم حلقاتهم بين اشجار الاثل شمال شرق مدينة الزبير –

تجدهم بين القبور فرحين تجمعهم سعادة عامرة – – يحتسون عرقهم المغشوش (*) يجلبوه من شارع بشار مستعينين بزميل لهم من أهل الكار تسهيلا لأمرهم ؛ لكونهم يتحاشون عيون العسس وعناصر الامن التى مدت أذرعها كالاخطبوط فى كل الاتجاهات –

تلك من مظاهر سبعينيات القرن الماضى وثمانينياته الثقيلات – هذه اللوحة الميلودرامية التى رسمها الزمن الاغبر بأمعانٍ تمثل الوجع العراقى الكامن منذ عشرات السنين حيث الضياع المستحكم المغلف بالسياسة و الحاكمين الطغاة رغم تعدد أسماءهم وأزمانهم وأساليبهم – – هو وجع راكز قار لا زال ممتدا الى ماشاء الله –

فشريحة القاع وهم أبطال السرد منذ احتلال العراق – – لم نسمع بأحدٍ من المتننفذين ذوات الجاه محاولة واحدة لأنتشلاهم من الحضيض لا بالقول ولا بالعمل – – ولا من رجال الدين رغم كثرتهم ونفاذ اّ
اوامرهم وكثرة مؤيديهم كمبادرة انسانية لأنصافهم فلا زالوا بين شظف العيش والعوز المدقع والفاقة ! ولا زالت اّمانيهم وأحلامهم تكبر كل يوم –

(*) منع تداول المشروبات الروحية عن العامة بعد 2003 لكونه يخالف الشريعة السمحاء ولم يمنع من ذوات الشأن واصحاب القرار مالكى الملايين السحت وغاسلى الاموال بطرق يعجز عنها الشيطان وغيرهم الكثير من المنتفعين وماسحى الاكتاف ووعاظ السلاطين ولكن المدمنين وجدوا وسائلاً بديلة غايتها التعويض ولو انها اودت بأغلبهم موتاً عير متوقع –

ملاحظة : لعبد الكريم العبيدى : ضياع فى الحفر الباطن — كم أكره القرن العشرين — قصص هروب باصورا وهذه الرواية التى نحن بصددها التى لم استعرض سوى جزئية منها –

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *