حسين سرمك حسن : علي الشباني … في ذمة الخلود

إشارة :
قبل أيام طوت مخالب المثكل التي لا ترحم صفحة حياة الشاعر الفذ “علي الشباني” المليئة أصلا بالآلام والعذابات المديدة . هذه المقالة هي قسم من مخطوطة كتاب للناقد سرمك عن الشباني عنوانه (نهر الديوانية ماذا فعلتَ بحياتي؟- رسالة في الحزن العراقي ومحنة الغائب في شعر علي الشباني) قام بتنضيده علي ولم يعطه القدر فرصة لإصداره .. وسوف ينشر موقع الناقد العراقي آخر رسالة خطّية للراحل موجهة لصديقه سرمك ويتوقع فيها موته!! .. وداعا أخي الحبيب “أبو صمد” الغالي . الديوانية موحشة من بعدك.

 (( يا حسين…
بكل شبر من صيتك الصافي تمدد موت
حتى بس العشب
لمْ روحه فوك الموت
لمْ روحه وجفاه الماي
يا هذا البلد ما تستحي من الماي؟
لمْ روحه النخل… صلبان
ما يكفي النخل، رمل النجف نيران ؟! ))

                          “علي الشباني”

 لا تخلو قصيدة للشاعر من مفردة (الماء) بل لا تخلو مجموعة أبيات (مقطوعة شعرية) من هذه المفردة أو ما يشتق منها، تتكرر هذه المفردة في بعض القصائد عشرات المرات علماً أن (علي) لم ينحدر من (بيئة مائية) أمثال مجايليه من شعراء ميسان مثلاً بأهوارها الشاسعة..أو البصرة مثلاً وهي ملتقى النهرين الخالدين والمطلة على الخليج العربي والتي يدور في أحشائها مئات الأنهر الفرعية والسواقي. ولد علي وما زال يعيش مخلصاً في (الديوانية) مدينتنا الطيبة التي يخترقها فرع صغير وثانوي من نهر الفرات العظيم، كنا نعبره مشياً على الأقدام ونحن أطفال في بعض السنوات، لكن هذا النهر يبقى مرتعاً من مرابع طفولتنا، لنا فيه ذكريات وحوادث، لكن هذا الأمر لا يفسر سطوة رمز الماء على شعر (علي) ولا يفسر النداء الجارح الذي أطلقه واخترناه عنواناً لهذه الدراسة وهو:
نهر الديوانية، ماذا فعلت بحياتي؟
في قصيدة (خسارة) وهي من أوائل قصائده… تتكرر هذه المفردة وما يشتق منها أكثر من (30) ثلاثين مرة… ما سر هذه السطوة؟ سنقول أولاً إن ولاءً (مائياً) إذا جاز التعبير أختزن في لا شعوره الجمعي منذ آلاف السنين، فهو وريث أسلاف بنوا حضارات كانت تعد (الماء) مرتكزاً أساسياً في ثقافتها وفي حياتها وكانت تضفي عليه نوعاً من القداسة . العراق هو هبة النهرين الخالدين، والإله (مردوخ) بنى عرشه على الماء. وفي الحضارات العراقية القديمة هناك الكثير من الأشعار والأساطير التي تتحدث عن الماء كإله أو كأم، ولدى السومريين كان الماء يعني أيضاً (المني) وامتد هذا المعنى في القرآن الكريم ((خلقناكم من ماء دافق)) و(الحمل) و(الجيل) وفي أسطورة الخليقة يولد الكون في الماء، ونفسياً يعني الغطس عودة إلى العدم، وأما الطفو فيعني الولادة الثانية والتجدد والنقاء. أما في أسطورة الطوفان وهي أقدم أسطورة في العالم من هذا النوع فنجد عودة الإنسانية إلى العدم. ثم ولادة عصر جديد، أما في أساطير العالم الأسفل فبعضها يتضمن قطع قسم من الرحلة في زورق، وقد تحصل في بطن وحش، وقد قام (أوتو رانك) بدراسة مقارنة للأساطير التي تدور حول ولادة الأبطال وأقدمها أسطورة تتناول ولادة (سرجون الأول) حولي سنة (2800) ق.م.. فوجد أن الانغماس في الماء والإنقاذ من الماء يقومان بدور مركزي فيها، تبدأ حياة العراقي القديم بالماء وتنتهي بالماء وقد امتد هذا الموروث إلى الثقافة الإسلامية حيث نقرأ في القرآن الكريم: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي))… وينبغي التذكير بأن بيوتات (الديوانية) القديمة ما زالت تشهد حتى يومنا هذا طقوساً لـ(الغسلة الأولى) للمولود الجديد فيها طقوس تجعله يشبه طقوس التعميد بالماء. ما أريد قوله هنا هو ان الشاعر (علي الشباني) هو نتاج ثقافة يلعب فيها الماء دوراً حاسماً، ولابد أن كل تلك المواقف الأسطورية والدينية من الماء قد اختزنت في لا شعوره الجمعي، وفي الإبداع يستقي المبدع رموزه عادة من مخزون اللاشعور الجمعي متفاعلاً مع معانيها المختزنة في لا شعوره الفردي عبر مسيرة حياته وبشكل خاص في طفولته وكل ذلك تحت مظلة النص الجمالية والنفسية واللغوية…
((لفه الطوفان
يا حيرة زمن مشبوح
بين الموت والإنسان))
-بيان للزمن المذبوح-
((ذبحوني زرع للماي
مشه دمي جسر ع الماي
كتبوني على ثياب النثايه دموع
رسموني بجرايدهم حزن ممنوع
ترسوني حياطين وسچچ وعيون
نهض چفي صگر.. والبيده ما تنگاش
وكف گلبي مهر.. غنه الصهيل شراع
گلبي اركض اريدك توصل النه بساع
ولك سباح صبري امتد…
  بعد ما اظن تكفي الگاع))
-بيان للزمن المذبوح-
((نهر أسمر
يفتح بالمسافات الينابيع البعيده
والقصيده
بلبل بروحي يغني الماي… والحريه
    والگاع الجديده
اكتبني الدهر يمحي الصدگ…
   ويعاند النيات
نبعت بعين شمسك ماي بارد…
   يثگل بدمي الفرات
يركض بروحي الفرات الزين دهله
يصعد بروحي الحجي الواگف ضمير
وانت ذاك الماي كل دنياك سهله
وآني بيك ينام كلبي ويگعد بحومة عذابه
يمته اشوفك فارس بتالي الدهر يجدح مهابه))

-الحرف جتال-
((… دگيت باب السنه… لن الدهر حاير
لن الفرح ساجيه ومكسور طاري الماي
شالت العتبه عشب روحي ومشت للماي
والماي حيل الشجر
والنبع حيل الماي
والفرح ما بيه طعم.. لو ما يصل بهداي
بهداي ممشه النهر گبل المطر بهداي))
-كتابه على باب السنه الجديدة 74-
في المقاطع الشعرية السابقة، وفي كثير غيرها من شعر (الشباني) نجد خلاصة لأغلب ما قلناه عن الجوانب الأسطورية والنفسية في الثقافة الرافدينية، نلمس فيها روح الفداء التموزي، والإحساس بالتجدد والولادة من خلال الفعل التطهيري للماء ومعانيه الإخصابية العامة، فيها الكثير مما نحمله في لا شعورنا الجمعي عن الماء مثلما فيها ملامح النظرة (المنطقية) للماء كمصدر للخير والعطاء والارتواء لكن فيها أيضاً ما يشي أو يعلن عن الوجه الآخر المستتر نسبياً لعملة الموقف النفسي من هذا الرمز ففي الماء تهديد كامن، قد يصبح الماء طوفاناً لا يبقي ولا يذر كما حفظت ذلك ذاكرة العراقيين الجمعية التي حفظت أيضاً حالتين تهديدتين قد تكونان مدمرتين لكنهما، ويا للعجب متناقضتين، الأولى حين يفرط النهران في كرمهما ولا يلجما خيول عطائهما فيخنقا بخيرهما الزرع والضرع، وقد شهدت مدينة (علي) ناهيك عن ارض وطنه الأوسع، فيضانات كثيرة. أما الثانية فتحصل حين (يزعل) النهران فتشتعل نيران العطش في أوصال الأرض ويصبح الزرع هشيماً، وقد اكتوت روح الديوانية بجمرة الجفاف كثيراً لكن الشاعر لا يقدم (عرضاً) تاريخياً لتقلبات روح الماء على ارض العراق أو في مدينته، وهذا ليس من مشروعه الشعري أولاً وليس من مهمات الشعر ثانياً. في التاريخ يكتسب الفردي قيمته من خلال العام ويأخذ الذاتي مداه تحت غطاء الموضوعي، أما في الشعر –وبخلاف ما قد يتصوره البعض- فان الحالة تكون معكوسة حيث يكتسب العام قيمته من خلال الفردي ويأخذ الموضوعي مداه تحت غطاء ما هو ذاتي. الشعر فعل فردي وتاريخ ذات مكلومة تتسع جراحاتها بتراكم القدرة وبمرور الزمن حتى تحفر في صخرة الوجدان العام أخاديد أسطورتها، وقد ابتلع نهر الديوانية الصغير شقيق الشاعر الأصغر في وقت مبكر هذه العملية الغادرة التي اضطلع بها رمز الوفاء/ الماء بخلاف دوره الأمومي المانح سببت طعنة نجلاء شبه مميتة في روح (علي) لم تشف حتى هذا اليوم، لقد قدم الشاعر لقصيدته (غركان) المكتوبة في عام (1969) بقوله:
((بدمي ينبض الفرات، بأصابعي يورق الطين.. والصدف، وبقلبي يغتسل الموتى، بالشعر والبكاء يغتسلون.. وبدوار الغرق ووحشة الموت الداكنة وعذاب الروح أتنفس أيامي القاحلة والقادمة دوماً من مدن مولعة بالحزن والشوق الذي لا ينتهي…
وغرق بالناس… ومدينة منتهكة.
انا معكم شوق المدن النائمة بالخوف والفاجعة وشيء اسمه الشعر أحمل قلبي به لكم موجعاً يغني، مطعوناً حد النصل يغني… للوحشة والصمت يغني: غركان
أغنية عن الحنين الذي يضيء القلب والذاكرة.
إلى أخي كان في الطفولة غريقاً… والى غريق هو أنا))
-غركان-
بمضامين هذه المقدمة العميقة وبشكلها الشعري الأخاذ يشخص الفارق حاداً بين شكل الشاعر من شكل غير الشاعر، لقد غرق شقيق الشاعر وهو واقعة (موضوعية) إذا جاز الوصف، ولا يكفي الانفعال (الذاتي) بها لخلق الشعر، ينبغي أن يتلبس الذاتي بالموضوعي ويهضمه ليعطيه مداه وعمق تأثيره، لقد غرق الأخ الحبيب فصنع فاجعة ولكن حادثة غرق لاحقة أكثر خطورة حصلت بعده هي واقعة غرق (أنا) الشاعر… غرق الشاعر حياً فصنع شعراً وأسطورة، ولا شعورنا عصي على الفناء ولا يقر بموته الشخصي في حين انه يقر بفناء وموت الآخر.
كم حالة موت شاهد جلجامش؟ لم يهتز وجوده إلا عندما مات (انكيدو) . لقد خلع جزء من أناه الشخصي فأحس –ولأول مرة- بأنه هش وقابل للفناء فراح يدور حول جسد خله البارد كاللبوءة الجريحة التي سرقوا أطفالها، كما يقول شاعر الملحمة المجهول. كم ميتاً شاهد (علي) في حياته؟ لم يهتز وجوده إلا عندما انخلع جزء من أناه الشخصي وغرق مختنقاً بالأسى بعد أن اختطفه النهر، نهر الديوانية الذي يخاطبه الشاعر بحرقة واستذكار مميت للواقعة قائلاً:
((… تتذكر مدينتنا بجسر واحد خشب
مصبوغ بالحنه… وحلم طفلين
غاب الماي بالثاني… وعبر جسر الرمل بالليل
والتف بالحلم… صينية فضة
  وحنه مغسوله بدمع شمعه
  وسفر بالماي
تاخذ داير عيونه
حرز لحروف مسكونه
ودفع روحي الجسر غفله لهذاك الصوب
شفت الخوف أوسع من مسافة ماي
وأبعد من مسار الشمع للغايب
وأزغر من لعب طفلين
اولهم عبر يرجف، طبع جدمه على ضلوعي
صرت نخله طويلة اتحزم الجرفين
يعبر للثمر عمره ويظل عمري يباس يحول
ومن طوله النخل يتعلم الطول))
-نهر من الفرات-
وأمام فاجعة من هذا النوع، ما الذي يقدمه الشعر للشاعر –ولأي انسان مثكول بحبيبه-؟ وحين يصبح فناؤنا حقيقة، من خلال فناء الحبيب المتدخل في ذواتنا، ما الذي تقوم به (مجاز) تتكفل به اللغة حيث يمكن التقرب، وبصورة فريدة من المثكل واللعب معه. في عوالم الشعر، وعلى ورقة القصيدة يستطيع الفرد (ممارسة) الموت من دون أن يموت فعلاً. وهذه الميتات المجازية التي تتلون بطرق لا تنتهي، من خلال مخزون اللغة الإستعاري الذي لا ينفذ تعيد طمأنة اللاشعور المهدد من جديد.
إن ثراء ولا نهائية الصور الشعرية بإمكانه أن يعيد تشكيل طبيعة الميتة الأصلية أو يخلق ميتات موازية ليس لها حدود. وهذا أمر ذو طبيعة علاجية يسلب من الموت سلاح المفاجأة، ويخفف ولو وقتياً من قلق التحسب الذي هو أشد أنواع القلق الوجودي مضاءً وألماً، كما انه يكشف لنا، نحن مشاريع الموت العزل، شيئاً من غموض الحياة الأخرى من خلال الصور التي يرسمها الشاعر لمصير الفقيد العزيز، وكلها صور فردوسية فيها الرخاء والهناء والنعيم وبطبيعة الحال لا يمكننا نسيان موضوعة (التنفيس) والتفريج عن النفس المكروبة قبل أن يقتلها الغمّ..
((أريد اربط بروحي الجرف وتسودن
وأصيح بصوت يعبر جسر فوك الماي
وينزل النجمه الزرگه، تسبح جمره فوگ الماء
ويفزز الشاطي الغافي بطيوره…
  ولعب صبيان باصدافه
وخراب الرمل من ياخذ الفرحة من السبح للموت
ليل الماي يضوي بصيحه مدميّه
واسهر بالسكر عمرين
وينبع بدمي الـﮔصب والعاﮔول…))
-نهر من الفرات-
إن الدموع التي لا تجد لها منفذاً تجعل الأحشاء تبكي، كما يقول أحد الحكماء والشاعر حين حزنه شعراً فانه يمنحنا نحن المثكولين فرصة للتنفيس الجمالي إذا جاز التعبير انه يكتب مرثية تصلح لكل حيّ فقد خلا أو صاحباً مثلما صاغ الشاعر المجهول مرثية الموت الأولى في تاريخ البشرية فصارت ملحمة جلجامش قصيدة رثائنا كلنا ولكل العصور، ومن اللافت للانتباه، في كل مكان وفي أي زمان أن أغلب –إن لم يكن كل- ما كتبه الشعراء من مراثي عبر العصور كان يحمل نداءاً أمومي الطابع ويعكس حرقة قلب أمّ ثكلت بابنها تحديداً. لا رثاء إلا في إطار العلاقة بين الأم والابن ولا لعبة إنقاذ –كما سنأتي على ذلك قريباً- وما يتأسس عليها من عملية إنقاذ أسطورية وغياب وحضور إلا من نتائج تحطم هذا العلاقة وخسرانها الفعلي أو المتخيل. ينطبق هذا الاستنتاج على مرثيات سومر ونواح انانا/ عشتار على حبيبها/ زوجها/ ابنها (تموز/ دموزي) كما تسميه مثلما ينطبق على مرثيات (الخنساء) لأخيها (صخر)، و(فدعه) لأخيها (حسين) و(علي الشباني) ليس استثناءاً من هذه القاعدة النفسية والابداعية، يرثي أخاه في قصيدة (غركان) التي افتتحها بشطر من بيت شعر شعبي قديم يقول:
((وابره الشرايع مثل أم ولد غركان))
((يمه حدّر يلحلاتك گذلة العمر الزغير
يغسل الگذله الرمل الأخضر…
  واعاين ذاك وينك
  تضوي دنيه الماي… يا لنجم الجبير  
يمه عشگك الماي أخذ شبگه الحدر…
  وانتجه الراس الزغير
  دايخ الراس الزغير
  داخن الجرفين… والشط المشه يغني بمماتك
آني سچه خوف مشتعله لمماتك
يمه بالخوف اشحلاتك))
قد يقول قائل إن الشاعر يتحدث هنا بلسان أمّ مفجوعة ونيابة عنها، ثم أن الفقيد الذي تبكيه هذه الأم هو شقيق الشاعر، وهذا اعتراض لا غبار عليه، وقد أسهبنا في شرح سطوة رموز الأم الأنثى المقدسة على شعر الشاعر في ما مر بنا من صفحات وتحليلات، إلا أن الفارق هو في وضع (التماهي) الذي يحصل بين الشاعر والأم، هذه هي الآلية النفسية التي تجعل الشاعر قادراً على أن يتلبس مشاعر الأم المثكولة ولا ينطق بلسانها فحسب بل بروحها وبأوجاع قلبها، وليس غريباً على الشاعر موقف (التماهي) هذا لأنه محكوم برؤيا صاغتها وفرضتها سمات نفسية عميقة، ويمكننا القول أن هذه العملية هي التي تجعل صورة الأم –أو رموزها- تقفز في كل موضع، حتى المواضع التي من المفترض أن يجري فيها الخطاب الشعري بينه وبين (غائبه) الآخر:
  ((وغافي…
  شفتك بوجه أمي غافي
  وراد شرطي يفززك،..
    يلطم الوجه النبي
  حزنت أمي بباب روحك
  ع التراب الشيله سالت
  والشمس بالخجل مالت
                 والخبز رد للسنابل… وانكسر طاري الطيور))
-هموم عراقية-
وحين يعلن خيبته من غائبه فانه لا يجد تعبيراً قريباً يصف فيه ما تخلقه سهام الإحباط في روحه غير معاناة زوجته:
((ليش بس رد بالنذور
و(أم صمد) نذرت سهر لليل من ذاك الوكت
فاض همها… واعتنت كل المنارات
وما لگت يخلص عذابي… وتسكت الحسرات
سكتت… والحمامه بروحها البيضه غفت
وانت لا تغفه بعد بي..،
  ولا تكسر بعد جنح السفر… )
-هموم عراقية-
((وانكسر گلبي يلن حبك حجر
ومرايه گلبي تشوف بيه كل العذابات
والأفراح… والماتو منارات
وانهار الدمع من تعثر النيات
وانت… والحزن… والناس
والحيره العراقية التدير الراس))
لكن الشاعر يستثمر دافع التماهي هذا وفق عملية معقدة وشائكة، بل وماكرة، فهي ليست عملية تماه مباشرة تتم بصورة مستقيمة، إنما هي نتاج مداورة لاشعورية مركبة لا نستطيع فك ألغازها إلا إذا قمنا (بمداورة) تحليلية مقابلة تعيد الآثار المطبوعة على جسد القصيدة إلى أصولها الحقيقية. مداورة عميقة كاشفة لا يربكها الغطاء الجمالي الآسر، ولنعد اولاً إلى المقدمة التي وضعها (علي) لقصيدة (غرگان) التي رثى فيها شقيقه، سنجد أن هناك (توسيعاً) هائلاً لواقعة الغرق، توسيع في النظرة إلى حجم المأساة وتأثيراتها يمنحها أبعاداً تفوق حدودها الواقعية… مثلاً… ((غرق بالناس ومدينة منتهكة.. أنا معكم شوق المدن النائمة بالخوف.. بدمي ينبض الفرات… الخ)) خطوات بسيطة تفصل موقف في هذه المقدمة، عن ان يحول الواقعة إلى أسطورة، لكنه سيكمل هذا التحويل، وبنجاح، في القصيدة نفسها، وفي قصائد أخرى، سنتعرض لها بعد قليل، لكن سيبقى في أذهاننا العبارة الأخيرة في المقدمة وفيها المقابلة بين الأخ الغريق والشاعر الغريق (ذاته) وهو ليس بغريق فعلياً لكن انطباعات أولية عن محنة (غرقه) طرحها في التقديم ويتمثل جانب منها في انهمامه بمعاناة الناس من حوله وانتهاك مقدرات مدينته وسيتضح معنى الغرق الكامل في موضوعة أساسية وفي غاية الخطورة وهي موضوعة (الغائب) بأبعادها الأسطورية والتاريخية وجذورها النفسية والتي ينطلق فيها جزئياً من فاجعة غرق أخيه الذي يعلن في البداية عن حزنه الدامي الذي أورثه قلب أمه:
((انت مشحوف الورق سيّس غفل
دارت الدنيه وطفل دمك يدير
عينك انشدهت نست نومك گصير
انت يلنومك گصير
اشنيمك بالماء دنيه
يمه اودعك شهگه أم النوم طارد عينها
يمه اصيح بريحة الشيله ترد
رد ولك مغسول يبني
رد حزن عمرين يبني
الدهله عيب تدفي ضلعك…،
  والشته الداير برد
رد عله أمك يا حلو الدنيه برد
ولو ميت بس ترد
وين يبني… هذا وكت البيه ترد للبيت
  راوي من اللعب…،
    تعبان ومشابك تذبني))
-غركان-
هذه المناجاة الأمومية التي تحز الروح هي فرصة لنا للتفريج عن غم نفوسنا ودخان مرجلها الذي يغلي بذكريات أرواح الشهداء والمفقودين والغائبين خارج أسوار الوطن… لدينا ملايين الغرقى عبر تاريخنا الطويل المحمل بالخطايا والأهوال، نهر تاريخنا مثل نهرينا مسرفين في الكرم والتقتير… مثل إنساننا الذي قال عنه الجواهري الكبير في مقصورته:
تريك العراقيَّ في حالتيه
يسرف في شحه والندى
نهر تاريخنا مليء قاعه بجثث الغرقى المغدورين… من تموز إلى الحسين (عليه السلام) إلى العراق الجميل المعذّب …

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.